فيلتمان: يجب ألا يكون دور الأسد مفصليا في محادثات جنيف

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة أكد لـ {الشرق الأوسط} أنه من الصعب التوصل إلى حل في سوريا من دون إيران

فيلتمان: يجب ألا يكون دور الأسد مفصليا في محادثات جنيف
TT

فيلتمان: يجب ألا يكون دور الأسد مفصليا في محادثات جنيف

فيلتمان: يجب ألا يكون دور الأسد مفصليا في محادثات جنيف

يعتبر وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية جيفري فيلتمان من أبرز الدبلوماسيين الأميركيين، إذ عمل قرابة 30 عاما في وزارة الخارجية الأميركية واختص في شؤون الشرق الأوسط. واشتهر فيلتمان بعد أن أصبح من أبرز السفراء الأميركيين في العالم العربي، خلال شغله منصب السفير الأميركي لدى لبنان بين عامي 2004 و2008. وبعد أن تولى منصب مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى عام 2009 أسهم في تنفيذ سياسات الرئيس الأميركي باراك أوباما في المنطقة بعد وصوله إلى البيت الأبيض وعمل عن كثب مع وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون، ولكنه قرر ترك وزارة الخارجية الأميركية بعد إعلان كلينتون عزمها على الاستقالة من منصبها في ولاية أوباما الرئاسية الثانية. وتولى فيلتمان منصب وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية في يوليو (تموز) 2012، حيث يتولى ملفات واسعة النطاق ويركز جهوده في أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى، بالإضافة إلى الإشراف على مساعدة الأمم المتحدة لمراقبة الانتخابات حول العالم. والتقت «الشرق الأوسط» فيلتمان في مكتبه بنيويورك بعد انتهاء النقاش العام الرفيع المستوى للجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة لبحث أبرز ملفات الشرق الأوسط، مع التركيز على سوريا وآلية تطبيق إعلان جنيف الصادر في 30 يونيو (حزيران) 2012 بدعم من مجلس الأمن للأمم المتحدة وأطراف إقليمية عدة يعتبرها فيلتمان أساسا لحل الأزمة السورية سياسيا. كما تحدث فيلتمان عن إيران التي زارها في أغسطس (آب) الماضي، الأمر الذي كان شبه مستحيل عند عمله في وزارة الخارجية الأميركية. وفيما يلي أبرز ما جاء الحوار:

* لنبدأ الحدث في مناقشة سوريا وقرار مجلس الأمن 2118 الذي أقر الأسبوع الماضي، ما أهمية القرار من حيث تقريب إمكانية التوصل إلى حل سياسي في سوريا؟
- إنه أمر مهم من نواحٍ عدة، أولا هناك القضية التي يتمحور حولها القرار وهي الأسلحة الكيماوية، والتي لم تؤكد الحكومة السورية سابقا أنها تمتلكها. الآن يجب أن تدمر هذه الأسلحة، وهذا أمر مهم بحد ذاته، إذ إنه ينزع هذا النوع من السلاح الكريه من الترسانة السورية. الأمر الثاني هو أن القرار كسر شلل مجلس الأمن، الشلل الذي سكن مجلس الأمن منذ عامين ونصف العام، بينما يذبح السوريون. وأعتبر أن هذا أمر مهم جدا لأننا نستطيع أن نقول الآن إنه بإمكان مجلس الأمن العمل سويا حول سوريا، وضمن هذا القرار هناك فقرة تطالب بعقد مؤتمر جنيف بأسرع وقت ممكن، فبات لدينا زخم وراء العملية السياسية. علينا أن نترجم هذا التطور إلى مؤتمر، وأن ندفع السوريين وداعميهم الإقليميين والدوليين للتركيز على أساليب سياسية بدلا من عسكرية، ولكننا في وضع أفضل بكثير مما كنا عليه قبل أسبوعين في معالجة الأزمة السورية. لا أريد أن أقلل من حجم التحديات التي تواجهنا، ولكن أقول لكل من قال إن مجلس الأمن عاجز عن العمل وإن الأمم المتحدة باتت غير معنية بالأزمة السورية (ما عدا المساعدات الإنسانية)، أثبت قرار الأسبوع الماضي أن هذه النظرية خاطئة.
* ولكن مع ذلك، القرار أشار إلى الفصل السابع ولكن لم يصدر بموجبه، وإذا فشلت الأطراف السورية في الالتزام به، يمكن أن يعود مجلس الأمن إلى نفس الخلافات السابقة.. البعض يرى أن القرار أعطى الحكومة السورية فسحة لعدم الالتزام بواجباتها الأخرى، بما في ذلك وقف قتل الأبرياء بأسلحة أخرى..
- قرار مجلس الأمن لا يعطينا آلية لوقف تدافع الأسلحة إلى سوريا أو وقف استخدامها، أنتِ على صواب، ولكنه يتعامل مع نوع من الأسلحة السيئة بشكل خاص، ولكن لننظر إلى ما تحقق، لدينا اتفاق روسي - أميركي بأنه يجب ألا تستخدم هذه الأسلحة في سوريا ويجب ألا تكن متاحة لأي طرف يقاتل في سوريا أو يأخذهم من سوريا. هذا أمر ذو معنى، ولدينا أيضا اتفاق روسي - أميركي يعود لـ7 مايو (أيار) حول ضرورة جمع السوريين حول الطاولة بهدف تطبيق الإعلان الذي جرى التوقيع عليه في جنيف العام الماضي، لم يكن لدينا أي من هذه الأمور قبل بضعة أشهر. لم يكن لدينا اعتراف من السوريين بأن لديهم هذه الأسلحة قبل بضعة أسابيع، فإذا بنا ننظر إلى هذه العملية خطوة تلو خطوة، انتقلنا من مجلس الأمن منقسما إلى واحد فيه إجماع. وفريق الأسلحة الكيماوية وصل إلى دمشق الثلاثاء وسنرى كيف تسير الأمور على واقع الأرض، ولكن من خلال مناقشاتنا الأسبوع الماضي ومن خلال تواصل الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون مع أعضاء مجلس الأمن، نعتقد أن الروس والأميركيين صادقون في تطبيق هذا القرار.
* هذا الاتفاق على أسلحة سوريا الكيماوية سمح بمجال لدفع المسار السياسي، ولكن إذا عقد اجتماع جنيف سيكون فقط بدءا لعملية مطولة، هل ممكن أن تنجح ما دام الرئيس السوري بشار الأسد في منصبه؟
- هناك قضيتان يختلف الناس حولهما عندما يتحدثون عن الشروط لعقد مؤتمر جنيف، الأولى هو عن ميزان القوة العسكرية على الأرض ومن يسيطر على أي قطعة الأرض، والثانية هي ما دور الرئيس الأسد؟ برأيي، عندما أنظر إلى إعلان جنيف من العام الماضي وأفكر بطريق إلى الأمام، أعتقد أن النقطتين تقتربان من أن تكونا غير مهمتين، إنهما ليستا أساسا لما نريد تحقيقه في جنيف. إعلان جنيف يضع أسلوبا سياسيا لحل الأزمة في سوريا، مسار سياسي يتم تطبيقه بالتراضي المتبادل. وهذا يعني أنه من غير المهم من يسيطر على أي قرية، إذن لابد من اجتماع السوريين حول طاولة الحوار بنية حسنة من أجل تطبيق إعلان جنيف التي تتحدث عن وضع جميع السلطات التنفيذية تحت تصرف هيئة للحكم الانتقالي الذي سيشكل بالتراضي، وذلك يعني أن دور الرئيس الأسد يجب ألا يكون مفصليا في تحديد التوصل إلى اتفاق حول الجلوس على طاولة الحوار. العناصر التي نحتاجها من أجل فرص أفضل لنجاح مؤتمر جنيف هي مجيء المشاركين إلى جنيف على استعداد للتفاوض على تطبيقها في بعض الأحيان، وذلك يعني أن تأتي الأطراف السورية نفسها، إذا كانت تمثل المعارضة أو الحكومة، بنية جدية للعمل على تطبيق إعلان جنيف. وذلك يعني في أحيان أخرى أن يأتي الشركاء الإقليميون والدوليون بالتزام لهذا المبدأ، حتى يرى السوريون أنه لا يوجد خيار آخر، لا يوجد مخرج آخر عدا تطبيق إعلان جنيف. وأعتقد أن إعلان جنيف يعطينا جوهر ما سنتفاوض حوله في جنيف، لا نعلم من سيكونون أعضاء هيئة الحكم الانتقالي أو آلية نقل السلطات التنفيذية كاملة لها، ولكن نعلم ما نريد تحقيقه وهو هيئة حكم انتقالي مبني على التراضي المتبادل.
* قلت إن على هيئة الحكم الانتقالي المرتقبة أن تشمل ممثلين عن الحكومة السورية الحالية المعارضة، ولكن أليس من المقلق أن أطراف المعارضة المتوقع حضورها جنيف لا تمثل جميع العناصر الفعالة على الأرض في سوريا؟
- إنني قلق من الطرفين، قلق من أن الحكومة تعتقد أن بإضافة بعض الوجوه الجديدة إلى مجلس الوزراء الحالي وإطلاق اسم هيئة الحكم الانتقالي سينتهي الأمر. ومن الواضح أن ذلك لن يغير الوضع على الأرض ولن يعطي من يريد التغيير الشعور بأن هناك سوريا جديدة وتفاهما جديدا في سوريا حول الحكم. إنني أيضا قلق من طرف المعارضة بسبب التنوع الشاسع في المعارضة التي يعني أنها لن تستطيع أن تأتي مع وفد موحد يعتبر ممثلا وذات سلطة (للمعارضة)، وهو جزء من واجبنا، ليس للأمم المتحدة، بل كل من يريد حلا سلميا للمأساة التي اجتاحت سوريا، أن نعمل مع المعارضة وقوى المعارضة كي يعلموا ما هو مطلوب منهم في جنيف، وأنتِ على صواب في أن التمثيل المتوقع للمعارضة لن يشمل كل المجموعات التي تقاتل على الأرض، لا أتخيل وجود جبهة النصرة في جنيف على سبيل المثال، ولا أتوقع أن أيا منا يريد أن يراها هناك. ولكن إذا كان لديك عملية يمكن للشعب في سوريا أن يراها كأمل حقيقي لحل سياسي وإنهاء النزاع العسكري، أعتقد أن الذين يحاربون سيجدون أنفسهم معزولين، وسيشعرون برفض الشعب لأساليبهم. في الوقت الراهن، يبدو أنه لا يوجد خيار غير القتال، ونرى سوريا تدمر أمام أعيننا، ولكن عندما تبدأ العملية السياسية، وعندما يعمل السوريون لوضع آلية حكم بناء على إعلان جنيف، سيكون بإمكان غالبية السوريين وضع الثقة بمرحلة انتقالية، وسيتراجع التأييد الشعبي للقتال. وهذه هي النظرية وعلينا إثباتها، ولكن هذا التحرك أفضل بكثير من مواصلة مشاهدة سوريا تدمر أمام أعيننا والشعب السوري يعاني بأسى. قلنا لوفد المعارضة إنه في اليوم الأول من المؤتمر عندما تمر الكاميرات على قاعة الاجتماع، على السوريين الجالسين في منازلهم أن يتطلعوا إلى تحسن الأوضاع بعد طول الانتظار، يجب أن يشبه الوفد واقيا سوريا.
* البعض قلق من أن «شبه سوريا» هو خطة للتقسيم بناء على الطائفية، والبعض يريد أن نرى علويا وكرديا ومسيحيا وسنيا وغيرها من تسمية كدليل على التمثيل الشعبي، ولكن الكثير من السوريين يخشون من أن هذا المبدأ هو لتقسيم البلاد، بينما آخرون يخشون من أن عزل النظام السوري سيضرهم..
- أساس خطة عمل جنيف هي أن يقرر السوريون أنفسهم كيف يجري تشكيل هيئة الحكم الانتقالي، ولكن الافتراض الأساسي هو أن الهيئة ستشمل أناسا من هياكل الحكم الحالية والمعارضة. والمفترض أن وضع الهيئة بناء على التراضي المتبادل يعني إشراك ممثلين عن الطرفين.
* لقد قال الرئيس الأسد تكرارا إنه يؤمن بأن الشعب السوري سيقرر من يحكمه من خلال صناديق الاقتراع عام 2014، هل ترى هذه الانتخابات كوسيلة معقولة لإحداث الانتقال السياسي في سوريا؟
- حاليا، نحن نعمل في الأمم المتحدة تحت توجيهات مجلس الأمن، بناء على ما نص عليه قرار 2118، وما نسمعه من دول أساسية أن الطريق إلى الأمام مبني على إعلان جنيف من العام الماضي. فلسفتنا الأساسية هي أن السوريين سيجتمعون في جنيف ليس لبحث «ماذا» سيفعلون، بل كيف وبمشاركة من. لا أرى كيف يمكن إجراء انتخابات وطنية تعتبر ذات مصداقية مع الظروف الحالية داخل سوريا. بالطبع لا نريد أن نقول للسوريين كيف سيحكمون في المستقبل المنظور، ولكن نحن نتحدث عن مرحلة انتقالية مهمة جدا تجلب دعم أكبر عدد ممكن من السوريين لإنهاء مصيبة القتال في سوريا ويسمح للسوريين بوضع خريطة إلى الأمام.
* هناك تساؤلات حول إمكانية دعوة إيران لحضور مؤتمر جنيف، هل تعتبر أنه من المفيد مشاركتها؟
- من الصعب لي أن أتخيل أن حلا في سوريا سينجح إذا لم تكن إيران مشتركة فيه، بشكل أو بآخر. ولكن مثلما قلت، نحن نركز على كيفية تطبيق إعلان جنيف ونريد أن نتأكد من أن أي طرف يقبل دعوة الأمين العام للأمم المتحدة بالمشاركة، إذا كان سوريا أو غير سوري، أن يفهم أن مشاركتهم بغرض تأييد حل سياسي مبني على إعلان جنيف. ولكن هل أعتقد أنه يجب التواصل مع إيران؟ نعم أعتقد ذلك.
* خلال زيارتك إلى إيران في أغسطس، هل شعرت بأن القيادة الإيرانية مستعدة على أن تكون جزءا من حل سياسي في سوريا؟
- أرسلني الأمين العام أساسا إلى إيران لبحث الوضع السوري، والهدف الأولي كان الحديث مع المسؤولين هناك حول الحاجة إلى التحرك بأسرع وقت ممكن باتجاه حل سياسي لسوريا والابتعاد عن المنطق العسكري الذي أدى إلى كل هذا الدمار في سوريا. ونحو ثلاثة أرباع وقت في إيران كان مخصصا لمناقشات حول سوريا.
* وهل كانت تلك المناقشات مجدية، هل الإيرانيون على استعداد لدعم عملية الانتقال السياسي؟
- المحادثات كانت جيدة، بناءة وعميقة. كان لدينا الوقت الكافي للدخول في تفاصيل تفكيرنا حول هذه القضية. وبالطبع، الأمين العام التقى الرئيس الإيراني حسن روحاني ووزير الخارجية جواد ظريف هنا في نيويورك لإعطاء آرائه حول ضرورة التحرك إلى حل سياسي وتبادل الأفكار مع القيادة الإيرانية. قال الإيرانيون علنا ما يقولونه في اللقاءات المغلقة، وهو التعبير عن قلقهم العميق من التهديد الإرهاب في سوريا، والذي يشكل تهديدا لسوريا وللمنطقة. تحدثوا عن آرائهم حول سوريا ضمن إطار القلق من الإرهاب. وقلنا إن اتخاذ الأسلوب العسكري سيطيل من المعاناة. لا نعتقد أن بإمكان المعارضة أن تطيح بحكومة الرئيس الأسد بالقوة ولا نرى أن حكومة الرئيس الأسد قادرة على هزم المعارضة بالقوة. نحن بحاجة إلى حل سياسي وهذه رسالتي للإيرانيين.
* الأسبوع الماضي كانت هناك تطورات تاريخية في نيويورك، بما فيها اتصال بين الرئيسين أوباما وروحاني. التداعيات لا تخص فقط الملف النووي الإيراني، بل المنطقة كلها. من خلال محادثاتك مع الإيرانيين، هل تتوقع أن نرى تراجعا في التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الفترة الماضية؟
- أمل ذلك، خلال السنوات القليلة الماضية رأينا تصعيدا هائلا في التوتر السني - الشيعي على سبيل المثال. وهذا أمر يشكل مخاطر حقيقية للدول التي تتمتع بتنوع إثني وعرقي، وأفكر هنا بدول مثل لبنان والعراق وسوريا وغيرها. التوتر السني - الشيعي برأينا لديه القدرة على وضع المنطقة في مخاطر حقيقية، ولا أرى كيف يمكن التخفيف من التوتر السني - الشيعي ما دام القتال في سوريا مستمرا، ربما القتال لم يبدأ طائفيا، ولكنه أصبح بهذا الاتجاه. أعتقد أنه لا بد من تواصل مع كل اللاعبين الإقليميين لتنبيههم إلى خطورة الصراع السوري خارج سوريا، بالإضافة إلى اهتمام الرئيس روحاني الواضح للتواصل مع العالم يمكن أن يخفف من التوتر والتحرك تجاه التهدئة. الأمر لن يكون تلقائيا أو سهلا، ولكن هناك فرصة الآن للدبلوماسية. كان شهر سبتمبر (أيلول) مهما للدبلوماسية الدولية مقارنة مع أعوام سابقة من النقاش العام.
* الرئيس اللبناني ميشال سليمان حصل على دعم كبير هنا في الأمم المتحدة، بإطلاق مجموعة الدعم الدولي للبنان برئاسة الأمين العام للأمم المتحدة، وهو يعتبر الآن اللاعب الأساسي لحماية استقرار لبنان الهش مع تعطيل تشكيل الحكومة. ولكن كيف يمكن أن يستمر الوضع خاصة مع لعب حزب الله دورا ظاهريا وفعالا في الصراع السوري؟
- الرئيس سليمان يستحق الكثير من الإشادة للاستقرار النسبي الذي يتمتع به لبنان، فلبنان يعاني بالطبع من الكثير من المشكلات، ورأينا ما حدث في طرابلس ورأينا القنابل في الضاحية الجنوبية، ومخاطر انفجار طائفي موجودة دائما في لبنان. ولكن إذا نظرنا إلى الكارثة في سوريا والروابط بين سوريا ولبنان، فإن عدم انزلاق لبنان هو إنجاز مهم من قبل اللبنانيين أنفسهم، وميشال سليمان أيضا هو الذي عمل بشكل رائع على إبقاء لبنان بعيدا قدر الإمكان من تسرب المشكلات السياسية والأمنية في سوريا. الأمين العام يقر بالمخاطر التي تواجه لبنان والعبء الهائل الذي يحمله لبنان من اللاجئين الذي وصل عددهم إلى ما بين 800 و900 ألف، ولهذا يريد الأمين العام بدء عملية، ليس فقط عقد اجتماع واحد، بل عملية مع الرئيس سليمان لجذب الدعم لقوات الأمن اللبنانية التي تقوم بعمل بطولي لحماية أمن لبنان. وهناك أيضا هدف باستخدام هذه العملية لجذب المزيد من المساعدات لدعم العائلات والمجتمع المضيف للسوريين، وأيضا بصراحة نريد تقديم دعم سياسي لحكومة لبنان في هذا الوضع الصعب. هناك فراغ في مجلس الوزراء ولم تجر انتخابات برلمانية، فالرئاسة الآن تعتبر أساس الشرعية اللبنانية، وأعتقد أن الأمين العام للأمم المتحدة أراد أن يظهر دعما سياسيا لمكتب الرئاسة اللبنانية، بالإضافة إلى دور ميشال سليمان. لدينا ميزة فيما يخص التعامل مع لبنان وهو إجماع أعضاء مجلس الأمن على أهمية لبنان ودعمه. نأمل أن يسهم هذا الاجتماع ليس فقط في ضرورة دعم لبنان، بل أيضا أن يستخدم مع قرار مجلس الأمن 2118 للعمل بشكل أفضل على معالجة الأزمة السورية مباشرة.
* هل يشمل ذلك معالجة تدخل حزب الله في سوريا؟
- هذه قضية صعبة جدا. مجلس الأمن أوضح من خلال بيانات رئاسية أن سياسة الرئيس سليمان بالنأي عن النفس سياسة يدعمها مجلس الأمن ويفهمها. أفضل طريقة لحماية لبنان هي من خلال عدم جر لبنان إلى الصراع السوري. ولكن كما تعلمون هناك مقاتلون من كلا الطرفين الذين دخلوا سوريا ويدعمون الطرفين في سوريا، وهذا أمر خطير جدا للبنان، ولقد قلنا ذلك. وأعتقد أن ميشال سليمان كان شجاعا في الوقوف ضد مثل هذا التدخل في القتال داخل سوريا، إذا كان من طرف حزب الله أو من المجموعات السنية. وأحد الأسباب التي تدفع مجموعة الدعم الدولي للسعي إلى مساعدة القوات اللبنانية المسلحة لأنها أظهرت القدرة على منع بعض القتال من الانتقال سوريا إلى لبنان. وتدخل حزب الله في سوريا لا يساعد لبنان.
* الحدود السورية مع العراق أيضا تشكل خطرا حاليا، هناك مخاوف من أن الحدود لا تخضع لسيطرة حكومية من الطرفين، بينما تزداد قوة «دول الإسلام في العراق والشام»، وهناك مقاتلون آخرون من العراق يقاتلون إلى جوار الحكومة.. لقد زرت العراق أخيرا، هل وجدت أن الحكومة العراقية حازمة في منع هؤلاء المقاتلين؟
- كنت في العراق في أغسطس (آب) الماضي، وظهر أنه أكثر الشهور دموية في العراق منذ خمس سنوات. كل زعيم عراقي التقيت به عبر عن قلق عميق من زيادة العنف في البلاد. ولا شك أن هناك امتدادا من سوريا، ولكن هناك أيضا شلل سياسي داخل العراق يساهم في الظروف المؤدية إلى هذا العنف، كما أن العراق يستعد لانتخابات جديدة. وهذه العوامل الثلاثة؛ امتداد العنف من سوريا والشلل السياسي والانتخابات المقبلة، تزيد التحدي أمام العراقيين للتعامل مع التهديد الأمني حاليا، لأن هناك أطرافا يهمها تصاعد العنف بأهداف سياسية. ما يقلقني أن الكثير من الذين التقيتهم في العراق يرون القتال من منظور طائفي فقط. لم أشعر بأن هناك حوارا أو تنسيقا بين القادة العراقيين الذي يأمل به المرء رغم التهديدات الأمنية الحقيقية وذبح العراقيين يوميا. ومع اقتراب الانتخابات، يصبح من الأصعب توحيد الصف. الأحزاب والقادة السياسيون يريدون أن يظهروا فرقهم عن الآخرين مع اقتراب موعد الانتخابات العام المقبل، بدلا من ظهوره نحو العمل بشأن سوريا. ولكن التهديد الأمني في العراق حاليا بات خطيرا إلى درجة أننا نشجع جميع العراقيين، بغض النظر عن خلافاتهم، أن يعالجوا هذا التهديد الحقيقي. ولكني حقا تشجعت من التزام الجميع بإجراء الانتخابات في موعدها. العراق لديه سجل قوي جدا لإجراء الانتخابات في موعدها، بالأوقات الجيدة والسيئة، هذا سجل يثير الإعجاب، ونحن نعتقد أنه من المهم جدا الالتزام بهذه الروزنامة، عبر الجميع، من رئيس الوزراء إلى كل الساسة، عليهم الالتزام بموعد الانتخابات.
* يبدو أن هناك شبه إجماع من كل الدول المعنية بالملف السوري، الدول العربية وروسيا والولايات المتحدة وإيران، على ضرورة مكافحة الإرهاب ويجب أن يجمع ذلك الجميع في معالجة الملف السوري.. هل الخوف من عناصر «القاعدة» بات سببا أقوى للتوصل إلى اتفاق من مقتل أكثر من 115 ألف سوري وتشريد الملايين؟
- هناك اعتراف متنام أنه كلما زاد القتال، المأساة لا تقتصر على القتلى والمشردين، بل إن هناك مشكلة بعيدة الأمد من الإرهابيين ستخرج من سوريا. وأعتقد أن هناك تركيزا على هذا التهديد الإرهابي الذي يعيدنا إلى جنيف، لأنه عند التوصل إلى هيئة حكم انتقالي، يسمح لأناس من الحكومة والمعارضة بالعمل معا، يمكن أن يكون هناك أسلوب متفق عليه لتوحيد سوريا وعزل تلك المجموعات التي لا يمكن أن تكون جزءا من جمهورية سورية جديدة.
* هناك تطور مهم آخر وهو بدء محادثات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين بجدول زمني محدد.. هل يمكن أن يتوصل الطرفان إلى اتفاق خلال مدة تسعة أشهر مثلما حدد الأميركيون؟ وما هو الخيار الآخر لو لم يتحقق ذلك؟
- لا أعلم ما هي الخطة البديلة، الأميركيون ملتزمون كليا بالخطة الحالية والفلسطينيون والإسرائيليون أيضا قالوا إنهم ملتزمون بالخطة الحالية، لا أحد يتحدث عن خطة بديلة. ما أثار إعجابي حتى الآن هو احترام الإسرائيليين والفلسطينيين لقوانين اللعبة، لقد رأيت محادثات سابقة يخرج الفلسطينيون والإسرائيليون مباشرة بعد المحادثات ويهرولون إلى الإعلام وينتقدون الطرف الآخر ويعطون نسختهم هم مما يحدث في المفاوضات. لا يحدث ذلك الآن. نعم الفلسطينيون والإسرائيليون يعلنون، وأحيانا بقوة، عن مواقفهم للإعلام ولكن لا يتحدثون عن موقف الطرف الآخر أو ما يجري في قاعات الاجتماع، لا يسربون تفاصيل المحادثات الجارية، وهذه كانت أحد التفاهمات مع الأميركيين. الالتزام بهذه التفاهمات يشير إلى أن الطرفين ملتزمون بجدية المفاوضات. الأمين العام استضاف الرباعية الدولية (الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والولايات المتحدة) مع المفاوضين الفلسطيني صائب عريقات والإسرائيلية تسيبي ليفني وأكدا التزامهما بالمفاوضات والمضي قدما في العمل، وأنهما عبرا عن ارتياحهما للمفاوضات، وأن كل طرف يعمل بحسن نية ولكن لم يدخلوا في التفاصيل، وذلك بناء على ما تم الاتفاق عليه، إذ لا تكشف هذه التفاصيل. ولكن بعد 20 عاما من المحادثات، المطلوب ليست مفاوضات مطولة بل قرارات.



مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.


تحذيرات دولية من اتساع المجاعة في اليمن

عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)
عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)
TT

تحذيرات دولية من اتساع المجاعة في اليمن

عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)
عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)

لا يزال اليمن يحتل موقعاً متقدماً ضمن قائمة الدول الأكثر تضرراً من أزمة الجوع الحاد عالمياً، في ظل مؤشرات دولية متزايدة التحذير من تفاقم الأوضاع الإنسانية واتساع رقعة انعدام الأمن الغذائي، مع استمرار الصراع، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وتراجع التمويل الدولي المخصص للبرامج الإغاثية؛ الأمر الذي يضع ملايين السكان أمام تحديات معيشية غير مسبوقة.

وأظهرت تقارير دولية حديثة أن اليمن يُصنَّف ضمن البلدان التي تشهد مستويات مرتفعة للغاية من انعدام الأمن الغذائي، لا سيما ضمن مستوى «الطوارئ»، وهو ثاني أخطر تصنيف قبل المجاعة وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، في وقت تسجل فيه بعض المناطق حالات دخلت مرحلة «الكارثة»، وهي أخطر مستويات الجوع التي تهدد حياة السكان بصورة مباشرة.

وتعكس هذه المؤشرات عمق الأزمة الغذائية التي تضرب البلاد منذ سنوات، في ظل تشابك عوامل داخلية وخارجية أسهمت في إنهاك قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية، ودفعت شرائح واسعة من السكان إلى الاعتماد شبه الكامل على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة.

وتضع البيانات الدولية اليمن في مقدمة الدول الأكثر تأثراً بالأزمات الغذائية على مستوى العالم، حيث يواجه ملايين اليمنيين أوضاعاً إنسانية بالغة الصعوبة، مع اتساع الفجوة بين الاحتياجات المتزايدة والقدرة المحدودة على الاستجابة لها.

سوق شعبية في صنعاء حيث العاصمة اليمنية الخاضعة للحوثيين (الشرق الأوسط)

ويرى مراقبون أن استمرار الانقلاب الحوثي وما خلّفه من دمار واسع للبنية الاقتصادية والإنتاجية، أسهما بصورة مباشرة في تقويض الأمن الغذائي، خصوصاً مع تراجع النشاط الزراعي، واضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف النقل، إلى جانب الزيادات المستمرة في أسعار السلع الأساسية.

كما أدى تراجع مصادر دخل الأسر، وانكماش فرص العمل، وتدهور القدرة الشرائية بفعل الأزمات الاقتصادية المتراكمة، إلى دفع ملايين اليمنيين نحو مستويات أكثر هشاشة، خصوصاً في المناطق الريفية والأشد تأثراً بالنزاع، حيث تتراجع فرص الوصول إلى الغذاء والخدمات الأساسية بشكل متزايد.

ويؤكد مختصون في الشأن الإنساني أن الأزمة لم تعد مقتصرة على نقص الغذاء فقط، بل أصبحت أزمة مركبة ترتبط بسوء التغذية، وضعف الخدمات الصحية، وتراجع شبكات الحماية الاجتماعية؛ ما يضاعف من خطورة الوضع على الفئات الأكثر ضعفاً، وفي مقدمتها الأطفال والنساء.

تراجع التمويل

في موازاة ارتفاع الاحتياجات، تواجه المنظمات الإنسانية تحدياً كبيراً يتمثل في تقلص التمويل الدولي المخصص لبرامج الإغاثة؛ وهو ما انعكس مباشرة على حجم ونطاق التدخلات الإنسانية المنفذة على الأرض.

ويؤكد مراقبون أن انخفاض التمويل دفع كثيراً من الجهات الإغاثية إلى تقليص برامج المساعدات الغذائية والتغذوية، وإعادة ترتيب أولوياتها بما يركز على الحالات الأكثر إلحاحاً؛ ما ترك أعداداً كبيرة من الأسر خارج نطاق الدعم المنتظم، رغم تزايد حاجتها إلى المساعدة.

جبايات الحوثيين تسببت بارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية (الشرق الأوسط)

كما أسهم تراجع التمويل في الحد من قدرة المنظمات على تنفيذ برامج مستدامة تعزز الأمن الغذائي، مثل دعم سبل العيش، وتوسيع مشاريع المياه، وتحسين الخدمات الصحية، وهي تدخلات كان من شأنها الحد من تفاقم الأزمة وتخفيف الاعتماد على المساعدات الطارئة.

ويرى خبراء أن استمرار فجوة التمويل، بالتوازي مع تعقيد البيئة الإنسانية، قد يدفع بمزيد من المناطق إلى أوضاع أكثر خطورة، خاصة مع استمرار التحديات المرتبطة بوصول المساعدات وارتفاع تكلفة العمليات الإنسانية في بلد يعاني هشاشة واسعة في بنيته الخدمية والاقتصادية.

مرحلة حرجة

في تحذير جديد، وصف مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) الوضع الإنساني في اليمن بأنه وصل إلى «نقطة تحول حرجة»، مشيراً إلى أن ملايين السكان يواجهون خطر الانزلاق نحو مستويات أشد من الجوع الحاد إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة لاحتواء الأزمة.

وحسب تقديرات الأمم المتحدة، فإن نحو 22.3 مليون يمني باتوا في حاجة إلى مساعدات إنسانية وحماية، في حين لا يزال أكثر من 18 مليون شخص معرضين لمستويات حادة من الجوع، في مؤشر يعكس اتساع رقعة الأزمة بصورة غير مسبوقة.

تراجع حصص العائلات اليمنية من المعونات الإنسانية (أ.ف.ب)

وتتزامن هذه المؤشرات مع تحديات صحية متفاقمة، في ظل تعثر النظام الصحي واستمرار عمل نسبة محدودة من المرافق الطبية بشكل جزئي؛ ما يضع ملايين السكان أمام مخاطر مزدوجة تجمع بين نقص الغذاء وضعف القدرة على الحصول على الرعاية الصحية الأساسية.

وتحذّر المؤسسات الدولية من أن استمرار هذا الوضع دون استجابة واسعة النطاق سيقود إلى تداعيات إنسانية خطيرة، تشمل ارتفاع معدلات سوء التغذية، وزيادة معدلات الوفيات المرتبطة بالجوع والأمراض، واتساع دائرة الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية في مختلف أنحاء البلاد.

وفي ظل هذه الصورة القاتمة، تتزايد الدعوات إلى تكثيف الاستجابة الإنسانية الدولية، ودعم برامج الأمن الغذائي والتغذية، وتعزيز سبل العيش والخدمات الأساسية، بصفتها خطوات ملحة للحد من تفاقم الأزمة ومنع انزلاق مزيد من اليمنيين إلى حافة المجاعة.


حضرموت تشدد قبضتها الأمنية في مواجهة السلاح المنفلت

صرامة في تنفيذ قرار منع حمل السلاح والتجول به في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)
صرامة في تنفيذ قرار منع حمل السلاح والتجول به في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)
TT

حضرموت تشدد قبضتها الأمنية في مواجهة السلاح المنفلت

صرامة في تنفيذ قرار منع حمل السلاح والتجول به في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)
صرامة في تنفيذ قرار منع حمل السلاح والتجول به في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)

واصلت قوات «درع الوطن» اليمنية تعزيز حضورها الأمني في ساحل ووادي حضرموت، ضمن تحركات ميدانية واسعة تستهدف ضبط السلاح غير المرخص، وملاحقة محال بيعه، ومنع حمله والتجول به داخل المدن والمناطق السكنية، في إطار مساعٍ متواصلة لترسيخ الاستقرار، وفرض هيبة النظام، وتوسيع مظلة الأمن في واحدة من أكثر المحافظات اليمنية أهمية على المستويين الأمني والاقتصادي.

تأتي هذه الإجراءات ضمن خطة أمنية متكاملة تستند إلى الانتشار الميداني، وتكثيف الحملات التفتيشية، ومداهمة المواقع المشبوهة، إلى جانب إحالة المخالفين إلى الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم، في رسالة واضحة بأن السلطات الأمنية ماضية في إنهاء مظاهر التسلح العشوائي، وتجفيف منابع الاتجار غير المشروع بالأسلحة والذخائر.

وفي وادي حضرموت، نفَّذ اللواء الثاني التابع للفرقة الثانية في قوات درع الوطن حملة أمنية واسعة لمنع حمل السلاح غير المرخص ومصادرته بشكل كامل، شملت المدن الرئيسية والثانوية، وذلك بناءً على توجيهات قائد المنطقة العسكرية الأولى اللواء فهد بامؤمن.

قوات «درع الوطن» اليمنية عززت قبضتها الأمنية في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)

ووفقاً لما أعلنته قيادة الحملة، فإن الأطقم العسكرية تواصل انتشارها الميداني في مختلف مدن ومناطق الوادي، حيث تنفذ عمليات مداهمة للمحال المخالفة، وتضبط حاملي السلاح غير المرخص، وتصادر المضبوطات، تمهيداً لإحالة المخالفين إلى الجهات المختصة لاستكمال الإجراءات القانونية.

وأكدت قيادة الحملة أن الهدف الرئيسي يتمثل في تعزيز الأمن والاستقرار، وفرض هيبة النظام، وحماية السكان من تداعيات انتشار السلاح داخل الأحياء السكنية، مشددةً على أن حمل السلاح داخل المدن بات يمثل تجاوزاً مرفوضاً وخطاً أحمر لن يكون هناك أي تهاون في التعامل معه، مع تأكيد التعامل بحزم مع كل من يخالف التعليمات أو يحاول الالتفاف عليها.

ملاحقة تجارة السلاح

في امتداد لهذه الحملة، واصل اللواء الخامس في الفرقة الثانية بقيادة العقيد عماد الحدادي تنفيذ عملياته الأمنية في مدينة سيئون، حيث أعلن ضبط ومصادرة عدد من الأسلحة غير المرخصة، وإحالة المضبوطين إلى الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.

كما كانت الفرقة الثانية، بقيادة مساعد القائد الرائد أحمد الديني، ورئيس عمليات اللواء الثاني المقدم صادق المنهالي، قد نفَّذت حملة أمنية واسعة استهدفت مديريتي القطن وحوره، وشملت مداهمة مواقع مشبوهة، إلى جانب محال تبيع الأسلحة والذخائر بصورة غير قانونية.

وأسفرت تلك الحملة عن مصادرة كميات من الأسلحة والذخائر، وإغلاق عدد من المحال المخالفة التي تمارس تجارة السلاح دون تراخيص، في خطوة تعكس توجهاً أمنياً واضحاً نحو ضرب شبكات الاتجار بالسلاح عند منابعها، وليس فقط الاكتفاء بضبط حامليه في الشوارع والمدن.

إجراءات تفتيش دقيقة لمنع تهريب الأسلحة والذخائر في وادي حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)

وأوضحت قيادة الفرقة الثانية أن هذه العمليات تأتي ضمن خطة أمنية محكمة لاجتثاث ظاهرة حمل السلاح العشوائي، والقضاء على أوكار تجار السلاح، ومنع المظاهر المسلحة التي تشكل تهديداً مباشراً لأمن المديريات واستقرارها، مؤكدة استمرار الحملات خلال الأيام المقبلة لملاحقة كل من يعبث بالأمن العام.

وبالتوازي مع هذه الحملات، واصلت الأجهزة الأمنية في وادي حضرموت تعزيز حضورها المؤسسي في مواجهة الجرائم المنظمة والجنائية، حيث أحالت الإدارة العامة للأمن والشرطة 15 متهماً إلى النيابة الجزائية المتخصصة، على ذمة قضايا جنائية جسيمة جرى ضبطها والتحقيق فيها خلال الشهر الحالي والذي سبقه.

وشملت القضايا المحالة ستة متهمين في قضايا مخدرات، وستة آخرين في قضايا اختطاف، إضافة إلى متهمين في قضية تتعلق بالإضرار بالاقتصاد الوطني، إلى جانب مطلوب للنيابة العامة، وذلك بعد استكمال التحقيقات وجمع الاستدلالات، وتسليم ملفات القضايا مع المضبوطات وفق الإجراءات القانونية المعتمدة.

رفع الجاهزية

في ساحل حضرموت، دشن قائد لواء «الريان» العميد الركن خالد التميمي، الدورة التنشيطية الأولى لمنتسبي اللواء ضمن الخطة التدريبية للعام الحالي، في خطوة تستهدف توحيد المفاهيم العسكرية، وتعزيز الجاهزية والانضباط، ورفع كفاءة الأداء الميداني.

وأكد التميمي خلال افتتاح الدورة أهمية ترسيخ المفاهيم العسكرية الصحيحة، ورفع مستوى الحس الأمني لدى الأفراد، والالتزام بالتفتيش الدقيق للمركبات، واتخاذ الإجراءات الاحترازية اللازمة، بوصفها أدوات أساسية في حفظ الأمن ومنع أي تهديدات محتملة.

كما شدد على أهمية العمل بروح الفريق الواحد، وتعزيز روح الزمالة والانضباط بين الأفراد، بوصف ذلك أحد المرتكزات الأساسية لنجاح الوحدات العسكرية في أداء مهامها بكفاءة ومسؤولية، مع التعهد بمواصلة البرامج التدريبية بما يضمن رفع جاهزية القوات لمواجهة مختلف التحديات.

خفر السواحل اليمني في مبادرة لتنظيف حوض ميناء المكلا (الإعلام العسكري اليمني)

في سياق متصل، نفذت قوات خفر السواحل مبادرة ميدانية لتنظيف حوض ميناء المكلا، بالتزامن مع الذكرى العاشرة لتحرير ساحل حضرموت من عناصر تنظيم «القاعدة» الإرهابي، بهدف إزالة المخلفات البحرية من قاع الحوض، والحفاظ على البيئة البحرية وصون نظافة السواحل والموانئ.

وأكدت قيادة خفر السواحل أن ما تحقق من تطوير في قدراتها، بدعم من التحالف العربي بقيادة السعودية، من خلال تزويدها بزوارق حديثة ومنظومات اتصالات متطورة، أسهم في تعزيز قدرتها على تأمين السواحل وحماية الأمن البحري، إلى جانب توسيع مساهمتها في المبادرات البيئية والخدمية المرتبطة بالمصلحة العامة.

Your Premium trial has ended