ليبيا الجديدة تبحث عن عاصمة

اتفاق الصخيرات.. دعم دولي وشكوك محلية

ليبيا الجديدة تبحث عن عاصمة
TT

ليبيا الجديدة تبحث عن عاصمة

ليبيا الجديدة تبحث عن عاصمة

يقول وهو يضع ساقًا فوق ساق، إن أبسط القواعد في أي دولة في العالم أن يكون لدى السُلطة قوة مسلحة تحميها وتنفذ قراراتها. ولا يبدو أن الحكومة الليبية الجديدة التي جرى الإعلان عنها في «اتفاق الصخيرات»، مساء يوم أول من أمس (الخميس)، تملك أي قوات تذكر تمكنها من الوصول إلى مبنى البرلمان في طبرق، في شرق البلاد، لكسب الثقة من المجلس التشريعي وحلف اليمين، أو إلى العاصمة طرابلس لمباشرة أعمالها.
ويقول عيسى عبد المجيد، مستشار رئيس البرلمان الليبي، لـ«الشرق الأوسط»، إن الأمر أكثر تعقيدًا من صيحات الابتهاج التي أبداها بعضٌ ممن وقعوا على الاتفاق تحت رعاية الأمم المتحدة وفي حضور ممثلي عدة دول عربية وأجنبية.. «حكومة الصخيرات ولدت ميتة».
لكن الإعلان عن الحكومة الجديدة برئاسة فايز السراج، حظي بمباركة الكثير من الأطراف الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وإسبانيا وإيطاليا، ومن دول الجوار مصر، بالإضافة إلى تركيا وقطر والإمارات. فهل يمكن للتوجه الأممي المؤيد لفريق السراج أن يؤدي إلى إقناع باقي الأطراف الليبية الفاعلة بالالتفاف حول الحكومة التي جاءت بعد مفاوضات ماراثونية استمرت طوال عام ونصف العام.
ويكشف أحد القيادات الليبية القريبة من اتفاق الصخيرات عن أن اسم السراج لم يكن مطروحًا من البرلمان، وإنما كان الاسم المقترح، في مرحلة سابقة، هو السياسي الليبي المعروف، عبد الرحمن شلقم، رغم عدم حماس الأخير لشغل هذا الموقع في ظل الظروف المعقد التي تمر بها البلاد. كما كانت هناك أسماء أخرى طفت على السطح دون علم البرلمان أو «المؤتمر الوطني».
ومن جانبه، يضيف إبراهيم عميش رئيس لجنة المصالحة الوطنية ورئيس لجنة خريطة الطريق في البرلمان الليبي، لـ«الشرق الأوسط»، عن أن الألماني مارتن كوبلر، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، سار على نفس الطريق الذي كان يسير فيه سلفه، الإسباني برناردينيو ليون. ويقول إن ليون كانت له أخطاء، وأن كوبلر لم يتجنبها، وإنما أسس عليها مفاوضاته التي انتهت إلى الإعلان عن حكومة السراج.
ووفقًا لمشاركين في مفاوضات اللحظات الأخيرة، فإن كوبلر أضاف بعض اللمسات لتجميل المشهد، من بينها زيارته لعدة دول معنية بالشأن الليبي، وعقده لقاءً مع قائد الجيش الفريق أول خليفة حفتر، لـ«الإيحاء بأنه موافق، رغم أن هذا أمر غير حقيقي». لقد وقعت خلافات، من خلف الستار، أدت إلى إعلان كل من البرلمان و«المؤتمر الوطني» المنتهية ولايته إلى رفض الاتفاق في نهاية المطاف. ويقول عميش الذي حاول أثناء كوبلر، حين قابله في تونس، عن التسرع في توقيع الاتفاق: كان الرجل متعجلاً.
ويستند البرلمان المعترف به دوليًا على قوة عسكرية تتمثل في الجيش الوطني الذي يقوده حفتر، بينما يعتمد «المؤتمر الوطني» الذي يعمل من العاصمة طرابلس على قوات من الميليشيات والكتائب المسلحة. ويقول مسؤول عسكري في الجيش، إن غالبية «القوى المسلحة» في بنغازي وطرابلس ترفض استقبال حكومة السراج حتى الآن، في إشارة إلى القوات المسلحة المدعومة من البرلمان، والتي يتركز وجودها في شرق البلاد، وبعض المناطق في الغرب والجنوب، وكذلك قسم كبير من ميليشيات العاصمة.
جرى توقيع الاتفاق في قاعة مؤتمرات بلدة الصخيرات المغربية بين وفدي أطراف الحوار الليبي، بمشاركة كوبلر. ومن أبرز من وقعوا عليه نائب رئيس البرلمان، محمد شعيب، ونائب رئيس «المؤتمر الوطني» (المنتهية ولايته)، صالح المخزوم. لكنّ كلاً من البرلمان و«المؤتمر» قالا إنهما لم يفوضا شعيب ولا المخزوم بالتوقيع، وإن الرجلين كانا موفدين من البرلمان و«المؤتمر»، بالفعل، أثناء تولي ليون مهمة إجراء الحوار بين الليبيين في السابق، وإن مهمتهما انتهت. ولم يكلف أي منهما أي مفاوضين جدد. ويؤكد عميش: «البرلمان لم يكلف أحدًا بحضور اتفاق الصخيرات».
وعلى العكس من ذلك، كان مكتب رئيس البرلمان، المستشار عقيلة صالح، ومكتب رئيس «المؤتمر الوطني»، السيد نوري أبو سهمين، وهما خصمان سياسيان لدودان منذ الاقتتال الذي وقع حول العاصمة العام الماضي، قد كلفا رجلين آخرين بقيادة مقابلة هي الأولى من نوعها بين ممثلين للبرلمان و«المؤتمر»، وتمت بالفعل في تونس قبل اجتماع الصخيرات بعدة أيام.
ويقول عميش الذي كان ممثلاً عن البرلمان في هذه المهمة، إنه حين التقى كوبلر في تونس أخبره بأن الطرفين اللذين لم يتمكن ليون من جمعهما طوال شهور المفاوضات السابقة، قد التقيا بالفعل ها هنا في تونس، وإن عليه أن ينتظر حتى ينفذا بنود وثيقة التفاهم التي توصلا إليها، ومن بينها الاحتكام إلى دستور ليبيا الصادر عام 1951 وتعديلاته في عام 1963، بعد تنقيحه، وإنه توجد جهود لإجراء لقاء بين المستشار صالح والسيد أبو سهمين، لتسهيل مهمة الأمم المتحدة في عقد مصالحة بين الليبيين.
يبدو أن الوضع أمام كوبلر لم يكن يتحمل المزيد من الانتظار. فليبيا كما قال كوبلر نفسه في كلمته عقب توقيع اتفاق الصخيرات، تعاني من مشكلات كبيرة وتحتاج إلى حكومة توافق وطني لكي تنتهي من حسم الكثير من الملفات ومن بينها الأمن والاقتصاد. ويقول أحد المشاركين في اللقاء: «كوبلر لا يعمل منفردًا. توجد دول كانت تضغط بقوة من أجل إنجاز الاتفاق والإعلان عن حكومة توافق ليبية. كان هذا واضحًا من الاجتماع الذي عقد في روما قبل اجتماع الصخيرات بثلاثة أيام». ويقول عيسى عبد المجيد مستنكرًا الاتفاق: «من أين ستعمل الحكومة الجديدة؟ هل من المنفى؟ لا مكان لها بين الليبيين».
ومن جانبه، أكد كوبلر في كلمته، أن اتفاق الصخيرات بداية رحلة صعبة لبناء دولة ديمقراطية، وتعهد بأن يدعم المجتمع الدولي الحكومة الجديدة، وأقر بأن الاتفاق لا يرضي الجميع، لكنه قال إن «البديل أسوأ بكثير»، في إشارة إلى حالة الفوضى العارمة التي تضرب البلاد، بسبب انتشار التنظيمات المتطرفة ومن بينها تنظيم داعش.
لقد أصبحت ليبيا مصدر تهديد لدول الجوار والدول الواقعة على البحر المتوسط. وأضاف المبعوث الأممي أنه على رأس الأولويات معالجة الوضع الأمني وإنهاء الأزمة في بنغازي التي تشهد حربًا بين الجيش الوطني والتنظيمات المتطرفة. لكن عبد المجيد يقول إن المجتمع الدولي لو كان قد رفع الحظر عن تسليح الجيش لجرى حسم الحرب ضد المتطرفين بمن فيهم «داعش».
