صحف تابلويد مردوخ البريطانية تنظف نفسها

اعتمدت ما يسمى «الفن الأسود» ويعني التنصت على الرسائل.. ورشوة ضباط شرطة للحصول على معلومات

ريبكا بروكس المديرة التنفيذية السابقة لمجموعة مردوخ عقب مثولها أمام محكمة أولد بيلي في قضية التنصت عام 2011
ريبكا بروكس المديرة التنفيذية السابقة لمجموعة مردوخ عقب مثولها أمام محكمة أولد بيلي في قضية التنصت عام 2011
TT

صحف تابلويد مردوخ البريطانية تنظف نفسها

ريبكا بروكس المديرة التنفيذية السابقة لمجموعة مردوخ عقب مثولها أمام محكمة أولد بيلي في قضية التنصت عام 2011
ريبكا بروكس المديرة التنفيذية السابقة لمجموعة مردوخ عقب مثولها أمام محكمة أولد بيلي في قضية التنصت عام 2011

في صدر صفحتها الأولى، نشرت صحيفة «ذا صن» والتي يمتلكها روبرت مردوخ، مقالا اعتبر ذا طبيعة تتماشى مع صحف الإثارة، وبصرف النظر عن الاستقالة السريعة لنائب رئيس المجلس اللورد سيويل، هناك ملاحظتان حول المقال؛ الملاحظة الأولى هي أن الشرطة رفضت تقديم أدلة إدانة ضد سويل بعد مداهمتها لشقته، مما يعد دليلا على العلاقة الجديدة المتوترة بين صحيفة مردوخ التي كانت يوما ما قوية لأبعد الحدود وإدارة شرطة العاصمة لندن هنا. الملاحظة الثانية هي أنه أصبح من الغريب رؤية هذا النوع من المقالات هذه الأيام. فبعد فضيحة التنصت على المكالمات الهاتفية عام 2011 التي تورطت فيها صحيفة «نيوز أوف ذا ورلد» التي يمتلكها مردوخ والتي كشفت عن اعتماد بعض صحف الإثارة على ما يسمى الفن الأسود، الذي يعنى التنصت بشكل غير قانوني على الرسائل الصوتية، ورشوة ضباط الشرطة واستئجار مخبرين سريين للحصول على معلومات والقيام بالمراقبة غير القانونية وغيرها من الممارسات، أصبح من الضروري لتلك الصحف أن تنظف من نهجها وأسلوب عملها. بيده أنه الآن تراجعت معجلات تلك الفضائح عن ذي قبل.
وحسب آلان رسبريدجر، المحرر السابق في صحيفة الـ«غارديان»، والرئيس الحالي لمؤسسة «سكاوت تراست» التي تمتلك الـ«غارديان»، فإن مجلة «أيام الغرب المتوحش» ومقالاتها الأسبوعية عن لاعبي الكرة أو أعضاء مجلس النواب المنحرفين الذين ظهروا في صور بينما سراويلهم على الأرض كلها قد انتهت. وبدلا من كل تلك الفضائح، ظهرت المقابلات الشخصية السهلة مع المشاهير، وحلقات تلفزيون الواقع، ومقالات تروج للأجندات السياسية لمالكي الصحيفة. أما بالنسبة لعدد الأحد لصحيفة «ذا صن» وغيرها من الصحف التابعة لها، فكلها مليئة بالمقالات والافتتاحيات التي تعكس وجهة نظر معارضة لوجهة نظر أوروبا، وللهجرة، وللمسلمين.
ففي عدد الاثنين الماضي، على سبيل المثال، زعمت الصحيفة في صفحتها الأولى أن استطلاعًا للرأي أكد أن 20 في المائة من مسلمي بريطانيا يؤيدون التطرف، وربطت بينه وبين مقال رأي بعنوان: «يعنى هذا الاستطلاع الصادم أننا يجب أن نغلق أبوابنا أمام المهاجرين من الشباب المسلم». (ونشرت صحيفة «ذا تايمز أوف لندن» التي يمتلكها مردوخ أيضًا، مقالا مشابها ثم أعقبته بتصحيح قالت فيه إن العنوان كان مضللا). ولا تخضع الموضوعات القليلة التي تتعرض لفضائح المخدرات والجنس التي تنشرها الصحف للتدقيق القانوني الشديد، وكما هو الحال في أعمال اللورد سيويل الطائشة، تبرر الصحف ذلك باعتباره سعيا للصالح العام، لا لهثا وراء الفضائح.
ففي الماضي، كثيرا ما قال صحافيو الإثارة إن رؤساءهم في العمل أجبروهم على استخدام أساليب مشبوهة كي يحصلوا على سبق صحافي. وأفاد غراهام جونسون، صحافي سابق متخصص في تغطية أخبار الجريمة المنظمة بصحيفة «صانداي ميرور»، أن اللحظة التي تفتحت فيها عيناه في هذا الاتجاه كانت عندما طلب منه مدير التحرير النبش في خطايا أحد المشاهير من النساء التي ارتبطت بعلاقة عاطفية مع عضو في عصابة.
قال جونسون: «سألته، كيف عرفت؟ أجاب المدير، لقد تنصت على مكالماتها الهاتفية، ثم علمني كيف أتنصت عليها». ترك جونسون العمل بعدما تنصت على عشرات من الرسائل الصوتية وطلب منه متابعة الاثنين حتى باب الفندق، وفى النهاية اعترف جونسون باقترافه جرم التنصت على المكالمات الهاتفية، وحكم عليه بالسجن مع إيقاف التنفيذ وتأدية مائة ساعة من الخدمة العامة»، بحسب الـ«غارديان» البريطانية.
