فنزويلا.. تطفو فوق النفط ومواطنوها لا يجدون «قوت يومهم»

خبراء دوليون لـ «الشرق الأوسط»: البلد يحتاج إلى أكثر من تغيير سياسي

فنزويلا.. تطفو فوق النفط ومواطنوها لا يجدون «قوت يومهم»
TT

فنزويلا.. تطفو فوق النفط ومواطنوها لا يجدون «قوت يومهم»

فنزويلا.. تطفو فوق النفط ومواطنوها لا يجدون «قوت يومهم»

في الوقت الذي يرى فيه العالم الدول الكبرى المنتجة للبترول تحقق ثباتا اقتصاديا في مواجهة التحديات التي تواجهها صناعة النفط مع التراجع البالغ للأسعار، تتراجع فنزويلا اقتصاديا لتواجه تحديات اقتصادية كبيرة خلال العام الحالي ويتوقع أن تستمر المعاناة أيضا في العام القادم.
وفي الوقت الذي فاز فيه تحالف المعارضة الفنزويلية بأغلبية في الكونغرس للمرة الأولى في انتخابات جرت أول الشهر الجاري، إلا أن هناك توقعات باستمرار الركود الاقتصادي، وانهيار غير مسبوق في سعر الصرف.
ورغم فوز المعارضة في الانتخابات البرلمانية للمرة الأولى بعد حقبة السياسة «التشافيزية» التي انتهجت فيها فنزويلا السياسة اليسارية خلال 17 عاما، فإن ضعف الآمال بالنمو الاقتصادي ما زال مسيطرا وفقا لاستطلاع مجلة «التايم» الأميركية الأسبوع الماضي.
فقد أبقى الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو على سياسة سلفه هوغو تشافيز في التشديد على الثورة الاشتراكية التي بدأها الأخير. ورغم إثارة توقعات أن الأغلبية ستتخذ خطوات للدعوة إلى استفتاء لعزل مادورو من منصبه في وقت ما خلال العام المقبل؛ فإن محللين دوليين يرون أن فنزويلا «تحتاج أكثر من مجرد تغيير للقيادة السياسية».
ورغم أن فنزويلا واحدة من أكبر منتجي ومصدري النفط الخام في العالم، وكانت أكبر مصدر للنفط الخام في الأميركتين، كعضو مؤسس في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، حيث تعتبر فنزويلا لاعبا أساسيا في سوق النفط العالمية، فلا يزال الاقتصاد الفنزويلي في تراجع مستمر، فيما انخفضت احتياطات الذهب في مايو (أيار) الماضي بعد دفع 3.5 مليار دولار قيمة ديون في صورة سندات لتمويل «الاحتياجات الأساسية للدولة»، واقترب احتياطي النقد الأجنبي من أدنى مستوى له في 12 عاما ليقترب من 15.2 مليار دولار.
وعلاوة على ذلك، أعلن صندوق الدولي في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي أن فنزويلا استبدلت 460 مليون دولار من حقوق السحب الخاصة بها «SDR»؛ وهو أصل احتياطي أنشأه صندوق النقد الدولي في أكتوبر 1969 نتيجة قلق الأعضاء من احتمال عدم كفاية مخزون الاحتياطي الدولي آنذاك لدعم التجارة العالمية، وذلك في سبيل تسديد ديون مستحقة بلغت 15.8 مليار دولار بين نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي حتى نهاية العام القادم، في الوقت الذي بلغ فيه الاحتياطي 15.2 مليار دولار.
ويثير تضاؤل الاحتياطيات الدولية لدي فنزويلا تساؤل مراقبين عن كيفية قدرة البلد على تلبية التزامات الديون في السنوات التالية ومواصلة تمويل الدين الخارجي.
ووفقا لتقرير صندوق النقد الدولي الصادر أكتوبر الماضي، فإن اقتصاد فنزويلا سينكمش بنسبة لا تقل عن 10 في المائة بنهاية العام الحالي، متذيلة لقائمة الصندوق. ومن بين البلدان الأخرى المتوقع أن تواجه الانكماش الاقتصادي هذا العام، مع توسع الاقتصاد العالمي بنسبة 3.1 في المائة، هي اليونان (- 2.3 في المائة)، والبرازيل (- 3.0 في المائة)، وروسيا (- 3.8 في المائة)، وأوكرانيا (- 9.0 في المائة). ويتوقع الصندوق أن يبلغ الانكماش الفنزويلي 6 في المائة العام المقبل أيضا.
وتصنف 7.3 في المائة من الأسر في فنزويلا على أنها تعيش في «فقر مدقع»، وازداد معدل البطالة بما يقرب من 18.1 في المائة، والتضخم وصل إلى 159 في المائة. وتستورد فنزويلا حاليا 70 في المائة من احتياجاتها من السلع الاستهلاكية.
وقد تراجع البوليفار (العملة المحلية) في السوق السوداء ليساوي ما يوازي 11 سنتا أميركيا أول ديسمبر (كانون الأول) الحالي، بعدما كان يساوي نحو 4 دولارات في أبريل (نيسان) 2013، متراجعا نحو 97 في المائة من قيمته منذ تولي الرئيس مادورو، في حين تصر الحكومة على الإبقاء على سعر صرف الدولار «الرسمي» عند 6.3 بوليفار فقط.
وانخفض صافي الدخل للأجور في البلاد إلى نحو 9649 بوليفار شهريا، نحو 48 دولارا وفقا لسعر الصرف الرسمي، أو 10 دولارات فقط وفقا لسعر الصرف في السوق الموازية.
وقال بنك أوف أميركا الشهر الماضي إن الأجور الحقيقية انخفضت 36 في المائة على مدى العامين الماضيين. كما يتوقع اقتصاديون أن يرتفع التضخم ليبلغ 152 في المائة في 2016، مقارنة مع 124.3 في المائة خلال 2015.
ويشكل النفط 96 في المائة من عائدات صادرات البلاد، و25 في المائة من ناتجها المحلي، وفي الوقت الذي انخفض فيه الإنتاج الفنزويلي وانخفضت أسعار النفط منذ يونيو (حزيران) 2014 من 111 دولارا للبرميل، لتبلغ حدها الأدنى تحت الأربعين دولارا الآن، آخذة معها الاقتصاد الفنزويلي إلى الأسفل؛ فإن كل دولار انخفاض في أسعار النفط تتكلف كاركاس أمامه ما يقرب من 700 مليون دولار في إجمالي الإيرادات النفطية سنويا.
وبلغ متوسط الناتج المحلي الإجمالي السنوي لفنزويلا ما يقرب من 5 في المائة.. ونظرا لكل ذلك، فإن كاركاس تحتاج لقفز أسعار النفط إلى ما يصل إلى 125 دولارا للبرميل من أجل أن تنقذ اقتصادها من الخسائر.. وهو ما لن يحدث في أي وقت قريب.
ويرى المحلل الاقتصادي جوي أمبروز، الخبير بالشؤون الاقتصادية لأميركا اللاتينية، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «الاقتصاد الفنزويلي يرتكز بأكمله على إنتاج النفط، كما أدت سنوات الفساد الحكومي والسياسات الاقتصادية الاشتراكية الفاشلة إلى تحويل صناعة نابضة بالحياة إلى اقتصاد مريض مهترئ».
وانخفض إنتاج النفط الخام في البلاد بشكل ملحوظ منذ عام 1999. حيث تنتج فنزويلا حاليا 2.6 مليون برميل يوميا في عام 2015، مقارنة مع 2.69 مليون برميل يوميا في عام 2014.. وهو أيضا رقم أقل كثيرا من إجمالي إنتاج بلغ 3.2 مليون برميل يوميا عام 2002. ورغم ذلك، ما زالت تحتل مكانة بين الأوائل، وتمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مؤكد العام الماضي، يبلغ 299.95 مليار برميل، وتقع معظم احتياطيات النفط المؤكدة في فنزويلا في حزام أورينوكو للنفط الثقيل والتي تمتلك 220.5 مليار برميل من احتياطات النفط المؤكدة.
وقد أدى إعادة استثمار الحكومة لعائدات النفط في البرامج الاجتماعية بدلا من الاستثمار في التنقيب والإنتاج والتكرير إلى انخفاض الإنتاج.
وقامت الحكومة الفنزويلية بتأميم صناعة النفط في 1970. وأسست شركة النفط والغاز الطبيعي الوطنية PDVSA تحت إدارتها، وهي أكبر شركة من حيث عدد الوظائف في الدولة. وقد أخذت الشركة حصة كبيرة في الناتج المحلي الإجمالي والإيرادات الحكومية وعائدات التصدير.
وفي عام 1990، ومنذ انتخاب تشافيز أخذت حكومته بزيادة توغل الشركة في غالبية المشروعات النفطية، وزادت الضرائب على المشروعات الجديدة والقائمة. ولكن الشركة لم تستقر بسبب الاضطرابات العمالية، وفي عام 2002 قامت الشركة بترسيخ التواجد الحكومي وإعادة الهيكلة الإدارية للسيطرة على الاضطرابات، مما تسبب في فقد الطاقات البشرية والأفراد المدربين.
وفي عام 2006، قام تشافيز بإعادة التفاوض مع 16 شركة لزيادة الحد الأدنى لحصة الشركة الوطنية إلى 60 في المائة، كان من أبرزهم شيفرون، وأكسون موبيل، ورويال داتش شل.. بينما أجبر شركتي توتال الفرنسية وإيني الإيطالية «عنوة» على قبول الاتفاق. وبعد وفاة تشافيز وانتخاب مادورو في 2013. واصل الأخير سياسات تشافيز. في وقت تحاول فيه فنزويلا مؤخرا تحفيز الاستثمارات الأجنبية في مشاريع مشتركة لتعويض انخفاض الإنتاج.
وقال دبلوماسي عربي يعيش في كاركاس لـ«الشرق الأوسط» إن «الفساد الإداري بالشركة الوطنية قائم بالأساس على المحسوبية.. والتعيين بها يتم على أساس حزبي»، موضحا أن الركود الاقتصادي الذي أصبح أكثر حدة في الآونة الأخيرة، يعود إلى حالة عدم الاستقرار الشديد داخل الدولة الاشتراكية.
وأوضح الدبلوماسي، الذي طلب عدم ذكر اسمه، أنه «رغم محاولة الدولة لتوفير السلع الاستهلاكية واستثمار الحكومة على البنية التحتية والاهتمام بأنظمة التأمين الصحي والتقاعد، فإن الحكومة عاجزة عن تحديد رؤية واضحة في ظل زيادة الدين الخارجي وارتفاع مستويات التضخم».
ويشير الدبلوماسي العربي إلى أن «تشافيز كان محظوظا.. فلم تظهر عيوب سياسته إلا بعد وفاته؛ فقد استثمر في مشروعات ليست ذات عائد استثماري خارج حدود الدولة بسبب اتباع سياسات القومية. غير أن سياسات التأميم التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة عجلت من انهيار القطاع الخاص وهروب رؤوس الأموال خارج البلاد»، موضحا أن انخفاض أسعار النفط قد أدى إلى تدهور الأحوال الاقتصادية بوتيرة أسرع من المتوقع. وقد شهدت الصادرات النفطية الفنزويلية ارتفاعا خلال الربع الثاني من العام الحالي إلى 727 ألف برميل يوميا، بعدما تراجعت خلال الخمس سنوات الماضية بنسبة 40 في المائة، في حين بلغ صافي الصادرات 713 ألف برميل يوميا.
ورغم اعتماد فنزويلا بشكل أساسي على عائدات النفط؛ فإنها تدعم المواد البترولية داخليا، ليقدر تمن اللتر 0.01 دولار على مدى الـ18 سنة الماضية، مما قد خلق سوقا سوداء للمنتجات البترولية في الدول المجاورة.
وقالت الشركة الوطنية في تقرير إن هناك ما يقرب من 30 ألف برميل بنزين تم تهريبهم إلى كولومبيا خلال الأشهر الأولى من عام 2015.
وحاول الرئيس الفنزويلي مادورو أن يحول اللوم إلى «انخفاض أسعار النفط» في الشهر الماضي، ودعا منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) والدول غير الأعضاء في أوبك في محاولة لوقف التدهور.
