مارين لوبان.. رائدة {التخويف} من الإسلام وحلم الإليزيه

ورثت الزعامة عن والدها.. رغم معارضة رفاق الطريق

مارين لوبان.. رائدة {التخويف} من الإسلام وحلم الإليزيه
TT

مارين لوبان.. رائدة {التخويف} من الإسلام وحلم الإليزيه

مارين لوبان.. رائدة {التخويف} من الإسلام وحلم الإليزيه

فشل حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف في الفوز بأي منطقة من المناطق القارية الـ13 في فرنسا في الدورة الثانية «والأخيرة» من الانتخابات الإقليمية التي جرت الأحد الماضي رغم أنه احتل المرتبة الأولى في ست منها في الجولة الأولى. وجاءت النتائج مخيبة آمال مارين لوبان، زعيمته، التي حصلت على أكثر من أربعين في المائة في الدورة الأولى في منطقة الشمال، ولابنة شقيقتها ماريون مارشال لوبان، رئيسة لائحة الجبهة في منطقة الشاطئ اللازوردي التي تخطت أيضًا عتبة الأربعين في المائة أو لنائب رئيس الجبهة فلوريان فيليبو الذي ترشح في منطقة الألزاس «شرق فرنسا» الذي حصل على نحو 35 في المائة من الأصوات. وما زاد من خيبة اليمين المتطرف أن لوائح الجبهة تقدمت على منافسيها بأكثر من 15 نقطة.