وتفاقمت فضائح التنصت على المكالمات الهاتفية مع الكشف عن قيام موظفي صحيفة «نيوز أوف ذا ورلد» بالتنصت على الرسائل الصوتية لطالبة قبل مقتلها ووصلت للذروة مع إغلاق الصحيفة، وساهم كل ذلك في تغيير تلك الممارسات.
فبعد الكشف عن التنصت على المكالمات، ألقي القبض على عدد من العاملين في صحف التابلويد (الفضائح).
قام المئات من ضحايا التنصت على المكالمات الهاتفية بمقاضاة صحيفة «نيوز يو كي» الذراع البريطانية لمردوخ ومجموعة صحف «ميرور» التي تورطت كذلك في جرائم التنصت على المكالمات، وحصل الضحايا على تعويضات يقدر إجماليها بمئات الملايين من الجنيهات. وبعد بحث طويل، أوصى القاضي لورد ليفيسون بمراجعة وتدقيق قانون الصحافة. وتسبب ذلك في إعادة البريطانيين النظر في الدور المبالغ فيه الذي يلعبه مردوخ في إنفاذ القانون وفى السياسة وفي حياة المشاهير، وبناء عليه أعيد تشكيل القانون غير المعلن لصحف التابلويد. صاغت صحيفة «نيوز يو كي» قوانين جديدة لصحافييها بشأن عدم رشوة مسؤولي الحكومة، ودفع مبالغ مالية مقابل عمل موضوعات صحافية (مسموح به في بعض الأحيان)، واستخدام محققين خاصين (بعد الحصول على موافقة رسمية)، وجمع معلومات خاصة إلكترونيا (غير مسموح به). موظفي تلك الصحف مطالبين بالتدريب على أمور مثل تجنب تضارب المصالح، الرشوة، التكنولوجيا، السلوك في مكان العمل، تكنولوجيا الاتصالات وكشف الأسرار.
فبالإضافة إلى الدعاوى المقامة ضد عشرات الصحافيين من مختلف المؤسسات الصحافية، واجه بعض رجال الشرطة اتهامات بقبول رشى من صحف التابلويد، وهى التهمة التي بُرئ منها بعض الصحافيين. وأثر ذلك سلبا على العلاقة بين الجانبين التي كانت تكافلية في السابق، فحسب سكوت هسكيت، محرر سابق في أخبار الجريمة بصحيفة التابلويد «ذا ديلي ستار»: «حدث شرخ كبير في العلاقة بين الصحافيين والشرطة». اعتاد كييسكيث دفع رشى للشرطة وعدد من العاملين بالسجون وفى المحاكم كي يمدوه بالأخبار، أغلبها أخبار عن مخالفات جسيمة.
وقال هيسكيث، في الماضي كان بالإمكان الاتصال بشرطي عادي وأقول: «هل لك أن تعطيني خبرا»، بيد أن «كل هذا تغير الآن». وكثيرا ما اشتعل غضب صحف التابلويد التابعة لمردوخ ونددت بالنيابة العامة الملكية في بريطانيا، خاصة عندما يتعلق الأمر بمحاكمة الصحافيين.
وصرح غراهام دودمان، المدير التنفيذي السابق لصحيفة «ذا صن»، للصحافيين بعد الإفراج عنه وتبرئته من تهمة رشوة موظفين عموميين الربيع الماضي، أن قسما كبيرا من أموال دافعي الضرائب ذهبت لوحدة التحقيقات في الرشى المقدمة لرجال الشرطة «أوبريشن ألفادين»، مضيفًا: «تكشفت الحقيقة الآن، إذ إن الأمر تم بدوافع سياسية ضد صحف التابلويد».
فعلى السطح يبدو وكأن شيئا لم يتغير، إذا إن أعداد توزيع صحيفة «ذا صن» بلغت 1.8، في حين تحقق صحيفة «ذا صن» الصادرة يوم الأحد 1.5 مليون نسخة، ولا تزالا الأعلى توزيعا في بريطانيا. وفي بداية الخريف الحالي، عادت ريبكا بروكس، التي كانت استقالت من عملها بإمبراطورية مردوخ ثم بُرئت لاحقا من كثير من الاتهامات عام 2014، لمنصبها القديم بعد أن عُينت مديرا تنفيذيا لمؤسسة «نيوز يو كي».
ولا يزال مردوخ لاعبا أساسيا في كواليس السياسية البريطانية، مستخدما صحفه في النيل من خصومة مثل «بي بي سي» والقناة الرابعة وغيرها. لكن الوقت تغير الآن، حتى بالنسبة لمردوخ نفسه. فلنتذكر محاذير محمود، الشيخ المزيف والمفضل عند مردوخ، الذي عمل صحافيا سريا بصحيفة «نيوز أوف ذا ورلد» وصحيفة «ذا صن»، فكان الرجل يجيد التنكر، ونجح في الإيقاع بمسؤولين حكوميين ومشاهير بدفعهم للتورط في جرائم، وقام بتصوير مخالفاتهم بالكاميرا ثم فضحهم في صحفه. تفاخر دوما أن مقالاته تسببت في إدانة مائة شخص.
بيد أن لدغته عام 2013 التي تنكر فيها في هيئة مدير في مجال صناعة الأفلام الهندية «بوليوود» وأقنع أحد مطربي البوب أن يبيع له الكوكايين انتهت بالفشل والخزي للصحيفة نفسها، حيث أسقط القاضي الدعاوى المقامة على المطرب «تسوليا كونتوستافلوس» المترتبة على هذه القضية، وواجه محمود تهمة تضليل العدالة، وينتظر الآن تهما بالتآمر لإفساد العدالة.
وعلى عكس المألوف والمتوقع منها في مثل هذه الحالات كما حدث في السابق، قامت صحيفة «ذا صن» الصادرة يوم الأحد بفصله من العمل، ولم تصرح الصحيفة ما إذا كانت سوف تتحمل تكاليف التقاضي.
حسب هسكيث، «كان يتعين على الصحافة البريطانية أن تنظف سجلها، وها قد فعلت».



