علاقة التعليم بالثقافة تطغى على مؤتمر أدباء مصر في أسوان

ناقش قضايا شائكة وشهد معرضًا للكتب.. ومجموعة من الورش الفنية

من جلسات المؤتمر
من جلسات المؤتمر
TT

علاقة التعليم بالثقافة تطغى على مؤتمر أدباء مصر في أسوان

من جلسات المؤتمر
من جلسات المؤتمر

بوقفة احتجاجية ضد الإرهاب أمام نصب الصداقة المصرية - السوفياتية بمنطقة السد العالي، اختتم أدباء مصر مؤتمرهم الثلاثين الذي استمر على مدار 5 أيام في الفترة من 6 إلى 9 ديسمبر (كانون الأول) الحالي، واحتضنته مدينة أسوان العريقة بجنوب مصر.
أهدى المؤتمر دورته لاسم الأديبة الراحلة رضوى عاشور، وانعقد تحت شعار «نحو مؤسسة فاعلة ثقافيا»، وناقش مجموعة من الملفات والقضايا الشائكة التي تواجه الواقع الثقافي المصري في لحظته الراهنة، وشهد حفل افتتاحه الكاتب الصحافي حلمي النمنم وزير الثقافة، واللواء مصطفى يسري محافظ أسوان ودكتور محمد أبو الفضل بدران رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة المنظمة للمؤتمر ودكتور سيد خطاب رئيس المؤتمر والشاعر عبد الحافظ بخيت، أمين عام المؤتمر، وحضره حشد من الكتاب والشعراء والنقاد والفنانين من كل أقاليم مصر.
شهد المؤتمر على هامش فعاليته معرضا للكتب ومجموعة من المعارض الفنية لمنتجات «الورش الفنية لثقافة المرأة والحرف البيئية، وورشا فنية لذوي الاحتياجات الخاصة»، كما شهد افتتاح معرض فني لفناني أسوان في مجالي التصوير الزيتي والنحت ضم 33 عملا فنيا. كما عقد المؤتمر بعض ندواته بالمدارس والمعاهد والجامعات، لتوسيع آفاق الحوار الثقافي.
وفى كلمته بحفل الافتتاح أشاد النمنم بدور محافظة أسوان في إثراء الحركة الثقافية المصرية منذ بدايات القرن العشرين مرورًا ببناء السد العالي الذي يعد أكبر مشروع ثقافي قومي سياسي، مشيرًا إلى أن «المؤتمر يجعلنا ننظر إلى الثقافة المصرية ومؤسساتها بفخر لأنها ثقافة مقاومة تتطلع إلى البناء لا الهدم، وأنها ثقافة تضحية منذ محاولات الاغتيال لطه حسين ومحمد عبده ونجيب محفوظ، ونصر حامد أبو زيد، ثم اغتيال المفكر فرج فودة»، وذلك في إشارة لحالات التطرف التي واجهت المفكرين والأدباء، والتي طالت أيضا هيئات الدولة المتمثلة في الثقافة الجماهيرية والهيئة العامة للكتاب عندما حاولت نشر روايات من وجهة نظر المتشددين لا يجب أن تنشر. ودعا النمنم المؤتمر إلى التفتيش عن السلبيات الثقافية وكشفها بشفافية.
ورحب اللواء مصطفى يسري بالحضور وعبر عن سعادته بإقامة مؤتمر الأدباء على أرض محافظة أسوان بعد غياب لمدة 25 عاما، وأكد أن الأدباء يمارسون مبدأ الديمقراطية من خلال إعطاء أمانته اختيارا حرا.
وتمنى أبو الفضل بدران أن يعود المسرح المتجول إلى أوج توهجه وانتشار دور السينما وفرق الفنون ووجود مكتبة في كل شارع، كما تمنى محو الأمية الأبجدية والثقافية من خلال مبادرات لتحويل 600 موقع ثقافي متمثلة في بيوت وقصور ومكتبات لأماكن ثقافية جاذبة لا طاردة للجمهور، ووصف المثقفين والأدباء بالقوى الناعمة والباسلة التي تعد خط الدفاع الأول في مواجهة الإرهاب والتطرف ليعيدوا مصر إلى بهائها.
وأشار سيد خطاب إلى أن المؤتمر يعد ميثاق شرف نتفاعل من خلاله لنتحول من دراسة الحالة الأدبية إلى فعل مباشر يوضح ويدعم رؤية مصر في الحركة الثقافية.
وحول الجديد في هذه الدورة قال عبد الحافظ بخيت أمين عام المؤتمر إن المؤتمر في دورته هذه يفتح ملفات شائكة ترتبط باللحظة الراهنة، منها إشكالية المؤسسة الثقافية الرسمية ودورها في خلق ثقافة وطنية بالإضافة إلى المؤسسات غير الرسمية ومنها ملفات التعليم والإعلام.
