هناء حجازي: أكتب لكي أقول ما لم يقل وأكشف المستور

كتبت نصوصا شعرية.. لكنها لا تريد أن تحمل لقب شاعرة

د. هناء حجازي
د. هناء حجازي
TT

هناء حجازي: أكتب لكي أقول ما لم يقل وأكشف المستور

د. هناء حجازي
د. هناء حجازي

عرفت القاصة والكاتبة السعودية الدكتورة هناء حجازي بنزعتها للتمرد، ورغبتها في الاختلاف عن كل ما هو «نمطي» و«سائد»، وهو ما جعلها تصيغ تجربة مستقلة ومختلفة، وهي ترى أن «الاختلاف ميزة إذا كنت تقدر الاختلاف».
في كتابها «هل رأيتني؟؟.. كنت أمشي في الشارع»، تقول: «حين قررت أن أدرس الطب، لم أكن أحب أن أرى الدم أو أشفي الناس.. كان همي الوحيد أن أختلط بالرجال وأمشي في ردهات المستشفى دون رداء أسود.. لكن الآن كثر اللون الأسود بين الطبيبات وأصبح معظمهن يمشين بقناع أسود.. وينظرن إلي باشمئزاز».
في الحوار التالي الذي أجري على هامش مشاركتها في مهرجان سوق عكاظ الذي أقيم في الطائف الشهر الماضي، تتحدث القاصة هناء حجازي عن تجربتها في الكتابة والقصة والترجمة، وعن نزوعها نحو الحرية «الحرية التي لا تجرح الناس ولا تؤذيهم.. فحين تكون حرا تصبح مسؤولا عن كل ما تقوم به». هذا نص الحوار:

«طفل الاسبرجر»
* ما حكاية رواية «طفل الاسبرجر»، ليست «رواية» وليست مجرد كتابة فكرية.. ماهي؟
- هي ليست رواية كما هو متعارف عليه. هي كتابة جديدة كما أطلق عليها الناقد سعيد الأحمد، حيث السيرة مكتوبة بطريقة السرد الإبداعي. تتحول فيه السيرة إلى كتابة إبداعية على شكل روائي.

* في هذا الكتاب، يبدو وكأنك تفتحين نافذة على أخطاء مجتمع، عبر التوجه لشريحة الأطفال المصابين بهذه المتلازمة؟.
- نعم جزء من هدف الكتابة هو فتح نافذة على أخطاء المجتمع في التعاطي مع شريحة المصابين بهذه المتلازمة (الاسبرجر: نوع من اضطرابات طيف التوحد). بالإضافة طبعا إلى الرغبة في البوح، وفي التدوين، وفي قول ما لم يقل، وفي كشف المستور.. الكتابة من أجل الكتابة. لا أعرف بالضبط. الكتابة كما يمارسها كل الكتاب من أجل شيء أو من أجل لا شيء. الكتابة هي بحد ذاتها دافع لكتابة حكاية ما.

* هذه التجربة الكتابية حصلت على جائزة معرض الكتاب، وهي تكشف تجربة شخصية ذات خصوصية مع هذا النوع من المرض.. كيف تمكنت أن تحولي هذه المعاناة إلى صيغة إبداعية؟
- أكتب بصيغة إبداعية. هذه هي البداية. منذ بدأت الكتابة وأنا أكتب إبداعا. لذلك حين قررت نقل قصتي الواقعية للناس كان لا بد أن يتم ذلك بطريقة إبداعية. لأنه الشيء الذي أحسنه والشيء الذي أحبه. وسيلتي لم تكن بشكل تقريري كامل لأنني هكذا أكتب. هذه هي وسيلتي التي أعرف.

* يحمل الكتاب / الرواية / السيرة: «مختلف.. طفل الاسبرجر مختلف لكن ليس أقل»، «ثيمات» متعددة.. خصوصا أن الكاتبة هي أم الطفل المصاب، دعيني أسأل عن مفردة «مختلف» كيف يصبح الاختلاف تميزا؟.
- الاختلاف هو تميز في معظم الأحوال. الفنان إنسان مختلف، الكاتب، العالم. كل من تركوا أثرا في الدنيا هم أشخاص مختلفون بطريقة ما. بالنسبة لي اختلاف ولدي كان شيئا مميزا جدا. جعلني أحبه أكثر. لأنني عرفت كيف أتقبله وأتعامل معه. تفرده في حبه للعزلة جعلني آلفه أكثر، ربما بحكم حبي أنا أيضا للعزلة، صدقا لا أدري، لكن الاختلاف بالتأكيد ميزة إذا كنت تقدر الاختلاف. أنا أيضا مختلفة عن السائد بشكل ما وفي نواح كثيرة، لذلك أدرك كم هو المختلف بحاجة لتقبل الآخر ومجاراته ومداراته أيضا، ربما هذا هو السبب الذي جعلني قادرة على التعامل مع الاختلاف وتقديره كميزة لا كعيب.