وليد عبّود... علاقة وجدانية مع «تلفزيون لبنان»

وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)
وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)
TT

وليد عبّود... علاقة وجدانية مع «تلفزيون لبنان»

وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)
وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)

وليد عبود، صاحب خبراتٍ متراكمة في عالم الإعلام اللبناني، ويمثّل نموذجاً للمهني المتمرّس. ولقد تنقّل بين صروحٍ عديدة، منذ كان طالباً في كليات الإعلام والأدب والحقوق، حيث كان شغفه الأول الثقافة، إلا أن عالم السياسة سرعان ما جذبه، ليصبح أحد أبرز المحاورين التلفزيونيين في لبنان. وعبود راهناً يشغل منصب رئيس تحرير نشرات الأخبار في قناة «إم تي في» المحلية، ويقدّم 3 برامج حوارية هي: «أبيض وأسود» على منصة «هلا أرابيا»، و«الحكي يوصل» على منصة «صوت كل لبنان»، و«مع وليد عبود» على شاشة «تلفزيون لبنان».

بالنسبة لمسيرته، فإنه استقى خبراته الأولى من عمله في «دار الصياد» عندما كان في الثامنة عشرة من عمره، ويومذاك تولّى مهام التحرير في نشرة دورية كانت تُرسل إلى أصحاب القرار في لبنان والعالم العربي. بعدها تنقّل بين عدد من الصحف اللبنانية والعربية، من بينها «المسيرة» و«الحياة» و«نداء الوطن» و«النهار»، حيث كتب مقالات ثقافية.

وفي «المؤسسة اللبنانية للإرسال» (إل بي سي آي)، شارك في إعداد برامج ثقافية مثل «كبارنا». أما تجاربه السياسية الأولى فانطلقت عبر برنامج «ع صوت عالي» على شاشة «تلفزيون لبنان» خلال مرحلة إدارتها من قِبل فؤاد نعيم.

