* إذا ما راجع المرء تاريخ السينما الإماراتية، الذي لا يزيد كثيرًا على عقد ونيف، سيجد أنها بدأت بالفعل كمبادرات. لا نتحدث عن التجارب التي تمّـت في ضحى القرن الماضي، عندما قام علي العبدول بتحقيق ما يعرف بأول فيلم إماراتي طويل («عابر سبيل»، 1989) ولا تلك التي ربما أقدم عليها هواة قبل ذلك التاريخ أو بعده بسنوات قريبة، بل عما يمكن اعتباره البداية الفعلية للسينما الإماراتية.
ما يجعلها فعلية هي أنها كانت متواصلة منذ أن بدأت ولم تنقطع. فمنذ مطلع القرن الحادي والعشرين تدافعت الأفلام الإماراتية، قصيرة في مطلع الأمر، ثم طويلة بمعدل فيلم إلى اثنين في السنة الواحدة، لتشق الطريق أمام احتمالات أن يؤدي ذلك إلى خلق صناعة حقيقية.
مع تضافر الجهود المختلفة، من شركات إنتاج ومنشآت واستوديوهات، ومع دعم مهرجانات الخليج وأبوظبي ودبي للمواهب الشابة، ثم مع وجود أرضية للثقافة السينمائية تعبّر عنها ما يزيد على 80 مليون تذكرة تُباع سنويا في صالات دبي التجارية، أصبح من السهل بلورة هذه الإنتاجات لترتفع بشقيها القصير والطويل وبفئتيها التسجيلي والروائي إلى حيث بلغت اليوم. طبعًا لم يشهد التقدم الحاصل قفزات نوعية ورقمية على طول الخط. كانت هناك بضع سنوات ضعف فيها العدد وبدا كما لو أن القطار سوف يبدأ بالعودة إلى أدراجه. لكن الواضح هو أن الحال لم يكن كذلك على الإطلاق، وأن السينما الإماراتية استعادت نشاطها بدليل ما عرض ويعرض لها من أفلام في دورتي دبي الماضية والحالية.
بطبيعة الحال لا تتساوى المنجزات السينمائية. «دار الحي» لعلي مصطفى ليس من نوعية «دلافين» لوليد الشحي مثلاً، لكنه أكثر أصالة من «الجن» المتغرب (أخرجه الأميركي توب هوبر بتمويل إماراتي). و«الدائرة» البوليسي لنواف الجناحي قد ينتمي إلى «زنزانة» التشويقي لماجد الأنصاري، في حين أن «ظل البحر» للجناحي أيضًا هو من النوع الرومانسي، في الوقت الذي عمد فيه علي مصطفى في فيلمه اللاحق «من أ إلى ب» إلى أفلام الطريق مع لمسات كوميدية. هذا من دون أن ننسى إسهامات المخرجة المعروفة نجوم الغانم في نطاق الأفلام التسجيلية.
* نماذج
الدورة الحالية من مهرجان «دبي السينمائي» يطلق ستة أفلام إماراتية طويلة وكمية كبيرة من الأفلام القصيرة التي يعتبرها البعض تمهيدًا لانطلاقهم للعمل في سياق الفيلم الطويل لاحقًا.
المخرجون الستة الذين يقدّمون هنا أفلامهم في مسابقات المهرجان المختلفة هم من جيل جديد لم يسبق له الوقوف وراء الكاميرا من قبل، وأفلامهم بدورها تختلف في الاتجاهات والأساليب، بحيث أن التيار الواحد الذي يمكن ملاحظته هو مجرد وجودها مجتمعة، في إشارة واضحة إلى استمرار الانطلاقة التي كانت بدأت قبل سنوات وتعززت في العام الماضي بفيلمي «دلافين» و«من أ إلى ب».
أحد هذه الأفلام هو من نوع الرسوم المتحركة (غرافيكيًا) وهو «بلال». هذا هو الفيلم الإماراتي الطويل الأول في سينما الرسوم المتحركة. كتبه أحد مخرجي هذا العمل (أيمن جمال) وقام بإنتاجه من خلال شركة إنتاج حديثة باسم «باراجون» مستعينًا ببعض الخبرات الغربية في مجالات التوليف والموسيقى والممثلين. يسرد الفيلم حكاية صبي نشأ على حب الفروسية والدفاع عن الحق أينما وُجدت الحاجة، وعندما صار شابّا وجد الظروف من حوله، وقد أتاحت له تحقيق حلمه عندما قرر الوقوف ضد الظلم في تلك البلاد البعيدة التي عاش فيها.