رغم ذلك، قطع ناخبو اليسار طريق الفوز على اليمين المتطرف وجاءت تعبئة الناخبين من اليمين الكلاسيكي واليسار على السواء لتمنع الجبهة الوطنية، مرة أخرى، بفضل القانون الانتخابي الذي يعتمد مبدأ الأكثرية، من كسر الحاجز الرمزي الذي حال حتى الآن بين اليمين المتطرف وبين التربع على عرش بعض المناطق الفرنسية، كما حال دون دخول ممثلين للجبهة الوطنية إلى البرلمان مما يعكس قوة قاعدتهم الشعبية.
بيد أن هذا الإخفاق لا يعني بتاتا أن سير الجبهة الوطنية نحو السلطة قد أصيب في الصميم. فالأرقام تدل على أن الجبهة الوطنية حصلت على 6.8 مليون صوت بزيادة 800 ألف صوت عن الدورة الأولى. وهذا الرقم لم تصل إليه أبدا في تاريخها بما في ذلك عندما ترشحت مارين لوبان لرئاسة الجمهورية في عام 2012 أو عندما ترشح والدها، جان ماري لوبان للرئاسة في عام 2002 وتأهل للدورة الثانية على حساب المرشح الاشتراكي رئيس الوزراء الأسبق ليونيل جوسبان.
يذكر أن تعبئة الناخبين بالنسبة للاستحقاقات الانتخابية الرئاسية أو التشريعية تكون عادة أكثر ارتفاعا، إذ تجاوز الـ80 في المائة من المسجلين على اللوائح. وواضح أنه لو لم يسحب الحزب الاشتراكي مرشحيه من ثلاث مناطق لصالح لوائح حزب «الجمهوريين» وحلفائه من الوسط ويمين الوسط، لكانت الجبهة الوطنية هي التي رفعت راية الانتصار فيها.
كثير من المحللين رأوا في نتائج الأحد الماضي هزيمة شخصية لمارين لوبان. لكن الأمور ليست بهذه البساطة لأن ابنة جان ماري لوبان البكر تتبع استراتيجية محددة هي تجذير الجبهة الوطنية على كل الأراضي الفرنسية وإدخالها إلى كل الشرائح الاجتماعية و«تطبيعها» كحزب سياسي ليس وظيفته فقط أن يكون تعبيرا عن الصوت الاحتجاجي الأقلوي، بل أن يكون قادرا على الوصول إلى السلطة وممارستها. وهذه الرغبة الجامحة هي التي تبرر الطلاق الذي حصل في الأشهر الأخيرة بين مارين لوبان ووالدها، إذ إنها ترى أن البقاء ضمن الأطر الآيديولوجية التقليدية للجبهة سيبقيها مجموعة مهمشة، بينما المطلوب أن تتحول إلى حزب شعبي عريض. ووفق أكثر من دراسة واستطلاع للرأي، يمكن القول إن مارين لوبان نجحت في خطتها، إذ إن اليمين المتطرف أصبح قادرا في الوقت الحاضر على إنزال مرشحيه في كل المناطق والدوائر ولمختلف الانتخابات، بينما كان عاجزا عن ذلك في السنوات السابقة. أما الأمر الأكثر خطورة فيتمثل في «تفشي» أفكار اليمين المتطرف، ومن هذه الزاوية يمكن اعتبار أن الجبهة الوطنية قد حققت تقدما كبيرا.. الأمر الذي يعكسه «هلع» الأحزاب التقليدية وتخبطها في البحث عن خطة مضادة. ومن الظواهر التي تبين مدى «اختراق» اليمين المتطرف الطبقات الاجتماعية اثنتان تحملان مدلولات ثقيلة: الأولى، أن عشرات الآلاف من العمال وصغار الموظفين الذين كانوا يشكلون البيئة الحاضنة لليسار واليسار المتطرف والرافد البشري الأول للنقابات اليسارية مثل الكونفدرالية العامة للشغل تحولوا حاليًا إلى الجبهة الوطنية.. الأمر الذي يفسر كيف أن مارين لوبان حصلت على نسبة استثنائية في منطقة معروفة بأنها عمالية الطابع «الشمال» وكانت معقودة اللواء لليسار منذ عقود.
تتمثل الظاهرة الثانية في أن الجبهة الوطنية نجحت للمرة الأولى في تاريخها في إيجاد قسم لها في معهد العلوم السياسية في باريس، وهو المؤسسة التي تخرج النخبة والتي تغرف منها الدولة كادراتها وكبار موظفيها. وتحمل هذه الظاهرة مضامين كثيرة أولها أن الانتماء إلى الجبهة الوطنية أو تقبل أفكارها لم يعد ينظر إليه في فرنسا على أنه ممارسة «شاذة» يتعين على صاحبها أن يخبئ أفكاره وانتماءه أو أن مناصري الجبهة الوطنية هم من الرعاع أو من المجموعات النازية العنصرية المتطرفة. فـ«الجبهويون» اليوم يفاخرون بآيديولوجيتهم وأفكارهم ويريدون أن يعمموها على المجتمع بحيث يكون وصول مارين لوبان إلى السلطة تطورا «طبيعيا» باعتبار أن الفرنسيين جربوا اليمين واليسار وكلاهما فشل وبالتالي لماذا لا يجربون الجبهة الوطنية؟
* ثلاثية الجبهة الوطنية
تقوم آيديولوجية الجبهة الوطنية على ثلاثية أولى أعمدتها ادعاء الحفاظ على الهوية الوطنية وحمايتها من «الغزو» الخارجي. وصور التهديد الخارجي كثيرة. فقد يكون الاتحاد الأوروبي الذي سلب فرنسا صلاحياتها السيادية بحيث تخلت عن عملتها الوطنية وعن قدرتها على سن القوانين ووضع الميزانيات بسبب الضوابط التي تضعها المفوضية الأوروبية. ومع اتفاقية شنغن، فقدت باريس القدرة على الرقابة على الحدود وسن القوانين، لأن هناك سلطة قضائية فوق سلطة القضاء الفرنسي. بيد أن الغزو الحقيقي، بالنسبة لمارين لوبان هو «الغزو الإسلامي». وخلال هذا الأسبوع، قامت محكمة فرنسية بتبرئة لوبان من اتهامات في دعوى أقيمت ضدها بتهمة الحض على الكراهية لأنها قارنت، في خطاب ألقته في مدينة ليون «ثاني المدن الفرنسية» عام 2010 بين صلاة المسلمين في بعض شوارع المدن الفرنسية، حيث لا توجد مساجد يصلون فيها بالاحتلال النازي لفرنسا خلال الحرب العالمية الثانية. وقالت لوبان وقتها: «فرنسا تشهد المزيد والمزيد من مرتديات الحجاب، ثم المزيد والمزيد من البرقع، ثم جاءت بعد ذلك ظاهرة الصلاة في الشوارع». وأضافت: «اسمحوا لي، بما أن الكثيرين ما زالوا يحبون التحدث عن الحرب العالمية الثانية والاحتلال النازي، أن نتكلم عن الاحتلال لأن هذا هو بالضبط ما يحصل اليوم. صحيح، ليس هناك دبابات أو جنود، ولكنه مع ذلك احتلال يلقي بظلاله الثقيلة على الناس». ورغم خطورة ما جاء على لسان لوبان من حض على الكراهية والتنديد بالإسلام ومقارنته بالاحتلال النازي رغم أن عشرات الآلاف من المسلمين خاضوا الحربين العالميتين للدفاع عن فرنسا وتحريرها، حيث قتل منهم الآلاف، فإن زعيمة اليمين المتطرف لا تجد غضاضة في الخلط بين الاحتلال والإسلام. وخلال الحملة الانتخابية الأخيرة، ذهبت لوبان إلى التحذير من أن الإسلاميين يسعون لإحلال الشريعة محل الدستور الفرنسي وسيعمدون إلى فرض قوانينهم وشرائعهم في فرنسا البلد المسيحي منذ 1400 عام. أما ابنة شقيقتها ماريون مارشال لوبان، النائبة في البرلمان، فإنها لم تجد حرجا في تأكيد أنه لا يحق للمسلمين أن يطمحوا بأن تكون ديانتهم بمستوى الديانة المسيحية لأن فرنسا بلد الكاتدرائيات وليست بلد المساجد.