* هل للأمر علاقة بدراستك للطب، أم بالمعاناة ذاتها؟ بمعنى هل جعلك الطب أكثر إنسانية أم الألم صاغ مفردات الرواية؟
- المثير للاستغراب أن هذا السؤال جاء وأنا أقرأ موضوعا في جريدة أميركية عن إحساس الأطباء بالتعب وفقدان المعنى لأنهم فقدوا إحساسهم بالمرضى كأشخاص بحالة إلى التعاطف والحب. الطب للأسف لا يجعل الإنسان أكثر إنسانية. أقصد الطريقة التي ندرس بها وكثير من الأطباء الذين نقابلهم نشعر أنهم لا يمتلكون كثيرا من الإنسانية. هناك طبعا أطباء في منتهى الرقة والإنسانية وهؤلاء هم المختلفون من الأطباء، الإجابة على السؤال هي: أننا نجعل أنفسنا أكثر إنسانية حين نفتح قلوبنا للآخر.. ميزة الطبيب أنه حين يفتح قلبه للآخر، يكسب نفسه ومريضه معا، ما صاغ مفردات الكتاب هو أنني فتحت قلبي للقراء. كتبت بإحساسي كل ما مر علي وأثر في، لم أخبئ شيئا، لم أدع البطولة، ولم أستعطف القارئ. كتبت ما حدث. كما حدث. وكما شعرت به فقط!.

المرأة وسلطة الرجل
* في بعض نصوصك القصصية يجد القارئ شعورا أنثويا بالضعف أمام مجتمع ذكوري.. إلى أي مدى تتحمل المرأة مسؤولية هذا الواقع؟
- لو تحدثنا بشكل عام عن مدى تحمل المرأة مسؤولية واقع تسلط الرجل، فالمسألة معقدة، أحيانا أتسلط أنا نفسي على المرأة وأشعر بالعار لأنها تسمح للرجل أن يذلها ويتحكم فيها لهذه الدرجة، وأحيانا أشعر بالخجل من نفسي لأنني سمحت لنفسي أن أكون قاضيا وحكما على امرأة لا تملك من أمرها شيئا أمام سلطة وقانون ورجل يتحدث باسم الدين كي يتحكم فيها، هذا مع ملاحظة أن اعتراضي ليس على الدين ولكن على تحريفه من قبل أشخاص يتحدثون باسمه ويرهبون المرأة التي تطالب بحقوقها وإنصافها باسمه.

* كيف قرأت دخول المرأة لبعض المؤسسات الثقافية مثل جمعية المسرحيين وإدارات الأندية الأدبية؟
- نسير في المسار الصحيح، تأخرنا لكن في النهاية لا يصح إلا الصحيح، بقي أن لا تخذلنا المرأة التي دخلت إلى هذه المؤسسة على عاتقها كثير، لذلك يجب أن تتخلى عن الأنانية والفردانية وتعمل بشكل صحيح.

* لمن كنت تتوجهين في مجموعتك «هل رأيتني؟.. كنت أمشي في الشارع».. ألا يوحي العنوان بشعور عميق بالهامشية؟
- هامشية من؟ كنت أتوجه إلى كل من حلمت يوما حلما بسيطا ولم تتمكن من تحقيقه، أردت أن أثير هذا الشعور بالحسرة الذي يتركه عدم تحقق الأحلام البسيطة داخل الناس، ربما الآهة التي تصعد عندها تحرك شيئا راكدا ما في دواخلهم.

* كيف تختارين قصصك التي تكتبينها؟
- صدقني لا أختار، هو شعور يبدأ من كلمة أو ملاحظة أو مشاهدة ما، ثم يتصاعد حتى يصبح مشهدا كاملا يجب أن تتم كتابته فورا قبل أن تفر الحالة.

* لماذا تغفلين الشاعرة داخلك؟ لك نصوص شعرية قليلة لكنها مثيرة للاهتمام من قبيل: كسرت قلمي / فانتشرت رائحة نفاذة / لم تعجبهم / خبأتها تحت وسادتي
ونمت. الذي ورد في مقدمة كتاب: «هل رأيتني؟.. كنت أمشي في الشارع».
- نعم. كتبت عدة نصوص شعرية. ربما أغفلها لأنني لا أريد خوض جدل مع الشعراء من نوع هل ما أكتب شعرا أو ليس شعرا، وربما لأنني لا أريد أن أحمل لقب شاعرة، ربما.. لا أدري، لكنني فعلا أهرب من كتابة الشعر.

* قلت في حوار آخر إن مشاركتك في كتاب «طيور الرمل»، كان «محاولة للخروج من حصار المؤسسة الرسمية التي لا تهتم كثيرا بالمثقفين».. لكننا نعلم أن هذا العمل ترجم من قبل دار «طوى» وتم عرضه في معرض فرانكفورت بألمانيا.. أين يكمن حصار المؤسسة الرسمية إذن؟
- «طيور الرمل» يحتوي على مجموعة قصص لعدد من كتاب القصة في السعودية وهو عمل جميل كان منبع الفكرة فيها المثقف الجميل عادل الحوشان، لم يكن العمل محاصرا من المؤسسة الرسمية، الفكرة كانت أن يخرج عمل يشارك في المعرض لا يخضع لشروط المؤسسة الثقافية الرسمية لدينا، والمثقف بصفة عامة لديه دائما تحفظات على طريقة عمل المؤسسات الرسمية، هذا أحد أدوار المثقف أعتقد أو طبيعة تكوينه تحتم عليه الخروج على العمل الرسمي الذي عادة ما يشكو من الروتين والبيروقراطية.

الترجمة والرواية
* في المجمل ما هي علاقتك بالمؤسسات الثقافية الرسمية؟ كيف ترين علاقتها بالمثقف المحلي؟
- لا أريد أن أقف ضدها. وحين أدعى للعمل فيها لا أرفض بشكل قاطع، أتواصل مع المثقفين العاملين فيها لكنني دائما أشعر أنني لا أفهمها، لا أفهم لماذا لا تستطيع أن تعمل بشكل أفضل، لا أحب إلقاء التهم أو اتخاذ موقف المعادي لما تفعله، لكن أرى جمودا أتمنى أن تتخلص منه، بشكل عام أنا بعيدة عنها. لذلك لا يمكنني التحدث بشكل سلبي مطلق، دون محاولة مني للفهم لما يجري، حتى حين أصبحت عضوا في الجمعية العمومية في نادي جدة الأدبي وعلى الرغم من أنه لا يعتبر مؤسسة رسمية بشكل مطلق، لكنني فعلت ذلك محاولة للاقتراب والفهم وكي أخوض تجربة القدرة على انتخاب اسم ما. لكن بأمانة شديدة، لا أجد نفسي قادرة على الاستمرار في لعب هذا الدور، أحب العزلة والانزواء والكتابة بعيدا عن المؤسسات الرسمية.