ومع الراحل جبران تويني، خاض تجربة تلفزيونية جديدة من خلال إعداد برنامج «فخامة الرئيس» على شاشة «إل بي سي آي»، ليتولى بعدها برنامج «رئاسيات». ويعلقّ وليد عبود على تلك الحقبة بالقول: «تعاوني مع الراحل جبران تويني ترك أثره الإيجابي في مشواري المهني. كان قامة سياسية وإعلامية لا يمكن أن تمر مرور الكرام».

في انتقاله إلى «إم تي في» عام 1989، بدأ إعداد برنامج «سجّل موقف». وبقي فيها حتى عام 2001، حين استدعته «إل بي سي آي» للعمل في إدارة تحرير نشرات الأخبار، وهي مرحلة أكسبته خبرة واسعة. ثم عاد مجدداً إلى «إم تي في» لتولّي رئاسة تحرير نشرات الأخبار حتى اليوم، إلى جانب تقديمه برنامج «بموضوعية» حتى عام 2018. ويؤكد أن مجمل هذه المحطات صقل تجربته المهنية، التي تجاوزت اليوم 46 عاماً من العمل الإعلامي.

«تلفزيون لبنان» وعوْدٌ على بدء

على الرغم من التجارب الكثيرة واللامعة التي خاضها عبود في صروح إعلامية عدّة، فإنه لفت متابعيه أخيراً بانضمامه إلى عائلة «تلفزيون لبنان». كانت عودة إلى واحدة من أقدم تجاربه الإعلامية في عام 1994، حيث يقدّم عبره مساء كل أربعاء برنامجه الحواري السياسي «مع وليد عبود».

في لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال عن هذه الخطوة: «لا شك أن هذه المحطة تسمها العراقة والتاريخ المضيء، وقد تربّينا على شاشتها. ومجرّد أن يُوضع اسمي إلى جانب الرعيل الأول من الإعلاميين أمثال عادل مالك وكميل منسّى وجان خوري، فهذا يشكل حافزاً وفخراً كبيرين لي». وأضاف مستعيداً لحظة دخوله إلى مبنى التلفزيون: «ممرّ طويل يقود إلى الاستوديوهات، وعلى جدرانه صور هؤلاء الإعلاميين، إلى جانب صورة الرئيس الراحل كميل شمعون وهو يضع حجر الأساس لتلفزيون لبنان. هناك اجتاحتني مشاعر الحنين إلى زمن الإعلام اللبناني الذهبي والرائد، حين كان لبنان بين أوائل الدول العربية التي تخطو هذه الخطوة الكبرى في المنطقة. وكذلك استعدت ذكرياتي مع هذه الشاشة المرتبطة بوجداني».

من ناحية ثانية، خيار العودة إلى «تلفزيون لبنان» لم يكن مجرد محطة عابرة في مسيرة عبود، بل جاء نتيجة مجموعة اعتبارات مهنية وواقعية. وهو يوضح أن تعذّر تقديم برنامج تلفزيوني على محطة محلية منافسة دفعه إلى اختيار هذه العودة، بوصفه الخيار الأنسب والأكثر انسجاماً مع المرحلة.

ومن خلال هذا المنبر، قدّم برنامجه الحواري السياسي «مع وليد عبود»، الذي يُعرض مساء كل أربعاء، ويستضيف شخصيات سياسية بارزة. وقد استهلها مع رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام. وأشار إلى أنها كانت أولى إطلالاتهما الإعلامية فشكّلت نقطة تحوّل في مسار البرنامج، إذ أسهمت المقابلتان في تثبيت حضوره وتعزيز انتشاره. وهو يرى أن «تلفزيون لبنان»، في ظل إدارته الجديدة، بدأ يخطو باتجاه رؤية مستقبلية أكثر تنظيماً ووضوحاً، ما انعكس إيجاباً على موقع البرنامج داخل المشهد الإعلامي.

إعلامي متميز... وخبرات متراكمة (إم تي في)

الذاكرة الإعلامية

قال عبود إن تجربة العودة إلى تلفزيون لبنان «أعادت إليَّ شيئاً من الذاكرة الإعلامية الأولى، لكنها في الوقت نفسه أتاحت لي مساحة عمل مختلفة، تجمع بين الخبرة المتراكمة والفرصة المتجددة لإعادة تقديم نفسي ضمن سياق وطني جامع».

وفي سياق كلامه عن تجربته الطويلة مع قناة «إم تي في»، استعاد عبود محطات من إدارة نشرات الأخبار، معتبراً أن العلاقة بين الإعلامي والمحطة تقوم أساساً على الانسجام في الرؤية والخط التحريري. وأردف: «نحن مَن نشبه المحطة وليس العكس»، موضحاً أن نجاح التجربة الإعلامية «يرتبط بمدى التقاطع بين قناعة الإعلامي ونهج المؤسسة، وإلا فإن الخلافات تصبح نتيجة طبيعية».