ثاني ثلاثية الجبهة الوطنية التنديد بالمهاجرين أكانوا في إطار الهجرة الشرعية أو كانوا من المهاجرين غير الشرعيين. وغالبا ما تدمج بين الإسلام الهجرة، لتخرج إلى العلن مزيجا متفجرا يساهم في الترويج له بعض «المفكرين» الفرنسيين أمثال آلان فينكلكروت وأريك زمور وميشال أونفري الذين ما فتئوا يحذرون من ضياع الهوية وتداعي الحضارة وعدم استعداد الوافدين إلى فرنسا من بلدان العالم الثالث إلى «الانصهار» في المجتمع الفرنسي وتقبل قيمه أو أساليب حياته.
وحجة المهجرين ليست جديدة، إذ إن اليمين المتطرف يعتبرها أحد أهم أسباب البطالة لأن المهاجرين «يسرقون» فرص العمل من الفرنسيين ولأنهم يأتون إلى فرنسا للاستفادة من أنظمة الرعاية الاجتماعية.. ثم تضاف إلى ذلك ظاهرة الإرهاب الذي ضرب باريس في بداية العام ضد صحيفة «شارلي إيبدو» الساخرة والمتجر اليهودي ثم ضرب مجددا الشهر الماضي في مسرح الباتاكلان وعدد من مطاعم ومقاهي العاصمة. وبذلك توفرت لليمين المتطرف ثلاثية متداخلة من شأنها إخافة المواطن الفرنسي الذي هو بصدد خسارة هويته ولقمة عيشه وأمنه.
* ولكن من هي مارين لوبان؟
ماريون آن بيرين لوبان المسماة مارين لوبان ورثت زعامة حزب الجبهة الوطنية عن والدها المؤسس. إلا أنها لم تتردد الصيف الماضي عن نزع رئاسة الشرف منه، وهو المنصب الفخري الذي كان يحتله بعد أن «أوكل» الحزب إلى ابنته. بين الأب وابنته البكر حرب مفتوحة على صفحات الجرائد، وخصوصا في المحاكم. الأب وابنته قطعا التواصل بينهما لأن الثانية اتهمت الأول بـ«الإضرار بمصالح الحزب الحيوية» بسبب تصريحاته التي يعود فيها لتلميحاته المعادية للسامية، بينما تسعى من جانبها لتوفير سمعة حسنة لليمين المتطرف من شأنه تأهيله لاحتلال أعلى المراكز في الدولة.
قصة عائلة لوبان أشبه بمسلسل «دالاس». لوبان الأب المولود عام 1928 في قرية وادعة على شاطئ الأطلسي في منطقة بروتاني كان يحلم بصبي يسلمه زمام الأمور من بعده. لكن زوجته الأولى بياريت لوبان أنجبت له ثلاث بنات هن: مارين «العقوق» وماري كارولين التي تزوجها أحد وجهاء الحزب واسمه برونو ميغريه قطعت علاقاتها بوالدها بعد أن أيدت زوجها في محاولته وضع اليد على الجبهة الوطنية. ولما فشل أسس حزبا منافسا لها. أما ابنته الثالثة فهي يان لوبان، زوجة صامويل مارشال ووالدة ماريون مارشال لوبان، النجمة الصاعدة في حزب الجبهة الوطنية وهي نائبة «وحيدة» عنها في الجمعية الوطنية ورئيسة لائحة اليمين المتطرف في منطقة الشاطئ اللازوردي. ومن المعروف أن ماريون ليست ابنة صامويل مارشال البيولوجية بل ابنة الصحافي الفرنسي المعروف روجيه أوك لكن مارشال الذي كان أحد الكادرات الناشطة في حزب الجبهة الوطنية ومدير مكتبها الإعلامي تبنى ماريون ثم عمد بعدها إلى الطلاق من والدتها.
ولدت مارين لوبان عام 1968. تزوجت وطلقت مرتين وهي تعيش حاليا مع لويس أليو، النائب في البرلمان الأوروبي «مثله مثل مارين» وخصوصًا نائب رئيس الحزب ورئيس إحدى لوائحه في انتخابات المناطق.
تختلط قصة الجبهة الوطنية بقصة عائلة لوبان، حيث الأب المؤسس سلم مفاتيح الجبهة لابنته التي ذهبت إلى البرلمان الأوروبي بمعية رفيق دربها الذي هو نائب الرئيس. ومن الأب إلى الابنة إلى الحفيدة ماريون التي هي نائبة في البرلمان الفرنسي ورئيسة لائحة في منطقة بالغة الأهمية «مارسيليا، نيس، كان..». وإلى جانب السمة الأولى لعائلة لوبان وهي الرغبة في الصعود السياسي، ثمة سمة أخرى وهي تتابع الفضائح من كل نوع: فضيحة الأب في حرب الجزائر التي خاضها في فرقة المظليين واتهم فيها بممارسة التعذيب ضد مقاتلي الجبهة الوطنية الجزائرية. ثم الغموض الذي يحيط بمصدر ثروة جان ماري لوبان، إذ من المعروف أن ثروته كبيرة للغاية رغم أنه ولد في عائلة متواضعة. وقامت صحيفة «لو كنار أونشينيه» الساخرة بتحقيق حول مصدر ثروته، حيث يتبين أنه تعرف في السبعينات على صناعي فرنسي اسمه هوبير لامبير، وريث إحدى أهم العائلات الصناعية الفرنسية الذي أعجبته شخصية جان ماري لوبان وأفكاره واستشرف له مستقبلا سياسيا زاهرا كما قام بتمويل حزبه. ولما مات لامبير في سن الثانية والأربعين، تبين أنه ترك وصية ورث بموجبها لوبان جزءا كبيرا من ثروته «32 مليون فرنك فرنسي». وتؤكد الصحيفة أنه ورث آخرين.. ثم هناك الفضيحة «الجنسية» حيث ظهرت زوجته الأولى شبه عارية في إحدى مجلات الفضائح.
مارين لوبان احتلت مقعد والدها في الجبهة الوطنية بداية عام 2011 رغم معارضة رفاق الطريق. لكن الدعم المطلق الذي وفره لها والدها أتاح لها أن ترثه سياسيًا بعد أن انضوت في العمل السياسي في صفوف الجبهة منذ أن كانت طالبة. مارين تمتهن المحاماة لكن العمل السياسي يغلب على نشاطها المهني حيث أصبحت نائبة في البرلمان الأوروبي منذ عام 2004. لكن هناك أيضًا لحقت بها الفضائح.
في عام 2012، ترشحت لوبان لرئاسة الجمهورية وحصلت على 17.90 في المائة من الأصوات فجاءت في المرتبة الثالثة بعد فرنسوا هولاند ونيكولا ساركوزي. بيد أن الأمور تغيرت اليوم وصار بإمكان زعيمة اليمين المتطرف أن تحلم بالوصول إلى الدورة الثانية في الانتخابات الرئاسية في ربيع عام 2017 لا بل إن الكثير من استطلاعات الرأي العام تضعها في المقدمة وتؤهلها للدورة الثانية في مواجهة أحد خصميها اليساري «فرنسوا هولاند على الأرجح» أو اليمين «نيكولا ساركوزي أو آلان جوبيه». وبحسب مارين لوبان أن الظروف أصبحت «ناضجة» لأن تصل الجبهة الوطنية إلى السلطة عبر صندوق الانتخاب. فهل سيوفر لها الناخبون الفرنسيون هذه الفرصة ويتناسون التجارب التاريخية السابقة، حيث استفاد ديكتاتوريون من اللعبة الديمقراطية ليجهزوا عليها لاحقا.



هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
TT

هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)

صباح الأربعاء الفائت كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يدلي بتصريح مسهب في العاصمة واشنطن حول الخيارات المطروحة على مكتب الرئيس دونالد ترمب لمعالجة الوضع في كوبا، مشدّداً على أن «سيّد» البيت الأبيض يفضّل الحل السياسي «إلا أنه لن يتردد في اللجوء إلى القوة لإنهاء معاناة الشعب الكوبي». وفي الوقت نفسه تقريباً كان الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل يخاطب مواطنيه في العاصمة الكوبية هافانا معلّقاً على القرار الذي كان صدر عن وزارة العدل الأميركية بتوجيه تهمة القتل العمد إلى سلفه راؤول كاسترو في حادثة إسقاط طائرتين صغيرتين عام 1996 ومقتل أربعة من ركابها كانوا ينتمون إلى إحدى المنظمات غير الحكومية.

الرجلان، الوزير روبيو والرئيس دياز كانيل توقّفا طويلاً عند يوم مفصلي في تاريخ كوبا هو 20 مايو (أيار) من عام 1902.

الوزير روبيو، الذي هو ابن أسرة لاجئة من كوبا، توقّف ليذكّر بأنه في ذلك اليوم رفرفت الراية الكوبية فوق الدولة المستقلة لأول مرة، وبقيت صورتها محفورة في الذاكرة تشهد إلى الأبد على ولادة الجمهورية المستقلة. أما الرئيس دياز كانيل فقد ذكّر بأن ذلك التاريخ «إن شهد على شيء، فهو يشهد على أنه زرع في نفوس الكوبيين مشاعر مناهضة الإمبريالية والصمود في وجه غطرستها».

روبيو عاد إلى ذلك التاريخ بوصفه «لحظة ملحمية»، بينما طلب الرئيس الكوبي من مواطنيه ألا ينسوا التدخل الأميركي المديد في بلاده. وهذه هي حكاية العلاقة بين الولايات المتحدة وكوبا: عراك حول التاريخ واستخلاص العِبَر من محطاته.

تفاقم أزمة الكهرباء... والحصار المزمن

اللافت أنه في الوقت الذي كانت فيه وكالات الأنباء تتناقل ما ورد في تصريحات روبيو ودياز كانيل، كانت مؤسسة الكهرباء الكوبية تعلن أن قدرتها الإنتاجية هي دون نصف الاحتياج الوطني. أي أن الدولة - الجزيرة مقبلة على يوم آخر من انقطاعات التيّار الكهربائي، وأن أمواج الطلاب لن تتدفّق كعادتها على أدراج جامعة هافانا المهيبة، وأن فندق الـ«ناسيونال» Nacional الأسطوري لن يسلم هو أيضاً من العتمة، وأن الأحياء السياحية في العاصمة ستنقطع عنها المياه لساعات طويلة بعدما كادت تفرغ من الزوار الأجانب.

الواقع أنه لم يكن من باب الصدف اختيار الحكومة الأميركية هذا التاريخ، بالذات، لإصدار وزارة العدل قرار الاتهام الفيدرالي بحق الرئيس السابق راؤول كاسترو حول «مسؤوليته» عن إعطاء الأمر بإسقاط الطائرتين يوم 24 فبراير (شباط) 1996.

كاسترو، الشقيق الأصغر لفيديل كاسترو، مؤسس الاشتراكية الكوبية، وخلفه في الحكم، لم يصدر عنه حتى الآن أي تعليق على قرار الاتهام. وللعلم، هو الآن على أبواب الاحتفال بعيد ميلاده الخامس والتسعين. كذلك لا تعليق منه على الوعود التي أطلقها روبيو بقوله إن الولايات المتحدة «تريد مساعدة الكوبيين، ليس على التخفيف من حدة الأزمة المعيشية فحسب، بل أيضاً على بناء مستقبل أفضل».

ما يستحق الإشارة أن الأزمة المعيشية الممتدة في كوبا بلغت ذروة غير مسبوقة عندما ضربت الإدارة الأميركية حصاراً نفطياً على الدولة - الجزيرة في أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي. وأعقبتها بسلسلة من التهديدات اليومية تقريباً، إلى جانب فرض العقوبات على أجهزة المخابرات، والضغط على المؤسسات العسكرية والاقتصادية، وإعلان قيود مالية، إلى أن كانت زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) الأميركية إلى هافانا. وهي التي بيّنت بوضوح أن كوبا لم تعد تشكّل تهديداً للأمن القومي الأميركي، وأيضاً أن الولايات المتحدة التي يقود وزارة خارجيتها اليوم كوبي مولود في ولاية فلوريدا، تريد أن تضع آخر رموز النظام الكاستري تحت مقصلة الإعدام السياسي... وهو على مشارف نهاية حياته!

«خبرة» روبيو الكوبية

وحقاً، لا أحد مثل روبيو يعرف «مسالك» النظام الكوبي داخل الإدارة الأميركية الحالية. ولا شك في أنه، إلى جانب البُعد الشخصي الذي تحمله الجزيرة بالنسبة إليه، يريد أن تكون «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض، هي «إنهاء الثورة الكوبية» الذي عجزت عنه كل الإدارات الأميركية منذ مطالع ستينات القرن الماضي.

بل، يبدو الوزير الأميركي اليميني الشاب مصمّماً الآن على تحميل شقيق فيديل ديون الثورة المستحقّة للشتات الكوبي، عندما يقول: «السبب في أن الجزيرة اليوم تعيش بلا كهرباء أو وقود أو غذاء، هو أن الذين أحكموا قبضتهم عليها طوال عقود قد نهبوا خيراتها عن طريق مؤسسة (غييسا) Gaesa». وللعلم، «غاييسا» هي المجموعة الحكومة المالية الحكومية التي تسيطر على 70 في المائة من اقتصاد كوبا.

لكن خارج التصريحات المتعاقبة على لسان الرئيس ترمب حول كوبا، والتهديدات المتكررة بوضع اليد عليها «في طريق عودة حاملة الطائرات إبراهام لنكولن من إيران»، أو تنصيب ماركو روبيو رئيساً عليها، ليس واضحاً بعد ما هو الهدف الذي وضعته الإدارة الأميركية من وراء تصعيد الحصار على كوبا، أو حتى من إسقاط النظام بواسطة التدخل العسكري المباشر.

الترجيحات والتوقعات لـ«سيناريو» المستقبل

متعدّدة هي الترجيحات والتوقعات في أوساط الخبراء والباحثين في الشأن الكوبي، خاصة أن التجربة الفنزويلية التي يميل كثيرون إلى التشبّه بها في الحالة الكوبية، ما زالت غامضة من حيث أهدافها والصيغة التي ستستقر عليها في نهاية المطاف.

ثمّة من يرى أن اختيار تاريخ إعلان استقلال الجمهورية الكوبية لتوجيه التهمة إلى راؤول كاسترو، يحمل دلالة «التأسيس لدولة جديدة» تدور كلياً في فلك واشنطن، وهذا بعدما استنهضت إدارة ترمب «شرعة مونرو» لإحكام السيطرة على «حديقتها الخلفية» - التي هي القارة الأميركية - وإبعادها عن التأثيرات الخارجية.

ويذهب آخرون إلى القول إن إدارة ترمب، في ضوء طبيعة العلاقات التي تنسجها مع القيادات اليمينية المتطرفة في المنطقة والعالم، قد تكون عاقدة النية على إرجاع الدولة - الجزيرة إلى عهد الديكتاتور فولخنسيو باتيستا، عندما كانت كوبا شبه محمية أميركية.

الكوبيون، من ناحيتهم، في حالة من القلق الشديد والتوتر لجهلهم المقصود من كلام الرئيس الأميركي عندما يتكلّم عن «تحرير كوبا» أو عن «فجر جديد للجزيرة». وهم يعيشون منذ خمسة أشهر تحت أشدّ الضغوط التي تعرّضوا لها على أيدي الإدارات الأميركية الاثنتي عشرة التي تعاقبت على البيت الأبيض منذ انتصار الثورة الكوبية.

ضغوط غير مسبوقة

آندي غوميز، المدير السابق لمعهد الدراسات الكوبية في جامعة ميامي الأميركية، الذي تتواصل معه «الشرق الأوسط» منذ أشهر حول الأزمة الكوبية، يقول إن «الضغوط التي تمارسها إدارة ترمب على الجزيرة، منذ مطلع هذه السنة، لا سابق لها في تاريخ الإدارات الأميركية من حيث قسوتها وتجاوزها بعض المحظورات والخطوط الحمر الإنسانية في السياسة الخارجية الأميركية».

ويضيف غوميز، الذي كان «مهندس العلاقات بين واشنطن وهافانا على عهد باراك أوباما: «لقد وضعت إدارة ترمب حبل المشنقة حول عنق الحكومة الكوبية، لكنها وضعته أيضاً حول أعناق أبناء الشعب الكوبي الذي لم يسبق أن عانى كما اليوم من السياسات الأميركية».

ويرى غوميز أن مؤسسة «غاييسا»، التي تصوّب إدارة ترمب سهامها عليها الآن، هي الأداة الرئيسة التي استخدمها راؤول كاسترو لإحكام سيطرته على النظام، لكنها ليست هي أداة النظام للسيطرة على كوبا، موضحاً: «كانت كوبا في البداية تحت قبضة فيديل (كاسترو)، ومن بعده تحت قبضة راؤول، والقول إن الدولة الكوبية مُلحقة بسلطة اقتصادية ضخمة خطأ فادح. هذه المؤسسة لا يزيد عمرها على عشرين سنة، وهي كانت دائماً وسيلة راؤول لبسط هيمنته على النظام، وعلى النخبة العسكرية التي لها الكلمة الفصل في كل شأن كوبي».

بديل روبيو المقترح

في المقابل، قال وزير الخارجية الأميركي روبيو في الكلمة التي خاطب بها الكوبيين، الأربعاء الماضي: «إن الرئيس ترمب يعرض عليكم إقامة علاقات جديدة مع الولايات المتحدة. علاقات مباشرة لا عبر الحكومة. ونحن جاهزون لفتح صفحة جديدة بين الشعبين والبلدين، لكن العائق الوحيد اليوم في الطريق نحو مستقبل أفضل هم الذين يسيطرون على كوبا».

هذا الكلام يدلّ على أن الصيغة التي يطرحها روبيو تقوم على علاقة تلتفّ على الدولة الكوبية عن طريق تعزيز القطاع الخاص والجهات المستقلة في كوبا. وعلى أن إدارة ترمب لا تريد توجيه الاستثمارات التجارية والسياحية الأميركية الموعودة في الدولة - الجزيرة عبر المؤسسات المرتبطة بالقوات المسلحة الكوبية، بل عن طريق المؤسسات الخاصة ورجال الأعمال المستقلين عن النظام، ما يهدف في نهاية المطاف إلى تغيير جذري في معادلة السلطة.

أمام هذا التوجّه، الذي ما زال يفتقر إلى الكثير من التفاصيل، يكمن اللغز الأكبر بالنسبة للكوبيين، ولمن يتابعون الشأن الكوبي، في هذه المواجهة التي انفتحت أبوابها في أعقاب العملية العسكرية في فنزويلا؛ أي العملية التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ودفعت بكوبا إلى صدارة قائمة المرشحين لهجوم أميركي جديد. بالتالي، كيف ستكون طبيعة العلاقة مع رئيس أميركي سارع في ولايته الأولى إلى هدم كل ما بنته إدارة باراك أوباما لترميم العلاقات بين واشنطن وهافانا؟ هذا لغز يزداد غموضاً مع كل تصريح يصدر عن ترمب وكبار معاونيه بشأن كوبا.

«قانون هيلمز - برتون»

يذكّر بعض الخبراء الأميركيين أن القانون الذي يحكم الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة على كوبا، والمعروف باسم «قانون هيلمز - برتون»، يشترط عملياً لرفع الحصار الاقتصادي عن الجزيرة تغيير النظام. وهذا يعني أن ترمب، حتى وإن رغب، لا يستطيع رفع الحصار ما لم يتغيّر النظام في كوبا، ومن ثم، فأقصى ما يمكن أن تذهب إليه الإدارة الحالية لا يتجاوز بكثير ما ذهبت إليه إدارة أوباما.