* شاركت في برنامج الكتابة العالمي.. حدثينا عن هذه التجربة.
- هو برنامج عالمي سنوي، يحضره كتاب من كل أنحاء العالم يقومون بالترشح للسفارات الأميركية في بلدانهم، لكن بالنسبة لي رشحني للمشاركة فيه مدير البرنامج بنفسه وهو شاعر وأكاديمي بجامعة «إيوا» كريستوفر ميريل، حين كان في زيارة لجدة. وقد ذهبت في عام 2009. ومدة البرنامج ثلاثة أشهر. كانت تجربة رائعة. خلال الفترة التي تقضيها هناك يتركون لك المجال كي تتعرف على الكتاب الآخرين بالإضافة إلى ثلاث نشاطات يجب أن تقوم بها. أحدها قراءة بعض من نصوصك في مقر البرنامج أو المكتبة. والثاني كتابة ورقة في موضوع وقراءته أمام الجمهور في الجامعة والحوار بعد ذلك معهم حول نفس الموضوع، والنشاط الثالث لقاء مع طلبة الجامعة وإجراء حوار معهم، بالإضافة إلى نشاطات أخرى، فقد استضافتني جامعة أخرى وأجريت لقاء مع طلبة يتعلمون اللغة العربية. وحوارا مع طلبة في كلية أخرى أيضا. ومن أنشطة البرنامج الأخرى، قمت باختيار فيلم سينمائي وعرضه على المجموعة والتحدث والحوار حوله، حيث اخترت فيلم «كراميل» اللبناني. وقد كانت أياما رائعة برفقة 36 كاتبا وكاتبة من مختلف أنحاء العالم.

* ترجمت أعمالا أدبية لعمالقة الرواية العالمية مثل: «بورخيس»، و«ساراماغو»، و«ماركيز»، كيف أثرت هذه الأعمال على مسيرتك الأدبية؟
- الترجمة تجربة ساحرة. تتعرف من خلالها على مفردات جديدة، طريقة تعبير جديدة، طريقة ربط الكلمات ببعضها من ثقافة مختلفة، وتتعرف من خلالها على كيف يفكر شعب ما من خلال لغته، تكتسب أشياء كثيرة جميلة ورائعة عبر الترجمة، أعتقد أنها أثرت في ولا أعرف كيف، لكن بالتأكيد أثرت.

* كيف تقيمين الطفرة الرواية التي مر بها المجتمع السعودي خلال السنوات الماضية؟
- أمر طبيعي وبالنسبة لي كان أمرا جميلا، تخيل كنا نتهم الشباب أنهم لا يقرأون، وإذا بهم يكتبون، بالطبع لا يرقى كل ما كتب إلى مصاف الأدب، كان لا بد لهم أن يكتبوا، وكتبوا، مسألة النشر قضية أخرى كان لا بد للقائمين على دور النشر مراجعة ما كتب وإدراك ما إذا كان صالحا للنشر أم لا، بصفة عامة أنا مع التجربة ولست ضدها، قضية النقد والمراجعة وتصنيف ما كتب ووضعه في المكانة التي يستحق مسألة تعود للنقاد ومتذوقي الأدب، أما الكتابة فهي من حق الجميع.

* إلى أي مدى تشعرين أن موجة الرواية هذه قد استقرت اليوم؟
- أعتقد أنها بدأت تعود لمسارها الطبيعي، خفتت الفورة الأولى، الآن سيكتب من يحب الكتابة، وليس من كان يسعى للشهرة عبر الكتابة، هذا لا يعني أنني ضد الشهرة، لكنني لا أحب أن تكون هي الهدف الأول.

* سيرة أدبية

* هناء حجازي من مواليد مدينة جدة.
* منسقة برنامج مكافحة السكري بإدارة الصحة العامة بوزارة الصحة بجدة.
* طبيبة وقاصة وكاتبة صحافية سعودية. صدرت لها مجموعة قصصية بعنوان «بنت» 2001، ومجموعة نصوص بعنوان «هل رأيتني كنت أمشي في الشارع» 2007، وسيرة بعنوان «مختلف.. طفل الاسبرجر مختلف لكن ليس أقل» 2012، وهو الكتاب الفائز بجائزة وزارة الثقافة والإعلام للكتاب لعام 2013، وترجمت كثيرا من الأعمال الأدبية من الإنجليزية مثل «بورخيس»، و«ساراماغو»، و«ماركيز»، وقصائد أميركية، ومقالات أدبية.
* بدأت الكتابة القصصية عام 1987 وكانت أول قصة كتبتها هي «أغنية النوم»، ونشرت في مجلة «اقرأ».



حائزة «نوبل» توكارتشوك تؤلّف مستعينة بالذكاء الاصطناعي

أولغا توكارتشوك
أولغا توكارتشوك
TT

حائزة «نوبل» توكارتشوك تؤلّف مستعينة بالذكاء الاصطناعي

أولغا توكارتشوك
أولغا توكارتشوك

أثارت الكاتبة البولندية أولغا توكارتشوك، الحاصلة على «جائزة نوبل» لعام 2018، موجة من الغضب بعد تصريح لها، خلال مشاركتها في «مؤتمر إمباكت 26» في مدينة بوزنان، الشهر الماضي، اعترفت خلاله أنها استخدمت الذكاء الاصطناعي، لإتمام بعض المهمات في كتابة روايتها الأخيرة. وصل السخط في البعض إلى حدّ المطالبة بسحب الجائزة العالمية من الأديبة. قالت توكارتشوك إنها اشتركت في نموذج متقدم للذكاء الاصطناعي، وانبهرت من النتائج التي حصلت عليها، ووصفته بأنه «يوسّع الآفاق ويعمق التفكير الإبداعي».

ومن بين ما قالته إنها بينما كانت تكتب روايتها التي تصدر الخريف المقبل، وتدور أحداثها في القرن التاسع عشر، لجأت إلى برنامجها الأثير وسألته عن الأغاني التي رقصت عليها شخصياتها في تلك الفترة من الزمن لإتمام مشهد تكتبه عن حفل راقص. وحسب الأديبة، فإن أسماء إحدى الأغنيات لم تكن صحيحة، لذلك تحذر من الهلوسة.

اعترافات مثيرة

زادت تورتشوك الطين بلة حين شرحت أنها أحياناً تعود إلى برنامج الدردشة، وتسأله: «كيف يمكنني يا عزيزي أن أطور هذه الفكرة بشكل جميل؟»، وهو ما يعني أنها تطلب المساعدة حتى في بناء الرواية. واعتبرت الأديبة أن هذه التقنية حسب ما اكتشفت «لها نتائج وأبعاد لا تصدق».

انتشر الخبر، وتسبب بنقاشات واسعة، خصوصاً حول أحقية استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة الروايات، وفي العمليات الإبداعية بشكل عام. اضطرت الأديبة النوبيلية لإصدار بيان توضح فيه أنها لا تلجا للذكاء الاصطناعي في الكتابة، إنما في البحث عن المعلومات والأرشفة. وأوضحت أن كتابها الجديد، لم تكتبه باستخدام الذكاء الاصطناعي ولا بمساعدة أي شخص آخر. «لقد كتبتُ بمفردي لعقود عديدة»، وهي تتعامل مع هذه التقنية الحديثة كأداة تسمح لها بتوثيق الحقائق والتحقق منها بشكل أسرع، مستعيضة عما كانت تفعله حين تبحث في الكتب والمراجع.

الذكاء الاصطناعي قدر محتوم

بصرف النظر عن مدى استفادة النوبيلية الشهيرة من إمكانات الذكاء الاصطناعي، وهي أديبة لها رواياتها وتاريخها ونتاجها المتميز، وهو ما يحمي نسبياً سمعتها الإبداعية. إلا أن الخطورة الفعلية هي في صعوبة مقاومة الأدباء لمهارات التطبيقات التوليدية. والسؤال المطروح، هل بقي للكاتب من وظيفة؟ وهل الإبداع عملية بشرية متجددة، أم قضية تقنية يمكن استنساخها وتقليدها؟ وإذا كان الأمر كذلك، هل الذكاء الآلي سيكون سبباً في موت الإبداع والتجدد الإنسانيين؟

للأسف أياً تكن الإجابة ثمة من يعتقد أن فرملة هذا التطور التقني هو أمر شبه مستحيل، بسبب التنافس التجاري المتوحش بين الشركات الكبرى التي بلغت اسثماراتها مئات مليارات الدولارات، وهي تتنافس كي تتمكن من تعويض ما استثمرته في أسرع ما يمكن، قبل أن تحل بها خسارة فادحة. بالتالي يصعب التمييز في كلام مسؤولي هذه الشركات الكبرى بين الوعود الترويجية المزيفة والواقع الفعلي. لكن علماء كثيرين، بعضهم حاصلون على «نوبل» وجوائز علمية، يعتبرون أن العقل البشري بتمايزه لا يزال إلى الآن العامل الأساسي في الابتكار والتحليل والتفسير العلمي.

جوائز للبشر أم للآلة

لكن في خضم هذه الفوضى، فازت الكاتبة اليابانية ري كودان بجائزة «أكوتاغاوا» المرموقة عام 2024 رغم اعترافها بأن نحو 5 في المائة من روايتها «برج التعاطف في طوكيو» أنشئ بواسطة الذكاء الاصطناعي، وأثارت جدلاً واسعاً. وبين من يريد أن يبيع الكتب ويربح المال بأي ثمن، ومن يود أن يستفيد من الأدوات المتوفرة ليدفع بإبداعه إلى الأمام، تختلف نوايا الكتاب وأهدافهم من استخدام التقنيات المتاحة. فقد خاض الكاتب الكندي المعروف ستيفن مارش مغامرته عام 2023 تحت اسم مستعار هو «أيدان مارشين»، وقام بإصدار رواية سماها «موت المؤلف». وقال إن 95 في المائة من النص تم توليده عبر الذكاء الاصطناعي. الرواية لم تكن بديعة، لكنها محاولة ووصفتها «نيويورك تايمز» بأنها «أول رواية ذكاء اصطناعي قابلة للقراءة إلى حدّ ما».

هناك من يعترف من الأدباء ومن لا يعترف بأن البرامج التوليدية باتت لا غنى عنها أثناء الكتابة، سواء في البحث أو الأرشفة. ومنهم من يبلغ به الحال حدّ المساعدة في تطوير الشخصيات والحبكات، أو البحث عن الاحتمالات الممكنة للأحداث، والاستخدامات تتوسع.

الأديبة أولغا توكارتشوك التي أثارت نقاشاً حساساً حول حدود إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي، هي واحدة من أبرز أدباء جيلها، إضافة إلى «نوبل» حاصلة على جائزة «بوكر مان». وهي ناشطة حقوقية وكتاباتها تعكس اهتمامها بالإنسان والهوية وسؤال الحرية والبيئة، وتحليل النفس البشرية. «عرفت بخصب خيالها السردي الذي يتميز بشغف موسوعي يجسّد عبور الحدود كوسيلة للحياة»، حسب لجنة «نوبل».

لذلك فإن رأيها في التحديات التي يتعرض لها الأدب، بسبب التطورات التقنية يجب أن يؤخذ على محمل الجد. وهو رأي انتشر كالنار في الهشيم لأنه تم تناقله بكثافة على وسائل التواصل عبر تسجيل مصور.

أصالة أم تزييف؟

تابعت توكارتشوك قائلةً: «على عكس ما يتردد، أعتقد أننا نحن الكُتّاب، بحكم خصوصية حرفتنا، سنكون الأكثر انسجاماً مع أدوات مثل الذكاء الاصطناعي». بالطبع لم يعتبر محبو توكارتشوك ما تقوله خبراً ساراً أو مطمئناً. وعلقت صحافية بولندية بالقول: «يجدر التذكير بأن هذه الجائزة تُؤكد على فردية الكتابة وأصالتها. ومن الصعب الحديث عن هذه الأصالة عندما يقوم الذكاء الاصطناعي بإنشاء الحبكات والجمل نيابةً عنا. كما أن نماذج اللغة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي تتعلم من أعمال الكُتّاب، بمن فيهم كُتّاب من بولندا، غالباً دون موافقتهم أو حتى علمهم».

لا روايات بعد اليوم

الأهم من اعتراف الأديبة باللجوء إلى النماذج التوليدية هو قولها إن روايتها التي تستعد لإصدارها ستكون الأخيرة من هذا الصنف الطويل الذي يحتاج جهد سنوات. «لأن العالم، يبدو وكأنه دخل في حالة جمود مدمر، ولم يعد يستحق روايات طويلة وشيقة. كما يتناقص عدد الراغبين في قراءة هذا النوع من الكتب باستمرار»، وتضيف أنه في الماضي، كانت هذه الكتب تحظى بشعبية كبيرة. «أما الآن، فبالنسبة للكثيرين، تُعد قراءة رواية تحدياً شاقاً». وهي تأسف لأن غالبية القراء يسعون لمعرفة نهاية روايتها التي قضت سبع سنوات في تأليفها «كتب يعقوب» وتقع في ألف صفحة باللجوء إلى ملخصات صغيرة، وهو ما يحرم العمل حقه والكاتب أن يرى مردوداً لجهده وصبره.

الخطير في الأمر أن نرى أديبة عالمية الصيت، بلغت 64 من عمرها، قضت عمرها كله في كتابة الروايات، نالت أعظم الجوائز، وتوجت متفوقة على كل أقرانها، تقول إن هذا الصنف من الكتابة لم يعد له من قراء، وتعبر عن يأسها ومرارتها وكأنما كل ما كتبته يفقد قيمته بسرعة. «أتألم حين أفكر في أن أعمالاً أدبية كلاسيكية، كرّس لها أفرادٌ ذوو وعي كامل حياتهم، تتلاشى. أشعر بأسف بالغ على بلزاك، وسيوران، ونابوكوف الفريد، لأنه على الرغم من حماسي، لا أعتقد أن أي غرفة دردشة حديثة قادرة على نقل مثل هذا المعنى الرائع».

الذكاء الاصطناعي في نظر توكارتشوك قد يكون وسيلةً لاختصار الوقت والجهد المبذول في البحث والتوثيق

ووسط يأس بلغ غايته تخبرنا توكارتشوك، وهي الأديبة التي اشتهرت بموسوعيتها، بأنها لن تكتب رواية طويلة بعد اليوم، وذلك «لأسباب مالية»، وتفضل أن تتفرغ لكتابة القصص القصيرة. «لا يستطيع أي ناشر في السوق الحالية تحمل عبء عمل ضخم بسعر معقول، ودفع أجر عادل. من جهة أخرى، بعد كل هذه السنوات، أرهقتني عملية الكتابة والطباعة جسدياً ونفسياً. لذلك، سأركز على القصص القصيرة».

الأدب لا يستحق التضحية

تقول: «إذا قارنا عدد الساعات التي قضيتها في تأليف (كتب يعقوب) بأجر عامل، فلن يشتريها أي ناشر». الذكاء الاصطناعي، في نظرها، قد يكون وسيلة لاختصار الوقت والجهد المبذول في البحث والتوثيق، مما يجعل إنتاج الروايات الطويلة مجدياً اقتصادياً. لكن هل حقاً بات الهدف الوحيد للكتّاب هو الربح المالي، ومن دون ذلك يتوقفون عن الكتابة. وإن كان الأمر كذلك فالأديبة البولندية حصدت من الأدب ما لم يحلم به غيرها. فإضافة إلى ما نالته من الجوائز، ترجمت إلى أكثر من 25 لغة وباعت ملايين النسخ. فهل حقاً لا يزال بمقدورها اعتبار نفسها مظلومة كأديبة وعليها أن تتوقف؟ ثم أليس هناك من عودة وحنين إلى كبار الكتاب الكلاسيكيين؟ وهناك طلب مستجد حتى على الكتب الورقية القديمة؟ فلماذا تستعجل أديبة بمستوى توكارتشوك وبحكمتها لاستخلاص النتائج؟