وعلى الصعيد الشخصي، قال إن «الحروب الإعلامية» ليست من طبعه، فهو يميل إلى تجنّب المواجهات المباشرة. ويفضّل التركيز على العمل والمضمون. ويرى أن بيئة التفاهم داخل أي مؤسسة إعلامية تُسهّل تجاوز التحديات، وتُقلّل من حدّة الإشكالات، في حين أن غياب التفاهم هو ما يخلق الأزمات، ويؤدي إلى المغادرة أو الاختلاف.

النقد ضرورة من أجل التطور

أما في ما يتعلق بالنقد، فيشدّد وليد عبود على أنه «عنصر أساسي في المهنة وليس تهديداً لها، بل لعله أداة تطوير حقيقية». ويضيف أن «كل إعلامي، سواء كان في موقع التحرير أو التقديم، يتعرّض للنقد بشكل دائم، سواء من سياسيين أو جمهور أو زملاء في المهنة، والمهم هو كيفية التعامل معه». وبالنسبة له، النقد لا يُقابل بالانزعاج، بل بالاستفادة؛ لأنه يكشف نقاط الضعف التي قد لا تكون واضحة خلال عمل يومي يستمر 18 ساعة متتالية. ويؤكد أنه بعد كل حلقة من برنامجه يطلب آراء المشاهدين بصدق؛ لأن المديح لا يهمّه بقدر ما يهمّه النقد البنّاء الذي يساعده على التطوير.

ويشرح من ثم أن مسيرته الإعلامية الطويلة علّمته أن كل يوم يحمل تجربة جديدة، وأن العمل المتواصل لساعات قد يرافقه بعض الهفوات، لكن التحدي الحقيقي هو في تقليل الأخطاء وتحاشي تكرارها. ومن ثم، يرى أن المعيار ليس في غياب الخطأ، بل في القدرة على ضبط نسبته مقارنة بمحطات أخرى.

الإعلامي يبقى في الذاكرة

واختتم عبود اللقاء معه بالتأكيد على أن «الإعلام مهنة متعبة»، ولا يعرف كيف انخرط فيها بهذا الشغف الكبير، ثم إنه كان يخطط لمسار أكاديمي في الأدب والفلسفة، لكن الإعلام جذبه بشكل غير متوقع. وتابع أنه يؤمن بأن «الإعلامي الحقيقي يبقى حاضراً في ذاكرة الناس إذا استطاع أن يترك بصمة واضحة، وأن هذه المهنة، رغم صعوبتها، تبقى وفية لصاحبها بقدر وفائه لها». ويعود ليصف الإعلام بأنه «عالم ساحر وجميل، لكن الأهم ألا ينقلب السحر على ساحره في اللحظات المفصلية».


هل يعرقل الذكاء الاصطناعي التواصل بين الصحافيين ومصادر المعلومات؟

الذكاء الاصطناعي... والإعلام (صورة أرشيفية متداولة)
الذكاء الاصطناعي... والإعلام (صورة أرشيفية متداولة)
TT

هل يعرقل الذكاء الاصطناعي التواصل بين الصحافيين ومصادر المعلومات؟

الذكاء الاصطناعي... والإعلام (صورة أرشيفية متداولة)
الذكاء الاصطناعي... والإعلام (صورة أرشيفية متداولة)

أثار تطوّر تقنيات الذكاء الاصطناعي وقدرتها على استنساخ وانتحال صفة الصحافي، مخاوف من عرقلة التواصل بين الإعلاميين ومصادر المعلومات؛ بسبب «التشكك في وجودهم وإنسانيتهم»، وفي حين رأى خبراء أنَّ الذكاء الاصطناعي يُسهم في تسهيل العمل الإعلامي، فإنَّهم شدَّدوا على «ضرورة التواصل الإنساني المباشر لتقليل التأثيرات السلبية للتكنولوجيا».

تقرير نشره معهد «نيمان لاب» المتخصِّص في دراسات الصحافة، نهاية الشهر الماضي، أفاد بإحجام المصادر عن الرد على رسائل الصحافيين عبر البريد الإلكتروني؛ اعتقاداً منهم أنَّها مرسلة من روبوتات الذكاء الاصطناعي.

واستند التقرير إلى تجربة الصحافي الأميركي، غابي بولارد، الذي ذكر أنَّ بعض مصادر المعلومات باتت تتخوَّف من ورود رسائل احتيال عبر البريد الإلكتروني، ما يدفعهم لتجاهل الردِّ على استفسارات الصحافيين.

أيضاً لفت التقرير إلى أن «المخاوف المتعلقة بتراجع الثقة في الإعلام، وانتشار المعلومات المضللة، أضيفت إليها مخاوف جديدة تتعلق بإمكانية أن تعرقل التكنولوجيا عنصراً أساسياً من العمل الصحافي، وهو التواصل مع المصادر لجمع المعلومات، بحجة التشكك في وجود الصحافي من الأساس». وأشار إلى ما تُسمى «نظرية الإنترنت الميت» التي تفترض أنَّ معظم الموجودين على الإنترنت ليسوا حقيقيين.

الدكتورة سالي حمود، الباحثة الإعلامية اللبنانية في شؤون الإعلام المعاصر والذكاء الاصطناعي، وأستاذة الإعلام والتواصل، قالت في لقاء مع «الشرق الأوسط»: «إن الذكاء الاصطناعي يؤثر في عمل الصحافي سلباً وإيجاباً... ومع تطور النماذج اللغوية الضخمة بات من الصعب التفريق بين ما تنتجه وما ينتجه الإنسان، لا سيما مع قدرة التكنولوجيا على استنساخ وانتحال صفات أشخاص حقيقيين».

وأضافت حمود أن «ما يحدث قد يعرقل قدرة الصحافي على التواصل مع مصادر المعلومات». ولذا فهي تقترح أن «يحرص الصحافي على التواصل الإنساني في محاولة لإثبات وجوده، والحد من مخاوف المصادر، جنباً إلى جنب مع العمل على الترويج الذاتي، ورسم صورة ذهنية لحضوره على منصات التواصل المختلفة».

وتؤكد على «ضرورة إعادة النظر في كيفية التعاطي مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، وطريقة العمل والتواصل الصحافي في ضوئها، مع وضع سياسات شاملة لذلك».

في الواقع، تطرَّق تقرير «نيمان لاب» إلى حلول عدة للحدِّ من تأثير الذكاء الاصطناعي على التواصل مع مصادر المعلومات، من بينها «التواصل من بريد إلكتروني مرتبط بالمؤسسة الإعلامية، والحرص على إيجاد فرص للتواصل الإنساني المباشر للحدِّ من تشكك المصادر في وجود الصحافي». بيد أنَّه في الوقت ذاته لفت إلى ما يكتنف ذلك من تحديات ترتبط ببطء عملية التواصل في عصر رقمي لا يمنح رفاهية الوقت.

هنا يرد الصحافي المصري المتخصص في الإعلام الرقمي، محمد فتحي، بالقول: «إن الذكاء الاصطناعي لا يعرقل عمل الصحافي بشكل مباشر، لكنه يفرض تحديات جديدة تُغيِّر طريقة الوصول إلى المعلومات».

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «المعلومات أصبحت متاحة جداً وبوفرة؛ لكن يتعذَّر التحقق منها بسهولة، ما أدّى إلى تضخم هائل في المحتوى؛ ما يجعل التحقُّق من دقته أكثر صعوبة، خصوصاً مع انتشار تقنيات التزييف العميق، التي تتيح إنتاج مواد مزيفة يصعب تمييزها».

من ناحية ثانية، يشير فتحي إلى أن «الذكاء الاصطناعي يوفِّر في المقابل أدوات قوية تساعد الصحافي على البحث السريع، وتحليل البيانات، والوصول إلى معلومات من مصادر متعددة خلال وقت قياسي.

وبالتالي، فإنَّ التحدي الحقيقي لم يعد في الوصول إلى المعلومات؛ بل في التحقُّق منها وفهم سياقها الحقيقي... وبالتالي، بات من الضروري تعزيز المهارات المهنية، وعلى رأسها التحقُّق من الأخبار باستخدام أدوات متعددة، وبناء شبكة مصادر موثوقة جداً، وتقديم محتوى إخباري تحليلي وإنساني لا تستطيع الآلة إنتاجه بالعمق البشري نفسه».

ويضيف فتحي: «إن تطوير المهارات الرقمية، والتعامل الذكي مع أدوات الذكاء الاصطناعي، يمنحان الصحافي ميزةً تنافسيةً عن أقرانه؛ لكنهما لا يلغيان وظيفته أو عمله، بل سيظلُّ الصحافي القادر على الجمع بين الدقة والمصداقية والرؤية الإنسانية، هو الأكثر قدرةً على البقاء في المنافسة».