فيلم آخر مثير للاهتمام هو «زنزانة» لماجد الأنصاري، الذي درس السينما في هوليوود، وحقق أفلامًا قصيرة أهمها «الدخيل» الذي عرض في مهرجانات عدّة (بدءًا بمهرجان دبي قبل بضع سنين)، قبل أن ينتقل إلى درب السينما الطويلة بدءًا من هذا الفيلم.
هذا فيلم على المرء أن يشاهده ليقدّره حق قدره. يستند إلى الحكاية التشويقية التي تدور رحاها في عالم داكن. ربما عالم غريب بعض الشيء عن عالمنا نحن، لكن المغامرة السينمائية في هذا النوع من الأفلام استهوت المخرج لدرجة أنه أقدم عليها من دون خوف. يزيّن الأدوار الرئيسة الإماراتي علي الجابري والفلسطيني علي سليمان لجانب صالح بكري وعهد كمل ومنصور الفيلي.
إماراتية مشتركة
في «ساير الجنة»، لسعيد سالمين المري (الذي أخرج كما شارك في عدد كبير من الأفلام القصيرة) قصة صبي اسمه سلطان ينطلق للبحث عن جدته، والرحلة تقوده إلى خوض مشاعر إنسانية حميمة يجدها المخرج، موزعة بين الذكريات وبين التوق للقاء جدته التي يحبها. وهناك حكاية بطلها صبي آخر في فيلم إماراتي رابع اسمه «عبد الله». هو أيضًا عنوان الفيلم، كما كتبه وأنتجه وأخرجه حميد السويدي، يخوض وضعًا صعبًا إنما في محيط عائلته القريب، فهو نشأ على حب الموسيقى منذ صغره. تعلّم كيف يقدّرها ويعشق سماعها. ما يواجهه في هذا العشق هو موقف والده المحافظ الذي يرى في الموسيقى خروجًا عن اللياقة والدين.
والأفلام الإماراتية تشمل أفلامًا تسجيلية طويلة هذه المرّة، وأحد أبرزها «في سيرة الماء والنخل والأهل»، الذي تبلغ مدّته 162 دقيقة وأخرجه، كما كتبه وأنتجه أيضًا، ناصر الظاهري. هو فيلم مصنوع لقراءة الحياة الأصيلة في الإمارات من أماكن وأناس، وكيف أن أهل الصحراء تركوا بصمتهم للأجيال المقبلة ونحتوا الصخور من أجل استخراج الماء وزرعوا النخيل لأجل الحياة.
إلى جانب هذه الأفلام وسواها المصنوعة محليًا بمخرجين إماراتيين يستدعي الانتباه وجود ذلك القدر الكبير من الأفلام التي تساهم في تمويلها دولة الإمارات (من خلال صناديق الدعم أو مؤسسات فردية) من إنتاج وإخراج سينمائيين غير إماراتيين. في هذا المجال هناك فيلم «3000 ليلة» لمي المصري، وهي مخرجة فلسطينية تعيش في لبنان وتحقق أفلامها فيه، ومثل «المدينة» للأردني عمر شرقاوي ومن إنتاج رولا ناصر، التي سبق لها أن أنتجت بعض أهم ما شهدته السينما الأردنية من أفلام في نهضتها السينمائية الحديثة. كذلك تقف رولا ناصر وراء فيلم آخر من إنتاج إماراتي - أردني مشترك هو «انعطاف» إخراج رفقي عساف.
في مهرجان دبي السينمائي الدولي (2): السينما الإماراتية باتت حقيقة وشمسها تسطع في دبي
https://aawsat.com/home/article/516751/%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%87%D8%B1%D8%AC%D8%A7%D9%86-%D8%AF%D8%A8%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D9%86%D9%85%D8%A7%D8%A6%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-2-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D9%86%D9%85%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%A9-%D8%A8%D8%A7%D8%AA%D8%AA-%D8%AD%D9%82%D9%8A%D9%82%D8%A9-%D9%88%D8%B4%D9%85%D8%B3%D9%87%D8%A7-%D8%AA%D8%B3%D8%B7%D8%B9-%D9%81%D9%8A
في مهرجان دبي السينمائي الدولي (2): السينما الإماراتية باتت حقيقة وشمسها تسطع في دبي
الدورة الحالية من المهرجان تطلق 6 أفلام إماراتية طويلة وكمية كبيرة من الأفلام القصيرة
لقطة من «بلال»
في مهرجان دبي السينمائي الدولي (2): السينما الإماراتية باتت حقيقة وشمسها تسطع في دبي
لقطة من «بلال»
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة










