مارين لوبان.. رائدة {التخويف} من الإسلام وحلم الإليزيه

ورثت الزعامة عن والدها.. رغم معارضة رفاق الطريق

مارين لوبان.. رائدة {التخويف} من الإسلام وحلم الإليزيه
TT

مارين لوبان.. رائدة {التخويف} من الإسلام وحلم الإليزيه

مارين لوبان.. رائدة {التخويف} من الإسلام وحلم الإليزيه

فشل حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف في الفوز بأي منطقة من المناطق القارية الـ13 في فرنسا في الدورة الثانية «والأخيرة» من الانتخابات الإقليمية التي جرت الأحد الماضي رغم أنه احتل المرتبة الأولى في ست منها في الجولة الأولى. وجاءت النتائج مخيبة آمال مارين لوبان، زعيمته، التي حصلت على أكثر من أربعين في المائة في الدورة الأولى في منطقة الشمال، ولابنة شقيقتها ماريون مارشال لوبان، رئيسة لائحة الجبهة في منطقة الشاطئ اللازوردي التي تخطت أيضًا عتبة الأربعين في المائة أو لنائب رئيس الجبهة فلوريان فيليبو الذي ترشح في منطقة الألزاس «شرق فرنسا» الذي حصل على نحو 35 في المائة من الأصوات. وما زاد من خيبة اليمين المتطرف أن لوائح الجبهة تقدمت على منافسيها بأكثر من 15 نقطة.

رغم ذلك، قطع ناخبو اليسار طريق الفوز على اليمين المتطرف وجاءت تعبئة الناخبين من اليمين الكلاسيكي واليسار على السواء لتمنع الجبهة الوطنية، مرة أخرى، بفضل القانون الانتخابي الذي يعتمد مبدأ الأكثرية، من كسر الحاجز الرمزي الذي حال حتى الآن بين اليمين المتطرف وبين التربع على عرش بعض المناطق الفرنسية، كما حال دون دخول ممثلين للجبهة الوطنية إلى البرلمان مما يعكس قوة قاعدتهم الشعبية.
بيد أن هذا الإخفاق لا يعني بتاتا أن سير الجبهة الوطنية نحو السلطة قد أصيب في الصميم. فالأرقام تدل على أن الجبهة الوطنية حصلت على 6.8 مليون صوت بزيادة 800 ألف صوت عن الدورة الأولى. وهذا الرقم لم تصل إليه أبدا في تاريخها بما في ذلك عندما ترشحت مارين لوبان لرئاسة الجمهورية في عام 2012 أو عندما ترشح والدها، جان ماري لوبان للرئاسة في عام 2002 وتأهل للدورة الثانية على حساب المرشح الاشتراكي رئيس الوزراء الأسبق ليونيل جوسبان.
يذكر أن تعبئة الناخبين بالنسبة للاستحقاقات الانتخابية الرئاسية أو التشريعية تكون عادة أكثر ارتفاعا، إذ تجاوز الـ80 في المائة من المسجلين على اللوائح. وواضح أنه لو لم يسحب الحزب الاشتراكي مرشحيه من ثلاث مناطق لصالح لوائح حزب «الجمهوريين» وحلفائه من الوسط ويمين الوسط، لكانت الجبهة الوطنية هي التي رفعت راية الانتصار فيها.
كثير من المحللين رأوا في نتائج الأحد الماضي هزيمة شخصية لمارين لوبان. لكن الأمور ليست بهذه البساطة لأن ابنة جان ماري لوبان البكر تتبع استراتيجية محددة هي تجذير الجبهة الوطنية على كل الأراضي الفرنسية وإدخالها إلى كل الشرائح الاجتماعية و«تطبيعها» كحزب سياسي ليس وظيفته فقط أن يكون تعبيرا عن الصوت الاحتجاجي الأقلوي، بل أن يكون قادرا على الوصول إلى السلطة وممارستها. وهذه الرغبة الجامحة هي التي تبرر الطلاق الذي حصل في الأشهر الأخيرة بين مارين لوبان ووالدها، إذ إنها ترى أن البقاء ضمن الأطر الآيديولوجية التقليدية للجبهة سيبقيها مجموعة مهمشة، بينما المطلوب أن تتحول إلى حزب شعبي عريض. ووفق أكثر من دراسة واستطلاع للرأي، يمكن القول إن مارين لوبان نجحت في خطتها، إذ إن اليمين المتطرف أصبح قادرا في الوقت الحاضر على إنزال مرشحيه في كل المناطق والدوائر ولمختلف الانتخابات، بينما كان عاجزا عن ذلك في السنوات السابقة. أما الأمر الأكثر خطورة فيتمثل في «تفشي» أفكار اليمين المتطرف، ومن هذه الزاوية يمكن اعتبار أن الجبهة الوطنية قد حققت تقدما كبيرا.. الأمر الذي يعكسه «هلع» الأحزاب التقليدية وتخبطها في البحث عن خطة مضادة. ومن الظواهر التي تبين مدى «اختراق» اليمين المتطرف الطبقات الاجتماعية اثنتان تحملان مدلولات ثقيلة: الأولى، أن عشرات الآلاف من العمال وصغار الموظفين الذين كانوا يشكلون البيئة الحاضنة لليسار واليسار المتطرف والرافد البشري الأول للنقابات اليسارية مثل الكونفدرالية العامة للشغل تحولوا حاليًا إلى الجبهة الوطنية.. الأمر الذي يفسر كيف أن مارين لوبان حصلت على نسبة استثنائية في منطقة معروفة بأنها عمالية الطابع «الشمال» وكانت معقودة اللواء لليسار منذ عقود.
تتمثل الظاهرة الثانية في أن الجبهة الوطنية نجحت للمرة الأولى في تاريخها في إيجاد قسم لها في معهد العلوم السياسية في باريس، وهو المؤسسة التي تخرج النخبة والتي تغرف منها الدولة كادراتها وكبار موظفيها. وتحمل هذه الظاهرة مضامين كثيرة أولها أن الانتماء إلى الجبهة الوطنية أو تقبل أفكارها لم يعد ينظر إليه في فرنسا على أنه ممارسة «شاذة» يتعين على صاحبها أن يخبئ أفكاره وانتماءه أو أن مناصري الجبهة الوطنية هم من الرعاع أو من المجموعات النازية العنصرية المتطرفة. فـ«الجبهويون» اليوم يفاخرون بآيديولوجيتهم وأفكارهم ويريدون أن يعمموها على المجتمع بحيث يكون وصول مارين لوبان إلى السلطة تطورا «طبيعيا» باعتبار أن الفرنسيين جربوا اليمين واليسار وكلاهما فشل وبالتالي لماذا لا يجربون الجبهة الوطنية؟
* ثلاثية الجبهة الوطنية
تقوم آيديولوجية الجبهة الوطنية على ثلاثية أولى أعمدتها ادعاء الحفاظ على الهوية الوطنية وحمايتها من «الغزو» الخارجي. وصور التهديد الخارجي كثيرة. فقد يكون الاتحاد الأوروبي الذي سلب فرنسا صلاحياتها السيادية بحيث تخلت عن عملتها الوطنية وعن قدرتها على سن القوانين ووضع الميزانيات بسبب الضوابط التي تضعها المفوضية الأوروبية. ومع اتفاقية شنغن، فقدت باريس القدرة على الرقابة على الحدود وسن القوانين، لأن هناك سلطة قضائية فوق سلطة القضاء الفرنسي. بيد أن الغزو الحقيقي، بالنسبة لمارين لوبان هو «الغزو الإسلامي». وخلال هذا الأسبوع، قامت محكمة فرنسية بتبرئة لوبان من اتهامات في دعوى أقيمت ضدها بتهمة الحض على الكراهية لأنها قارنت، في خطاب ألقته في مدينة ليون «ثاني المدن الفرنسية» عام 2010 بين صلاة المسلمين في بعض شوارع المدن الفرنسية، حيث لا توجد مساجد يصلون فيها بالاحتلال النازي لفرنسا خلال الحرب العالمية الثانية. وقالت لوبان وقتها: «فرنسا تشهد المزيد والمزيد من مرتديات الحجاب، ثم المزيد والمزيد من البرقع، ثم جاءت بعد ذلك ظاهرة الصلاة في الشوارع». وأضافت: «اسمحوا لي، بما أن الكثيرين ما زالوا يحبون التحدث عن الحرب العالمية الثانية والاحتلال النازي، أن نتكلم عن الاحتلال لأن هذا هو بالضبط ما يحصل اليوم. صحيح، ليس هناك دبابات أو جنود، ولكنه مع ذلك احتلال يلقي بظلاله الثقيلة على الناس». ورغم خطورة ما جاء على لسان لوبان من حض على الكراهية والتنديد بالإسلام ومقارنته بالاحتلال النازي رغم أن عشرات الآلاف من المسلمين خاضوا الحربين العالميتين للدفاع عن فرنسا وتحريرها، حيث قتل منهم الآلاف، فإن زعيمة اليمين المتطرف لا تجد غضاضة في الخلط بين الاحتلال والإسلام. وخلال الحملة الانتخابية الأخيرة، ذهبت لوبان إلى التحذير من أن الإسلاميين يسعون لإحلال الشريعة محل الدستور الفرنسي وسيعمدون إلى فرض قوانينهم وشرائعهم في فرنسا البلد المسيحي منذ 1400 عام. أما ابنة شقيقتها ماريون مارشال لوبان، النائبة في البرلمان، فإنها لم تجد حرجا في تأكيد أنه لا يحق للمسلمين أن يطمحوا بأن تكون ديانتهم بمستوى الديانة المسيحية لأن فرنسا بلد الكاتدرائيات وليست بلد المساجد.
ثاني ثلاثية الجبهة الوطنية التنديد بالمهاجرين أكانوا في إطار الهجرة الشرعية أو كانوا من المهاجرين غير الشرعيين. وغالبا ما تدمج بين الإسلام الهجرة، لتخرج إلى العلن مزيجا متفجرا يساهم في الترويج له بعض «المفكرين» الفرنسيين أمثال آلان فينكلكروت وأريك زمور وميشال أونفري الذين ما فتئوا يحذرون من ضياع الهوية وتداعي الحضارة وعدم استعداد الوافدين إلى فرنسا من بلدان العالم الثالث إلى «الانصهار» في المجتمع الفرنسي وتقبل قيمه أو أساليب حياته.
وحجة المهجرين ليست جديدة، إذ إن اليمين المتطرف يعتبرها أحد أهم أسباب البطالة لأن المهاجرين «يسرقون» فرص العمل من الفرنسيين ولأنهم يأتون إلى فرنسا للاستفادة من أنظمة الرعاية الاجتماعية.. ثم تضاف إلى ذلك ظاهرة الإرهاب الذي ضرب باريس في بداية العام ضد صحيفة «شارلي إيبدو» الساخرة والمتجر اليهودي ثم ضرب مجددا الشهر الماضي في مسرح الباتاكلان وعدد من مطاعم ومقاهي العاصمة. وبذلك توفرت لليمين المتطرف ثلاثية متداخلة من شأنها إخافة المواطن الفرنسي الذي هو بصدد خسارة هويته ولقمة عيشه وأمنه.
* ولكن من هي مارين لوبان؟
ماريون آن بيرين لوبان المسماة مارين لوبان ورثت زعامة حزب الجبهة الوطنية عن والدها المؤسس. إلا أنها لم تتردد الصيف الماضي عن نزع رئاسة الشرف منه، وهو المنصب الفخري الذي كان يحتله بعد أن «أوكل» الحزب إلى ابنته. بين الأب وابنته البكر حرب مفتوحة على صفحات الجرائد، وخصوصا في المحاكم. الأب وابنته قطعا التواصل بينهما لأن الثانية اتهمت الأول بـ«الإضرار بمصالح الحزب الحيوية» بسبب تصريحاته التي يعود فيها لتلميحاته المعادية للسامية، بينما تسعى من جانبها لتوفير سمعة حسنة لليمين المتطرف من شأنه تأهيله لاحتلال أعلى المراكز في الدولة.
قصة عائلة لوبان أشبه بمسلسل «دالاس». لوبان الأب المولود عام 1928 في قرية وادعة على شاطئ الأطلسي في منطقة بروتاني كان يحلم بصبي يسلمه زمام الأمور من بعده. لكن زوجته الأولى بياريت لوبان أنجبت له ثلاث بنات هن: مارين «العقوق» وماري كارولين التي تزوجها أحد وجهاء الحزب واسمه برونو ميغريه قطعت علاقاتها بوالدها بعد أن أيدت زوجها في محاولته وضع اليد على الجبهة الوطنية. ولما فشل أسس حزبا منافسا لها. أما ابنته الثالثة فهي يان لوبان، زوجة صامويل مارشال ووالدة ماريون مارشال لوبان، النجمة الصاعدة في حزب الجبهة الوطنية وهي نائبة «وحيدة» عنها في الجمعية الوطنية ورئيسة لائحة اليمين المتطرف في منطقة الشاطئ اللازوردي. ومن المعروف أن ماريون ليست ابنة صامويل مارشال البيولوجية بل ابنة الصحافي الفرنسي المعروف روجيه أوك لكن مارشال الذي كان أحد الكادرات الناشطة في حزب الجبهة الوطنية ومدير مكتبها الإعلامي تبنى ماريون ثم عمد بعدها إلى الطلاق من والدتها.
ولدت مارين لوبان عام 1968. تزوجت وطلقت مرتين وهي تعيش حاليا مع لويس أليو، النائب في البرلمان الأوروبي «مثله مثل مارين» وخصوصًا نائب رئيس الحزب ورئيس إحدى لوائحه في انتخابات المناطق.
تختلط قصة الجبهة الوطنية بقصة عائلة لوبان، حيث الأب المؤسس سلم مفاتيح الجبهة لابنته التي ذهبت إلى البرلمان الأوروبي بمعية رفيق دربها الذي هو نائب الرئيس. ومن الأب إلى الابنة إلى الحفيدة ماريون التي هي نائبة في البرلمان الفرنسي ورئيسة لائحة في منطقة بالغة الأهمية «مارسيليا، نيس، كان..». وإلى جانب السمة الأولى لعائلة لوبان وهي الرغبة في الصعود السياسي، ثمة سمة أخرى وهي تتابع الفضائح من كل نوع: فضيحة الأب في حرب الجزائر التي خاضها في فرقة المظليين واتهم فيها بممارسة التعذيب ضد مقاتلي الجبهة الوطنية الجزائرية. ثم الغموض الذي يحيط بمصدر ثروة جان ماري لوبان، إذ من المعروف أن ثروته كبيرة للغاية رغم أنه ولد في عائلة متواضعة. وقامت صحيفة «لو كنار أونشينيه» الساخرة بتحقيق حول مصدر ثروته، حيث يتبين أنه تعرف في السبعينات على صناعي فرنسي اسمه هوبير لامبير، وريث إحدى أهم العائلات الصناعية الفرنسية الذي أعجبته شخصية جان ماري لوبان وأفكاره واستشرف له مستقبلا سياسيا زاهرا كما قام بتمويل حزبه. ولما مات لامبير في سن الثانية والأربعين، تبين أنه ترك وصية ورث بموجبها لوبان جزءا كبيرا من ثروته «32 مليون فرنك فرنسي». وتؤكد الصحيفة أنه ورث آخرين.. ثم هناك الفضيحة «الجنسية» حيث ظهرت زوجته الأولى شبه عارية في إحدى مجلات الفضائح.
مارين لوبان احتلت مقعد والدها في الجبهة الوطنية بداية عام 2011 رغم معارضة رفاق الطريق. لكن الدعم المطلق الذي وفره لها والدها أتاح لها أن ترثه سياسيًا بعد أن انضوت في العمل السياسي في صفوف الجبهة منذ أن كانت طالبة. مارين تمتهن المحاماة لكن العمل السياسي يغلب على نشاطها المهني حيث أصبحت نائبة في البرلمان الأوروبي منذ عام 2004. لكن هناك أيضًا لحقت بها الفضائح.
في عام 2012، ترشحت لوبان لرئاسة الجمهورية وحصلت على 17.90 في المائة من الأصوات فجاءت في المرتبة الثالثة بعد فرنسوا هولاند ونيكولا ساركوزي. بيد أن الأمور تغيرت اليوم وصار بإمكان زعيمة اليمين المتطرف أن تحلم بالوصول إلى الدورة الثانية في الانتخابات الرئاسية في ربيع عام 2017 لا بل إن الكثير من استطلاعات الرأي العام تضعها في المقدمة وتؤهلها للدورة الثانية في مواجهة أحد خصميها اليساري «فرنسوا هولاند على الأرجح» أو اليمين «نيكولا ساركوزي أو آلان جوبيه». وبحسب مارين لوبان أن الظروف أصبحت «ناضجة» لأن تصل الجبهة الوطنية إلى السلطة عبر صندوق الانتخاب. فهل سيوفر لها الناخبون الفرنسيون هذه الفرصة ويتناسون التجارب التاريخية السابقة، حيث استفاد ديكتاتوريون من اللعبة الديمقراطية ليجهزوا عليها لاحقا.



قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
TT

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً لصفقة مُرضية للطرفين: فنزويلا للأميركيين، وأوكرانيا لروسيا! جيرينوفسكي عُرف على مدى سنوات طويلة بإطلاق توقعات صاخبة، أصابت في أكثر من مناسبة، بينها بالنسبة للشرق الأوسط مثلاً انفجار مواجهة كبرى في الشرق الأوسط بين عامي 2023 و2024، وتعرض إيران لهجوم قوي من جانب واشنطن وتل أبيب. وسقوط مدوٍ لنظام بشار الأسد في سوريا، فضلاً عن بعض التوقعات الدقيقة لتطورات جرت في روسيا وحولها، مثل اندلاع الحرب الكبرى في أوكرانيا في 2023. كان السياسي الراحل (توفي عام 2022) يتكلم حينذاك في برنامج «توك شو» تلفزيوني، وقال إن الرئيس دونالد ترمب سيعود بقوة إلى البيت الأبيض بعد انتخابات 2024... و«علينا أن نساعده»(!)، قبل أن يضيف أن التوافق مع الرئيس الجمهوري في عدد من الملفات الحيوية «ممكن وضروري». وبعد ذلك أطلق عباراته المشهورة: «سوف يستولي (ترمب) على فنزويلا... هذا أمر واضح وأكيد، ونحن سنحكم سيطرتنا على أوكرانيا»، ورأى أن تلك ستكون «صفقة عادلة».

ليس من قبيل المصادفة أن يتذكّر الجميع في روسيا كلمات فلاديمير جيرينوفسكي بعد «العملية الخارقة» الأميركية التي أسفرت عن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي اليساري نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك بالطريقة التي تابعها العالم. ولا شك أن السياسي الشعبوي الروسي، الذي كان مقرّباً جداً من دوائر اتخاذ القرار في روسيا لسنوات طويلة، لم يكن ليطلق نبوءاته السياسية جزافاً، وهذا على الرغم من أن الكثير منها بدا للوهلة الأولى «ساذجاً» - حسب وصْف معلقين - أو «سخيفة وغير محتملة إطلاقاً»، مثل حديثه عن «انهيار سريع لنظام الأسد»، في وقت كانت فيه موسكو تؤكد انتهاء الحرب السورية، واستقرار الوضع نهائياً في هذا البلد.

لكن، عندما يستعيد الروس حالياً شريط توقعاته بشأن فنزويلا والصفقة المحتملة مع واشنطن، فإن النظرة إليها تختلف بالتأكيد عن نظرتهم لعباراته الصاخبة في أوقات سابقة.

جيرينوفسكي (آ ب)

ارتباك في أوساط النخب السياسية

واقع الأمر أن العملية الأميركية الخاطفة في فنزويلا، أصابت بعض النخب السياسية الروسية بنوع من الارتباك. ولقد برز هذا في تعليقات أظهرت انقساماً واضحاً حيال الحدث الفنزويلي بين طرفين:

إذ يرى الطرف الأول أن العملية الأميركية تشكل «فرصة مهمة» أمام موسكو لإطلاق عمليات مماثلة تجاه أوكرانيا، وللتشدد أكثر تجاه ملف التسوية.

أما الطرف الثاني فمال إلى تغليب الموقف التقليدي المتحفّظ، منطلقاً في حساباته من أن واشنطن، على الرغم من اختطاف الرئيس مادورو، «ليست قريبة أبداً من فرض سيطرة مطلقة في فنزويلا التي يحافظ التشافيزيون (نسبة إلى الرئيس السابق الراحل هوغو تشافيز) على تماسك مواقعهم وسيطرتهم في البلاد، بل يرى أصحاب هذا الرأي، الذي عبّرت عنه وكالة «نوفوستي» الحكومية في مقالة لمعلّقها السياسي، أن الطريق ما زالت طويلة أمام ترمب لإحكام السيطرة على نفط فنزويلا، وأن تهديداته للقادة الحاليين في هذا البلد لن تنعكس خطوات عملية؛ لأن هذا سوف يعني إدخال فنزويلا في حرب أهلية دامية.

لا تأثير يذكر لموقف روسيا والصين

في أي حال، هذا الرأي (الثاني)، وفقاً لمعلّقين، لن تكون له تأثيرات كبرى على آليات تعامل الكرملين مع الحدث الكبير، وخصوصاً أنه مهما كانت طبيعة التطورات اللاحقة، فإن مستوى التأثير الروسي أو الصيني على الأحداث اللاحقة سيكون محدوداً للغاية. وهذا ما يعني الحاجة إلى الإقرار بأن واشنطن انتقلت بالفعل إلى استخدام «القوة الخشنة» لتأمين مصالحها، وبدأت بفرض واقع جديد ينطلق من فكرة إحياء «شرعة مونرو»، وإحباط أي جهد خارجي للتأثير في منطقة نفوذ الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي.

بعبارة أخرى، فإن الرؤية الروسية التي تجري بلورتها حالياً، قد تقوم على تحاشي تصعيد المواجهة مع واشنطن، والانطلاق - بدلاً عن ذلك - من تفحّص الفرص التي يمكن أن يوفرها الحدث الفنزويلي لتحقيق مكاسب لروسيا.

في هذا الإطار، يستبعد خبراء روس أن تذهب موسكو باتجاه تكرار «سيناريو» فنزويلا حرفياً. ذلك أنها ليست بحاجة إلى اختطاف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لكن الأولوية ستكون باتجاه تصعيد الضغط العسكري على كييف لحملها على تقديم تنازلات مؤلمة. ومن جهة أخرى، تصعيد الضغط السياسي على العواصم الأوروبية، بهدف تقليص الأخيرة مطالبها حول الضمانات الأمنية التي تجري مناقشتها راهناً. ومن ثم، بالتوازي مع هذا المسار، يتوقع خبراء أن تعمل موسكو على تثبيت مبدأ «عدم شرعية زيلينسكي»، وأنه لن يكون مقبولاً في أي مرحلة مقبلة كـ«شريك في السلام».

بين حسابات الصفقات والتعامل مع الدخل

بطبيعة الحال، تعود هنا إلى الأذهان فكرة «الصفقة» المحتملة لاحقاً مع واشنطن، وهذا على الرغم من الضجة التي أثارها ترمب أخيراً حول تشديد العقوبات على موسكو.

في المقابل، ثمة مخاوف أخرى لدى الروس برزت بعد العملية الأميركية في فنزويلا. وهي تقوم على انتهاج القيادة الأميركية سياسة جديدة متشددة في التعامل مع ملفات إقليمية عدة، في جوهرها استخدام القوة العسكرية والتدخل المباشر بدلاً من استخدام أدوات «القوة الناعمة» التي لطالما استُخدمت في أوقات سابقة.

ولا شك أن هذا العنصر سيضيف هاجساً جديداً للسياسة الروسية، التي استشعرت - على الرغم من كل المؤشرات - اقتراب الرئيس ترمب من فهم أوسع لمطالب موسكو في أوكرانيا؛ إذ إن خطوته العملية الأخيرة في فنزويلا، من شأنها التسبب بأضرار فادحة للكرملين على المدى البعيد.