«آي كيوي آي» تشعل معركة الذكاء الاصطناعي في سوق الترفيه

عالم المستقبل... هنا الآن (آي كيو آي)
عالم المستقبل... هنا الآن (آي كيو آي)
TT

«آي كيوي آي» تشعل معركة الذكاء الاصطناعي في سوق الترفيه

عالم المستقبل... هنا الآن (آي كيو آي)
عالم المستقبل... هنا الآن (آي كيو آي)

في الصين، لا تبدو المعركة في سوق البث التدفّقي مجرد سباق على الاشتراكات أو ساعات المشاهدة، بل هي صراع على شكل الصناعة الثقافية نفسها.

وفي قلب هذا الصراع تقف منصة «آي كيوي آي» (iQIYI)، التي توصف غالباً بـ«نتفليكس الصين»، كونها واحدةً من أكبر منصات الترفيه الرقمي في البلاد، بقاعدة مستخدمين نشطة تجاوزت خمسمائة مليون شخص شهرياً، ونحو مائة مليون مشترك مدفوع. غير أن المنصة باتت الآن في مواجهة مفتوحة مع مشاهديها، إثر إعلانها عن مشروع لبناء قاعدة بيانات فنية مدارة بالذكاء الاصطناعي، ما فجّر جدلاً واسعاً لم تهدأ أصداؤه بعد.

سوق ضخمة ومنصة تبحث عن البقاء

لفهم ما يجري، لا بد من وضع الأرقام في سياقها؛ إذ إن «آي كيوي آي»، التي يرعاها عملاق التكنولوجيا «بايدو»، سجّلت خلال عام 2025 إيرادات سنوية بلغت نحو 27.29 مليار يوان (ما يعادل نحو أربعة مليارات دولار)، وسط تراجع نسبته سبعة في المائة مقارنةً بالعام السابق، وخسائر صافية ناهزت 206 ملايين يوان، وهذا بعدما كانت قد حقّقت ربحاً صافياً بلغ 764 مليون يوان في عام 2024.

للعلم، تعتمد المنصة نموذجاً مختلطاً يجمع بين الاشتراكات المدفوعة والإعلانات وتوزيع المحتوى، ما يجعلها هشّةً في مواجهة أي تراجع في الإنفاق الإعلاني. وفي هذا السياق، يتحوّل الذكاء الاصطناعي إلى أكثر من مجرّد أداة تقنية، أي يغدو محاولة لتقليص الكلفة وتسريع الإنتاج. ولقد أقرّ الرئيس التنفيذي غونغ يو، صراحةً، بقلقه من استدامة النموذج التقليدي العالي الكلفة، مشيداً بإمكانات الذكاء الاصطناعي في فتح آفاق إبداعية جديدة.

قاعدة المواهب الفنية

يوم 20 أبريل (نيسان) 2026، وبمناسبة مؤتمر «آي كيوي آي» المنعقد في العاصمة الصينية بكين، كشف الرئيس التنفيذي غونغ يو النقاب عن مشروع سماه «قاعدة المواهب الفنية بالذكاء الاصطناعي». وذكر أن 117 فناناً صينياً وقّعوا اتفاقيات تُجيز للمنصة استخدام ملامحهم وأصواتهم وبياناتهم الحيوية لبناء شخصيات رقمية، يمكن توظيفها في أعمال درامية وسينمائية مولّدة بالذكاء الاصطناعي، دون أن يطأ الممثل الأصلي أرض التصوير. وكذلك أعلن عن أول فيلم روائي طويل مُولَّد بالكامل بالذكاء الاصطناعي تعتزم المنصة إطلاقه قريباً. وفي تصريح، سرعان ما أثار موجة غضب عارمة، ذهب غونغ يو إلى أن التصوير قد يصبح عن قريب تراثاً ثقافياً ينتمي إلى الماضي.

"آي كيوي آي"... ترفع مستوى المنافسة (آي كيو آي)

اشتعال الجدل

لحظات بعد هذا الإعلان، اشتعلت منصة «ويبو» الصينية بهاشتاغ «آي كيوي آي جنّت» حتى أصبحت القضية في قائمة المواضيع الأكثر تداولاً. وتساءل مستخدمون باستنكار: «لماذا سأدفع اشتراكاً لمشاهدة أشخاص مزيّفين؟»... وكتب آخرون: «إذا تحوّل الممثلون كلهم إلى ذكاء اصطناعي، فما هي القيمة التي ستحملها هذه الأعمال؟».