كتبت صحافية بولندية مرموقة رداً على الأديبة النوبلية تقول لها إن أي مجتمع يسعى باستمرار إلى إيجاد قدوة. وبالنسبة لكثيرين، كانت الحائزة البولندية على جائزة «نوبل» إحدى هذه القدوات. فهل ستظل كذلك بعد تصريحاتها الجريئة والمثيرة التي تستدعي إعادة التفكير في أمور عديدة حساسة ومفصلية؟

كلام توكارتشوك يكشف عن أزمة وجودية عميقة تواجه الأديب مهما بلغت مكانته، ومستواه الإبداعي وهو يعيش مزاحمة الآلة له، وتهميش دوره، ولجوء القراء لقرصنته، وتلخيص أعماله، والاكتفاء منها بما يختصره الذكاء الاصطناعي في جمل قليلة وسريعة.


رواية سعودية عن «نجد» في سنوات الشدّة

رواية سعودية عن «نجد» في سنوات الشدّة
TT

رواية سعودية عن «نجد» في سنوات الشدّة

رواية سعودية عن «نجد» في سنوات الشدّة

تصدر قريباً عن «نوفل» في بيروت، رواية «ورق الكافور» للكاتب السعودي عبد الله العرفج، وهي رواية تسبر أغوار مجتمع نجد وسط الجزيرة العربية، في سنوات الشدّة حيث كانت تنطلق منها الرحلات طلباً للعيش نحو أطراف الجزيرة وبلاد الشام والعراق. فبعد وباء الطاعون الذي اجتاح الجزيرة العربيّة، يرتحل تسعة رجال يحلمون بالثراء من بريدة (في منطقة القصيم/ وسط السعودية) برّاً إلى الكويت. من بين هؤلاء الرجال «سَيْل»، الذي ترك وراءه أهلاً وزوجة أحزنَهم رحيله.

بعد تنقّله في عدّة أشغال، ينتهي الأمر بسَيْل غوّاصاً يجمع اللآلئ. وخلال رحلة بحريّة، تتحطّم إحدى السفن التي لم يكن من ركّابها، لكنّ مريدي السوء في بريدة يفتعلون خبر وفاته، فينشرونه على لسان «المهابيل».

بعد الكويت، يحطّ سَيْل الرحال في الهند، فـ«الهند هندك إذا قلّ ما عندك» كما يقول المثل في ذلك الزمان. وفعلاً يرتقي هناك في التجارة ويصبح ثريّاً، لكنّ طيف زوجته العنود لا يبارح مخيّلته.

الآن وقد حقّق ما اغترب لتحقيقه، فقد آن أوان العودة.

ويعود سَيْل إلى بلاده ثريّاً، لكنّه يعود «ميتاً» في سجلّات النفوس. كيف سيثبت أنه ما يزال حياً؟ وكيف سيستعيد زوجته التي تزوّجتْ في غيابه مرغمة؟!

وسبق لعبد الله العرفج أن أصدر روايتين: «غرناطة لا تعرفني» و«ريش أحمر»، ومجموعة قصصيّة بعنوان «وجوه لا ترى الشمس».

مقتطف من الرواية

كان في أثناء الطريق يفكّر كيف يخرج من المأزق الذي وضع نفسه فيه عندما قَبِلَ الذهاب معه، وماذا يقول له؟ هل يخفي عنه ما حدث؟ وكيف يخبره بأنّه ميت وأنّ زوجته تزوّجتْ غيره دون أن يشعر بالمهانة؟ لكنّه بالتأكيد لن يقول إنّه لم يفعل شيئاً في تلك الليلة السوداء.

حين وصلا إلى حديقة منزل أبي باسم، وجد نفسه يعترف، ويلوم المرأة التي أحبّها معتقداً أنّها خانتْه. كان أبو باسم يستمع إليه باهتمام مدركاً حجم الوجع الذي يعانيه.

– لا عليك، لكن لا تظلم المرأة؛ فقد غبتَ عنها سنين طويلة، وجاءتْها الأخبار بأنّكَ ميت.

– أَوَتُصدّق؟

– ألَم تُصدّق بريدة كلُّها؟

– حتّى لو متُّ، أليس من الوفاء أن تحترم ذكراي؟

...

–رفقاً بنفسكَ، ودعني أقل لكَ شيئاً مختلفاً قد يُنسيكَ ما أنتَ فيه.

– ماذا؟

– لديك رأس مال كبير، وطاقة وقدرة هائلتان على العمل، ولا ينقصكَ الذكاء، لا ينفعكَ جلوسكَ من دون عمل.

– لا أخفيكَ أبا باسم، كنتُ أفكّر في تصدير بعض الموادّ إلى المملكة.

– هذا بالضبط ما أردتُ أن أعرضه عليكَ، ومكتبكَ جاهز، منه تنطلق في أعمالكَ، وإذا لم يُعجبْكَ، بإمكانكَ تركه متى شئتَ، وهو مساهمة بسيطة منّي في هذا العمل المبارك. أؤيّدكَ في التصدير إلى بلدكَ، فهو على وشك نهضة وتأسيس دولة حديثة، وفي ظلّ هذا النموّ، سيَزداد استهلاك الناس لذلك أنصحكَ البدء بتصدير نوعَيْن من الأصناف هما الأرز والشاي بالدرجة الأولى، ثمّ التوابل. وهي متوفّرة في هذه البلاد وتَكلفتها قليلة جدّاً، وإن شئتَ التوسّع فأَضِف الأقمشة وغيرها ممّا اشتُهِرَتْ به الهند... بالنسبة إلى الشاي والأرز، الأفضل أن تتواصل مع أصحاب المزارع مباشرةً لِتَحصل على أسعار أرخص. أمّا التوابل، فليس أفضل من التعامل مع تُجّار التوابل الكبار في سوق التوابل العظيم، وسوف أعرفّكَ إلى وكلاء ومُوَزّعين جيّدين في نجد والحجاز والمنطقة الشرقيّة من المملكة.

... ولكن إيّاكَ أن تبقى طويلاً في بلاد الغربة.

– لماذا؟

– إن أطلتَ فإنّكَ لن ترى نجد مرّة ثانية، ستموت هنا، ولذلك أنصحكَ ألّا تطمع، وألّا تتزوّج من نساء هذه البلاد، ولا يغرّكَ جمالهنّ.

– مستحيل، لا أريد أن أموت هنا، تراب نجد بل غبارها أغلى بكثير من ذهب ممباي.

– إذن تعالَ معي لأُريكَ ما تبقّى لنا من نجد.

– أين؟

– إلى عنيزة الصغيرة، تعالَ معي.

... تناول (أبو قاسم) صندوقاً حديديّاً متوسّط الحجم. سحبَ من جَيبه مجموعة مفاتيح، أخذ يقلّبها واحداً تلو الآخر، ثمّ وضع إحداها بين إصبعَيه الواهنَين وفتح الصندوق الحديدي. أخرج من داخله صندوقاً خشبيّاً صغيراً، بدا مطليّاً بالذهب، ثم التفتَ إلى سَيْل وقال:

– ماذا تتوقّع أن يكون في داخله؟

– ذهب؟

– أغلى من الذهب.

– كافور؟

– أكيد أغلى من الكافور، الكافور رخيص يا سَيْل.

قالها وهو يضحك بصوت عالٍ.

– إذن ما هو الشيء الأغلى من الذهب؟

– دعنا نرَ.

أحضر مفتاحاً أصغر، وفتح الصندوق بسلاسة، وقرّبه من سَيْل قائلاً:

– اُنظر أو شُمَّ إن كنتَ لا ترى.

– رأيتُ؛ هذا تراب، هل يعني لك شيئاً؟

– نعم إنّه أغلى من الذهب، وأغلى من الكافور. هذا ترابٌ نجديّ، كلّما حَننتُ إليها فتحتُه وشممتُه.

قال ذلك بتأثُّر، ثمّ قرّبه من وجهه. في لحظة صمت، كان ينظر إلى الرمل بحنوّ ورهبة وسلام، وكان مصغياً باهتمام، وكأنّ حبّات الرمل تهمس إليه.


السموم... «كلمة السر» في عالم أغاثا كريستي

السموم... «كلمة السر» في عالم أغاثا كريستي
TT

السموم... «كلمة السر» في عالم أغاثا كريستي

السموم... «كلمة السر» في عالم أغاثا كريستي

في كتابها «أغاثا كريستي واستخدام السموم»، تكشف الكيميائية والباحثة البريطانية كاثرين هاركاب كيف استخدمت رائدة أدب الجريمة السموم في رواياتها البوليسية المشوقة كوسيلة للقتل، مع دقة علمية عالية في وصفها وتأثيرها، كما تربط بين أحداث أعمالها والحقائق العلمية والتاريخية حول التركيبات الدوائية الخطيرة، التي لم تكن مجرد أداة في حبكة درامية، بل عنصراً أساسياً في بناء الألغاز وتشويق القارئ.

ويمزج الكتاب، الصادر عن دار «العربي» بالقاهرة، وترجمة داليا سابق، بين كواليس أدب الجريمة ودقة المختبرات العلمية، دون أن يتوقف عند حدود السرد القصصي، بل يغوص في جوانب جديدة من عبقرية ملكة الجريمة «أغاثا كريستي»، مستعرضاً كيف استغلت خبرتها العملية كممرضة وصيدلانية خلال الحرب لتوظيف السموم في رواياتها بدقة مذهلة.

يستعرض الكتاب 14 نوعاً مختلفاً من السموم، استُخدمت في أشهر جرائم المحقق هيركيول بوارو، والآنسة ماريل، موضحاً الخصائص الكيميائية لكل سم وتأثيراته الفتاكة على الجسم البشري، ولماذا اختارت كريستي هذا النوع أو ذاك تحديداً لإيقاع ضحاياها في شباك القاتل. وهذه السموم هي الزرنيخ، البيلادونا، السيانيد، الديجيتاليس، الأزيرن، الشوكران، الأكونيتين، النيكوتين، الأفيون، الفسفور، الريسن، الستركنين، الثاليوم، الفيرونال.

ويحتفي الكتاب في جانب من جوانبه بذكاء المرأة التي جعلت من الكيمياء سلاحاً أدبياً فتاكاً، ويقدم وجبة دسمة لكل محبي الغموض الذي سيرونه دليلاً مرجعياً ممتعاً سيغير من طريقتهم في قراءة القصص البوليسية، ويجعل من العلم شريكاً في فكّ طلاسم ما يسمى بالجريمة المثالية.

من فيلم جريمة في قطار الشرق السريع

تشير المؤلفة في البداية إلى أن المعرفة التي تحلت بها أغاثا كريستي فيما يتعلق بالسموم كانت بلا شك استثنائية، فقلة من الروائيين هم الذين يقرأ الأطباء أعمالهم، كونهم مصدراً مرجعياً لحلّ قضية تسمم حقيقية، لافتة إلى أن كريستي في أثناء الحرب العالمية الأولى تطوعت للعمل ممرضة لدى المستشفى المحلي في مدينة «توركواي»، جنوب غربي إنجلترا، حيث راقها العمل كثيراً، لكن عند افتتاح صيدلية جديدة بالمستشفى طرحت فكرة نقلها إليها، حيث تطلبت وظيفتها الجديدة مزيداً من التدريب، كما استوجبت اجتياز اختبارات معينة تؤهلها لوظيفة مساعد صيدلي، وهذا بالضبط ما نجحت فيه عام 1917.

في تلك الفترة، ولكثير من الأعوام اللاحقة، كانت تحضر الوصفات الطبية يدوياً في متجر كيميائي أو صيدلية المستشفى حيث توزن السموم والعقاقير الخطرة بحرص شديد، ثم يتفحصها الصيدلي قبل صرفها، وقد تضاف بعد ذلك المكونات غير الضارة مثل الصبغات أو الأطعمة حسب الذوق الشخصي للفرد.

أوضحت كريستي في سيرتها الذاتية أن هذا الأمر أدى إلى إعادة كثير من الأشخاص الأدوية التي ابتاعوها، لأنها بدت غريبة واختلف مذاقها عن المعتاد، لكن طالما يُحضّر الدواء المطلوب بالجرعات الصحيحة فإن الأمور تسير على ما يرام، لكن لا مفر من وقوع الأخطاء في بعض الأحيان.

تحضيراً لاختبار جمعية الصيادلة، درست كريستي الجوانب العملية والنظرية في علم الكيمياء والصيدلة بمساعدة زملائها بالصيدلية. وبالإضافة إلى عملها ودروسها بالمستشفى، تلقت تعليماً خاصاً من أحد الصيادلة التجاريين بمدينة توركواي، يدعى السيد «بي».

وفي أحد الأيام وضمن جزء من تدريبها، أراها السيد «بي» كيفية تحضير نوع معين من العقار الطبي بطريقة صحيحة، كانت مهمة دقيقة تتطلب كثيراً من المهارة، إذ كان يذيب زبدة الكاكاو ويضيف إليها الدواء المطلوب ثم ينتظر اللحظة المناسبة التي يخرج فيها العقار من القوالب المخصصة لها. بعد ذلك، يعمل على تعبئتها ويضع عليها الملصقات التي تشير إلى أن نسبة الدواء هي 1 في المائة من المحتوى الكلي للمنتج.

في إحدى المرات كانت كريستي مقتنعة أن الصيدلي ارتكب خطأ في نسبة الدواء، وأضاف جرعة تساوي واحداً إلى 10 من المنتج الكلي للدواء، أي أكثر من 10 مرات من الجرعة المطلوبة، ما قد يشكل خطراً على من يتلقاها. لذا راجعت حساباته في الخفاء، وتأكدت بنفسها من وقوع الخطأ بالفعل. لم تعرف كيف تواجه معلمها بالخطأ الواقع. وفي الوقت نفسه، تخوفت بشدة من فكرة صرف هذا الدواء القاتل. لذلك تظاهرت بالتعثر وأسقطت علب الدواء على الأرض، وسحقتها بقدمها عن عمد، لتتحقق من تلفها. وبعد إسهابها في الاعتذار وتنظيف الفوضى العارمة التي تسببت بها، قاما بتحضير مجموعة جديدة من الدواء، وهذه المرة بالجرعة الصحيحة.

اعتاد السيد بي إجراء حساباته باستخدام النظام المتري، في وقت ساد فيه استخدام النظام الإمبراطوري للقياس في أنحاء بريطانيا العظمى، لكن الكاتبة الملقبة بـ«ملكة أدب الجريمة»، لم تأمن للنظام المتري لأنه في حال وقوع خطأ تتضاعف العواقب 10 مرات، وهذا هو الخطر الأكبر، فبوضعه للنقطة العشرية في غير موضعها الصحيح ارتكب السيد «بي» خطأ فادحاً في تقدير نسب العقار، لذا فضّلت كريستي نظام الصيدلة التقليدي الذي استند إلى قياس الجرعات الدوائية بوحدات مختلفة.

وفي أحد الأيام، أخرج السيد «بي» من جيبه كتلة بنية اللون، وسألها عن ماهيتها، ترددت كريستي في إجابتها، فشرح لها أنها قطعة «كورار»، وهى مادة سامة استخدمها صيادو أميركا الجنوبية على أطراف سهامهم للصيد.

واللافت أن «الكورار» في الأساس هو مركب آمن صالح تماماً للأكل، لكنه مميت إذا حُقن مباشرة في الدم. أخبرها السيد «بي» أنه يحمله معه في كل مكان، لأنه يمنحه شعوراً بالقوة. وبعد ما يقارب 15 عاماً، أحيت أجاثا كريستي سرّ السيد «بي» المثير للريبة، عبر شخصية الصيدلي في روايتها «الحصان الأشهب».

واستطاعت مؤلفة الكتاب، كاثرين هاركاب، أن تمد جسراً فريداً بين العلوم المعقدة وعالم الأدب، حيث حصلت على درجة الدكتوراه في الكيمياء، لكن شغفها لم يتوقف عند حدود المختبرات، بل انتقل إلى مجال التواصل العلمي، حيث تخصصت في تفكيك العلوم الكامنة وراء القصص الخيالية والشخصيات الشهيرة، كما يغلب على أسلوبها الطابع الاستقصائي الذي يجمع بين الدقة الأكاديمية وروح الفضول، ما جعلها من أبرز الكتّاب الذين يعيدون قراءة ونقد الكلاسيكيات الأدبية من منظور علمي معاصر.