صحف تابلويد مردوخ البريطانية تنظف نفسها

اعتمدت ما يسمى «الفن الأسود» ويعني التنصت على الرسائل.. ورشوة ضباط شرطة للحصول على معلومات

ريبكا بروكس المديرة التنفيذية السابقة لمجموعة مردوخ عقب مثولها أمام محكمة أولد بيلي في قضية التنصت عام 2011
ريبكا بروكس المديرة التنفيذية السابقة لمجموعة مردوخ عقب مثولها أمام محكمة أولد بيلي في قضية التنصت عام 2011
TT

صحف تابلويد مردوخ البريطانية تنظف نفسها

ريبكا بروكس المديرة التنفيذية السابقة لمجموعة مردوخ عقب مثولها أمام محكمة أولد بيلي في قضية التنصت عام 2011
ريبكا بروكس المديرة التنفيذية السابقة لمجموعة مردوخ عقب مثولها أمام محكمة أولد بيلي في قضية التنصت عام 2011

في صدر صفحتها الأولى، نشرت صحيفة «ذا صن» والتي يمتلكها روبرت مردوخ، مقالا اعتبر ذا طبيعة تتماشى مع صحف الإثارة، وبصرف النظر عن الاستقالة السريعة لنائب رئيس المجلس اللورد سيويل، هناك ملاحظتان حول المقال؛ الملاحظة الأولى هي أن الشرطة رفضت تقديم أدلة إدانة ضد سويل بعد مداهمتها لشقته، مما يعد دليلا على العلاقة الجديدة المتوترة بين صحيفة مردوخ التي كانت يوما ما قوية لأبعد الحدود وإدارة شرطة العاصمة لندن هنا. الملاحظة الثانية هي أنه أصبح من الغريب رؤية هذا النوع من المقالات هذه الأيام. فبعد فضيحة التنصت على المكالمات الهاتفية عام 2011 التي تورطت فيها صحيفة «نيوز أوف ذا ورلد» التي يمتلكها مردوخ والتي كشفت عن اعتماد بعض صحف الإثارة على ما يسمى الفن الأسود، الذي يعنى التنصت بشكل غير قانوني على الرسائل الصوتية، ورشوة ضباط الشرطة واستئجار مخبرين سريين للحصول على معلومات والقيام بالمراقبة غير القانونية وغيرها من الممارسات، أصبح من الضروري لتلك الصحف أن تنظف من نهجها وأسلوب عملها. بيده أنه الآن تراجعت معجلات تلك الفضائح عن ذي قبل.
وحسب آلان رسبريدجر، المحرر السابق في صحيفة الـ«غارديان»، والرئيس الحالي لمؤسسة «سكاوت تراست» التي تمتلك الـ«غارديان»، فإن مجلة «أيام الغرب المتوحش» ومقالاتها الأسبوعية عن لاعبي الكرة أو أعضاء مجلس النواب المنحرفين الذين ظهروا في صور بينما سراويلهم على الأرض كلها قد انتهت. وبدلا من كل تلك الفضائح، ظهرت المقابلات الشخصية السهلة مع المشاهير، وحلقات تلفزيون الواقع، ومقالات تروج للأجندات السياسية لمالكي الصحيفة. أما بالنسبة لعدد الأحد لصحيفة «ذا صن» وغيرها من الصحف التابعة لها، فكلها مليئة بالمقالات والافتتاحيات التي تعكس وجهة نظر معارضة لوجهة نظر أوروبا، وللهجرة، وللمسلمين.
ففي عدد الاثنين الماضي، على سبيل المثال، زعمت الصحيفة في صفحتها الأولى أن استطلاعًا للرأي أكد أن 20 في المائة من مسلمي بريطانيا يؤيدون التطرف، وربطت بينه وبين مقال رأي بعنوان: «يعنى هذا الاستطلاع الصادم أننا يجب أن نغلق أبوابنا أمام المهاجرين من الشباب المسلم». (ونشرت صحيفة «ذا تايمز أوف لندن» التي يمتلكها مردوخ أيضًا، مقالا مشابها ثم أعقبته بتصحيح قالت فيه إن العنوان كان مضللا). ولا تخضع الموضوعات القليلة التي تتعرض لفضائح المخدرات والجنس التي تنشرها الصحف للتدقيق القانوني الشديد، وكما هو الحال في أعمال اللورد سيويل الطائشة، تبرر الصحف ذلك باعتباره سعيا للصالح العام، لا لهثا وراء الفضائح.
ففي الماضي، كثيرا ما قال صحافيو الإثارة إن رؤساءهم في العمل أجبروهم على استخدام أساليب مشبوهة كي يحصلوا على سبق صحافي. وأفاد غراهام جونسون، صحافي سابق متخصص في تغطية أخبار الجريمة المنظمة بصحيفة «صانداي ميرور»، أن اللحظة التي تفتحت فيها عيناه في هذا الاتجاه كانت عندما طلب منه مدير التحرير النبش في خطايا أحد المشاهير من النساء التي ارتبطت بعلاقة عاطفية مع عضو في عصابة.
قال جونسون: «سألته، كيف عرفت؟ أجاب المدير، لقد تنصت على مكالماتها الهاتفية، ثم علمني كيف أتنصت عليها». ترك جونسون العمل بعدما تنصت على عشرات من الرسائل الصوتية وطلب منه متابعة الاثنين حتى باب الفندق، وفى النهاية اعترف جونسون باقترافه جرم التنصت على المكالمات الهاتفية، وحكم عليه بالسجن مع إيقاف التنفيذ وتأدية مائة ساعة من الخدمة العامة»، بحسب الـ«غارديان» البريطانية.
وتفاقمت فضائح التنصت على المكالمات الهاتفية مع الكشف عن قيام موظفي صحيفة «نيوز أوف ذا ورلد» بالتنصت على الرسائل الصوتية لطالبة قبل مقتلها ووصلت للذروة مع إغلاق الصحيفة، وساهم كل ذلك في تغيير تلك الممارسات.
فبعد الكشف عن التنصت على المكالمات، ألقي القبض على عدد من العاملين في صحف التابلويد (الفضائح).
قام المئات من ضحايا التنصت على المكالمات الهاتفية بمقاضاة صحيفة «نيوز يو كي» الذراع البريطانية لمردوخ ومجموعة صحف «ميرور» التي تورطت كذلك في جرائم التنصت على المكالمات، وحصل الضحايا على تعويضات يقدر إجماليها بمئات الملايين من الجنيهات. وبعد بحث طويل، أوصى القاضي لورد ليفيسون بمراجعة وتدقيق قانون الصحافة. وتسبب ذلك في إعادة البريطانيين النظر في الدور المبالغ فيه الذي يلعبه مردوخ في إنفاذ القانون وفى السياسة وفي حياة المشاهير، وبناء عليه أعيد تشكيل القانون غير المعلن لصحف التابلويد. صاغت صحيفة «نيوز يو كي» قوانين جديدة لصحافييها بشأن عدم رشوة مسؤولي الحكومة، ودفع مبالغ مالية مقابل عمل موضوعات صحافية (مسموح به في بعض الأحيان)، واستخدام محققين خاصين (بعد الحصول على موافقة رسمية)، وجمع معلومات خاصة إلكترونيا (غير مسموح به). موظفي تلك الصحف مطالبين بالتدريب على أمور مثل تجنب تضارب المصالح، الرشوة، التكنولوجيا، السلوك في مكان العمل، تكنولوجيا الاتصالات وكشف الأسرار.
فبالإضافة إلى الدعاوى المقامة ضد عشرات الصحافيين من مختلف المؤسسات الصحافية، واجه بعض رجال الشرطة اتهامات بقبول رشى من صحف التابلويد، وهى التهمة التي بُرئ منها بعض الصحافيين. وأثر ذلك سلبا على العلاقة بين الجانبين التي كانت تكافلية في السابق، فحسب سكوت هسكيت، محرر سابق في أخبار الجريمة بصحيفة التابلويد «ذا ديلي ستار»: «حدث شرخ كبير في العلاقة بين الصحافيين والشرطة». اعتاد كييسكيث دفع رشى للشرطة وعدد من العاملين بالسجون وفى المحاكم كي يمدوه بالأخبار، أغلبها أخبار عن مخالفات جسيمة.
وقال هيسكيث، في الماضي كان بالإمكان الاتصال بشرطي عادي وأقول: «هل لك أن تعطيني خبرا»، بيد أن «كل هذا تغير الآن». وكثيرا ما اشتعل غضب صحف التابلويد التابعة لمردوخ ونددت بالنيابة العامة الملكية في بريطانيا، خاصة عندما يتعلق الأمر بمحاكمة الصحافيين.
وصرح غراهام دودمان، المدير التنفيذي السابق لصحيفة «ذا صن»، للصحافيين بعد الإفراج عنه وتبرئته من تهمة رشوة موظفين عموميين الربيع الماضي، أن قسما كبيرا من أموال دافعي الضرائب ذهبت لوحدة التحقيقات في الرشى المقدمة لرجال الشرطة «أوبريشن ألفادين»، مضيفًا: «تكشفت الحقيقة الآن، إذ إن الأمر تم بدوافع سياسية ضد صحف التابلويد».
فعلى السطح يبدو وكأن شيئا لم يتغير، إذا إن أعداد توزيع صحيفة «ذا صن» بلغت 1.8، في حين تحقق صحيفة «ذا صن» الصادرة يوم الأحد 1.5 مليون نسخة، ولا تزالا الأعلى توزيعا في بريطانيا. وفي بداية الخريف الحالي، عادت ريبكا بروكس، التي كانت استقالت من عملها بإمبراطورية مردوخ ثم بُرئت لاحقا من كثير من الاتهامات عام 2014، لمنصبها القديم بعد أن عُينت مديرا تنفيذيا لمؤسسة «نيوز يو كي».
ولا يزال مردوخ لاعبا أساسيا في كواليس السياسية البريطانية، مستخدما صحفه في النيل من خصومة مثل «بي بي سي» والقناة الرابعة وغيرها. لكن الوقت تغير الآن، حتى بالنسبة لمردوخ نفسه. فلنتذكر محاذير محمود، الشيخ المزيف والمفضل عند مردوخ، الذي عمل صحافيا سريا بصحيفة «نيوز أوف ذا ورلد» وصحيفة «ذا صن»، فكان الرجل يجيد التنكر، ونجح في الإيقاع بمسؤولين حكوميين ومشاهير بدفعهم للتورط في جرائم، وقام بتصوير مخالفاتهم بالكاميرا ثم فضحهم في صحفه. تفاخر دوما أن مقالاته تسببت في إدانة مائة شخص.
بيد أن لدغته عام 2013 التي تنكر فيها في هيئة مدير في مجال صناعة الأفلام الهندية «بوليوود» وأقنع أحد مطربي البوب أن يبيع له الكوكايين انتهت بالفشل والخزي للصحيفة نفسها، حيث أسقط القاضي الدعاوى المقامة على المطرب «تسوليا كونتوستافلوس» المترتبة على هذه القضية، وواجه محمود تهمة تضليل العدالة، وينتظر الآن تهما بالتآمر لإفساد العدالة.
وعلى عكس المألوف والمتوقع منها في مثل هذه الحالات كما حدث في السابق، قامت صحيفة «ذا صن» الصادرة يوم الأحد بفصله من العمل، ولم تصرح الصحيفة ما إذا كانت سوف تتحمل تكاليف التقاضي.
حسب هسكيث، «كان يتعين على الصحافة البريطانية أن تنظف سجلها، وها قد فعلت».



قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟


زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)
TT

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي، ما يشير إلى أن جزءاً معتبراً من جمهور المنصة «بات أكثر تقبلاً لفكرة الدفع مقابل الخدمات». ويرى مراقبون أن «هذا التحول قد يمثل فرصة لصُناع الأخبار، إذ نجحوا في تقديم محتوى يُغازل أسلوب المنصة واحتياجات جمهورها، بما يفتح المجال أمام نماذج إيراد تتجاوز الاعتماد التقليدي على الإعلانات».

كانت شركة «سناب» الأميركية، المالكة لتطبيق «سناب تشات» قد أشارت إلى أن أعمالها في مجال الإيرادات المباشرة حققت معدل إيراد سنوي قدره مليار دولار، حسب ما ورد في تقرير نشرته «رويترز» أخيراً. وأرجعت السبب إلى النمو المتسارع لخدمة الاشتراك المدفوع، وذلك في إطار مساعي الشركة لتنويع مصادر دخلها بعيداً عن الإعلانات. وتصنّف خدمة «الاشتراكات المدفوعة» من تطبيق «سناب تشات» أنها من أسرع خدمات الاشتراك الاستهلاكي نمواً عالمياً منذ إطلاقها أواخر 2022، مع نمو في عدد المشتركين كل ربع سنة، وفقاً لإفادة صدرت من الشركة.

خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن الفرصة سانحة الآن لخدمات إخبارية «مستحدثة» تلبي احتياجات جمهور التطبيق الذي لا يمانع الدفع مقابل الحصول على خدمات معتبرة.

إذ قال محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي، إن ما نشهده لا يعكس استعداداً للدفع مقابل الأخبار بصورتها التقليدية، بقدر ما يعكس استعداداً للدفع مقابل «تجربة رقمية مبتكرة». وأوضح أن «نجاح الاشتراكات في سناب تشات قائم على تقديم ميزات لها طابع شخصي وحصري، يعزّز شعور المستخدم بالانتماء والتميز، بالإضافة إلى تسعير منخفض يشجع على الدفع كعادة يومية».

وأردف عاطف أن «الجمهور الشاب لا ينظر إلى الأخبار كمنتج مدفوع، بل كخدمة متاحة دائماً، لكنه مستعد للدفع عندما يشعر أن الخدمة تضيف قيمة لحياته أو تسهل تفاعله مع العالم الرقمي». ويشير إلى أن الشباب العربي تحديداً بات هاضماً لثقافة الدفع مقابل خدمات رقمية.

وتابع أنه لا يمانع حضور «سناب تشات» كجزء من منظومة الإيرادات الخاصة بمؤسسات الأخبار، لكنه استدرك فقال: «لا يمكن أن يلعب سناب تشات دور منصة نشر تقليدية، بل قد يكون قناة توزيع واستحواذ على جمهور جديد لا يصل إلى المواقع الإخبارية عادة». ومن ثم، اقترح نماذج لاستغلال أدوات «سناب تشات»، قائلاً: «لدى التطبيق أدوات مثل سناب ماب Snap Map وديسكفر Discover التي تعد فرصاً للأخبار عبر تقديم سرد بصري سريع ومبتكر يشرح الأحداث بلغة مبسطة تتناسب مع سلوك المستخدمين داخل المنصة».

وأضاف: «الجمهور هناك لا يبحث عن الخبر العاجل، بل يفضل محتوى يفسر ويحلل ما يحدث بشكل يسهل الاندماج في يومه، وهذا يفتح فرصة واسعة للمؤسسات الإعلامية لتقديم محتوى تفسيري وتفاعلي، يمزج بين المتعة والسرعة والمعرفة».

وكان الرئيس التنفيذي لشركة «سناب»، إيفان شبيغل، قد أعلن أن «سناب» ستطلق ميزة اشتراك جديدة تتيح لصناع المحتوى تحقيق دخل متكرّر مباشرة من أكثر متابعيهم ولاءً، على أن يبدأ اختبارها في 23 فبراير (شباط) الحالي عبر مجموعة محدودة من منشئي المحتوى في الولايات المتحدة، وفق ما أوردت «رويترز» أخيراً.

أما مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، فيرى أن «الأخبار لا تزال غير حاضرة على سناب تشات... وهناك عدة أسباب لغيابها عن هذه المنصة الترفيهية، أبرزها أن الفئة العمرية الكبرى المستخدمة للتطبيق هي فئة عمرية صغيرة، إذ يشكل عمر ما بين 13 إلى 25 سنة نحو 60 في المائة من المستخدمين، وهذه الفئة إجمالاً ليس لديها اهتمام بمتابعة الأخبار العالمية أو حتى المحلية».

وأردف: «وسبب آخر هو أن غالبية المحتوى على المنصة على طريقة المؤثرين، أي يوميات مشاهير، وليست محتوى خبرياً حتى وإن كانت على طريقة صناع المحتوى، ومن ثم تغيير هذه الاهتمامات لدى جمهور سناب تشات يحتاج لأفكار شديدة الابتكار».

وأشار كيالي إلى أن «صُناع الأخبار يواجهون ميول المنصة نفسها، التي ليست لديها توجهات لدعم المحتوى الإخباري، وأظن أن المشكلة بشكل أساسي بسبب تعقيدات التعاون ومشاركة الأرباح مع الناشرين». وعدّ حضور منصات الأخبار مرهوناً بنوعية الأخبار الملاءمة لجمهور المنصة، وكذلك القوالب، و«يمكن للمؤسسات الإخبارية أن تكون موجودة من خلال الأخبار الخفيفة المتعلقة بالمشاهير أو الموضة والجمال، ومن خلال قوالب تناسب المنصة وجمهورها».


استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.