ومن جهة ثانية، سارعت شخصيات وردت أسماؤها في المشروع، كالممثل الكبير تشانغ روييون، إلى نفي أي صلة لهم بالمشروع. وفي الساعات التالية للعاصفة، سارعت «آي كيوي آي» إلى إصدار توضيحات متتالية. وفي تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، قال نائب الرئيس التنفيذي الأول ليو وِنفِنغ إن المنصة لا تُرخّص صور الممثلين ومظاهرهم، بل تعمل على تمكين صنّاع الأفلام والممثلين من إنشاء تواصل أسرع عبر منصة «ناداو برو». وأردف أن كل لقطة تحتاج إلى تأكيد من الفنانين أنفسهم، وأن «ثمة سوء فهم تاماً» وراء ما حصل. وفي بيانين متتاليين، أكدت المنصة أن الانضمام إلى القاعدة لا يعني سوى إعلان الفنان استعداده للنقاش في مشاريع محتملة، وليس ترخيصاً مُسبقاً لأي عمل بعينه.

إشكاليات قانونية وتقنية جديدة

وبالتوازي، حذّر لي تشِنوو، المحامي في مكتب «شانغهاي ستار لو فيرم»، من أنه بمجرد استخدام بيانات لصورة فنان في تدريب نماذج المنصة، تنشأ مخاطر تقنية جسيمة، من بينها تسريب البيانات والتدريب الثانوي غير المصرّح به، وهي مخاطر يصعب التخلص منها. وتكمن هشاشة الوضع القانوني في أن التشريعات الصينية لم تُحسم بعد فيما يخص ملكية الصورة الرقمية واستنساخها عبر الذكاء الاصطناعي، ما يفتح الباب أمام نزاعات قانونية قد تمتد لسنوات.

بكين تشدّد قبضتها على الذكاء الاصطناعي

في الحقيقة، لا يمكن قراءة هذا الجدل معزولاً عن السياق التنظيمي المتسارع في الصين. فيوم 3 أبريل 2026، نشرت «الإدارة الصينية للفضاء الإلكتروني» مسوّدة قواعد تشمل اشتراطات صارمة للموافقة المسبقة عند استخدام السمات الحيوية، وحظر التحايل على أنظمة المصادقة البيومترية. وأطلقت السلطات حملتها السنوية لمكافحة إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي، التي استهدفت الانتحال الرقمي للأشخاص واستحضار المتوفين رقمياً من دون موافقة ذويهم. ومن ثم، قد دخل معيار وضع علامات إلزامية على المحتوى المولَّد بالذكاء الاصطناعي حيّز التنفيذ يوم 1 سبتمبر (أيلول) 2025.

لماذا يهزّ الجدل الصناعة الترفيهية كلها؟

جدير بالذكر أن «آي كيوي آي» ليست منصةً بعيدة عن السياق؛ فهي جزء من البنية الكبرى التي تشكّل الذائقة الرقمية في الصين، جنباً إلى جنب مع «تنسنت فيديو» و«يوكو» و«بيليبيلي» و«مانغو تي في».

وفي مثل هذه السوق، لا يقتصر أثر قرار واحد على مسار منصة بعينها، بل يمتد إلى المعايير نفسها: هل النجاح يكمن في تقليص الكلفة، أم في الحفاظ على العلاقة الإنسانية بين العمل الفني وجمهوره؟ والمفارقة تبرز هنا بجلاء؛ إذ كلّما ازدادت المنصة اعتماداً على الذكاء الاصطناعي، ازدادت قدرتها على السيطرة على الإنتاج والتخصيص، لكنها في المقابل تخاطر بتقليص المساحة التي يمرّ فيها الفن عبر التجربة البشرية الفعلية.

آفاق المستقبل

ما جرى في بكين ليس شأناً صينياً بحتاً، إذ إن البنية التحتية التي تسعى «آي كيوي آي» إلى بنائها انعكاس لمنطق يجتاح صناعة الترفيه العالمية.

ففي الولايات المتحدة، مثلاً، تتسارع استثمارات كبريات المنصات في تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي. إذ تعتزم «نتفليكس» إنفاق نحو 20 مليار دولار على المحتوى في 2026 مستعينة بالذكاء الاصطناعي في الإنتاج والإعلانات، في حين تعمل «أمازون» على توظيفه في الرسوم المتحركة والدبلجة.

ومع ذلك، تسير المنصات الغربية بخطى أكثر حذراً، إذ يمثّل استنساخ الممثلين بالكامل «خطاً أحمر» في ظل عقود نقابة «ساغ-آفترا» المهنية.

وفي المقابل، يبدو النموذج الصيني أكثر جرأةً وأقل تقييداً، ما يجعل «آي كيوي آي» في موقع الرائد الاضطراري لمسار قد تسلكه منصّات عالمية أخرى في غضون سنوات قليلة.