وحصلت فنزويلا على 26.9 من 100 في مؤشر مخاطر الاستثمار هذا العام. وهذا يضعها في المكان رقم 27 من أصل 28 دولة في أميركا اللاتينية، متقدمة فقط على هايتي، وفقا لتقرير بنك أوف أميركا الصادر منذ أيام قليلة.
واحتلت فنزويلا هذا المركز نظرًا للتدخل الحكومي الشديد وضعف سيادة القانون والمخاطر الحالية للمستثمرين، حيث يتم تقييد التجارة الكلية والتحكم بالأسواق، التي تملكها الحكومة أيضا، الأمر الذي يشوه المشهد التنافسي. وعلاوة على ذلك تم تأميم الشركات الخاصة، وبالنظر إلى النظام القانوني الذي يخضع لنفوذ الدولة، يضطر المستثمرون للمطالبة بالتعويض من خلال المنظمات الدولية «غير القادرة على التأثير» على الحكومة الفنزويلية. وقال أمبروز لـ«الشرق الأوسط» إن «فنزويلا ستشهد ركودا خلال 2016. للعام الثالث، نظرًا لانخفاض أسعار النفط والتضخم المرتفع وفقر بيئة الأعمال.. فلا تزال بيئة التشغيل هشة للشركات المتعددة الجنسيات الأجنبية».
وفي الوقت ذاته، خفض محللون توقعات النمو للناتج المحلي الإجمالي الحقيقي خلال العامين القادمين 2016 و2017. ووفقا للتقرير، احتلت فنزويلا المرتبة 41 من بين 42 دولة على مؤشر بنك أوف أميركا من حيث جاذبيتها للاستثمار، فقد تعرض المستثمرون في فنزويلا إلى الكثير من المخاطر التي تعمل على جعل البلاد مقصدًا استثماريا «غير جذاب» و«غير قادر على المنافسة»، على الرغم من ثروة مواردها الطبيعية.. وذلك إضافة إلى ارتفاع معدلات الجريمة، واعتماد الكثيرين على الأمن الخاص، وتفشي الفساد في كافة المستويات الحكومية وانهيار الشبكات اللوجستية لكثير من المناطق الحدودية وانهيار البنية التحتية بإجمالي نتيجة 36.9 من أصل 100 نقطة.
واحتلت فنزويلا المرتبة 142 من 201 دولة على مستوى العالم في مخاطر النقل والمرافق العامة.. فالبرعم من أن شبكة الطرق واسعة نسبيا، فإن مستويات السلامة على الطرق من بين الأسوأ في العالم وتهالك البنية التحتية يعطل كافة الإمدادات التجارية وصعوبة حركة الاستيراد والتصدير. ويتوقع أمبروز أن تتدهور بيئة التشغيل للقطاعات الصناعية والزراعية خلال العام القادم في ظل انخفاض أسعار النفط العالمية. ويقول: «عندما يسقط الناس في الأوقات الصعبة، فإنهم يتجهون إلى أصدقائهم للحصول على الدعم. وينطبق الشيء نفسه بالنسبة للبلدان.. ولكنها ليست بهذه البساطة لفنزويلا. فمنذ عام 2005، تعاني فنزويلا من ضائقة مالية تتمثل في زيادة الدين، واقترضت ما يقرب من 50 مليار دولار من الصين مقابل تصدير 600 ألف برميل يوميا، وما زالت فنزويلا تسدد ديونها للعملاق الآسيوي». ويرى أمبروز أن فنزويلا تحتاج إلى بيع النفط من أجل الربح، وليس لسداد القروض القديمة، خاصة مع الاعتراف بأن العالم يواجه وفرة في المعروض من النفط، وأن استجابة الحكومة لحل المشكلات الاقتصادية لا تزال بطيئة.. والحل يحتاج أكثر من دورة انتخابية واحدة.
ويرى مراقبون أن فنزويلا أصبحت في «انعزال» داخل دول أميركا اللاتينية، خاصة مع الانفتاح الاقتصادي الذي تسعى إليه كوبا مع الولايات المتحدة، والمشكلات الاقتصادية والسياسة التي تواجهها ديلما روسيف بالبرازيل، واقتصاد الأرجنتين الذي يعاني من تضخم ومحاولات لجذب رؤوس الأموال الأجنبية.

* الوحدة الاقتصادية بـ«الشرق الأوسط»



صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».


ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.


تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
TT

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس (آذار)، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية، ومتأثراً بشكل رئيسي بتراجع إنتاج السيارات وعدد من السلع الأخرى.

وأعلن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الخميس، أن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد تعديل بيانات فبراير (شباط) لتُظهر ارتفاعاً أقوى بلغ 0.4 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد زيادة سابقة قدرها 0.2 في المائة في فبراير.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.5 في المائة في مارس، فيما سجل نمواً بمعدل سنوي بلغ 3 في المائة خلال الربع الأول، متعافياً من انخفاض نسبته 3.2 في المائة في الربع الرابع. ويأتي هذا الأداء في وقت يُظهر فيه قطاع التصنيع، الذي يمثل نحو 10.1 في المائة من الاقتصاد الأميركي، مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد الضغوط التي تعرض لها نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات.

غير أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ساهم في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 35 في المائة، ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على وتيرة التعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق، أشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء، إلى أن الصراع يُعد «مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، بما يعقّد قرارات التوظيف والتسعير والاستثمار الرأسمالي»، حيث تبنّت العديد من الشركات نهج «الترقب والانتظار».

وسجّل إنتاج السيارات انخفاضاً حاداً بنسبة 3.7 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 2.6 في المائة في فبراير، فيما تراجع إنتاج المعادن الأساسية والآلات، إضافة إلى الأثاث والمنتجات ذات الصلة. كما انخفض إنتاج السلع المعمرة بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع إنتاج السلع غير المعمرة بنسبة 0.1 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج البترول والفحم ومنتجات البلاستيك والمطاط.

وفي قطاع التعدين، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 2.1 في المائة في فبراير، بينما تراجع إنتاج الطاقة بنسبة 1.6 في المائة مع انخفاض أنشطة حفر آبار النفط والغاز بنسبة 2.4 في المائة.

وأشار «الكتاب البيج» كذلك إلى أنه رغم تسجيل نشاط طفيف في قطاع الطاقة مطلع أبريل (نيسان)، فإن العديد من المنتجين ما زالوا متحفظين حيال توسيع عمليات الحفر، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن استدامة ارتفاع الأسعار.

أما إنتاج المرافق العامة فقد تراجع بنسبة 2.3 في المائة نتيجة انخفاض الطلب على التدفئة، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في فبراير. وبذلك، انخفض الإنتاج الصناعي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة بعد أن تم تعديل بيانات فبراير لتُظهر ارتفاعاً إلى 0.7 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 0.2 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وسجل نمواً قدره 2.4 في المائة خلال الربع الأول. في المقابل، تراجع معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي، وهو مؤشر يعكس مدى استخدام الشركات لمواردها، إلى 75.7 في المائة مقارنة بـ76.1 في المائة في فبراير، ليظل أقل بنحو 3.7 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل للفترة 1972–2025.

كما انخفض معدل التشغيل في قطاع التصنيع بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 75.3 في المائة، وهو أقل بنحو 2.9 نقطة مئوية من متوسطه التاريخي على المدى الطويل.