من الأمثلة على ذلك في الفترة القصيرة الفائتة، استبعاد موسكو عملياً من مناقشة الملفات الإقليمءية، كما ظهر في ملف التسوية في غزة، وأيضاً استبعادها من الملف النووي الإيراني. وهذا وذاك فضلاً عن سياسات «عزل» موسكو في آسيا الوسطى التي هي تقليدياً منطقة نفوذ حيوي روسي، وتفاقم المنافسة الأميركية (والصينية) في هذا الإقليم.

جنوب القوقاز... أو الخاصرة الرخوة

غير أن الأخطر من كل هذا، أن موسكو واجهت تطوراً غير مسبوق في منطقة جنوب القوقاز، التي لا تقل في أهميتها وخطورتها بالنسبة إلى الكرملين عن آسيا الوسطى... فهي «الخاصرة الرخوة» لروسيا على مدى قرون.

في هذه المنطقة لم تكتف واشنطن بإبعاد موسكو عن مباحثات التسوية بين أرمينيا وأذربيجان، بل فرضت واقعاً جديداً عبر إبرام اتفاق «ممر زانغزور». وهذا اتفاق يسمح للولايات المتحدة، وللمرة الأولى في التاريخ، أن يكون لها وجود أمني واقتصادي - وربما عسكري لاحقاً - في هذه المنطقة، الأمر الذي يهدد بشكل مباشر المصالح الاستراتيجية لروسيا، ولإيران أيضاً.

كل هذا حدث خلال العام الأول من ولاية دونالد ترمب الثانية فقط. وهذا المنحى مرشح للتصاعد أكثر في سياق العملية الأميركية في فنزويلا، وليس فقط بسبب التوقعات المتشائمة في موسكو بانخفاض حاد على أسعار النفط. فهذه توقعات لم ترتبط فقط بالحدث الفنزويلي بل سبقتها مؤشرات عدة.

مع هذا البعد الاقتصادي، الحيوي جداً للكرملين في هذه الظروف، تبدو الأبعاد السياسية المحتملة لانتقال واشنطن إلى استخدام القوة الخشنة لفرض سياساتها مسألة أكثر إلحاحاً للكرملين.

خلال الفترة القصيرة الفائتة جرى استبعاد موسكو عملياً

من مناقشة الملفات الإقليمية كملفي التسوية في غزة

و«النووي» الإيراني

الفهم الروسي لإزاحة مادورو

ينطلق الفهم الروسي من أن الولايات المتحدة لم تكتف في فنزويلا بالإطاحة برئيسٍ عجزت عن السيطرة عليه؛ إذ عبر خطف نيكولاس مادورو، كشفت واشنطن عن «تقنية» جديدة تستثمرها للتأثير الدولي. وبعد هذا الاستعراض الباهر الذي تعمّد ترمب وفريقه إبراز كل تفاصيله، يتوقع على نطاق واسع «استنساخ» هذه «التقنية»، بل تصديرها.

ما يستحق الإشارة إليه في هذا السياق، ما كتبه محلل سياسي روسي عن أنه في السنوات الأخيرة، برزت شكوك قوية حول قدرة الولايات المتحدة على التأثير في حياة وسياسات الدول الأخرى.

فلقد كانت التقنية الرئيسة للتأثير الأميركي في الخارج بأواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين هي ما يُسمى بـ«الثورات الملوّنة»، أي تغيير الأنظمة الناتج عن اضطرابات جماهيرية تُدبّرها شبكات من وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية وقادة الرأي الموالين للغرب.

أما اليوم، فبات من الواضح أن هذه التقنية قد توقّفت عن العمل. وكان هذا جلياً من خلال فشل الثورات الملوّنة في جورجيا وبيلاروسيا (روسيا البيضاء) وصربيا والمكسيك، وفنزويلا أيضاً.

هنا يرى فريق من الخبراء الروس أن هذا فقط واحد من الأسباب - وليس لأن الحزب الديمقراطي الأميركي كان يتولى السلطة في واشنطن - التي دفعت دونالد ترمب إلى حلّ الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) العام الماضي. ومعلومٌ أن تلك الوكالة كانت أكبر جهة مانحة وراعية لجميع هؤلاء «القادة الشعبيين للاحتجاج» حول العالم، لكنها فقدت كل فاعليتها.

انطلاقاً من هذه الحقيقة، بات واضحاً أن البيت الأبيض لن يتقبّل بعد اليوم بسهولة فقدان النفوذ الأميركي في الخارج، بل سيسعى إلى أدوات جديدة أكثر فاعلية.

الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران... نموذجاً

وبهذا الفهم، تحديداً، يفسّر الخبراء الروس الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، العام الماضي، بوصفه «تجربة أولية» للمبدأ الجديد للسياسة الأميركية القائم على استخدام القوة المباشرة.

هذا المبدأ يقوم على تغيير الأنظمة التي تناكف واشنطن من خلال تدخل عسكري خارجي مباشر، مدعوم بخيانة داخلية. وهنا يجوز القول إنه ما كان من الممكن، مثلاً، القضاء على القيادة العسكرية الإيرانية لولا عملاء «الموساد» الإسرائيلي، الذين قدموا «التوجيهات» داخل العاصمة الإيرانية طهران. وحالياً، لا تنكر واشنطن البتة عامل التواطؤ مع بعض عناصر الدائرة المقرّبة من مادورو.

باختصار، عند هذه النقطة، تعود الولايات المتحدة إلى ممارسة قديمة، وإن كانت مُحسّنة قليلاً، ألا وهي «الانقلابات العسكرية». ولإعادة إحياء «القوة الناعمة» الأميركية، طُوّرت معادلة «الغزو بالإضافة إلى التآمر داخل النخبة».

ومن ثم، يرى بعض الخبراء أن التجربة الأميركية قد لا تقتصر على بلدان في فناء أميركا الخلفي بل قد تمتد إلى مناطق عدة، بينها حتى أوروبا، التي لا تبدي بعض دولها ارتياحاً كبيراً للتحركات الأميركية.

أما من الناحية الاستراتيجية، فقد يصبح «الفضاء ما بعد السوفياتي» بأكمله هدفاً لهذه الممارسة الأميركية القديمة – الجديدة؛ كونه منطقة حساسة لاثنين من منافسي أميركا العالميين: روسيا والصين. وبالتالي، فإن كازاخستان وتركمانستان وبيلاروسيا (روسيا البيضاء)، جميعها دول مُعرّضة للهجوم.

لوكاشينكو (آ ب)

حالة بيلاروسيا

في بيلاروسيا، على سبيل المثال، وعلى مدار السنوات الثلاثين التي تولت السلطة فيها حكومة متحالفة مع روسيا، جرت ست أو سبع محاولات لـ«ثورات ملوّنة» هزّت العاصمة مينسك، غير أنها باءت جميعها بالفشل. مع هذا لا يزال الغرب يرفض الاعتراف بأن دولة رئيسة (بيلوروسيا) في أوروبا الشرقية لا تزال متحالفة عسكرياً وسياسياً مع موسكو.

من هذا المنطلق، يحذر خبراء في موسكو من أن الغرب قد يحاول التخلّص من الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو باستخدام «سيناريو مادورو». ولعل «صياغة» اتهامات ضد لوكاشينكو تُصنّفه كـ«مجرم» لن تشكّل مشكلةً للأميركيين. علاوة على ذلك، هناك بولندا، «جارة» بيلاروسيا، التي تتهم لوكاشينكو «بتصدير الفوضى والسلاح والمهاجرين غير الشرعيين» إليها. وبالمناسبة، يرى البعض في روسيا أن «وظيفة» بولندا بالنسبة إلى سياسات ترمب في أوروبا تكاد تكون مُطابقة لوظيفة إسرائيل في الشرق الأوسط.بالتأكيد، لا يعني وجود هذا التهديد حتمية تطبيقه، لكن حقيقة أن تعليقات ومقالات كثيرة في روسيا باتت ترسل إشارات وتنبيهات من هذا النوع، تعكس درجة من القلق المتزايد بسبب سياسات ترمب.  


ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
TT

ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن

العملية العسكرية الخاطفة التي نفّذتها قوات النخبة الأميركية في مقرّ الرئاسة الفنزويلية، انتهت فجر الثالث من هذا الشهر بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو واقتياده مع زوجته إلى نيويورك للمحاكمة أمام القضاء الأميركي بتهم «الإرهاب المرتبطة بالمخدرات». وبعد القرار المفاجئ الذي أعلنته إدارة الرئيس دونالد ترمب بتهميش المعارضة الفنزويلية - على الأقل في المرحلة الراهنة – وإبعادها عن مسار انتقال السلطة، يبدو أنها راهنت على بعض أركان النظام لتحقيق أهداف هذه العملية غير المسبوقة التي لا يُعرَف منها إلى الآن سوى إحياء قطاع النفط الفنزويلي وتسليمه للشركات الأميركية. ثم، تتجه كل الأنظار الآن إلى ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو التي تولّت الرئاسة بالإنابة، كما تولّت منصب القائد العام للقوات المسلحة، وبدأت تشرف على توجيه وإدارة «المرحلة» الانتقالية على وقع تهديدات ترمب، الذي ما انفكّ يكرّر: «الأمر لي في فنزويلا»، ويتوعّد من يخالف تعليماته بعواقب أين منها تلك التي نزلت بالرئيس المخلوع.

ديلسي رودريغيز ليست شخصية طارئة، أو حديثة العهد على المشهد السياسي الفنزويلي المضطرب والمعقّد. فهي في الصورة منذ صعود شخصية هوغو تشافيز الذي وضع أركان النظام الحالي، مروراً بفشل محاولته الانقلابية ودخوله السجن، إلى إطلاق سراحه وتوليه رئاسة البلاد، حتى مرضه ورحيله... ومجيء نيكولاس مادورو إلى سدّة الرئاسة.

خلفية يسارية ملتزمة

بل يمكن القول إن رودريغيز، التي «تدير» اليوم أخطر أزمة مرّت بها فنزويلا في تاريخها الحديث، تحمل السياسة في «حمضها النووي». وحكايتها مع السياسة تتمة لحكاية والدها خورخي أنطونيو الذي كان من قادة حركة «اليسار الثوري» الماركسية في ستينات القرن الماضي، وهو الذي أسّس «الرابطة الاشتراكية»... أي الحركة التي تدرّج فيها نيكولاس مادورو ناشطاً نقابياً، وكانت المدماك الأساسي في علاقة ديلسي وشقيقها خورخي مع «وريث» هوغو تشافيز.

الأب، خورخي أنطونيو، لقي حتفه عندما كان في عهدة الشرطة عام 1976 بعد اعتقاله بتهمة الضلوع في خطف أحد رجال الأعمال الأميركيين، وكانت ديلسي لا تزال في السابعة من عمرها. ولقد أثارت وفاته الناجمة عن تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة على يد الاستخبارات السياسية، غضباً واسعاً في الأوساط الشعبية، سيما وأن فنزويلا كانت تنعم يومذاك بأجواء من الحرية السياسية النسبية على عهد الرئيس الاشتراكي الديمقراطي كارلوس أندريس بيريز. وهنا تقول رودريغيز إن تلك الواقعة هي التي حفزتها لدراسة الحقوق، حيث تخرجت محامية من جامعة فنزويلا المركزية في كاراكاس، ثم تابعت تخصصها في القانون النقابي في باريس ولندن.

ديلسي ترعرعت مع شقيقها الأكبر خورخي في أجواء اليسار الفنزويلي المتشدد والحزب الذي أسسه والدهما... وكان أنصاره يعاملون الشقيقين دائماً بوصفهما ولدَي «شهيد الحركة اليسارية»، وكانا يشاركان خطيبَين في الاحتفالات بذكرى استشهاد أبيهما.

التأثر بهوغو تشافيز

وتعترف رودريغيز بأن «الثورة البوليفارية» التي حملت «القائد» هوغو تشافيز إلى رئاسة البلاد كانت بمثابة «انتقام شخصي» لذكرى أبيها، وحافزاً قوياً لها لدخول المعترك السياسي، وأيضاً لشقيقها خورخي الذي يتولّى حالياً رئاسة البرلمان... وسبق له أن أشرف على المفاوضات التي أجراها النظام على مراحل مع الإدارة الأميركية.

وحقاً، بدأت ديلسي رودريغيز صعودها السياسي في تراتبية النظام مع تشكيل حكومة تشافيز الأولى، حين تولت حقيبة مكتب الرئاسة التي غادرتها بعد أشهر قليلة بسبب اعتراضها العلني على بعض القرارات التي اتخذها تشافيز، وانتقلت للعمل مع شقيقها خورخي الذي كان يومذاك رئيساً لبلدية كاراكاس.

ولكن مع وصول مادورو إلى السلطة بدأ حضورها يترسّخ في المشهد السياسي الفنزويلي، فتولّت حقائب وزارية مهمة مثل الإعلام والاقتصاد والخارجية. كذلك اختارها مادورو نائبة له وكلّفها حقيبة النفط المهمة بعد إقالة الوزير السابق طارق العيسمي، المتحدر من أصول سورية - لبنانية، وسط فضائح مالية، وصارت تُعرف بلقب «سيّدة النفط».

شخصية بارزة ومؤثرة

رودريغيز تولّت أيضاً رئاسة «المجلس الوطني الدستوري التأسيسي»، وهو منصب بالغ الأهمية؛ إذ يمنحه الدستور سلطة أعلى من سلطة رئيس الجمهورية. وعلى غرار شقيقها الأكبر خورخي، الذي أقسمت اليمين الدستورية أمامه، كانت ركناً أساسياً في نظام مادورو، داخل فنزويلا وخارجها؛ إذ كانت المُحاور الرئيس مع الدول الحليفة مثل روسيا والصين وتركيا وإيران. واليوم تشكّل ديلسي، مع شقيقها خورخي، ووزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، وسيليا فلوريس زوجة مادورو، الدائرة الضيّقة التي يقوم كان يرتكز إليها نظام مادورو بشكل أساس.

ووفق مقربين منها، فإنها تعمل دائماً بتنسيق تام مع شقيقها، ويتمتع كلاهما باحترام كبير في أوساط النظام لما يحملان من مؤهلات وخبرة وتمرّس، خاصة بعد انكفاء عدد كبير من الساسة المخضرمين عن المشهد السياسي مع مجيء مادورو. وفي عام 2018، فرضت الإدارة الأميركية عقوبات على ديلسي وشقيقها خورخي ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو و«السيدة الأولى» سيليا فلوريس (زوجة مادورو). وهي تخضع أيضاً لعقوبات من الاتحاد الأوروبي بتهم انتهاكات حقوق الإنسان وتدهور النظام الديمقراطي في فنزويلا. وللعلم، رودريغيز متزوجة من رجل الأعمال المتحدر من أصول لبنانية يوسف أبو ناصيف الصميلي.

مثقفة ومنفتحة طبقياً

من جهة أخرى، يتفق الدبلوماسيون ورجال الأعمال الأجانب الذين تعاطوا مع رودريغيز خلال السنوات المنصرمة، على أنها تتمتع بثقافة عالية ولها علاقات جيّدة مع الأوساط البورجوازية الفنزويلية، وتعرف عنها مهارة فائقة في التفاوض حول الملفات الشائكة.

أيضاً، يذكر مطلعون أنها تدرك جيداً وجود «عالم» خارج معركتها الثورية، يقوم على المفاوضات والتفاهمات. وهذا ما ظهر إبان توليها حقيبة النفط بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في هذا القطاع الحيوي بالنسبة لفنزويلا على عهد سلفها في المنصب؛ إذ حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن، وهي التي كانت وراء بقاء عملاق النفط الأميركي «شيفرون» في فنزويلا.

ولا شك، أنه بعد انكشاف هدف واشنطن الرئيس من وراء عملية اعتقال مادورو وإبعاد المعارضة في هذه المرحلة، أسهمت هذه الصفات في دفع إدارة دونالد ترمب، ووزير خارجيته ماركو روبيو «المهندس الحالي» للسياسة اللاتينية في الولايات المتحدة، إلى المراهنة على ديلسي رودريغيز في إدارة المرحلة الانتقالية.

بيد أنها، في المقابل، تعرَف ديلسي باحتقارها الشديد للمعارضة الفنزويلية، وقسوة تصريحاتها حول الكثير من قياداتها وفي رأسهم كورينا ماتشادو؛ إذ تسكنها قناعة بأن مهمتها الرئيسة هي ترسيخ الثورة التي بدأها هوغو تشافيز. ثم أن رودريغيز شديدة الإعجاب بالزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو، وغالباً ما تستشهد بإنجازات الثورة الكوبية وبـ«الحركة الساندينية» في نيكاراغوا، ومفكّرها المفضّل هو الكاتب المعروف إدواردو غاليانو، أحد كبار منظّري اليسار الأميركي اللاتيني وصاحب المؤلف الشهير «أوردة أميركا اللاتينية المفتوحة».

امتحانها الأول...بعد إطاحة مادورو

الامتحان الأول الذي يفترض برودريغيز أن تتجاوزه، وبسرعة، هو الموقف الذي سيتخذه وزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، الذي يعدّ «الرجل الثاني في النظام»، وهو القادر على إثارة الفوضى عن طريق سيطرته الكاملة على قوى الأمن والشرطة، وبخاصة على الميليشيا الشعبية المسلّحة التي تجوب شوارع المدن على دراجاتها النارية وتزرع الرعب في صفوف المواطنين منذ سنوات. وهذا الواقع دفع واشنطن إلى تحذيره من أنه قد يلقى مصير مادورو إذا امتنع عن تسهيل مهمة ديلسي رودريغيز كرئيسة مؤقتة للبلاد.

للعلم، كان لافتاً أن كابيّو، بخلاف بقية أركان النظام، خرج إلى الشارع بعد ساعات قليلة على اختطاف مادورو، معتمراً خوذة فولاذية وسترة واقية من الرصاص ومحاطاً بأفراد من الشرطة والجيش المسلحين. لكن معلومات تداولتها بعض أجهزة الإعلام الأميركية أفادت بأن إدارة الرئيس ترمب، بإيعاز من وزير الخارجية روبيو، قرّرت أيضاً المراهنة مرحلياً على كابيّو للحفاظ على الأمن خلال المرحلة الانتقالية، وعلى وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز الذي يقود التيّار الأكثر تشدداً داخل النظام. ويذكر أنه سبق لواشنطن أن أعلنت في الماضي عن جائزة مقدارها 25 مليون دولار لمن يساعد في القبض على كابيّو، وأخرى بقيمة 15 مليون دولار على رأس وزير الدفاع.

