ديانا أبو جابر: أحاول الوصول إلى التوازن الثقافي بين تراثي وأميركا

الروائية الأميركية من أصل عربي تقول إنها اختارت حياة «بدوية»

ديانا أبو جابر
ديانا أبو جابر
TT

ديانا أبو جابر: أحاول الوصول إلى التوازن الثقافي بين تراثي وأميركا

ديانا أبو جابر
ديانا أبو جابر

د. ديانا أبو جابر (55 عاما) واحدة من أشهر الروائيين والروائيات الأميركيين العرب. وتركز في رواياتها على تجربتها الشخصية: والدها مهاجر فلسطيني من الأردن. ووالدتها أميركية من أصل ألماني.
تخصصت في اللغة الإنجليزية، وتحل شهادة ماجستير في الكتابة الإبداعية (جامعة وندسور)، ودكتوراه في الكتابة الإبداعية (جامعة بنغهامبتون). ومنذ خمسة وعشرين عاما، تدرس اللغة الإنجليزية في جامعة أوريغون.
من رواياتها: «جاز عربي» و«الهلال»، و«الأصل»، و«طيور الجنة». وتصدر لها قريبا رواية بعنوان «حياة من دون وصفة طبخ». هنا لقاء معها:
> كيف تصفين حياتك بين الشرق والغرب؟
- ولدت في الولايات المتحدة. وعندما كان عمري ست سنوات، قضيت سنتين في الأردن. في ذلك الوقت، قرر والدي، غسان أبو جابر، أن أميركا ليست وطنه، وأنه لا بد أن يعود إلى وطنه الحقيقي، ومع عائلته الأميركية: والدتي، وأختي، وأنا. لكن، قبل أن نقول له إن الأردن ليس مكان استقرارنا، قال هو ذلك. وقرر أن يعود مع عائلته. في كل الأحوال، كانت تلك الفترة في الأردن فرصة مفيدة للتعرف على الحياة في الشرق. وحاولت أن أوازن بين الحياتين، وأن أقنع نفسي بحل وسط. لكن، في نهاية المطاف، قررت أن أعيش في الغرب الذي ولدت فيه، وأن أنتمي إليه.
> قبل شهرين، تحدثت في تلفزيون «سي إن إن» عن المجزرة التي وقعت في كلية أومبغوا (ولاية أوريغون)، في نفس الولاية التي تعيشين فيها، حيث قتل شاب تسعة طلاب. وكتبت رأيا عنوانه: «أميركا ترهب نفسها»، الذي أثار جدلاً، وانتقدك بعض الناس. ماذا تقولين عن ذلك؟
- قلت، وأقول الآن، نحن نعيش في الولايات المتحدة حياة قلق، وتوتر، ويأس. كيف لا وقد صارت أخبار المذابح في الجامعات والمدارس عادية مثل أخبار حوادث السيارات؟ رأيي العام هو أنه يوجد في ولاية أوريغون، مثلما في بقية الولايات، صراع بين الفردية والتقدمية، بين الحرية المطلوبة، والحرية الفردية المتطرفة التي تصر على أن كل شخص يجب أن يفعل ما يريد، مثل أن يشتري بندقية أو مسدسا، ويشتري أحيانا 13 بندقية (كما فعل الذي ارتكب مذبحة ولاية أوريغون).
نتحدث كثيرا عن الإرهاب والإرهابيين. وها نحن نرهب أنفسنا بأنفسنا. لم يأت الذين يرتكبون هذه المذابح في الجامعات والمدارس من دول أجنبية. عندما أقول للأميركيين إنني أنوي زيارة الأردن، وطن والدي، يستغربون، ويسألون: «ألا تخافين من العنف في الأردن؟» وعندما أزور الأردن، يسألونني الأردنيون: «ألا تخافين من العنف في أميركا؟».
الآن، مع أخبار مذبحة أميركية بعد مذبحة أميركية، أسأل نفسي: «هل الأردنيون على حق؟».
> هل الأردنيون على حق؟
- سؤال معقول. لكني، لا أعرف الإجابة عنه. تحتاج الإجابة إلى شخص أكثر ذكاء مني.
> عندما نشرت رواية «أرابيان جاز» (جاز عربي)، كتبت: «أحاول الوصول إلى التوازن الثقافي بين تراثي وأميركا». الآن، بعد مرور أكثر من 20 عاما، هل وصلت إلى هذا التوازن؟ ما أهمية الجزء العربي في أعماقك؟ هل نجحت في الموازنة بين الغرب والشرق في أعماقك؟