بمعنى آخر، ما يقوله هؤلاء إن الكرة في ملعب النظام الكوبي. والسؤال هو: ما الخطوات التي بمقدور النظام الكوبي الإقدام عليها لتسهيل مهمة ترمب وروبيو... وإجهاض احتمال التدخل العسكري المباشر؟

الرسائل التي يطلقها النظام الكوبي، على الأقل في تصريحاته العلنية، تتأرجح بين التشدّد تارة والاستعداد للتعاون تارة أخرى، ثم عودة إلى التشدد، تبعاً لوتيرة التهديدات التي تصدر عن واشنطن. والرد الأخير من الرئيس دياز كانيل على تصريحات روبيو جاء فيه قوله: «ارفعوا الحصار وتعالوا لنتكلّم». لكنه كان توعّد منذ أيام، بعد تهديد ترمب الأخير، بأن التدخل العسكري المباشر «سيؤدي إلى حمّام دم».

استطراداً، بعض الأوساط المقرّبة من روبيو في صفوف «الشتات الكوبي» الناشط سياسياً والنافذ اقتصادياً في الولايات المتحدة، تقول إنه إذا واصلت الإدارة الأميركية تصعيد الضغوط على كوبا من غير الحصول على تنازلات من النظام، فسيصبح التدخل العسكري أمراً محتوماً، وبخاصة أن المنحى الراهن يسير في اتجاه مرحلة طويلة من المعاناة وتدهور الأوضاع الإنسانية من دون تغيير حقيقي بالنسبة للمواطنين.

بناء عليه... كيف تتوقع واشنطن أن يحصل هذا التغيير؟ أعبر اتفاق اقتصادي؟ أو المزيد من التدابير القسرية؟ أم تقديم مساعدات مشروطة بتنازلات؟ أم الذهاب إلى الخيار العسكري؟

الحال أنه أياً كانت الإجابة... لا بد من سؤال آخر: هل سيؤدي التغيير المفروض بضغط أميركي فعلاً إلى تغيير حقيقي في أوضاع المواطنين الكوبيين ... أم أنه لن يكون سوى الاستعاضة عن السلطة الحالية بأخرى مرهونة للمصالح الاقتصادية والجيوسياسية الأميركية؟ يريد روبيو أن يكون «إنهاء الثورة الكوبية» بمثابة «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض


نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
TT

نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»

من أروقة الأمم المتحدة ودهاليز الوساطات المعقدة في منطقة الشرق الأوسط، برز اسم السياسي البلغاري المخضرم نيكولاي ملادينوف في ملفات النزاع الإقليمي ممثلاً أعلى لـ«مجلس السلام» في قطاع غزة، لا سيما وسط اتهامات متبادلة وتباين واضح في المواقف بينه وبين حركة «حماس»، طفت على السطح أخيراً إثر اعتبار «مجلس السلام»، الذي أسّسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الحركة «العقبة الرئيسة» أمام تنفيذ المرحلة الثانية من الهدنة في القطاع، حسب تقرير قدِّم أخيراً إلى مجلس الأمن الدولي.

يجمع نيكولاي ملادينوف بين الخلفية الأمنية والدبلوماسية والأكاديمية. ولقد استطاع خلال مسيرته المهنية التي بدأت منذ تسعينات القرن الماضي، الانتقال بسلاسة من السياسة الأوروبية المحلية إلى ملفات الدبلوماسية الدولية، في بغداد والقدس وغزة، متبنياً خطاباً يقوم على الحوار والتهدئة في ملفات عدة. وهذا مع أنه لم يَسْلَم مع الانتقادات والاتهامات بالانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية، لا سيما مع خلفيته اليمينية ودعمه التطبيع و«الاتفاقات الإبراهيمية».

نزع سلاح «حماس»

ملادينوف، الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام»، الذي يشرف على وقف إطلاق في قطاع غزة، رَهَن في تصريحات صحافية أخيراً، استمرار الهدنة بنزع سلاح حركة «حماس». وقال إن «مرور أشهر دون إحراز تقدم في تنفيذ الاتفاق لا يخدم مصالح إسرائيل ولا الفلسطينيين». وبعدما حمّل ملادينوف «حماس» المسؤولية عن تعرّض اتفاق وقف إطلاق النار للشلل لرفضها تسليم سلاحها، قال: «نحن لا نطلب من (حماس) أن تختفي كحركة سياسية... لكن ما هو غير قابل للتفاوض أن تبقى فصائل مسلحة أو ميليشيات تمتلك هياكل قيادة عسكرية خاصة بها، وترسانات أو شبكات أنفاق خاصة بها، بالتوازي مع سلطة فلسطينية انتقالية».

هذا الأمر رفضته «حماس»، داعيةً السياسي والدبلوماسي البلغاري إلى إلزام إسرائيل بتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار.

بدايات «المجلس»

أُنشئ «مجلس السلام» لغزة في إطار خطة ترمب لوقف إطلاق النار في غزة، التي أُقرَّت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لكنها لم تتجاوز بعد مرحلتها الأولى. إذ ترفض «حماس» تسليم السلاح، بينما تواصل إسرائيل احتلالها القطاع وشن غارات جوية على سكانه، الأمر الذي يعقّد مهمة ملادينوف في متابعة تنفيذ الاتفاق.

في رأي ملادينوف، فإن خطة ترمب للسلام في غزة «نجحت في تحقيق ما عجزت عنه جهود سابقة». وقال في ندوة نظمها «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إن «الخطة لا تعالج الاحتياجات الإنسانية الملحّة فحسب، بل تُرسي توافقاً حول إقامة حوكمة جديدة في غزة ضمن إطار انخراطٍ إقليمي أشمل».

لكنه منذ اللحظة الأولى لتوليه مهامه في «مجلس السلام»، كان يرى أن «تجاهل (حماس) لمطالب نزع السلام يؤكد أن الوقت ينفد أمام المجتمع الدولي لبناء منظومة حوكمة شرعية تُعزّز صمود وقف إطلاق النار... وأن المسار الأجدى لمنع انبعاث (حماس) هو إصدار قرارٍ من مجلس الأمن بإنشاء قوة متعددة الجنسيات لمواجهة أي تمرد في غزة»، حسب تصريحاته في ندوة «المعهد».