ورغم ما أعلنه البرلمان من أنه لم يشارك في اتفاق الصخيرات، فإن النائب شعيب، الذي كان معروفًا بتوجهاته اليسارية المتشددة أيام حكم معمر القذافي وسجن سنوات لهذا السبب، جرى التعامل معه في مراسم التوقيع باعتباره ممثلاً عن البرلمان. وقال على هامش اتفاق الصخيرات: «إنه اتفاق لكل الليبيين. والحكومة سيدعمها المجتمع الدولي. كما تعامل اجتماع الصخيرات مع المخزوم، وهو من أعضاء حزب البناء والتنمية التابع لجماعة الإخوان في ليبيا، كمندوب عن (المؤتمر الوطني)». وقال المخزوم إن «الظروف التي يمر بها الوطن دفعت الجميع للمجيء والموافقة».
ينص الاتفاق على تشكيل حكومة توافق تقود مرحلة انتقالية لمدة عام تنتهي بإجراء انتخابات تشريعية. كما تضمن توسيع المجلس الرئاسي (من الحكومة نفسها) من ستة إلى تسعة أشخاص، رئيس وخمسة نواب وثلاثة بدرجة وزير دولة. وأفرز الاتفاق بشكل عام ثلاث مؤسسات لإدارة الدولة هي «مجلس النواب (البرلمان الحالي)»، و«مجلس الدولة (مجلس استشاري مستحدث ويضم غالبية أعضاء «المؤتمر الوطني» المنتهية ولايته)»، إلى جانب «المجلس الرئاسي (الحكومة)». ويقول عميش: «من سيعطي الشرعية لهذا الاتفاق؟ نحن نرفضه».
وتتعلق أهم مخاوف المجموعات المساندة لقائد الجيش، حفتر، ويوجد معظمها في شرق البلاد، من البنود الواردة في اتفاق الصخيرات والتي تقضي بنقل جميع الصلاحيات العسكرية والأمنية، إلى المجلس الرئاسي. بينما تنصب مخاوف المجموعات التي تساندها كثير من الميليشيات في طرابلس، من إقصاء قادتها من المشهد في المرحلة المقبلة، خاصة بالنسبة للمتشددين الذين بادروا بوصم الحكومة الجديدة بأنها حكومة نصبها الأجانب على ليبيا. ومع ذلك تبدو الخلافات بشأن حكومة السراج أكبر مما يظهر في الواقع.
يقول محمد الورفلي، الرئيس السابق للجنة القانونية لمؤتمر القبائل الليبية، لـ«الشرق الأوسط»، إن هذه الحكومة، رغم ما قيل عن أنها تمثل كل الليبيين، فإنها في الحقيقة «حكومة غير توافقية بالمرة». ويضيف: «حتى ما بين الأطراف المستهدفة بالتوافق، لا يظهر أنه يوجد ثمة توافق، وهي أطراف (17 فبراير)، أي البرلمان و(المؤتمر الوطني)»، في إشارة إلى المجموعتين اللتين شاركتا في قتال نظام القذافي بمساعدة حلف الناتو طوال ثمانية شهور من عام 2011.
ويتابع الورفلي قائلا إن كلاً من البرلمان و«المؤتمر» يدعي أن هذه الحكومة لا تمثله.. «مجلس النواب في طبرق من خلال رئيسه صالح، أعلن أن الذين وقعوا على هذه الاتفاقية لا يمثلون مجلس النواب، وليس لديهم تفويض من المجلس، وهو يقصد بذلك محمد شعيب الذي كان رئيسًا لفريق الحوار إبان فترة ليون. وبهذا يكون صالح قد سحب البساط من تحت أقدام الذين كانوا يوقعون باسم مجلس النواب، لعدم اعترافه بأي شرعية يمثلها هؤلاء، وأنهم يمثلون أنفسهم فقط».
ويوضح أن «المؤتمر» برئاسة أبو سهمين، أعلن في بيان رسمي أن الذين يوقعون في الصخيرات لا يمثلون «المؤتمر».. «بل إن (المؤتمر) سوف يحيلهم إلى محاكم تأديبية لتجاوزهم الاختصاصات وتوقيعهم باسم (المؤتمر الوطني) في اتفاق الصخيرات. هذا المشهد الأول يدل على أنه حتى المستهدفون بالتوافق من البرلمانيين غير متفقين على هذه الحكومة».
ويقول الورفلي، إن هذا الواقع الجديد «يعطي مؤشرًا آخر على أن هذه الحكومة هي عبارة عن حكومة إضافية.. أي أن ليبيا كانت تعاني من وجود حكومتين وفي الوقت الراهن أصبحت تعاني من وجود ثلاث حكومات»، مشيرًا إلى أن الأمر لا يقتصر على هذا، بل إن «قادة الميليشيات الإسلامية ومفتي البلاد (مقره طرابلس) المحسوب على التيار المتشدد، أعلنوا منذ اليوم الأول أن هذه الحكومة غير شرعية». وهذا الأمر ينطبق أيضًا على المنطقة الشرقية، كما يوضع الورفلي، قائلاً إن هناك ميليشيات ورؤساء بلديات، إضافة إلى الجيش الذي يقوده حفتر، ليسوا مع حكومة اتفاق الصخيرات.
ويقول مصدر في الجيش الليبي، إن موقف حفتر «حتى الآن يميل إلى موقف البرلمان الرافض للاعتراف بمخرجات حوار الصخيرات». وكان حفتر قد قدم في لقائه مع كوبلر في منطقة عسكرية قرب بنغازي، 12 شرطًا للموافقة على الحكومة الجديدة. ويقول المصدر نفسه، إن قائد الجيش الوطني لم يتلق من كوبلر ما يفيد تضمين مطالبه في اتفاق الصخيرات، لكنه أضاف أن المؤشرات تقول إنه لم يجرِ وضعها في الاعتبار، وإن الجانب الإيجابي الذي يمكن التعويل عليه لتطمين حفتر، هو تعيين ابن بنغازي المقرب له، علي القطراني، في حكومة التوافق كنائب لرئيس الوزراء. مع أن البعض يرى أن هذه الخطوة قد تكون محاولة لاستخدام اسم القطراني لشق الصف بين الموالين لحفتر نفسه، سواء داخل البرلمان أو خارجه. ويقول عميش: «كثير من الإجراءات ما زالت غامضة.. أعتقد أنه يوجد تعمد وراء هذا الوضع».
ويقول الورفلي، إن ما جرى في الصخيرات مربك، ويفتقر لإجابات كثيرة.. «هل جرى وضع النقاط الـ12 التي قدمها حفتر لكوبلر في الاتفاق أم لا.. وأين النظام السابق مما جرى (أي أنصار القذافي)، وهم الذين يشكلون نصف السكان أو أكثر من نصف السكان. كل هذه الأشياء، الآن، غير معلومة». وعن الشروط التي يرى أنه ينبغي أن تنفذها الحكومة الجديدة لكي تتجاوز كل هذه العقبات والمشكلات؟ يزيد الورفلي موضحًا أنه «لا بد أن يكون لديها برنامج عمل وخريطة طريق. الحكومة المزعومة حتى الآن ليس لديها أي برنامج».
ويضيف أن الغريب في الأمر أن السراج الذي تم تكليفه برئاسة الحكومة عندما تحدث في المؤتمر الصحافي لاتفاق الصخيرات اكتفى بالقول إنه ينادي الليبيين بالتوحد، ولم يقدم أي برنامج، بينما كوبلر تحدث عن صندوق لدعم بنغازي ومكافحة الإرهاب ومحاربة «داعش» وعن مشروعات التنمية وعن الأمن وعن المصالحة الوطنية.. «وكأن الذي يحمل برنامج الحكومة هو كوبلر. هذه وصمة عار وهذا مؤشر غير إيجابي من جانب الحكومة الجديدة».
ومن جانبه، يقول مستشار رئيس البرلمان الليبي، إن حكومة الصخيرات لا تمثل الشعب الليبي وهي بمثابة وصاية على الشعب.. الشعب لا يقبل الوصاية من أحد، حتى لو كانت الأمم المتحدة. وما حدث في الصخيرات لا يمثلنا. ويضيف عبد المجيد عن مستقبل حكومة السراج، وما إذا كان يتوقع لها أن تنجح أم أنها ستقابل بالرفض من جانب الليبيين، أجاب بشكل قاطع أن «هذه الحكومة ولدت ميتة». وتساءل: أين سيكون مقرها.. لا مكان لها في ليبيا، فهل ستكون حكومة منفى تعمل من إحدى الدول الأجنبية أو إحدى العواصم الأوروبية».