- عندما تولد وسط ثقافات متعددة، مثلا عندما تكون طفل مهاجرين، يستغرق بحثك عن التوازن رحلة طويلة، رحلة العمر كله. كتبت رواية «جاز عربي» منذ أكثر من عشرين عاما. في ذلك الوقت، كنت في العشرينات من عمري. وكنت أقرب إلى مرحلة الطفولة وإلى تأثيرات والدي أكثر من الآن. وكانت علاقتي مع تراثي العربي في نطاق حب التمرد. كنت أحاول معرفة من أنا، بعيدا عن أنني بنت والدي. الآن، وأنا قد كبرت في السن، أحس بحرية أكثر لاحتضان ثقافتي، وللنظر إليها من دون انفعالات عاطفية، وبفخر، وبحب، وبانتماء.
> كتبت في ذلك الوقت، أيضا: «لم أحس بأني غريبة في الأردن كما أحسست في هذا البلد (أميركا)». هل تظلين «لا منتمية»؟
- يوجد شيء واحد لطيف في كبر السن، وهو الإحساس بأن جميع الناس ينظرون إلى أنفسهم وكأنهم خارجيون، أو غريبون. لا تنس أن أغلبية الأميركيين وصلت إلى هنا من دول أخرى. أعتقد أن وضع المراقب الخارجي يرتبط بما يرى هو. لهذا، يحتاج إلى أن يخطو خطوة إلى الوراء، ليرى الأمور أكثر وضوحا.. ليرى الصورة الكبيرة. لهذا، بالنسبة للكاتب، ربما يريد أن يفرض على نفسه الابتعاد من الواقع ليرى الصورة الكبيرة، وليراها أكثر وضوحا. انظر إلى إرنست همنغواي، وجيمس بالدوين، وجيرترود شتاين، وجيمس جويس. يبدو أنهم كلهم اختاروا «منفى» كشرط لممارسة أعمالهم الفنية.
أنا، أيضا، اخترت حياة بدوية. تنقلت بين المدن، وبين وظائف التدريس. كان والدي يسميني «بنت بطوطة». لهذا، أحس أني غير «خارجية». ولا بد أن سبب هذا هو أنني اخترت أن أكون «خارجية».
> في رواية «كريسانت» (الهلال)، تحدثت عن العرب في الولايات المتحدة. كان ذلك قبل أكثر من 10 أعوام. كيف ترينهم الآن في ظل هذه «الحرب ضد الإرهاب» المستمرة؟ (في ظل مكتب التحقيقات الفيدرالي، وأمن المطارات، والتنميط، وغير ذلك)؟
- الحمد لله، حدثت تغييرات كثيرة على مدى العشر سنوات الأخيرة. بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) عام 2001، بدا إعلان ما تسمى «الحرب ضد الإرهاب» وكأنه حرب على كل العرب، بما في ذلك العرب الأميركيون، وحتى على أي شخص من أصل شرق أوسطي. بالنسبة لي، كان وقتا غريبا أن أكون كاتبة. وذلك لأن دور المطبوعات والصحف كانت تطلب مني كتابة آراء من منظور عربي أميركي. لكن، عندما لا تعكس كتاباتي النمط المسبق عندهم، لا ينشرونها أحيانا.
لهذا، أحسست بنوع من «الكوكتيل الغريب»، مزيج من القلق، والفضول، والغضب، والمصالحة. طبعا، تسبب هذا الوضع في استهداف جميع الأميركيين (عرب وغير عرب)، وذلك لأنه أثر على بعض المبادئ الأميركية الأساسية، مثل حرية التعبير، والفصل بين الكنيسة والدولة.
> في عام 2005، كتبت في صحيفة «واشنطن بوست» عن «الحرب ضد الإرهاب»، وعن المضايقات التي تعرضت لها في المطارات بسبب خلفيتك العربية. هل ما زلت تتعرضين لهذا المضايقات؟
- منذ بداية عهد الرئيس باراك أوباما، ظهر تغيير كبير في مواقف الحكومة ووسائل الإعلام نحو هذا الموضوع. وصار السفر إلى دول أجنبية بالنسبة لأشخاص مثلي أكثر عقلانية (وأقل خوفا وهلعا). بالتأكيد، قبل خمسة عشر عاما، كان الوضع في أماكن عامة، مثل المطارات، غريبا. كانت هناك أماكن ممنوعة، وكانت هناك تحذيرات عن «مستويات التهديد»، وجو عام من عدم الثقة والشك. الآن، تحسنت الأمور كثيرا.
> ما الدور الذي لعبه، ويلعبه، الدين في حياتك؟ كيف أثر اختلاف ديني والديك عليك؟
- نشأت في بيئة متعددة الأديان. كانت جدتي لأمي كاثوليكية، وكانت والدتي لا تؤمن بدين، واعتنق والدي اعتنق، رغم أنه نشأ في عائلة مسيحية أرثوذكسية.
أعتقد أن أغلبية الديانات الرئيسية في العالم تحتوي على مبادئ التسامح والتعايش. لكن، يبدو أن قسمًا من أتباع هذه الديانات لا ينفذون ذلك. توجد في كتبنا المقدسة العظيمة وثائق رائعة عن أفضل ما في الفكر الإنساني والخبرات الإنسانية. لكن، تقيدنا طبيعة التقصير البشري.
كنا محظوظين لأن والدينا لم يحاولا أبدا فرض أي أجندة دينية علينا. كان والدي يقول إنه لا يهتم بأي دين نعتنق، ما دمنا نعتنق إيمانا بشيء أكبر من أنفسنا. أعتقد أن هذا القول فيه حكمة عظيمة.
> في روايتك القادمة: «الحياة من دون وصفة طبخ»، وفي آخر رواياتك «طيور الجنة»، يوجد كثير من الحديث عن الطعام. هل هذا «هروب» من مواضيع أكثر جدية، مثل العلاقات بين الأميركيين والشرق أوسطيين؟
- لا أعتقد أن هناك أي شيء أكثر جدية وأكثر أهمية في وجودنا من الطعام، بعد الماء والهواء. يغذينا الطعام، وينشط أجسادنا وعقولنا وأرواحنا، ويساهم في تاريخنا وثقافتنا. لا تحتاج أنت إلى أن يكون لك مظهر معين، أو أن تعتقد في شيء معين، لتقدر على الاستمتاع بوجبة من ثقافة مختلفة. تربيت وسط ناس كان هاجسهم الأول هو إعداد الطعام، والاستمتاع بأكله، وبالذين يشاركونهم في أكله. الآن، وقد كبرت في العمر، صرت أدرس كيف أن الطريقة التي نأكل بها تؤثر على كل جانب من جوانب حياتنا: فكريا وعاطفيا، واجتماعيا، وعائليا، وشخصيا.
نعم، توجد آراء تقلل من أهمية الطبخ. وربما من أسباب ذلك هو أنه يخص عمل المرأة أساسا، ويخص الطاقة الجسدية. لكن، لا يمكن الفصل بين الجسد والعقل والروح، مثل سيمفونية عملاقة، أو لوحة رائعة، يرفع الطبخ الجيد مستوى حياتنا، ويعطينا الأمل، ويزيد إحساسنا بأهمية التواصل مع الآخرين.
> كان د. إدوارد سعيد، الأستاذ الجامعي الأميركي، والقومي العربي، يصف نفسه بأنه «غريب» (وكان ذلك من أسباب كتابته في وصيته بأن يدفن في لبنان). وقال بعض الناس إن سبب إحساسه بالغضب هو قوة مشاعره القومية العربية. ما رأيك فيه؟ وهل تأثرت بأفكاره؟
- عندي احترام هائل لأعمال سعيد ولكتاباته. أعتقد أنه قدم للأكاديميين واحدا من أوضح وأبلغ الآراء لفهم التقسيمات الاصطناعية عن «الشرق» و«الغرب»، وهي التقسيمات التي وضعت الأساس لكثير من الأخطاء الاستعمارية والبؤس الإنساني.
أعتقد أن موضوع «الغضب» عنده موضوع معقد. وسبب ذلك هو أن المهاجر من الدول العربية، في كثير من الأحوال، يشعر بخيبة أمل، أو بغضب، بسبب الشوفينية الأميركية والتعصب الأميركي. لكن، يحدث هذا ربما لكل مهاجر. يظل ترك الوطن الأم يعني تقسيم نفسك، مهما كان وطنك الأم، ومهما كان وطنك الجديد. يظل وطنك الأصلي هو، إلى الأبد، وطنك الأم، مستودع الطفولة والتاريخ الشخصي. لهذا، يصبح الوطن الجديد وطنا فوق الوطن الأول، وأكثر قربا لك مباشرة. بصورة أو أخرى، لا بد أن تصاب بخيبة أمل في وطنك الجديد. مثله مثل والد غير والدك الحقيقي.
بالإضافة إلى ذلك، ستجد أن رأيك في وطنك الأول تغير بسبب تجاربك في الوطن الجديد. وهكذا، لا أنت مع القديم تماما، ولا مع الجديد تماما. وأنا لاحظت ذلك في تجربة والدي، التي أراها مثل تجربة إدوارد سعيد. رجلان تقسما بين أوطان، وولاءات، ومنازل، وعائلات.



اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».


الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط
TT

الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط

في زمن الحرب نحتاج إلى أن نستعيد ما قاله أولئك الطفرات من عظماء المفكرين عنها. هي ليست مجرد حدث سياسي، بل اختبار لطبيعة العقل نفسه. هل يستطيع وضع حداً للعنف، أم أنه لا يكتشف نفسه إلا في العنف؟ هنا يتقابل كانط وهيغل، لا بوصفهما موقفين أخلاقيين فحسب، بل بوصفهما تصورين مختلفين لمعنى التاريخ والدولة والإنسان، تصور يراهن على تجاوز الحرب، وآخر يرى فيها لحظة لا يمكن حذفها من بنية العالم.

كانط ينطلق من قاعدة تبدو بسيطة لكنها تقلب الموقف كله، الإنسان غاية لا وسيلة. هذه العبارة ليست أخلاقية مجردة، بل لها نتائج سياسية مباشرة. لأن الحرب، في جوهرها، تجعل الإنسان وسيلة ضمن صراع بين دول. ولهذا لا يتعامل كانط مع الحرب بوصفها واقعاً ينبغي تفسيره، بل بوصفها مشكلة ينبغي حلّها. في مشروعه «السلام الدائم»، يحاول أن ينقل السياسة من منطق القوة إلى منطق القانون. في هذا الأفق، تصبح الحرب علامة نقص في العقل السياسي.

الدولة التي تدخل الحرب لم تبلغ بعد مستوى النضج الذي يجعلها تخضع لقانون كوني. ولهذا يربط كانط السلام بشروط محددة، قيام أنظمة جمهورية تجعل قرار الحرب خاضعاً لإرادة المواطنين، خضوع العلاقات الدولية لقانون، وقيام اتحاد بين الدول يمنع الانزلاق إلى الصراع. ليست هذه ترتيبات إجرائية فقط، بل إعادة تعريف للسيادة نفسها، بحيث لا تعود مطلقة بل مقيدة بقانون أوسع.

الأهم أن كانط لا يرى السلام حالةً طبيعيةً، بل مشروع يجب بناؤه. الطبيعة، في نظره، لا تقود إلى السلام تلقائياً، بل تدفع البشر إلى الصراع. لذلك يحتاج الإنسان إلى العقل ليضع حداً لهذه الطبيعة. بهذا المعنى، السلام ليس معطى، بل إنجاز تاريخي، لكنه إنجاز ممكن، لا مجرد أمنية.

هيغل

هيغل، من جهته، ينطلق من نقطة مختلفة جذرياً. الدولة عنده ليست أداة لحماية الأفراد، بل هي التجلي الأعلى للحياة الأخلاقية. ومن داخل هذا الفهم، لا يمكن النظر إلى الحرب كخلل فقط. إنها لحظة تظهر فيها حقيقة الدولة، لا بوصفها جهازاً إدارياً، بل بوصفها كلاً يتجاوز الأفراد.

يرى هيغل أن المجتمع، إذا طال عليه السلم، قد ينغلق داخل مصالحه الخاصة، ويتحول إلى شبكة من العلاقات النفعية. في هذه الحالة، يفقد الأفراد إحساسهم بالانتماء إلى الكل. الحرب، هنا، تعمل نوعًا من الصدمة التي تكسر هذا الانغلاق، وتعيد ربط الأفراد بالدولة. ليست قيمة أخلاقية، لكنها لحظة تكشف ما هو أعمق من الأخلاق الفردية.

من هنا أيضاً يرفض هيغل فكرة السلام الدائم. ليس لأنه يفضّل الحرب، بل لأنه يرى أن التاريخ نفسه قائم على الصراع. العلاقات بين الدول ليست علاقات قانونية خالصة، بل علاقات قوة، لأن كل دولة تمثل كلاً مستقلاً لا يعترف بسلطة أعلى منه. لذلك، حين يتعارض هذا الكل مع غيره، لا يكون هناك حكم أعلى يفصل بينهما، بل يُحسم الأمر بالصراع.

الفارق بين الفيلسوفين لا يقتصر على تقييم الحرب، بل يمتد إلى تصور العقل. عند كانط، العقل يضع حدوداً، ويؤسس قانوناً يتجاوز الدول. عند هيغل، العقل لا يقف خارج التاريخ ولا يحاكمه، بل يتحقق داخله، حتى في الصراع نفسه. ولهذا لا يمكن عنده فصل العقل عن العنف كما يفعل كانط.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال كانط في المثالية ولا هيغل في الواقعية الصلبة. كانط يدرك أن الحرب جزء من الواقع، لكنه يرفض أن يمنحها معنى يبررها. وهيغل يدرك قسوة الحرب، لكنه يرى أن تجاهل موقعها في التاريخ لا يلغيها. الفرق أن كانط يريد أن يقيس الواقع بمعيار، بينما هيغل يريد أن يفهم هذا الواقع من داخله.

إذا تأملنا العالم الحديث، نجد أن هذا التوتر لم يُحسم. المؤسسات الدولية، والقانون الدولي، وفكرة حقوق الإنسان، كلها استمرار للأفق الكانطي. لكنها، في كثير من الأحيان، تقف عاجزة أمام منطق القوة. في المقابل، تستمر الدول في التصرف وفق حسابات الصراع، وكأن العالم لم يغادر بعد أفق هيغل.

وهنا تظهر مفارقة، كلما حاولنا بناء نظام عالمي قائم على القانون، عاد الواقع ليذكّرنا بأن القانون نفسه يحتاج إلى قوة تحميه. وكلما سلّمنا بمنطق القوة، برزت الحاجة إلى معيار يقيّدها. بين هذين الحدين، يتحرك العالم دون أن يستقر.

في هذا المعنى، لا يقدم كانط وهيغل إجابتين متناقضتين فقط، بل يكشفان حدود كل إجابة. كانط يمنحنا أفقاً ضرورياً، فمن دون فكرة السلام يتحول العالم إلى صراع مفتوح بلا معنى. وهيغل يمنحنا فهماً ضرورياً، لأن من دون إدراك موقع الصراع نظل نتعامل مع الواقع بأوهام أخلاقية.

ويمكن إضافة بُعد آخر للفارق بينهما، يتعلق بتصور الإنسان نفسه. عند كانط، الإنسان كائن عاقل قبل أن يكون سياسياً، ولذلك تُقاس السياسة على الأخلاق. أما عند هيغل، فالإنسان لا يُفهم إلا داخل الدولة والتاريخ، ولذلك تُفهم الأخلاق من داخل السياسة. هذا القلب في العلاقة هو ما يجعل الحرب عند كانط انحرافاً، وعند هيغل لحظة من لحظات المعنى. كما أن كانط يفترض إمكانية قيام قانون فوق الدول، بينما يشكك هيغل في إمكان قيام سلطة حقيقية تعلو على الدولة. هذا الشك ليس تقنياً، بل فلسفي، لأن الدولة عنده هي أعلى تجلٍ للروح، فلا يمكن أن تخضع لسلطة خارجها. ومن هنا يتضح لماذا يظل السلام عند كانط مشروعاً، وعند هيغل أفقاً غير قابل للتحقق النهائي.

في ضوء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، يبدو أن الواقع يميل إلى منطق هيغل، حيث تُحسم العلاقات عبر توازن القوة والصراع، بينما يُحيل أفق كانط إلى قانون دولي يمنع الانزلاق إلى الحرب، وسيبقى حاضراً كمعيار يُستدعى لكنه لا يتحقق.

* كاتب سعودي


«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر
TT

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة، تُواجه المرء في يومياته، وتستدرج من داخله مستويات متفاوتة من التأمل والتعاطف، وصولاً إلى التهميش والانسحاب، وهو ما يتغاضى الكاتب عن مقدماته أو مسبباته، في مقابل تتبعه لبواطن اللغة وإيماءاتها التي تُعادل الأحجيات.

صدرت المجموعة أخيراً عن دار الكتب خان بالقاهرة، وفي أجوائها يستعيد الكاتب مشاعر الوحدة على نحو متقطع، عبر نصوص تكشف نزوعاً واضحاً لتفكيكها إلى تمثيلات متعددة، تعكس ورطة التعايش معها ومحاولة تقاسمها مع الآخر.

يظهر البحر في المجموعة ككيان موازٍ للذات الوحيدة، يحمل تقلباتها ويعيد تشكيلها. فمنذ البداية، يلتفت أحد الأبطال إلى طبيعته المتحوّلة قائلاً: «بحر الليل لا يُشبه بحر النهار في شيء»، ليغدو البحر فضاءً متعدد الأوجه، وصولاً إلى أحشائه، حيث يتكثف السرد، وتصبح غواية الاستسلام له موازية لغواية الحياة، يقول بطل «أن تنتظر»: «لم أمتلك أبداً الجرأة لتنفيذ قراري بالخوض في بطن البحر».

في هذه القصة، يسعى البطل إلى أن ينفض عن نفسه «غبار الوحدة»، متلمّساً بحسّ انفعالي في نسمات الريح ونجمات السماء إمكانية للصحبة، بينما تتسم علاقته بالغرباء بقدر من التعقيد، لا يخلو من تعاطف يصل إلى حد جارف.

في المقابل، يجد أبطال آخرون أنفسهم مدفوعين إلى خلق سيناريوهات حذرة للتعامل مع الغرباء، والدفاع عن حدود وحدتهم ومكتسباتها، حتى لو كان ذلك في صورة «مقعد على البحر»، يظل الصياد العجوز، بطل قصة «أن ترحل»، متشبثاً به، «سيخبرهما أن هذا المقعد يحتل رقعة تمكنه من متابعة زوارق الصيد في الأفق، والتواصل عبر الأثير مع زملائه الصيادين الذين طالما غادروا المرفأ معاً بحثاً عن أسماك فضية بلون الحلم، بيضاء بلون الزّبد».

تتحرك قصص المجموعة عبر مستويات «طوبوغرافية» تتلمس جماليات المكان وطبقاته؛ من اليابس بسطحه وضوضائه، إلى تخوم الماء، ويمتد هذا الأفق ليأخذ بعداً أسطورياً، حيث يستعيد الأبطال علاقة قديمة مع البحر بوصفه كائناً حياً، أو قوة عليا تُخاطب وتُسترضى، فأحد الأبطال يقطع عهداً لـ«إله البحر» أن يعود إليه في الغد، متوسلاً إلى أعماقه العجائبية، ليغدو البحر منبع الأسطورة ومنتهاها أيضاً.

ويبدو أهل البحر في المجموعة أكثر التصاقاً بأسراره التي لا تخلو من طابع سِحري، إذ «الكل هنا يعرف أن تلك النوارس هي أرواح لبحارة غرقى قضوا في عرض البحر» في هذا العالم، يغلب الجمالي على التأويل، فلا تكون النوارس مجرد طيور، ولا البرق مجرد ضوء، بينما تتحول زوارق الصيد إلى «ألعاب أطفال تطفو في حوض ماء هائل».

مِخيال مفتوح

تتكرّس هذه الرؤية عبر ما يمكن تسميته بـ«اللغة البحرية»، حيث تتحوّل عناصر الطبيعة إلى أدوات قراءة؛ فالسحاب يُقرأ، والنوارس تحمل توتر المشهد، والرياح تمارس ألاعيبها، والنوّات نبوءات يتقصّاها حكماء البحر. وتظل الكائنات البحرية، التي لم يرها أحد سوى الصيادين، جزءاً من هذا المِخيال المفتوح، حتى تكاد التفاصيل الإنسانية تذوب داخله؛ كما في اللحظة التي يعجز فيها أحد الأبطال عن التمييز بين «ملح البحر» و«مُرّ الدمع»، أو حين يخشى آخر أن يلقى مصير «سمكة بقيت وحيدة تتلوى على الشاطئ بعد أن تركها الجزر مغدورة لتلفظ أنفاسها الأخيرة»، في صورة تختزل قسوة العزلة بوصفها انكشافاً كاملاً.

يبدو للبحر هنا معجم دلالي، تتقاطع فيه الحواس مع الأسطورة؛ فالجسد يُشبه في لحظة حب «محارة مرتبكة»، ويُختزل الحضور الأنثوي في «حبة لؤلؤ»، أو يتجلى في صورة «أفروديت» كما تراها عين رسّام، لتتجاور مفردات البحر مع إرث الأسطورة الإغريقية، وتعيد صياغة الجسد والرغبة في لغة تتأرجح بين البراءة والإغواء.

في هذا السياق، يمنح الكاتب صوته لكائن بحري في قصة «أن تجنح»، حيث يتقمص السرد صوت «حوت» يخرج طوعاً إلى اليابسة ليلفظ أنفاسه الأخيرة، متحدثاً بضمير المتكلم، ما يكشف عن هاجس وجودي يتجاوز منطق الإنسان، يقول: «لن يفهم بنو الإنسان مطلقاً معنى أن تموت طوعاً عند امتلاء نفسك من الحياة، فهم لا يعرفون الاكتفاء، ولا يحرّك الامتلاء لديهم سوى الرغبة في المزيد».

ويواصل الرزاز تفكيك الوحدة عبر بناء ثنائيات متقابلة تتبادل فيها المواقع وتكشف عن تماثلات كامنة وراء الاختلاف، ففي قصة «أن تهرب» تتجلى هذه المفارقة من خلال تكليف فنان برسم أيقونة للعذراء بوجه غانية تزور مرسمه، ليجد نفسه ممزقاً بين إغراء المال الذي يتقاضاه نظير هذا العمل، وتأنيب داخلي يتكثّف ليبلغ ذروته في مفارقة أخلاقية: «هل باستطاعة المال أن يجعل من الغانية قديسة؟».

تتخذ هذه الثنائيات بعداً سردياً أكثر تعقيداً في قصة «أن تُفتن»، حيث يمنح الكاتب بطليه صوت الراوي، فتتشكل حكايتهما عبر زاويتي نظر متقابلتين لا تلغي إحداهما الأخرى، بل تتكاملان في بناء أقرب إلى موزاييك لا يكتمل إلا بتجاور شظاياه.

فهكذا، يضع الكاتب أبطاله على مسافة واحدة من فعل التواصل ذاته؛ رسّامين أو مرسومين، صيادين أو كائنات بحرية، مُرسلي رسائل أو مُتلقيها، حيث تتبدل المواقع باستمرار دون أن يحتفظ أحد بسيادة حقيقية، فيغدو الجميع واقعين في شِباك الفعل نفسه، ولا يعفيهم ذلك من وطأة الوحدة.