ليبي يروي لـ «الشرق الأوسط» قصة شقيقه المراهق و«داعش»

أيوب في أحد الفيديوهات بعد دخوله سوريا
أيوب في أحد الفيديوهات بعد دخوله سوريا
TT

ليبي يروي لـ «الشرق الأوسط» قصة شقيقه المراهق و«داعش»

أيوب في أحد الفيديوهات بعد دخوله سوريا
أيوب في أحد الفيديوهات بعد دخوله سوريا

كانت رحلة مشوبة بالتوتر والصمت باتجاه الحدود. جلس محمد في مقعده وعيناه متعلقتان بهاتفه، بينما تنطلق السيارة بسرعة كبيرة خلف صف طويل من الشاحنات المتوقفة. صارت هذه الرحلة مألوفة، ودائما ما تكون حُبلى بالتوقعات. وفي نهاية الرحلة، دخل السائق بالسيارة إلى موقف بدا مزدحما عن آخره بالسيارات رغم أن الساعة كانت تشير إلى التاسعة مساء يوم الأحد، حيث كان المعبر الحدودي ما زال مغلقا منذ عدة أيام. وفي المقهى الأخير الذي ارتاده في تركيا، كان الشخص الذي اتصل بمحمد جالسا في انتظاره.
غير أن هذه الرحلات كانت دائما ما تفضي إلى نفس النتائج. وبعد دقيقتين، عاد محمد إلى السيارة وهو يطلق تنهيدة تنم عن خيبة أمل، ثم قال «ليس هو شقيقي أيوب»، ثم حل عليه مرة أخرى صمت مطبق طوال الرحلة.
كان محمد قد قضى بالفعل أربعة أسابيع في مدينة كلس التركية (تقع على الحدود مباشرة مع سوريا) يجري مكالمات هاتفية، متعقبا، ذهابا وإيابا إلى الحدود، الأشخاص الذين يتصل بهم لمساعدته في مطاردة يائسة لشقيقه «أيوب»، الذي ما زال في سن المراهقة. كان محمد يحمل بين جوانبه مشاعر عارمة بالمسؤولية تجاه شقيقه، ويشعر بأنه المسؤول عن فقدانه.
قبل ثلاث سنوات، حارب محمد، ومن حينها صار بطلا في عيون شقيقه الشاب. والآن، يسير أيوب، الذي يبلغ من العمر خمسة عشر عاما فقط، على خطى محمد. يقول محمد «كان يقول لي في بعض الأحيان (أريد أن أصبح مثلك، أريد أن أفعل مثلما فعلت أنت)».
لم يفكر أبدا محمد أن شقيقه أيوب سيضع هذه الأفكار موضع التنفيذ، لكنه تلقى اتصالا هاتفيا من والدته في أواخر ديسمبر (كانون الأول) تقول فيه إن أيوب اختفى. اتصل ابنها المراهق، الذي لم يكن لديه وثائق سفر أو أي مبلغ من المال، حينما كانت طائرته على وشك الإقلاع، ليخبر عائلته أنه في طريقه إلى سوريا، وأنه ذاهب للانخراط في القتال الدائر هناك. وبعد يوم واحد، صعد محمد على متن طائرة أخرى على أمل اللحاق بشقيقه في تركيا قبل أن يعبر الحدود إلى سوريا. لكنه وصل متأخرا جدا، فقد خطط أيوب جيدا لرحلته، حيث كان قد عبر الحدود بالفعل عندما وصل محمد إلى كلس.
دخل أيوب سوريا وهناك انضم إلى أحد معسكرات التدريب التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش). وبقي محمد عند الحدود التركية مشغولا في البحث عن أي أدلة تقوده إلى أين يوجد وماذا يفعل شقيقه أيوب.
كان محمد يتصور أن العثور على أيوب قريب المنال، فقد علم بأنه موجود في حلب أو الباب أو أعزاز أو أي من المدن الواقعة في شمال سوريا، التي عُرفت بسوء السمعة خلال الحرب الدائرة هناك. غير أن المشكلة تكمن في أن أيوب لم ينضم إلى المعارضة السورية، بل انضم إلى تنظيم داعش، ذلك التنظيم المتطرف الإرهابي الذي يروع أجزاء كبيرة من مناطق سوريا الشمالية التي تسيطر عليها المعارضة، في محاولة لإقامة ما يسميه بالخلافة الإسلامية في ظل فراغ السلطة الذي خلفه نظام الأسد وراءه.
كان محمد يعرف أنه لا يستطيع دخول مناطق النزاع بسهولة للبحث عن شقيقه. يقول محمد «حتى لو عرفت أين هو، فلا يمكنني انتشاله من هناك لأنني لو سألت عنه، فهناك احتمال 80 في المائة أن يقتلوني، لأنهم سيعتقدون أنني أريد إخراجه من الإسلام».
بعد وقت قصير من وصوله إلى كلس، تناهى إلى مسامع محمد قصة تحذيرية عن رجل من السودان جاء للبحث عن ابنه، الذي تبدو قصته مماثلة تماما لقصة أيوب، حيث انضم ابن ذلك الرجل السوداني إلى إحدى مجموعات تنظيم داعش في بلدة أعزاز السورية التي تبعد بضعة أميال فقط عن الحدودي. وذهب والده للبحث عنه، لكن الرجل لم يعد. يقول محمد «لقد أطلقوا عليه النار، ومات الرجل. لقد قتلوه لأنه كان يبحث عن ابنه».
تنتشر الشائعات والقيل والقال في مدينة كلس كانتشار النار في الهشيم: وربما تكون قصة الرجل السوداني مجرد واحدة من تلك الأساطير التي تُروى في زمن الحروب. تبدو تلك المدينة، التي تمثل نقطة النهاية لكل من يأتي للبحث عن مفقود، وكأنها جزء من الغرب الأميركي. تعج الفنادق الرخيصة بالصحافيين والمتطرفين والانتهازيين، الذين يكسبون قوتهم من الحروب، مثل المهربين وتجار الأسلحة والذين يعملون في مجال المساعدات الإنسانية. جميعهم يتبادلون الأحاديث والقصص في الحانات والمقاهي، وهم من يختلقون تلك القصص شبه الحقيقية عن مقتل هذا الشخص أو ذاك. ثم تصل تلك القصة بعد فترة إلى آذان الأشخاص من أمثال محمد، الذين جاءوا إلى تلك المدينة مكرهين ثم تُركوا ليشقوا طريقهم خلال ذلك الجنون. يقول محمد «عندما يقول شخص ما إنه سينقذك من الغرق، تشعر ساعتها أنك ستخرج من المياه».
لكن محمد يجد نفسه يواصل الغرق من دون أن يجد طوق نجاة، فكلما أخبره أحدهم أنه سيساعده في العثور على شقيقه أيوب، رجع محمد بخفي حنين. ويسعى الكثير من أولئك إلى الحصول على المال مقابل تقديم خدمات لمحمد.
في غرفة فندقية مبهرجة يغلب عليها اللونان الأحمر والذهبي بشكل زاعق، جلس محمد يدخن السجائر الليبية الواحدة تلو الأخرى من دون توقف بينما يسحب بعض الصور من على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك. يحاول تنظيم داعش فرض آيديولوجية تعود للقرون الوسطى، لكن على طريقة القرن الحادي والعشرين من خلال استغلال مواقع التواصل الاجتماعي: تويتر وفيسبوك وإنستغرام. وجد محمد على مواقع التواصل الاجتماعي واسع الانتشار صورة لأيوب، صبي بملامح طفل يحمل بيديه بندقية كلاشنكوف. ويظهر أيوب في الصورة مرتديا جلبابا كاكيا وسترة مموهة.
ولم يستطع محمد تحديد اللحظة التي تبدل فيها عقل شقيقه أيوب، لكنه كان على يقين أن ذلك التحول حدث بالفعل. ومنذ دخوله سوريا، أرسل المراهق إلى شقيقه رسائل عدوانية، يخبره فيه أنه لن يعود، وأنه سوف يقتله إذا رآه. خلال الأسابيع القليلة، التي قضاها أيوب في سوريا، استطاع تنظيم داعش تحويل عقله سهل التشكيل من خلال إخضاعه لأفكار متطرفة.
وفي رسائله لشقيقه، قال أيوب لمحمد، وهو شاب متدين، إنه لا يعتبره مسلما بحق. لقد استطاع أمراء داعش طبع بصماتهم سريعا وحشر نسختهم الفاسدة عن الإيمان في عقل أيوب.