وعما إذا كان هناك شرط بأن هذه الحكومة لا بد أن تحوز الثقة من البرلمان قبل أن تبدأ أعمالها، رد عبد المجيد قائلاً إن هؤلاء الذين اتفقوا في الصخيرات «لا يمكن أن يكون لديهم جرأة حتى للوصول إلى طبرق. هذه حكومة منفى وحكومة ولدت ميتة». بينما أكد عميش على أن أي حكومة لا بد أن تأتي للبرلمان لكي تحوز الثقة قبل مباشرة عملها.. «لا بد من موافقة الثلثين زائد واحد. وهذا صعب المنال».
مع ذلك توجد محاولات من جانب الفريق الحكومي الجديد الذي جرت تسميته للعمل مع السراج بشكل أساسي، للتواصل مع الأطراف الفاعلة خاصة القوى التي تملك السلاح في المنطقتين الشرقية والغربية من البلاد. ويجري هذا بالاعتماد على علاقات قديمة للسراج نفسه مع بعض الأطراف والقيادات، ومن بينهم عسكريون ورجال أعمال ونواب. ويأتي هذا مع وجود توجهات دولية بدعم الحكومة الجديدة، والتفاهم حول الشق الأمني خاصة في العاصمة طرابلس.
ومن بين المقترحات التي تبحث الحكومة الجديدة القيام بها بمساعدة المجتمع الدولي، إعطاء قادة من الجيش الوطني في غرب البلاد الضوء الأخضر للتقدم حول العاصمة طرابلس، مع انسحاب تدريجي للميليشيات من العاصمة إلى مسافة لا تقل عن 35 كيلومترًا في بعض المناطق و50 كيلومترًا في مناطق أخرى. وكذا وضع برنامج يستمر لعدة شهور من أجل تسليم الميليشيات، الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، كمرحلة أولى، مع بحث ملف عناصر الميليشيات سواء بدمجها في الجيش أو الشرطة أو العودة إلى الحياة المدنية. ويستمر هذا طوال عمل الحكومة المقرر له سنة كاملة.
وتدعم عدة قيادات ليبية من داخل البلاد، وأخرى تقيم في الخارج، الحكومة الجديدة رغم التحديات والعراقيل التي تواجهها، سواء على الصعيد السياسي أو الأمني أو العسكري. ويعزز من تفاؤل حكومة السراج ترحيب الولايات المتحدة بالاتفاق، ما يعني إمكانية توافق الدول الكبرى على إصدار قرار من مجلس الأمن برفع الحظر عن تسليح الجيش، بعد التوصل إلى توافق يرضي الأطراف في ما يتعلق باستمرار حفتر من عدمه.
كما يعطي الموقف المصري الداعم للاتفاق، وفقًا لمصادر شاركت في لقاء الصخيرات، دفعة للحكومة الجديدة.. و«قدرة على دخول مصر كوسيط لنزع الألغام من أمام عمل السراج.. مصر لديها علاقات جيدة مع قادة الشرق الليبي بما فيها الجيش والبرلمان وحكومة الثني (الحكومة التابعة لبرلمان طبرق).
وتقول مصر إن الاتفاق «خطوة رئيسية على مسار استعادة الأمن والاستقرار في ليبيا، وتحقيق تطلعات الشعب الليبي الشقيق في إعادة بناء دولته وحماية وحدتها، كما أنه يمثل خطوة هامه لتعزيز جهود مكافحة الإرهاب بشكل متكامل وفعال وبدعم من المجتمع الدولي، فضلاً عن توفير الاحتياجات الأساسية ورفع المعاناة الإنسانية عن الشعب الليبي الشقيق».
لكن هذا لا ينفي أن قيادات من المنطقة الشرقية وأخرى من غرب البلاد في ليبيا سارعت بإبلاغ مصر بأن كلاً من البرلمان و«المؤتمر الوطني» يرفض اتفاق الصخيرات. كما جرى إخطار الجامعة العربية، في رسالة لأمينها العام، نبيل العربي، بوجود مسار جديد بين الليبيين، والمقصود به اللقاء الذي جرى في تونس بين ممثلين عن البرلمان و«المؤتمر الوطني»، وإمكانية وصوله إلى حلول جوهرية تجنب ليبيا المزيد من المشكلات. واطلعت «الشرق الأوسط» على نص الرسالة التي طلبت من العربي «دعم هذا الخيار» بالتعاون مع الأمم المتحدة، لكن يبدو أن هذا التحرك جاء متأخرًا مقارنة بالخطوات السريعة التي اتخذها كوبلر في محاولة لفتح آفاق جديدة لإنقاذ الدولة الليبية من الفشل.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.