... من صوفيا إلى البرلمان الأوروبي

وُلد نيكولاي ملادينوف في العاصمة البلغارية صوفيا يوم 5 مايو (أيار) 1972، في فترة كانت فيها بلغاريا ضمن المعسكر الشرقي. ونشأ في بيئة سياسية وأمنية، حيث كان والده يعمل في قطاع الأمن الدبلوماسي إبان الحقبة الشيوعية، كما انخرط عمه في السلك الدبلوماسي. ولكن مع سقوط الاتحاد السوفياتي، تحول سياسياً نحو اليمين الليبرالي وشارك في عملية التحوّل الديمقراطي لبلاده.

دراسياً، أنهى تعليمه الثانوي في المدرسة الإنجليزية بصوفيا عام 1990، وتخرّج في جامعة الاقتصاد الوطني والعالمي (في صوفيا) عام 1995 متخصّصاً في العلاقات الدولية. ثم حصل على درجة الماجستير في دراسات الحرب من كلية «كينغز كوليدج» بلندن، مما انعكس لاحقاً على مقارباته للملفات الأمنية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط.

ومهنياً، بدأ ملادينوف مسيرته المهنية فور تخرجه في الجامعة، حيث عمل مديراً للبرامج في إحدى مؤسسات المجتمع المدني بصوفيا. وعام 1999 أسس «المعهد الأوروبي» في صوفيا لتعزيز اندماج بلغاريا في الاتحاد الأوروبي، كما عمل مع البنك الدولي ومؤسسات بحثية وسياسية أوروبية.

برلماني يميني

وفي مطلع الألفية دخل الحياة السياسية من بوابة البرلمان، عضواً في برلمان بلاده، ثم في البرلمان الأوروبي خلال الفترة ما بين عامي 2007 و2009 عن حزب «مواطنون من أجل تنمية بلغاريا أوروبياً» اليميني المحافظ.

وخلال تلك الفترة عمل ملادينوف على ملفات العراق وإسرائيل وأفغانستان والعلاقات الأوربية مع الشرق الأوسط. ومن البرلمان انتقل إلى السلطة التنفيذية في بلغاريا، ليتولى وزارة الدفاع عام 2009، وهو في السابعة والثلاثين من عمره، ثم حقيبة الخارجية في الفترة ما بين عامي 2010 و2013. وتبنى خطاباً مؤيداً للتكامل الأوروبي، ودفع إلى تعزيز حضور بلغاريا داخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي «ناتو».

مهام أممية

بعدها كان التحول الأكبر في مسيرته المهنية عام 2013، مع تعيينه ممثلاً خاصاً للأمم المتحدة في العراق ورئيسا لبعثة (UNAMI)، في فترة صعود تنظيم «داعش» الحرجة. وحقاً، لعب ملادينوف دوراً في تشكيل حكومة وحدة وطنية وفي اتفاقات النفط بين بغداد وأربيل. وبعد أقل من سنتين، تولى مسؤولية الملف الأعقد والأكثر حساسية في المنطقة مع تعيينه منسقاً خاصاً لعملية السلام في الشرق الأوسط بين عامي 2015 و2020. وارتبط اسمه خلال هذه الفترة بمحاولات «بناء الثقة» والوساطة بين إسرائيل من جهة والسلطة الفلسطينية والفصائل الفلسطينية من جهة أخرى، مع مساعٍ مستمرة لتثبيت التهدئة في قطاع غزة.

كان ملادينوف يرى أن القدس هي «حجر الزاوية لجميع الصراعات في المنطقة»، وفق ما نقلته عنه مواطنته وسفيرة بلغاريا في إسرائيل روميانا باتشفاروفا، عقب زيارتها له في القدس إبّان فترة عمله ممثلاً للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط. يومذاك دافع الرجل عن «حل الدولتين»، بوصفه السبيل الوحيد لتحقيق السلام الدائم، ودعا إلى رفع القيود عن قطاع غزة، وإعماره وتحسين الأوضاع الإنسانية، كما انتقد التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، لأنه «يقوّض فرص السلام».

من ناحية ثانية، وحسب مراقبين، تميّز في الأروقة الدبلوماسية بـ«أسلوب هادئ يعتمد الاتصالات والوساطات غير المعلنة»، وحافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف. ووصفه بعض هؤلاء بأنه «لاعب منصف يدرك حساسية جميع الأطراف وشخص جاد ملمٌّ بكل الملفات». لكن تلك الفترة لم تسلم من انتقادات، لا سيما اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية» في إدارة الصراع وإهمال السلطة الفلسطينية، والتركيز على حركة «حماس». وفي المقابل اتهمه إسرائيليون بـ«التساهل» مع الحركة.

نشط في الكواليس

في الواقع أدى ملادينوف ما يتطلبه المنصب من مهام، وكان نشطاً في كواليس الوساطات بعيداً عن أعين الإعلام، وفي حوار مع صحيفة «نيويورك تايمز» بعد مغادرته منصبه الأممي، قال إنه صدم عند وصوله إلى القدس من قلة أهمية المنصب. من ناحية أخرى، لملادينوف مقالات عدة يشرح فيها رؤيته للسلام في المنطقة، بصفته زميلاً متميزاً زائراً في «معهد واشنطن» (المتهم بأنه قريب سياسياً من تل أبيب). وسبق له أن أشار في مقال نشره عام 2024 إلى «إمكانية أن تلعب دول الخليج دوراً أكثر أهمية في مبادرات السلام والأمن نظراً لنفوذها الاقتصادي والسياسي الكبير».

دعم الاتفاقات الإبراهيمية

لكن اسم ملادينوف ارتبط أيضاً بالتسريبات المالية الشهيرة المعروفة بـ«وثائق باندورا» عام 2021، حيث تبيّن أنه أسس «شركة أوفشور» في جزر سيشل عام 2013 عبر وسيط سويسري. ودافع عن نفسه حينذاك بالقول إن الشركة أُسِّست قبل انضمامه رسميّاً إلى الأمم المتحدة، وإنها لم تقم بأي أنشطة مالية أو تجارية فعليّة.