ولكن محمد كان واثقا من أنه يعرف كيف جرى تجنيد شقيقه أيوب. وبالعودة إلى مدينة الخمس الليبية، كان هناك رجل أفضى بما عنده من أسرار حالما ألقي القبض عليه. كان ذلك الرجل أحد أعضاء تنظيم داعش، الذين تولوا مهمة تجنيد الشباب العطشى للقتال من خلال تسهيل حصولهم على جوازات السفر وتذاكر الطائرة، ومن ثم إرسالهم إلى سوريا حيث يبدأ هناك تلقينهم الأفكار الجديدة. عندما أُلقي القبض على ذلك الرجل، كان بصحبته ثمانية صبية جميعهم في نفس عمر أيوب، وكانوا يهمون بالسفر إلى سوريا. يقول محمد عن تلك الحادثة «لقد استطعنا على الأقل وقف ذلك الرجل عن إرسال أولئك الصبية». لكن الأوان كان قد فات بالنسبة لشقيقه.
لقد أصبحت ليبيا أرضا خصبة لتجنيد المتطرفين. فالحكومة المركزية الضعيفة لا تستطيع السيطرة على شرق البلاد. أما بنغازي ودرنة، فتسيطر عليهما جماعة إسلامية متشددة تدعى أنصار الشريعة، تهرب الأسلحة وتدرب المقاتلين الجهاديين من دون أن تتعرض لأي نوع من أنواع العقاب. ولكن حتى في مدن مثل الخمس، التي تبعد مسافة ساعة فقط بالسيارة من العاصمة طرابلس، فقد خلفت الثورة الليبية وراءها وفرة من الأسلحة وجيلا من الشباب المتعطشين لخوض الحروب.
كان أيوب يبلغ من العمر اثني عشر عاما فقط عندما كان يشاهد شقيقيه الأكبر سنا يقاتلان خلال ثورة بلاده التي كانت تسير على طريقة أفلام هوليوود. كان أيوب بالغا بما فيه الكفاية ليفهم ما الذي يجري في ليبيا، لكنه كان صغيرا جدا على المشاركة في الأحداث، وكان أقصى ما يمكن أن يفعله هو أن يشاهد بكثير من الحسد صبية يكبرونه بأعوام قليلة يرتدون الزي الكاكي ويتحولون من لا شيء إلى أبطال في غضون أشهر قليلة. لم يحضر أيوب ثورة يمكنه القتال فيها، ولكن تبقى هناك دائما سوريا - إحدى حالات الربيع العربي التي تحولت إلى كابوس من السخط، ثم تحولت بعد ذلك إلى مكان لا تحكمه أي قواعد أو قوانين، حيث يستطيع أي شاب من أي مكان يشعر بالملل أن يذهب إلى هناك حتى يحول ألعاب الفيديو القتالية، التي كان يلهو بها في يوم من الأيام، إلى حقيقة واقعة.
بعد بضعة أيام، عاد محمد إلى ليبيا، بعد أن فشلت محاولاته في البحث عن شقيقه أيوب. عاد محمد على أمل أن يكون شقيقه قد جرى اعتقاله من قبل إحدى كتائب الثوار الأكثر اعتدالا. ولكن في تلك الليلة في المقهى، الذي يقع على الحدود، تبددت آماله بسرعة وبقسوة. فقد بعث له أحد الذين اتصلوا به لمساعدته في البحث عن أيوب، صورة شاب ليبي كان محتجزا في سجن إحدى الكتائب، لكنه لم يكن أيوب. ما الذي يمكن أن يفعله في كلس إذن، إلا أن يجلس للاستماع إلى الشائعات، ويأمل في أن يجد ما هو أفضل؟
وبعد عودته إلى ليبيا، بدأ محمد في التفكير في كل ما فعله منذ ثلاث سنوات. إنه يلوم نفسه لأنه لعب دورا في صنع سلسلة يبدو أنها لن تكون لها نهاية الآن. يقول محمد «إنه خطؤنا، بدأنا هذه الثورة ولم نكملها. لقد حولت أطفالنا إلى بنادق، حتى إنهم عندما يسمعون أن هناك قتالا في مكان ما، يبتسمون ويرغبون في الاشتراك فيه. الآن، لا يستطيع العالم أن يفعل أي شيء».



«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.


«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.


الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.