وفي ورشة عمل بعنوان «هيئة قصور الثقافة.. النشأة.. التطور المستقبل»، شارك فيها اثنان من رؤساء الهيئة السابقين الشاعر سعد عبد الرحمن، ودكتور سيد خطاب، والشاعر فتحي عبد السميع، وأشار عبد الرحمن إلى تاريخ الثقافة الجماهيرية منذ الخمسينات وكيف تطورت إلى أن أصبحت بالشكل التي هي عليه اليوم، كما تعرض للمشكلات التي طرأت على الثقافة الجماهيرية بعد حرب 1973 وجعلت منها جهازا ثقافيا غير فاعل، موضحا أن هناك أماكن ثقافية منتشرة في أرجاء مصر تابعة للهيئة لا يوجد بها أكثر من عاملين. وأن الدولة تدعم الهيئة بميزانية قدرها 400 مليون جنيه وأن المخصص الفعلي للأنشطة لا يتجاوز 50 مليون جنيه والباقي يذهب إلى الإنشاءات وأجور العاملين بها.
وأشار دكتور سيد خطاب إلى تراجع دور الثقافة، مطالبًا المثقفين والأدباء باستعادته مرة أخرى، وأن ذلك سيأتي من خلال وجود مشروع ثقافة واضح يعمل الكل لإنجاحه،، كما أكد على أن جهود الدولة انكمشت في تفعيل دور الثقافة حيث يوجد 4500 قرية لا يوجد بها ثقافة جماهيرية من بيوت وقصور ومكتبات، وهذا يتطلب وجود مظلة جديدة لبناء شكل الجهاز الثقافي في القرية حتى يعبر عن شكلها وإرثها الثقافي والحضاري واحتياجاتها، كما وجه انتقادات للهيكل الوظيفي لهيئة قصور الثقافة حيث يوجد بها أكثر من 16 وكيل وزارة و76 مديرا عاما، وهذا ما يجعله هيكلا شديد التعقيد ويحتاج إلى معالجة.
ومن جهته أوضح الشاعر فتحي عبد السميع أن كل المشكلات التي تواجه مصر الآن ترجع إلى الثقافة، فالثقافة هي أساس وأول نقطة في معالجة كل المشكلات، وتساءل قائلا: هل الدولة مؤمنة حقا بدور الثقافة وأهميتها؟ مشيرًا إلى أن الثقافة دائمًا تكون على الهامش، حيث تعتبر الدولة المثقف يمثل خطرًا على الدولة، وطالب الدولة بضرورة الإيمان بدور الثقافة والمثقفين.
وحظيت مشكلات التعليم وارتباطها بالثقافة بالنصيب الأوفر من موائد المؤتمر البحثية، ففي ندوة بعنوان «التعليم وتشكيل الوعي»، تحدثت فيها الباحثة دكتور عواطف يونس من خلال ثلاثة محاور رئيسية عن «التعليم ودوره الفاعل في تشكيل الوعي»، مشيرة إلى أن هذا المحور يوضح أهمية التعليم وأهدافه وأن الأسرة هي المسؤولة الوحيدة عن الثقافة وتشكيل الوعي، والمحور الثاني، تناولت فيه «أزمة التعليم الحالية» من خلال تساؤل هل الثقافة المعاصرة تنقل لنا حلول أزمة التعليم الحالية؟ وما المشكلات التي جعلت التعليم في أزمة؟ وعلاقة تلك الأزمة بمنظومة الثقافة؟ أما المحور الأخير فتحدثت فيه عن المنهج التعليمي، وأوضحت أن الخريجين ليسوا على درجة عالية من الثقافة، مطالبة بضرورة القضاء على الأمية الثقافية للشباب، وأكدت على أن الانفجار المعرفي المتزايد أثر بالسلب على أنظمة التعليم لأنها لا تتفق مع احتياجات سوق العمل، مؤكدة على أن بعض المعلمين لديهم أمية ثقافية.
كما ناقش الباحث إبراهيم حمزة مشكلة المناهج المدرسية والكتاب المدرسي في بحث سماه «الأوصياء الجدد»، مشيرا إلى أنه «لدينا ما يفوق من 200 شاشة تلفزيونية وأكثر من 400 مليون موقع على الإنترنت، وهي موارد ثقافية موارد ثقافية كثيرة جدًا، لكن لا يتم استغلالها في تنمية العملية التعليمية بالشكل الصحيح». وأشار الباحث إلى صعوبة اللغة المستخدمة في بعض المناهج المقررة وعدم مواءمتها مع قدرات الطلاب.
وفي جلسة بحثية بعنوان «المنتج التعليمي والأمية الثقافية» أكد الباحث أحمد مرسال أكد على أن المشكلات التي تمتلئ بها مصر منذ ثلاثة عقود ترجع إلى الأمية الثقافية، فالشباب الذي لا يجد له اتجاها سياسيًا أو وطنيا ويجنح نحو الإرهاب والتطرف يعاني في الأساس من مشكلة ثقافية وتعليمية خطيرة، مضيفا أن الدولة عند معالجتها لقضايا الإرهاب ركزت على الجوانب الأمنية، بينما أهملت الجوانب الثقافية والتعليمية، فالجهل هو الرافد الأساسي للإرهاب والتخلف الحضاري، وتناول مرسال في بحثه مفهوم الثقافة والأمية الثقافية والمنتج التعليمي وإشكالية الكتاب المدرسي، مقدمًا في نهاية بحثه دراسة تطبيقية في منهج الصف الرابع الابتدائي.
وتناول الدكتور صلاح العايدي في ورقته البحثية علاقة الثقافة المعاصرة ومناهج التعليم، موضحا أن المنهج التعليمي شديد الاختلاط وهو ما يمثل اضطرابًا، إلى جانب كثرة الأخطاء التعليمية والفكرية والأخلاقية في مقررات الدراسة، واختتم الورقة البحثية بتوصيتين، الأولى، إعادة النظر في النظام التعليمي كله وما يرتبط به من إجراءات العملية التعليمية، ومن ثم تحديد مفهوم الثقافة المعاصرة وعناصرها وكيفية تحقيقها، والثانية، إعادة النظر في نظم الامتحانات.
وفي مائدة مستديرة بالمؤتمر حول العلاقات الثقافية الخارجية، ودور مصر الثقافي في عالمها العربي، تحدثت الكاتبة دكتورة هويدا صالح عن بعض الملفات الشائكة في طبيعة عمل قطاع العلاقات الثقافية الخارجية، منتقدة الكيفية التي يتم من خلالها اختيار المثقف الذي يمثل مصر خارجيًا، ووصفتها بأنه مبنية على الشللية والمحسوبية التي تحكمت في المشهد الثقافي المصري. كما قدمت مقاربة لوضع مصر الثقافي في الوطن العربي، وقامت بالرد على بعض الدعوات المغرضة التي تروج لها بعض الجماعات وتتهم مصر بتراجع دورها في الوطن العربي، وأكدت أن هذا الكلام غير صحيح بدليل أن كل الثقافة الخليجية قائمة على مشاركة مصرية.
وفى مداخلة للدكتور محمد أبو الفضل بدران رئيس الهيئة اختلف مع صالح في نقطتين: أولهما، أن الدور الثقافي المصري قد تراجع للأسف، وإن كان الوطن العربي يعترف بفضل مصر في إثراء الحركة الفنية والثقافية، فإنهم يتحدثون عن ثقافة نجيب محفوظ والعقاد وطه حسين، وغيرهم، أي الإرث الثقافي والفني المصري القديم وليس الحديث، وثانياً، أن الدور المصري قد كبا فعلاً، ولكنه في طريقه إلى النهوض بشباب الجامعات الواعي، «بدليل أن إعلام الخليج وإن كنا نشكو منه إلا أنه يقوم على خريجي الجامعات المصرية». وأكد بدران على أن تراجع دور مصر الثقافي يعود لتراجع دور المثقف في أن يكون له موقف.
وناقش المؤتمر في بحثين «العلمانية وإشكالية المصطلح» الأول، بعنوان «هل يمكن إنتاج العلمانية خارج الشرط الثقافي؟» للدكتور علي مبروك، أوضح فيه أن مصطلح العلمانية تبلور في أوروبا لمواجهة التفكير الدوجماطيقي المنغلق، ولكن عندما جاء إلى العرب تحول المصطلح إلى مذهب منغلق لأفكار أشبه ما تكون بالعقائد الجامدة، مشيرًا إلى أن البعض يتعامل مع العلمانية على أنها ديانة خلاصية جديدة وهذا يرجع إلى فصل العلمانية عن الشرط الثقافي وذلك عند العرب، كما تطرق إلى أحد كبار العلمانيين «سلامة موسى».
وقال الشاعر أشرف البولاقي إن كلمة «العلماني» ما زالت تحمل في طياتها الكثير من الغموض والخطأ في معناها الأصلي، وأكد على أن العلماني بعيد كل البعد عن الدين، وأن العلمانية تهدف إلى فصل الدين عن السياسية والسلطة، مؤكدًا أن هذا الخلط جاء نتيجة ظهور العلماني في البداية داخل الكنسية وأوروبا، كما ظهرت كلمة «العلماني» في الكتب الأوروبية على أساس أنها تدل على الإلحاد، ثم تحول الأمر إلى أنها تدل على السلوك الإنساني، وأوضح أن هذه الكلمة ترجع في الأصل اللغوي إلى العالم وليس إلى العلم.



«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.


محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended