فيلتمان: يجب ألا يكون دور الأسد مفصليا في محادثات جنيف

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة أكد لـ {الشرق الأوسط} أنه من الصعب التوصل إلى حل في سوريا من دون إيران

فيلتمان: يجب ألا يكون دور الأسد مفصليا في محادثات جنيف
TT

فيلتمان: يجب ألا يكون دور الأسد مفصليا في محادثات جنيف

فيلتمان: يجب ألا يكون دور الأسد مفصليا في محادثات جنيف

يعتبر وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية جيفري فيلتمان من أبرز الدبلوماسيين الأميركيين، إذ عمل قرابة 30 عاما في وزارة الخارجية الأميركية واختص في شؤون الشرق الأوسط. واشتهر فيلتمان بعد أن أصبح من أبرز السفراء الأميركيين في العالم العربي، خلال شغله منصب السفير الأميركي لدى لبنان بين عامي 2004 و2008. وبعد أن تولى منصب مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى عام 2009 أسهم في تنفيذ سياسات الرئيس الأميركي باراك أوباما في المنطقة بعد وصوله إلى البيت الأبيض وعمل عن كثب مع وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون، ولكنه قرر ترك وزارة الخارجية الأميركية بعد إعلان كلينتون عزمها على الاستقالة من منصبها في ولاية أوباما الرئاسية الثانية. وتولى فيلتمان منصب وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية في يوليو (تموز) 2012، حيث يتولى ملفات واسعة النطاق ويركز جهوده في أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى، بالإضافة إلى الإشراف على مساعدة الأمم المتحدة لمراقبة الانتخابات حول العالم. والتقت «الشرق الأوسط» فيلتمان في مكتبه بنيويورك بعد انتهاء النقاش العام الرفيع المستوى للجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة لبحث أبرز ملفات الشرق الأوسط، مع التركيز على سوريا وآلية تطبيق إعلان جنيف الصادر في 30 يونيو (حزيران) 2012 بدعم من مجلس الأمن للأمم المتحدة وأطراف إقليمية عدة يعتبرها فيلتمان أساسا لحل الأزمة السورية سياسيا. كما تحدث فيلتمان عن إيران التي زارها في أغسطس (آب) الماضي، الأمر الذي كان شبه مستحيل عند عمله في وزارة الخارجية الأميركية. وفيما يلي أبرز ما جاء الحوار:

* لنبدأ الحدث في مناقشة سوريا وقرار مجلس الأمن 2118 الذي أقر الأسبوع الماضي، ما أهمية القرار من حيث تقريب إمكانية التوصل إلى حل سياسي في سوريا؟
- إنه أمر مهم من نواحٍ عدة، أولا هناك القضية التي يتمحور حولها القرار وهي الأسلحة الكيماوية، والتي لم تؤكد الحكومة السورية سابقا أنها تمتلكها. الآن يجب أن تدمر هذه الأسلحة، وهذا أمر مهم بحد ذاته، إذ إنه ينزع هذا النوع من السلاح الكريه من الترسانة السورية. الأمر الثاني هو أن القرار كسر شلل مجلس الأمن، الشلل الذي سكن مجلس الأمن منذ عامين ونصف العام، بينما يذبح السوريون. وأعتبر أن هذا أمر مهم جدا لأننا نستطيع أن نقول الآن إنه بإمكان مجلس الأمن العمل سويا حول سوريا، وضمن هذا القرار هناك فقرة تطالب بعقد مؤتمر جنيف بأسرع وقت ممكن، فبات لدينا زخم وراء العملية السياسية. علينا أن نترجم هذا التطور إلى مؤتمر، وأن ندفع السوريين وداعميهم الإقليميين والدوليين للتركيز على أساليب سياسية بدلا من عسكرية، ولكننا في وضع أفضل بكثير مما كنا عليه قبل أسبوعين في معالجة الأزمة السورية. لا أريد أن أقلل من حجم التحديات التي تواجهنا، ولكن أقول لكل من قال إن مجلس الأمن عاجز عن العمل وإن الأمم المتحدة باتت غير معنية بالأزمة السورية (ما عدا المساعدات الإنسانية)، أثبت قرار الأسبوع الماضي أن هذه النظرية خاطئة.
* ولكن مع ذلك، القرار أشار إلى الفصل السابع ولكن لم يصدر بموجبه، وإذا فشلت الأطراف السورية في الالتزام به، يمكن أن يعود مجلس الأمن إلى نفس الخلافات السابقة.. البعض يرى أن القرار أعطى الحكومة السورية فسحة لعدم الالتزام بواجباتها الأخرى، بما في ذلك وقف قتل الأبرياء بأسلحة أخرى..
- قرار مجلس الأمن لا يعطينا آلية لوقف تدافع الأسلحة إلى سوريا أو وقف استخدامها، أنتِ على صواب، ولكنه يتعامل مع نوع من الأسلحة السيئة بشكل خاص، ولكن لننظر إلى ما تحقق، لدينا اتفاق روسي - أميركي بأنه يجب ألا تستخدم هذه الأسلحة في سوريا ويجب ألا تكن متاحة لأي طرف يقاتل في سوريا أو يأخذهم من سوريا. هذا أمر ذو معنى، ولدينا أيضا اتفاق روسي - أميركي يعود لـ7 مايو (أيار) حول ضرورة جمع السوريين حول الطاولة بهدف تطبيق الإعلان الذي جرى التوقيع عليه في جنيف العام الماضي، لم يكن لدينا أي من هذه الأمور قبل بضعة أشهر. لم يكن لدينا اعتراف من السوريين بأن لديهم هذه الأسلحة قبل بضعة أسابيع، فإذا بنا ننظر إلى هذه العملية خطوة تلو خطوة، انتقلنا من مجلس الأمن منقسما إلى واحد فيه إجماع. وفريق الأسلحة الكيماوية وصل إلى دمشق الثلاثاء وسنرى كيف تسير الأمور على واقع الأرض، ولكن من خلال مناقشاتنا الأسبوع الماضي ومن خلال تواصل الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون مع أعضاء مجلس الأمن، نعتقد أن الروس والأميركيين صادقون في تطبيق هذا القرار.
* هذا الاتفاق على أسلحة سوريا الكيماوية سمح بمجال لدفع المسار السياسي، ولكن إذا عقد اجتماع جنيف سيكون فقط بدءا لعملية مطولة، هل ممكن أن تنجح ما دام الرئيس السوري بشار الأسد في منصبه؟
- هناك قضيتان يختلف الناس حولهما عندما يتحدثون عن الشروط لعقد مؤتمر جنيف، الأولى هو عن ميزان القوة العسكرية على الأرض ومن يسيطر على أي قطعة الأرض، والثانية هي ما دور الرئيس الأسد؟ برأيي، عندما أنظر إلى إعلان جنيف من العام الماضي وأفكر بطريق إلى الأمام، أعتقد أن النقطتين تقتربان من أن تكونا غير مهمتين، إنهما ليستا أساسا لما نريد تحقيقه في جنيف. إعلان جنيف يضع أسلوبا سياسيا لحل الأزمة في سوريا، مسار سياسي يتم تطبيقه بالتراضي المتبادل. وهذا يعني أنه من غير المهم من يسيطر على أي قرية، إذن لابد من اجتماع السوريين حول طاولة الحوار بنية حسنة من أجل تطبيق إعلان جنيف التي تتحدث عن وضع جميع السلطات التنفيذية تحت تصرف هيئة للحكم الانتقالي الذي سيشكل بالتراضي، وذلك يعني أن دور الرئيس الأسد يجب ألا يكون مفصليا في تحديد التوصل إلى اتفاق حول الجلوس على طاولة الحوار. العناصر التي نحتاجها من أجل فرص أفضل لنجاح مؤتمر جنيف هي مجيء المشاركين إلى جنيف على استعداد للتفاوض على تطبيقها في بعض الأحيان، وذلك يعني أن تأتي الأطراف السورية نفسها، إذا كانت تمثل المعارضة أو الحكومة، بنية جدية للعمل على تطبيق إعلان جنيف. وذلك يعني في أحيان أخرى أن يأتي الشركاء الإقليميون والدوليون بالتزام لهذا المبدأ، حتى يرى السوريون أنه لا يوجد خيار آخر، لا يوجد مخرج آخر عدا تطبيق إعلان جنيف. وأعتقد أن إعلان جنيف يعطينا جوهر ما سنتفاوض حوله في جنيف، لا نعلم من سيكونون أعضاء هيئة الحكم الانتقالي أو آلية نقل السلطات التنفيذية كاملة لها، ولكن نعلم ما نريد تحقيقه وهو هيئة حكم انتقالي مبني على التراضي المتبادل.
* قلت إن على هيئة الحكم الانتقالي المرتقبة أن تشمل ممثلين عن الحكومة السورية الحالية المعارضة، ولكن أليس من المقلق أن أطراف المعارضة المتوقع حضورها جنيف لا تمثل جميع العناصر الفعالة على الأرض في سوريا؟
- إنني قلق من الطرفين، قلق من أن الحكومة تعتقد أن بإضافة بعض الوجوه الجديدة إلى مجلس الوزراء الحالي وإطلاق اسم هيئة الحكم الانتقالي سينتهي الأمر. ومن الواضح أن ذلك لن يغير الوضع على الأرض ولن يعطي من يريد التغيير الشعور بأن هناك سوريا جديدة وتفاهما جديدا في سوريا حول الحكم. إنني أيضا قلق من طرف المعارضة بسبب التنوع الشاسع في المعارضة التي يعني أنها لن تستطيع أن تأتي مع وفد موحد يعتبر ممثلا وذات سلطة (للمعارضة)، وهو جزء من واجبنا، ليس للأمم المتحدة، بل كل من يريد حلا سلميا للمأساة التي اجتاحت سوريا، أن نعمل مع المعارضة وقوى المعارضة كي يعلموا ما هو مطلوب منهم في جنيف، وأنتِ على صواب في أن التمثيل المتوقع للمعارضة لن يشمل كل المجموعات التي تقاتل على الأرض، لا أتخيل وجود جبهة النصرة في جنيف على سبيل المثال، ولا أتوقع أن أيا منا يريد أن يراها هناك. ولكن إذا كان لديك عملية يمكن للشعب في سوريا أن يراها كأمل حقيقي لحل سياسي وإنهاء النزاع العسكري، أعتقد أن الذين يحاربون سيجدون أنفسهم معزولين، وسيشعرون برفض الشعب لأساليبهم. في الوقت الراهن، يبدو أنه لا يوجد خيار غير القتال، ونرى سوريا تدمر أمام أعيننا، ولكن عندما تبدأ العملية السياسية، وعندما يعمل السوريون لوضع آلية حكم بناء على إعلان جنيف، سيكون بإمكان غالبية السوريين وضع الثقة بمرحلة انتقالية، وسيتراجع التأييد الشعبي للقتال. وهذه هي النظرية وعلينا إثباتها، ولكن هذا التحرك أفضل بكثير من مواصلة مشاهدة سوريا تدمر أمام أعيننا والشعب السوري يعاني بأسى. قلنا لوفد المعارضة إنه في اليوم الأول من المؤتمر عندما تمر الكاميرات على قاعة الاجتماع، على السوريين الجالسين في منازلهم أن يتطلعوا إلى تحسن الأوضاع بعد طول الانتظار، يجب أن يشبه الوفد واقيا سوريا.
* البعض قلق من أن «شبه سوريا» هو خطة للتقسيم بناء على الطائفية، والبعض يريد أن نرى علويا وكرديا ومسيحيا وسنيا وغيرها من تسمية كدليل على التمثيل الشعبي، ولكن الكثير من السوريين يخشون من أن هذا المبدأ هو لتقسيم البلاد، بينما آخرون يخشون من أن عزل النظام السوري سيضرهم..
- أساس خطة عمل جنيف هي أن يقرر السوريون أنفسهم كيف يجري تشكيل هيئة الحكم الانتقالي، ولكن الافتراض الأساسي هو أن الهيئة ستشمل أناسا من هياكل الحكم الحالية والمعارضة. والمفترض أن وضع الهيئة بناء على التراضي المتبادل يعني إشراك ممثلين عن الطرفين.
* لقد قال الرئيس الأسد تكرارا إنه يؤمن بأن الشعب السوري سيقرر من يحكمه من خلال صناديق الاقتراع عام 2014، هل ترى هذه الانتخابات كوسيلة معقولة لإحداث الانتقال السياسي في سوريا؟
- حاليا، نحن نعمل في الأمم المتحدة تحت توجيهات مجلس الأمن، بناء على ما نص عليه قرار 2118، وما نسمعه من دول أساسية أن الطريق إلى الأمام مبني على إعلان جنيف من العام الماضي. فلسفتنا الأساسية هي أن السوريين سيجتمعون في جنيف ليس لبحث «ماذا» سيفعلون، بل كيف وبمشاركة من. لا أرى كيف يمكن إجراء انتخابات وطنية تعتبر ذات مصداقية مع الظروف الحالية داخل سوريا. بالطبع لا نريد أن نقول للسوريين كيف سيحكمون في المستقبل المنظور، ولكن نحن نتحدث عن مرحلة انتقالية مهمة جدا تجلب دعم أكبر عدد ممكن من السوريين لإنهاء مصيبة القتال في سوريا ويسمح للسوريين بوضع خريطة إلى الأمام.
* هناك تساؤلات حول إمكانية دعوة إيران لحضور مؤتمر جنيف، هل تعتبر أنه من المفيد مشاركتها؟
- من الصعب لي أن أتخيل أن حلا في سوريا سينجح إذا لم تكن إيران مشتركة فيه، بشكل أو بآخر. ولكن مثلما قلت، نحن نركز على كيفية تطبيق إعلان جنيف ونريد أن نتأكد من أن أي طرف يقبل دعوة الأمين العام للأمم المتحدة بالمشاركة، إذا كان سوريا أو غير سوري، أن يفهم أن مشاركتهم بغرض تأييد حل سياسي مبني على إعلان جنيف. ولكن هل أعتقد أنه يجب التواصل مع إيران؟ نعم أعتقد ذلك.
* خلال زيارتك إلى إيران في أغسطس، هل شعرت بأن القيادة الإيرانية مستعدة على أن تكون جزءا من حل سياسي في سوريا؟
- أرسلني الأمين العام أساسا إلى إيران لبحث الوضع السوري، والهدف الأولي كان الحديث مع المسؤولين هناك حول الحاجة إلى التحرك بأسرع وقت ممكن باتجاه حل سياسي لسوريا والابتعاد عن المنطق العسكري الذي أدى إلى كل هذا الدمار في سوريا. ونحو ثلاثة أرباع وقت في إيران كان مخصصا لمناقشات حول سوريا.
* وهل كانت تلك المناقشات مجدية، هل الإيرانيون على استعداد لدعم عملية الانتقال السياسي؟
- المحادثات كانت جيدة، بناءة وعميقة. كان لدينا الوقت الكافي للدخول في تفاصيل تفكيرنا حول هذه القضية. وبالطبع، الأمين العام التقى الرئيس الإيراني حسن روحاني ووزير الخارجية جواد ظريف هنا في نيويورك لإعطاء آرائه حول ضرورة التحرك إلى حل سياسي وتبادل الأفكار مع القيادة الإيرانية. قال الإيرانيون علنا ما يقولونه في اللقاءات المغلقة، وهو التعبير عن قلقهم العميق من التهديد الإرهاب في سوريا، والذي يشكل تهديدا لسوريا وللمنطقة. تحدثوا عن آرائهم حول سوريا ضمن إطار القلق من الإرهاب. وقلنا إن اتخاذ الأسلوب العسكري سيطيل من المعاناة. لا نعتقد أن بإمكان المعارضة أن تطيح بحكومة الرئيس الأسد بالقوة ولا نرى أن حكومة الرئيس الأسد قادرة على هزم المعارضة بالقوة. نحن بحاجة إلى حل سياسي وهذه رسالتي للإيرانيين.
* الأسبوع الماضي كانت هناك تطورات تاريخية في نيويورك، بما فيها اتصال بين الرئيسين أوباما وروحاني. التداعيات لا تخص فقط الملف النووي الإيراني، بل المنطقة كلها. من خلال محادثاتك مع الإيرانيين، هل تتوقع أن نرى تراجعا في التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الفترة الماضية؟
- أمل ذلك، خلال السنوات القليلة الماضية رأينا تصعيدا هائلا في التوتر السني - الشيعي على سبيل المثال. وهذا أمر يشكل مخاطر حقيقية للدول التي تتمتع بتنوع إثني وعرقي، وأفكر هنا بدول مثل لبنان والعراق وسوريا وغيرها. التوتر السني - الشيعي برأينا لديه القدرة على وضع المنطقة في مخاطر حقيقية، ولا أرى كيف يمكن التخفيف من التوتر السني - الشيعي ما دام القتال في سوريا مستمرا، ربما القتال لم يبدأ طائفيا، ولكنه أصبح بهذا الاتجاه. أعتقد أنه لا بد من تواصل مع كل اللاعبين الإقليميين لتنبيههم إلى خطورة الصراع السوري خارج سوريا، بالإضافة إلى اهتمام الرئيس روحاني الواضح للتواصل مع العالم يمكن أن يخفف من التوتر والتحرك تجاه التهدئة. الأمر لن يكون تلقائيا أو سهلا، ولكن هناك فرصة الآن للدبلوماسية. كان شهر سبتمبر (أيلول) مهما للدبلوماسية الدولية مقارنة مع أعوام سابقة من النقاش العام.
* الرئيس اللبناني ميشال سليمان حصل على دعم كبير هنا في الأمم المتحدة، بإطلاق مجموعة الدعم الدولي للبنان برئاسة الأمين العام للأمم المتحدة، وهو يعتبر الآن اللاعب الأساسي لحماية استقرار لبنان الهش مع تعطيل تشكيل الحكومة. ولكن كيف يمكن أن يستمر الوضع خاصة مع لعب حزب الله دورا ظاهريا وفعالا في الصراع السوري؟
- الرئيس سليمان يستحق الكثير من الإشادة للاستقرار النسبي الذي يتمتع به لبنان، فلبنان يعاني بالطبع من الكثير من المشكلات، ورأينا ما حدث في طرابلس ورأينا القنابل في الضاحية الجنوبية، ومخاطر انفجار طائفي موجودة دائما في لبنان. ولكن إذا نظرنا إلى الكارثة في سوريا والروابط بين سوريا ولبنان، فإن عدم انزلاق لبنان هو إنجاز مهم من قبل اللبنانيين أنفسهم، وميشال سليمان أيضا هو الذي عمل بشكل رائع على إبقاء لبنان بعيدا قدر الإمكان من تسرب المشكلات السياسية والأمنية في سوريا. الأمين العام يقر بالمخاطر التي تواجه لبنان والعبء الهائل الذي يحمله لبنان من اللاجئين الذي وصل عددهم إلى ما بين 800 و900 ألف، ولهذا يريد الأمين العام بدء عملية، ليس فقط عقد اجتماع واحد، بل عملية مع الرئيس سليمان لجذب الدعم لقوات الأمن اللبنانية التي تقوم بعمل بطولي لحماية أمن لبنان. وهناك أيضا هدف باستخدام هذه العملية لجذب المزيد من المساعدات لدعم العائلات والمجتمع المضيف للسوريين، وأيضا بصراحة نريد تقديم دعم سياسي لحكومة لبنان في هذا الوضع الصعب. هناك فراغ في مجلس الوزراء ولم تجر انتخابات برلمانية، فالرئاسة الآن تعتبر أساس الشرعية اللبنانية، وأعتقد أن الأمين العام للأمم المتحدة أراد أن يظهر دعما سياسيا لمكتب الرئاسة اللبنانية، بالإضافة إلى دور ميشال سليمان. لدينا ميزة فيما يخص التعامل مع لبنان وهو إجماع أعضاء مجلس الأمن على أهمية لبنان ودعمه. نأمل أن يسهم هذا الاجتماع ليس فقط في ضرورة دعم لبنان، بل أيضا أن يستخدم مع قرار مجلس الأمن 2118 للعمل بشكل أفضل على معالجة الأزمة السورية مباشرة.
* هل يشمل ذلك معالجة تدخل حزب الله في سوريا؟
- هذه قضية صعبة جدا. مجلس الأمن أوضح من خلال بيانات رئاسية أن سياسة الرئيس سليمان بالنأي عن النفس سياسة يدعمها مجلس الأمن ويفهمها. أفضل طريقة لحماية لبنان هي من خلال عدم جر لبنان إلى الصراع السوري. ولكن كما تعلمون هناك مقاتلون من كلا الطرفين الذين دخلوا سوريا ويدعمون الطرفين في سوريا، وهذا أمر خطير جدا للبنان، ولقد قلنا ذلك. وأعتقد أن ميشال سليمان كان شجاعا في الوقوف ضد مثل هذا التدخل في القتال داخل سوريا، إذا كان من طرف حزب الله أو من المجموعات السنية. وأحد الأسباب التي تدفع مجموعة الدعم الدولي للسعي إلى مساعدة القوات اللبنانية المسلحة لأنها أظهرت القدرة على منع بعض القتال من الانتقال سوريا إلى لبنان. وتدخل حزب الله في سوريا لا يساعد لبنان.
* الحدود السورية مع العراق أيضا تشكل خطرا حاليا، هناك مخاوف من أن الحدود لا تخضع لسيطرة حكومية من الطرفين، بينما تزداد قوة «دول الإسلام في العراق والشام»، وهناك مقاتلون آخرون من العراق يقاتلون إلى جوار الحكومة.. لقد زرت العراق أخيرا، هل وجدت أن الحكومة العراقية حازمة في منع هؤلاء المقاتلين؟
- كنت في العراق في أغسطس (آب) الماضي، وظهر أنه أكثر الشهور دموية في العراق منذ خمس سنوات. كل زعيم عراقي التقيت به عبر عن قلق عميق من زيادة العنف في البلاد. ولا شك أن هناك امتدادا من سوريا، ولكن هناك أيضا شلل سياسي داخل العراق يساهم في الظروف المؤدية إلى هذا العنف، كما أن العراق يستعد لانتخابات جديدة. وهذه العوامل الثلاثة؛ امتداد العنف من سوريا والشلل السياسي والانتخابات المقبلة، تزيد التحدي أمام العراقيين للتعامل مع التهديد الأمني حاليا، لأن هناك أطرافا يهمها تصاعد العنف بأهداف سياسية. ما يقلقني أن الكثير من الذين التقيتهم في العراق يرون القتال من منظور طائفي فقط. لم أشعر بأن هناك حوارا أو تنسيقا بين القادة العراقيين الذي يأمل به المرء رغم التهديدات الأمنية الحقيقية وذبح العراقيين يوميا. ومع اقتراب الانتخابات، يصبح من الأصعب توحيد الصف. الأحزاب والقادة السياسيون يريدون أن يظهروا فرقهم عن الآخرين مع اقتراب موعد الانتخابات العام المقبل، بدلا من ظهوره نحو العمل بشأن سوريا. ولكن التهديد الأمني في العراق حاليا بات خطيرا إلى درجة أننا نشجع جميع العراقيين، بغض النظر عن خلافاتهم، أن يعالجوا هذا التهديد الحقيقي. ولكني حقا تشجعت من التزام الجميع بإجراء الانتخابات في موعدها. العراق لديه سجل قوي جدا لإجراء الانتخابات في موعدها، بالأوقات الجيدة والسيئة، هذا سجل يثير الإعجاب، ونحن نعتقد أنه من المهم جدا الالتزام بهذه الروزنامة، عبر الجميع، من رئيس الوزراء إلى كل الساسة، عليهم الالتزام بموعد الانتخابات.
* يبدو أن هناك شبه إجماع من كل الدول المعنية بالملف السوري، الدول العربية وروسيا والولايات المتحدة وإيران، على ضرورة مكافحة الإرهاب ويجب أن يجمع ذلك الجميع في معالجة الملف السوري.. هل الخوف من عناصر «القاعدة» بات سببا أقوى للتوصل إلى اتفاق من مقتل أكثر من 115 ألف سوري وتشريد الملايين؟
- هناك اعتراف متنام أنه كلما زاد القتال، المأساة لا تقتصر على القتلى والمشردين، بل إن هناك مشكلة بعيدة الأمد من الإرهابيين ستخرج من سوريا. وأعتقد أن هناك تركيزا على هذا التهديد الإرهابي الذي يعيدنا إلى جنيف، لأنه عند التوصل إلى هيئة حكم انتقالي، يسمح لأناس من الحكومة والمعارضة بالعمل معا، يمكن أن يكون هناك أسلوب متفق عليه لتوحيد سوريا وعزل تلك المجموعات التي لا يمكن أن تكون جزءا من جمهورية سورية جديدة.
* هناك تطور مهم آخر وهو بدء محادثات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين بجدول زمني محدد.. هل يمكن أن يتوصل الطرفان إلى اتفاق خلال مدة تسعة أشهر مثلما حدد الأميركيون؟ وما هو الخيار الآخر لو لم يتحقق ذلك؟
- لا أعلم ما هي الخطة البديلة، الأميركيون ملتزمون كليا بالخطة الحالية والفلسطينيون والإسرائيليون أيضا قالوا إنهم ملتزمون بالخطة الحالية، لا أحد يتحدث عن خطة بديلة. ما أثار إعجابي حتى الآن هو احترام الإسرائيليين والفلسطينيين لقوانين اللعبة، لقد رأيت محادثات سابقة يخرج الفلسطينيون والإسرائيليون مباشرة بعد المحادثات ويهرولون إلى الإعلام وينتقدون الطرف الآخر ويعطون نسختهم هم مما يحدث في المفاوضات. لا يحدث ذلك الآن. نعم الفلسطينيون والإسرائيليون يعلنون، وأحيانا بقوة، عن مواقفهم للإعلام ولكن لا يتحدثون عن موقف الطرف الآخر أو ما يجري في قاعات الاجتماع، لا يسربون تفاصيل المحادثات الجارية، وهذه كانت أحد التفاهمات مع الأميركيين. الالتزام بهذه التفاهمات يشير إلى أن الطرفين ملتزمون بجدية المفاوضات. الأمين العام استضاف الرباعية الدولية (الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والولايات المتحدة) مع المفاوضين الفلسطيني صائب عريقات والإسرائيلية تسيبي ليفني وأكدا التزامهما بالمفاوضات والمضي قدما في العمل، وأنهما عبرا عن ارتياحهما للمفاوضات، وأن كل طرف يعمل بحسن نية ولكن لم يدخلوا في التفاصيل، وذلك بناء على ما تم الاتفاق عليه، إذ لا تكشف هذه التفاصيل. ولكن بعد 20 عاما من المحادثات، المطلوب ليست مفاوضات مطولة بل قرارات.



«محادثات القاهرة»... «حماس» تبحث عن «ضمانات» لسد فجوات «أزمة السلاح»

فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«محادثات القاهرة»... «حماس» تبحث عن «ضمانات» لسد فجوات «أزمة السلاح»

فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تشهد مصر جولة محادثات جديدة بين وفد «حماس» الذي وصل إلى القاهرة، السبت، والممثل الأعلى لقطاع غزة في «مجلس السلام» والوسطاء، من أجل بحث المضي قدماً في تنفيذ وقف إطلاق النار المتعثر من قبل حرب إيران، وفق مصدر فلسطيني مطلع تحدث لـ«الشرق الأوسط».

وبينما تطالب «حماس» بإنهاء المرحلة الأولى قبل البدء في نظيرتها الثانية، وضمانات لتنفيذ الاتفاق كاملاً، تتمسك إسرائيل بـ«نزع السلاح»، فليس أمام الوسطاء سوى التحرك نحو سد الفجوات، وفق المصدر ذاته.

ويعتقد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن الجولة الحالية من المحادثات تأتي بعد تباينات عديدة بشأن إطار ميلادينوف، وتعول فيها «حماس» على ضمانات واضحة، «وإلا فسنكون أمام مرحلة خطيرة تسعى لها إسرائيل لشن هجمات جديدة على القطاع تحت ذريعة نزع السلاح، وهو ما يتطلب تدخل الوسطاء بمقاربة وحلول وسط سريعاً».

ويُعدُّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ميلادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمَّن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام أميركية، موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقُّق النهائي من خلو غزة من السلاح». وتقول إسرائيل إنَّها لن توافق على الانسحاب من غزة ما لم يُنزَع سلاح «حماس» أولاً.

وقبيل انطلاق المحادثات أثيرت روايات بشأن محددات ومخرجات محتملة للمحادثات، لا سيما من إسرائيل الغائبة عن الاجتماع والمحادثات التي تتكرر للمرة الثانية خلال أسبوع بالقاهرة.

وأفادت قناة «كان» الإسرائيلية، الجمعة، بأن «حماس» تشترط لأي حديث عن السلاح إنهاء الاحتلال بشكل كامل، وانسحاب قوات الاحتلال من قطاع غزة ورفع الحصار، رافضة الربط بين الملفات الإنسانية وإعادة الإعمار وبين المطالب الأمنية الإسرائيلية والدولية.

وبالتزامن، نقلت وكالات عن مصدر قيادي في «حماس» قوله إن «الحركة ستعرض على الوسطاء قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق التهدئة، والتي تريد فيها إسرائيل و(مجلس السلام) نزع سلاح المقاومة في غزة، تنفيذ كامل البنود التي وردت في اتفاق المرحلة الأولى، وفي مقدمتها وقف الهجمات والخروقات ودخول المساعدات».

امرأة تجلس مع طفلين في حين يزحف رضيع بالقرب من خيمتهم بمخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في منطقة نهر البارد بخان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور حسام الدجني، قال إن الفترة الماضية شهدت فجوة لا تزال كبيرة بين الرؤى الدولية ومطالب الفصائل الفلسطينية، والزيارة الحالية تأتي لردم الفجوة الكبيرة التي نتجت منذ تسليم ميلادينوف ورقته التي سُربت لوسائل الإعلام، مؤكداً أن «رؤيته تحقق رغبات تل أبيب بشكل كامل عبر ربط كافة الملفات بنزع السلاح، دون التطرق لأي مقاربة سياسية أو أفق للانسحاب الإسرائيلي».

وأشار إلى أن «التحركات الفلسطينية الحالية تسعى لإيجاد حالة منطقية ومقبولة ضمن رؤية متكاملة تنسجم مع تطلعات السلام، دون جعل سلاح المقاومة شماعة لإفشال المبادرات، خاصة مع إصرار الجانب الإسرائيلي على اقتران تسليم السلاح بإنهاء الصراع دون مقابل سياسي حقيقي».

وشدد الدجني على ضرورة وضع رؤية متكاملة تربط حل معضلة السلاح بحل القضية الفلسطينية ككل، مع توفير ضمانات دولية لحماية الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة في ظل الانتهاكات الإسرائيلية اليومية، مؤكداً أنه «لا يمكن القبول ببدء المرحلة الثانية دون تطبيق المرحلة الأولى، كما لا يمكن قبول صورة الانتصار التي ينشدها نتنياهو والمتمثلة في تسليم المقاومة سلاحها مقابل إعادة الإعمار فقط، فهذا طرح لا يمكن قبوله فلسطينياً».

وحول غياب إسرائيل عن هذه الاجتماعات، أكد الدجني أن إسرائيل «تغيب عن الصورة، لكنها موجودة في جوهر الأحداث، وواضح تأثيرها على إطار ميلادينوف الذي لا يحمل أي التزام جاد للانسحاب».

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني، المختص بشؤون «حماس»، إبراهيم المدهون، أن ما يُثار في الإعلام الإسرائيلي حول اجتماع ميلادينوف مع الفصائل الفلسطينية، وحركة «حماس» تحديداً، والحديث عن رفض الحركة لما طُرح، هو طرح غير صحيح، وهو جزء من إعلام إسرائيلي يجب الانتباه له وعدم الانسياق معه.

ويرى أن حركة «حماس» والفصائل الفلسطينية قدّمت رؤية واضحة لتنفيذ خطة السلام بشكل سليم، وأبدت استعداداً للالتزام بما تم الاتفاق عليه، لكن الاحتلال الإسرائيلي لم يلتزم بالمرحلة الأولى، وهو ما يعرقل الانتقال إلى المراحل التالية، لافتاً إلى أن ميلادينوف لم يُقدّم أي خطة جديدة، بل طرح محاولات للالتفاف على جوهر «خطة السلام»، في إطار حالة من التهييج والتضليل الإعلامي.

فلسطينيون بجوار جثث ذويهم الذين قُتلوا خلال غارة جوية إسرائيلية شرق مخيم المغازي للاجئين (أ.ف.ب)

ويأتي هذا الاجتماع دون موقف معلن من «حماس» سوى حديث الناطق باسم «القسام»، أبو عبيدة، الذي أكد قبل أيام أن «طرح ملف السلاح بهذه الطريقة الفجة ما هو إلا سعي مفضوح من قبل الاحتلال لمواصلة القتل والإبادة بحق شعبنا، وهو ما لن نقبله بأي حال من الأحوال. وما لم يستطع العدو انتزاعه منا بالدبابات والإبادة، لن ينتزعه منا بالسياسة وعلى طاولة المفاوضات».

وحسب صحيفتَي «يديعوت أحرونوت»، و«إسرائيل هيوم»، فإنه حال كان رد «حماس» سلبياً فسيكون القرار بيد إسرائيل، وسيتعيَّن عليها نزع سلاح «حماس» بالقوة.

وفيما يخص إمكانية موافقة «حماس» على إطار نزع السلاح، أوضح الدجني أن الحركة قد توافق فقط في حال وجود رؤية سياسية واضحة، أما تسليم السلاح كمدخل للاستسلام فهو أمر مستبعد. وأضاف أنه «في قضية السلاح، لا قرار لـ(حماس) ولا لـ(فتح) ولا لأي فصيل بعينه، هذا قرار وطني يتحمل مسؤوليته الجميع؛ لأنه يخص أجيالاً قادمة وليس مرحلة تاريخية، والمقاومة المسلحة مشروعة بالقانون الدولي»، داعياً إلى «معالجة جذر المشكل المتمثل في الاحتلال هي السبيل الوحيدة للوصول إلى سلام عادل وشامل».

ويعتقد المدهون أن «حماس» ما زالت معنية بالحفاظ على وقف إطلاق النار، وهو ما يتطلب تدخلاً جاداً من الوسطاء، ودوراً عربياً أكثر لمنع أي تصعيد بهذه المرحلة الخطيرة، محذراً من أن أي عدوان على غزة في هذه المرحلة يُعد جريمة وتصعيداً خطيراً بحق شعب أعزل التزم بالتهدئة، وخاصة أن «حماس» فعلت ما عليها لتجنب استئناف الحرب.


حراك تنموي واسع في اليمن بدعم سعودي مستدام

أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)
أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)
TT

حراك تنموي واسع في اليمن بدعم سعودي مستدام

أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)
أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)

شهد اليمن خلال الربع الأول من عام 2026 حراكاً تنموياً لافتاً يعكس تحوّلاً تدريجياً نحو مقاربة أكثر شمولية في إدارة ملف التعافي وإعادة البناء، مدعوماً بجهود السعودية، حيث لم يقتصر على تنفيذ مشروعات خدمية آنية، بل اتخذ طابعاً استراتيجياً يوازن بين تلبية الاحتياجات العاجلة وبناء أسس تنمية مستدامة، من خلال التركيز على البنية التحتية، ودعم المؤسسات، وتمكين الإنسان، وتعزيز الشراكات الدولية.

وقد جاءت الحزمة التنموية التي أُعلنت في يناير (كانون الثاني) 2026 بقيمة 1.9 مليار ريال سعودي (أكثر من 500 مليون دولار) لتؤكد هذا التوجه، حيث شملت 28 مشروعاً ومبادرة نوعية موزعة على قطاعات حيوية تمسّ الحياة اليومية للمواطنين، من الكهرباء والنقل إلى الصحة والتعليم والمياه، في امتداد لجهود أوسع نفّذ من خلالها البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن 268 مشروعاً منذ عام 2018. ووفق ما أوردته تقارير الإنجاز الخاصة بالبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، كان قطاع الطاقة إحدى أبرز ركائز هذا الحراك التنموي، حيث أسهمت منحة المشتقات النفطية في تشغيل أكثر من 70 محطة توليد كهرباء في مختلف المحافظات. ولم يقتصر أثر هذه المنحة على تحسين توفر الكهرباء فحسب، بل امتد ليشمل تعزيز استقرار منظومة الخدمات العامة بوجه عام.

الدعم السعودي لليمن شمل المجالات كافّة (إكس)

فاستقرار التيار الكهربائي أسهم في تحسين أداء القطاعات الحيوية مثل الصحة والمياه والتعليم. كما ساعد في تقليل فترات الانقطاع، ورفع كفاءة المحطات التوليدية، وتحسين موثوقية الشبكة. هذا التحسن انعكس بشكل مباشر على جودة الحياة اليومية، خصوصاً في ظل الطلب المتزايد على الطاقة. كما أن انتظام إمدادات الوقود لمحطات التوليد مكّن المؤسسات الخدمية من العمل بوتيرة أكثر استقراراً، وهو ما يُعدّ عاملاً أساسياً في دعم صمود المجتمعات المحلية وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات الاقتصادية والمعيشية.

تعزيز الاستقرار المالي

على الصعيد الاقتصادي، شكّل دعم الموازنة اليمنية بقيمة 1.3 مليار ريال سعودي (أكثر من 345 مليون دولار) خطوة محورية في تعزيز الاستقرار المالي، حيث أسهم في تغطية النفقات التشغيلية ورواتب الموظفين، وهو ما ساعد في تخفيف الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. ويأتي هذا الدعم ضمن منظومة أوسع من المساعدات الاقتصادية التي تجاوزت قيمتها 12.6 مليار دولار منذ عام 2012 وحتى 2026، شملت ودائع ومنحاً لصالح البنك المركزي اليمني، بهدف تحقيق التوازن المالي ودعم استقرار الاقتصاد الكلي. هذا النوع من التدخلات يعزّز ثقة المؤسسات المحلية، ويدعم قدرتها على الاستمرار في تقديم الخدمات، كما يُسهم في خلق بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار والنمو الاقتصادي. وفي ظل التحديات التي يواجهها الاقتصاد اليمني، يمثّل هذا الدعم ركيزة أساسية في مسار التعافي التدريجي.

عشرات المشروعات في اليمن أُنشئت بتمويل سعودي (إكس)

كما شهد قطاع البنية التحتية تطورات مهمة من خلال مشروعات استراتيجية مثل استكمال مراحل جديدة من طريق العبر، ورفع كفاءة مطار عدن الدولي. وتبرز أهمية هذه المشروعات في تعزيز الربط الجغرافي لليمن مع محيطَيه الإقليمي والدولي، وهو ما يُسهم في تنشيط الحركة التجارية وتسهيل التنقل. فالطرق والمطارات لا تُعدّ مجرد مشروعات خدمية، بل تمثّل شرايين اقتصادية تُسهم في تحريك عجلة التجارة، وتدعم التكامل مع الأسواق الإقليمية والدولية. كما أن تحسين البنية التحتية يُسهم في جذب الاستثمارات، وخلق فرص عمل، وتعزيز النمو الاقتصادي على المدى الطويل.

الاستثمار في الإنسان

إلى جانب البنية التحتية، يحظى الاستثمار في الإنسان بأولوية واضحة، حيث شهد قطاع الصحة دعماً نوعياً شمل بناء المستشفيات وتشغيلها، وتوفير الأجهزة الحديثة، وتأهيل الكوادر الطبية. ومن أبرز هذه التدخلات التشغيل الكامل لمستشفيات سقطرى وشبوة والمخا، ما أسهم في تحسين جودة الخدمات الطبية وتوسيع نطاق الوصول إليها. كما عزّزت هذه الجهود جاهزية المؤسسات الصحية للتعامل مع الحالات الطارئة والحرجة، وهو ما يُعد عنصراً حيوياً في ظل الظروف الإنسانية المعقدة التي تشهدها البلاد.

وفي قطاع التعليم، برزت مبادرات تهدف إلى دعم استقرار العملية التعليمية والتوسع في التعليم الفني والتدريب المهني، بما يتماشى مع احتياجات سوق العمل. وشملت هذه الجهود توقيع اتفاقيات لبناء مدارس نموذجية في عدد من المحافظات، بالإضافة إلى مشروعات تستهدف تعزيز تعليم الفتيات في المناطق الريفية. وقد أسهمت هذه المبادرات في تقليص فجوة المهارات، وتمكين الشباب، ورفع معدلات الالتحاق بالتعليم، خصوصاً بين الفتيات، مما يعزّز من فرص التنمية البشرية على المدى الطويل. إلى ذلك، لم تغفل الجهود التنموية الجانب المجتمعي، حيث شملت دعم قطاع الرياضة والشباب من خلال تنظيم بطولات رياضية في عدد من المحافظات، ما أسهم في تنشيط الحركة الرياضية واكتشاف المواهب.

كما تضمّنت المبادرات حملات لتحسين المشهد الحضري، ودعم الأنشطة الثقافية، مثل الاحتفاء بيوم اللغة السقطرية، وهو ما يعزّز الهوية الثقافية ويقوي الروابط الاجتماعية.

ويُظهر هذا البعد اهتماماً ببناء مجتمع متماسك وقادر على المشاركة في عملية التنمية، حيث يُعدّ الشباب محوراً أساسياً في أي مشروع تنموي مستدام.

الشراكات الدولية

يُلاحظ بوضوح تصاعد دور الشراكات الدولية في دعم الجهود التنموية، من خلال التعاون مع منظمات دولية، مثل «اليونيسكو» والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي. وتعكس هذه الشراكات تكاملاً في الأدوار، حيث تُسهم في تعزيز قدرات المؤسسات اليمنية وتوسيع نطاق التدخلات التنموية.

ومن أبرز هذه الشراكات مشروع تعزيز الأمن المائي في محافظة مأرب، الذي يأتي بوصفه أول ثمرة للتعاون بين البرنامج السعودي والاتحاد الأوروبي، ويستهدف تحسين الوصول إلى المياه في عدد من المناطق، بما يُسهم في تعزيز الأمن المائي وتحسين سبل العيش. كما امتدت التدخلات لتشمل القطاع الزراعي، من خلال مشروعات تهدف إلى تعزيز الأمن الغذائي وتحسين دخل الأسر، إلى جانب دعم مشروعات المياه والإصحاح البيئي، وهو ما يعكس نهجاً متكاملاً في معالجة التحديات التنموية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


سيول في اليمن تحصد الأرواح وتدمر المنازل والبنية التحتية

السيول في اليمن غمرت مساكن النازحين ودمرت المخزون الغذائي (الأمم المتحدة)
السيول في اليمن غمرت مساكن النازحين ودمرت المخزون الغذائي (الأمم المتحدة)
TT

سيول في اليمن تحصد الأرواح وتدمر المنازل والبنية التحتية

السيول في اليمن غمرت مساكن النازحين ودمرت المخزون الغذائي (الأمم المتحدة)
السيول في اليمن غمرت مساكن النازحين ودمرت المخزون الغذائي (الأمم المتحدة)

تسببت الفيضانات الشديدة التي ضربت اليمن أواخر الشهر الماضي في خسائر بشرية، ومادية، كما طالت البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك شبكات الكهرباء، وأنظمة إمدادات المياه، والاتصالات، وقطاع النقل، إلى جانب تدمير آلاف المنازل، وملاجئ النازحين، في مشهد يعكس تفاقم الأزمة الإنسانية مع بداية موسم الأمطار.

وأكد الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب والهلال الأحمر أن هذه الفيضانات ألحقت أضراراً جسيمة بالبنية التحتية الحيوية، مشيراً إلى تضرر شبكات الكهرباء، وأنظمة المياه، والاتصالات، فضلاً عن تدمير الملاجئ المؤقتة للنازحين، وخسائر في المحاصيل، والماشية.

وفي بيان له، أعلن الاتحاد إطلاق عملية طارئة لتلبية الاحتياجات العاجلة لأكثر من 24 ألف شخص تضرروا من الفيضانات التي شهدتها البلاد مع بدء موسم الأمطار.

وقال إن العملية، التي سيستمر تنفيذها على مدى ستة أشهر، ستركز على تلبية الاحتياجات الإنسانية الأكثر إلحاحاً، مع إعطاء الأولوية لتوفير المساعدات المنقذة للحياة، وتوزيع المستلزمات المنزلية الأساسية (المواد غير الغذائية)، ودعم خدمات المياه، والصرف الصحي، والنظافة في المناطق المتضررة.

37 قتيلاً وعشرات المصابين جراء السيول في اليمن (الأمم المتحدة)

ووفق ما أورده الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب والهلال الأحمر، فإن هذه المبادرة ستدعم توزيع المواد المنزلية الأساسية للأسر المستهدفة، بما في ذلك 14 ألف مرتبة، و14 ألف بطانية، و3500 طقم أدوات مطبخ، إلى جانب دعم خدمات المياه، والصرف الصحي، وتنفيذ جلسات توعية بممارسات النظافة الآمنة، والاستخدام الأمثل للمواد الموزعة، وسلوكيات الحد من المخاطر، إضافة إلى إجراء تقييمات سريعة في المناطق التي لم تصلها المساعدات بعد.

بدورها، أكدت جمعية الهلال الأحمر اليمني أن عدة مناطق في البلاد شهدت خلال الأيام الماضية موجة أمطار غزيرة أعقبتها سيول جارفة، تسببت في خسائر بشرية ومادية كبيرة، وفاقمت معاناة السكان في بلد يرزح تحت أزمة إنسانية مستمرة منذ سنوات. ووفقاً لمصادر إنسانية، أسفرت السيول عن وفاة 37 شخصاً، وإصابة 47 آخرين، في حين تضرر نحو 3990 منزلاً بشكل كلي، أو جزئي، إضافة إلى تدمير قرابة 8700 مأوى للنازحين داخلياً، ما أدى إلى تشريد آلاف الأسر، وحرمانها من أبسط مقومات الحياة.

تفاقم معاناة السكان

وقال المدير التنفيذي لجمعية الهلال الأحمر اليمني، عبد الله العزب، إن البلاد تواجه بشكل متكرر تحديات مرتبطة بتغير المناخ، والكوارث الطبيعية، إلى جانب تفشي الأمراض المنقولة عبر المياه، والبعوض، مشيراً إلى أن «أكثر من عقد من الأزمات الإنسانية أضعف قدرة المجتمعات المحلية على الاستعداد لمثل هذه الكوارث، والتخفيف من آثارها». وأضاف العزب أن حجم الاحتياجات الإنسانية لا يزال كبيراً، في ظل تقديرات تشير إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي ما يقارب نصف سكان اليمن، بحاجة إلى شكل من أشكال المساعدة، غالبيتهم من النساء، والأطفال. كما تسببت السيول في تدمير منازل بشكل كامل، حيث انهارت الأسقف، وغمرت المياه الممتلكات، ما ترك العديد من الأسر دون مأوى، أو مصادر رزق، في وقت تواصل فيه هذه الأسر إظهار قدر من الصمود رغم الظروف القاسية.

المياه غمرت الممتلكات وتركت آلاف الأسر دون مأوى (الأمم المتحدة)

وفي إطار الاستجابة الطارئة، أوضح العزب أن فرق الهلال الأحمر، وبدعم من المانحين، تمكنت من تقديم مساعدات فورية شملت توزيع 559 سلة غذائية، و309 حزم من المواد غير الغذائية، إلى جانب توفير دعم في مجالات المأوى والمياه للفئات الأكثر تضرراً.

تحذيرات أممية

ووفق ما أوردته الجمعية، فإنه رغم تراجع معدلات هطول الأمطار في بعض مناطق المرتفعات الشمالية، فإن توقعات الطقس تشير إلى احتمال تجدد الأمطار في المرتفعات الجنوبية الغربية، والمناطق الساحلية، ما يرفع من مخاطر حدوث سيول جديدة قد تزيد من تعقيد الوضع الإنساني. وأشارت إلى أنه في ظل هذه التطورات تعيش العديد من العائلات حالة من الحزن على ما فقدته، فيما يخيّم القلق على آخرين يترقبون ما قد تحمله الأيام المقبلة من موجات مطر جديدة، في بلد لا يزال يكافح للتعافي من أزمات متلاحقة.

من جهتها قالت المنظمة الدولية للهجرة إن الفيضانات والنزوح والصعوبات الاقتصادية لا تزال تُفاقم الاحتياجات الإنسانية في جميع أنحاء اليمن، مما يؤثر على المجتمعات الضعيفة، وأكدت أن سنوات من الصراع خلفت احتياجات إنسانية ملحة، ونزوحاً واسع النطاق. وأنها واستجابةً لهذه الاحتياجات المتزايدة، تُقدّم المأوى الطارئ، والمياه النظيفة، والرعاية الصحية، وخدمات الحماية، إلى جانب دعم جهود التعافي المبكر في مجالات المياه، والصرف الصحي، والتعليم، وسبل العيش.

الفيضانات والصعوبات الاقتصادية تُفاقمان الاحتياجات في اليمن (الأمم المتحدة)

وقال عثمان بلبيسي، المدير الإقليمي للمنظمة، إن المجتمعات قادرة على الصمود، لكن الاحتياجات هائلة، إذ فقدت آلاف العائلات منازلها، وانقطعت عنها الخدمات الأساسية، مؤكداً أنه في مختلف أنحاء البلاد، فقدت آلاف العائلات مأواها، وانقطعت عنها المياه، والخدمات الأساسية، فيما تُبذل جهود حثيثة لتجاوز الإغاثة الفورية، والاستثمار في حلول طويلة الأجل إلى جانب الاستجابة الطارئة، لأن هذه الجهود بالغة الأهمية للحد من الاعتماد على المساعدات، ودعم المجتمعات لإعادة بناء حياتها بطريقة أكثر استدامة. ونبهت المنظمة الأممية إلى أن الاحتياجات الإنسانية في هذا البلد لا تزال حادة، ومتزايدة، حيث تواجه المجتمعات المستضعفة أزمات متفاقمة، مؤكدة أن الدعم الدولي المستدام ضروري للحفاظ على المساعدات المنقذة للحياة، وضمان عدم إهمال الفئات الأكثر عرضة للخطر.