... رهان أميركي

المتفائلون بنجاح الرهان الأميركي على كابّيو، يستندون إلى مساره السياسي بعد وفاة تشافيز الذي تردّد حتى اللحظات الأخيرة قبل رحيله، إثر مرض عضال، بين كابيّو ومادورو. وبعد اختيار الأخير لخلافة تشافيز، توقّع كثيرون أن الخصومة بين الاثنين قد تؤدي إلى ترنّح النظام وإسقاطه. لكن تبيّن لاحقاً أن المساكنة بينهما كانت ناجحة من حيث إنها حافظت على السلطة طيلة هذه السنوات الصعبة التي واجه فيها النظام مشاكل على صعيد الاعتراف بشرعيته إقليمياً ودولياً، وكان محط اتهامات عدّة بانتهاك حقوق الإنسان، وفرضت عليه عقوبات قاسية.

حقائق

رودريغيز... في سطور

> ولدت 18 مايو (أيار) 1969 في العاصمة الفنزويلية كاراكاس

> والدها القيادي اليساري البارز خورخي أنطونيو رودريغيز (زعيم حركة اليسار الثوري، ثم مؤسس حزب «الرابطة الاشتراكية») ووالدتها ديلسي غوميز

> أخوها القيادي اليساري خورخي رودريغيز، رئيس مجلس النواب الحالي والوزير السابق.

> شريك حياتها: يوسف أبو ناصيف الصميلي

> حياتها الحزبية: عضو الحزب الاشتراكي المتحد (2012 - 2018) ثم حركة «نحن فنزويلا»

> تعليمها: محامية تخرجت في كلية حقوق جامعة فنزويلا المركزية، بجانب دراسة قانون العمل (من دون أن تتخرج في جامعة باريس الأولى (باريس بانثيون - سوربون)

> مناصبها السياسية: وزيرة شؤون الرئاسة (2006) - وزيرة القوة الشعبية للاتصال والإعلام (2013 - 2014) - وزيرة الخارجية (2014 - 2017) - رئيسة المجلس الوطني الدستوري (2017 - 2018) - وزيرة الاقتصاد والمالية (2020 - 2024) - وزيرة النفط والثروة الهيدروكربونية (2024) - نائبة رئيس الجمهورية (2024 - 2026) - رئيسة الجمهورية بالوكالة (2026)



رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
TT

رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)

ليس الانتقال السياسي تحت الوصاية الأميركية هو التحدي الوحيد الذي تقف أمامه الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، التي قررت إدارة دونالد ترمب الرهان عليها لإدارة هذه المرحلة مع أن العقوبات المفروضة عليها تمنعها من دخول الولايات المتحدة.

الواقع أنه عندما أقسمت رودريغيز اليمين الدستورية أخيراً، كان شبح التضخّم الجامح قد عاد يخيّم مجدداً على الاقتصاد الفنزويلي المنهك، ويهدد بتحطيم كل الأرقام القياسية السابقة، بعدما كان وصل إنتاج النفط إلى أدنى مستوياته التاريخية، وتراجع إجمالي الناتج القومي بنسبة 70 في المائة عن المستوى الذي كان عليه منذ عشر سنوات.

لكن قبل أن تتولى الرئيسة الحالية مهامها بالوكالة، سبق لها أن تولّت حقيبة المال والاقتصاد، وأيضاً حقيبة النفط، واعترفت علناً بفشل السياسات السابقة. ومن ثمّ قررت اللجوء إلى فريق جديد من الاستشاريين والخبراء، بعدما كان المصرف المركزي قد توقّف طوال حكم نيكولاس مادورو عن نشر تفاصيل الوضع الاقتصادي المتدهور، فيما واصلت رودريغيز «تغييراتها» بعيداً عن الأضواء. من التدابير التي اتخذتها رودريغيز إعادة الأصول المؤمّمة على عهد تشافيز إلى أصحابها، الذين كان معظمهم قد أعلن إفلاسه أو انهيار مؤسساته، ودخل الاقتصاد الفنزويلي في دائرة الدولار بعد رفع القيود والمراقبة على صرف العملات الأجنبية. وكذلك أمرت بوقف تجاوزات القوات المسلحة على القطاع الاقتصادي، وبدأت مرحلة من التفاهم والتنسيق مع أصحاب العمل الذين كان مادورو يصفهم بـ«البرجوازية الطفيلية» في خطبه الأولى.

ولذا يجمع المراقبون على أن التعافي النسبي الذي شهده الاقتصاد الفنزويلي في السنوات الثلاث المنصرمة، مدين للتدابير التي اتخذتها رودريغيز والفريق الاستشاري الذي كانت تستعين بخبراته، وبعلاقاتها الوطيدة مع مادورو الذي أقنعته بصواب تلك التدابير. بل كانت هي التي دفعت - داخل الحزب الحاكم - في اتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق بعد سنوات مديدة من تدخل الدولة العميق في إدارة الحركة الاقتصادية وانهيار قطاع النفط الذي يشكّل الشريان الأبهر لثروة البلاد.

أيضاً، كانت ديلسي رودريغيز «المُحاور» الأساسي للنظام مع المؤسسات التي ما زالت تنشط داخل فنزويلا، وهي التي حدّدت معها مجالات عمل مشترك وتحالفات في السنوات المنصرمة. وتحت إدارتها ارتفع إنتاج النفط الفنزويلي إلى مليون برميل يومياً بعدما كان انهار إلى 300 ألف عام 2016، بينما تبلغ قدرته الإنتاجية 3 ملايين برميل يومياً.

وللعلم، سجّل الاقتصاد الفنزويلي نمواً قياسياً خلال العام الماضي في حجم إجمالي الناتج القومي، بلغ 5 في المائة. لكن الضباب السياسي الذي يلفّ المرحلة الراهنة التي ترزح تحت الحضور الأميركي الطاغي، من شأنه أن يُلزم رودريغيز بخطاب معتدل تجاه واشنطن التي يتكلّم رئيسها عن مستقبل يختلف كل الاختلاف عن الواقع الذي تراه رودريغيز.