ومن أروقة السياسة وقيادة عملية السلام انتقل إلى أروقة الأكاديمية السياسية، حيث عُيِّن مديراً لـ«أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية» في دولة الإمارات عام 2021، ليبرز كصوت داعم لـ«الاتفاقات الإبراهيمية» و«نموذج السلام الإقليمي».

وفي مطلع عام 2026 برز اسمه مجدداً في ملف الصراع العربي - الإسرائيلي مع تعيينه ممثلاً سامياً لـ«مجلس السلام» لغزة، الذي أسسه الرئيس ترمب.

أخيراً، يوصف ملادينوف بأنه «شخص عملي للغاية، يركز على تحقيق النتائج أكثر من الإجراءات البيروقراطية، ويؤمن بالحوار والتوافق». لكنّ هذه الصفات لا تكفل له، حسب متابعين، النجاح في مهمته الحالية المعقدة، لا سيما مع ما تشهده الأوضاع على الأرض من تعقيد، اعترف به ملادينوف نفسه. إذ قال في تصريحات صحافية أخيراً: «لدينا وقف لإطلاق النار، لكنه ليس مثالياً، وهو أبعد من أن يكون مثالياً». وأردف: «هناك انتهاكات يومية، وبعضها خطير جداً... وإعادة إعمار غزة ستستغرق جيلاً كاملاً».


«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)
TT

«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)

في يناير (كانون الثاني) الماضي وقَّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام» على هامش «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس بسويسرا، متعهداً بالتنسيق مع الأمم المتحدة، والتعامل مع تحدّيات عالمية أخرى غير الهدنة في قطاع غزة. وبعد نحو شهر من توقيع الميثاق عقد الاجتماع الأول للمجلس في واشنطن بحضور ممثلين عن 47 دولة. وجاءت غزة على قمة أولويات المجلس.

ترمب أعلن أن بلاده ستقدم 10 مليارات دولار لـ«مجلس السلام» لغزة، وأشار إلى تعهدات أخرى بلغت 7 مليارات دولار من أعضاء المجلس، مع توقعات بزيادة المساهمات. لكن بعد أكثر من ثلاثة أشهر من تشكيل المجلس لا تزال هناك فجوة بين التعهدات المالية والأموال المطلوب صرفها بموجب «خطة ترمب لإعمار غزة» التي تقدر تكلفتها بنحو 70 مليار دولار.

تقرير من «مجلس السلام» إلى مجلس الأمن الدولي نشرته وكالة «رويترز» أخيراً، ذكر أن «الفجوة بين الالتزامات والصرف يجب سدّها على وجه السرعة... وأن الأموال التي تعهّدت بها الدول ولم تصرفها بعد، تمثل الفارق بين إطار عمل موجود على الورق، وآخر يحقق نتائج ملموسة على أرض الواقع لشعب غزة». ومن ثم دعا التقرير الدول والمنظمات غير الأعضاء في المجلس إلى تقديم مساهمات لإعادة الإعمار.

ينص ميثاق «مجلس السلام» على أن عضوية الدول تقتصر على ثلاث سنوات ما لم يدفع كل منها مليار دولار لتمويل أنشطة المجلس والحصول على عضوية دائمة، وحتى الآن لم تعلن أي دولة دفع رسوم العضوية، بحسب «رويترز». هذا، وجاء تشكيل «المجلس» برئاسة ترمب في إطار «خارطة طريق» تضم 20 نقطة أعلنها الرئيس الأميركي «لتحقيق السلام والاستقرار وإعادة الإعمار والازدهار الدائم في المنطقة». وبعدها، أقر مجلس الأمن الدولي تلك الخطة.

فيدان (تاس)

وفقاً لموقع البيت الأبيض فإن «مجلس السلام» سيلعب «دوراً محورياً» في تحقيق جميع بنود الخطة العشرين، «من خلال توفير الإشراف الاستراتيجي، وتعبئة الموارد الدولية، وضمان المساءلة خلال انتقال غزة من الصراع إلى السلام والتنمية». ولتحقيق رؤية «مجلس السلام» أعلن ترمب، في يناير الماضي تشكيل «مجلس تنفيذي» تأسيسي، يضم من وصفوا بـ«قادة ذوي خبرة في مجالات الدبلوماسية والتنمية والبنية التحتية والاستراتيجية الاقتصادية». واختير فيه كل من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ومبعوث ترمب للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، إلى جانب جاريد كوشنر، وتوني بلير، ومارك روان، وأجاي بانغا، وروبرت غابرييل.

ومهمة «المجلس التنفيذي» الإشراف على بناء القدرات الإدارية، والعلاقات الإقليمية، وإعادة الإعمار، وجذب الاستثمارات، والتمويل واسع النطاق، وتعبئة رأس المال. وقد عين ترمب كلاً من أرييه لايتستون وجوش غرينباوم مستشارين لـ«مجلس السلام»، مكلفين بقيادة الاستراتيجية والعمليات اليومية، وترجمة تفويض المجلس وأولوياته الدبلوماسية إلى تنفيذ منضبط.

وأيضاً عيّن الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف عضواً في «المجلس التنفيذي» و«ممثلاً أعلى» (مفوضاً سامياً) في غزة «يعمل كحلقة وصل ميدانية بين مجلس السلام والمجلس الوطني لإدارة غزة». ومعه، عُين اللواء جاسبر جيفرز قائداً لقوة الاستقرار الدولية في غزة، لقيادة العمليات الأمنية، ودعم نزع السلاح الشامل، وإيصال المساعدات الإنسانية ومواد إعادة الإعمار بشكل آمن، وفق موقع البيت الأبيض.

وأخيراً، دعماً لمكتب الممثل الأعلى و«المجلس الوطني لحكومة غزة»، شُكل «مجلس تنفيذي لغزة»، يضم كلاً من: ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وهاكان فيدان، وعلي الذوادي، والفريق حسن رشاد، وتوني بلير، ومارك روان، وريم الهاشمي، ونيكولاي ملادينوف، وياكير غاباي، وسيغريد كاغ.