سكان سابقون في مناطق {داعش}: وعد التنظيم بإقامة دولة بعيد المنال

هاربون: ظننا أنهم يريدون التخلص من نظام الأسد.. لكن تبين أنهم لصوص

أحد عناصر الميليشيات العربية على تخوم مناطق يسيطر عليها «داعش» في سوريا (نيويورك تايمز)
أحد عناصر الميليشيات العربية على تخوم مناطق يسيطر عليها «داعش» في سوريا (نيويورك تايمز)
TT

سكان سابقون في مناطق {داعش}: وعد التنظيم بإقامة دولة بعيد المنال

أحد عناصر الميليشيات العربية على تخوم مناطق يسيطر عليها «داعش» في سوريا (نيويورك تايمز)
أحد عناصر الميليشيات العربية على تخوم مناطق يسيطر عليها «داعش» في سوريا (نيويورك تايمز)

بعد أن توقفت الحكومة السورية عن الدفع له، تلقى فني قضى عقدين من الزمان في ضخ النفط السوري، عرضا مغريا للقيام بالعمل نفسه لكن لصالح متطرفي تنظيم داعش، بحيث يبدأ براتب يساوي ثلاثة أضعاف راتبه السابق.
وسرعان ما تولى هذا الرجل مهمة ملء الشاحنات الناقلة للنفط الخام لتمويل «داعش». لكن الإعدامات المتكررة للمتهمين بالتجسس والضربات الجوية القاتلة جعلت الحياة صعبة، وشعر الرجل بالغضب من استخدام موارد البلاد في تمويل المتشددين، في حين أُغلِقت المدارس والمستشفيات، فقرر الهرب.
وقال الفني، عقب هروبه إلى مدينة شانلي أورفا الواقعة جنوب تركيا: «ظننا أنهم يريدون التخلص من النظام، لكن تبين أنهم لصوص».
ويدعي تنظيم داعش أنه أكبر من مجرد جماعة مسلحة، ويروج لنفسه على أنه حكومة للمسلمين في جميع أنحاء العالم توفر مجموعة من الخدمات في الأراضي التي تسيطر عليها.
لكن مشروع الدولة يقع الآن في محنة، ربما أكثر من أي وقت آخر منذ بدء «داعش» في الاستيلاء على الأراضي في العراق وسوريا، وفقا لمجموعة من المقابلات التي أُجرِيت مع أشخاص فروا مؤخرا من قبضة التنظيم. وبدأ توتر المتطرفين يظهر في ظل الضغوط التي تفرضها الغارات الجوية التي يطلقها العديد من البلدان، وأيضا الهجمات البرية التي تشنها الميليشيات الكردية والشيعية.
واضطر بعض المقاتلين إلى تخفيض رواتبهم، فيما استقال آخرون وغادروا خلسة. وتتقلص الخدمات المهمة بسبب سوء الصيانة. وفي ظل تعثر أعمال التهريب وبيع النفط، عاد تنظيم داعش إلى فرض ضرائب متزايدة باستمرار، ورسوم على مواطنيه المضغوطين.
ويمكن لتلك الضغوطات أن تفسح المزيد من الفرص لأعداء التنظيم الكثيرين، لكنها لا تشير إلى انهيار وشيك. فلا يزال «داعش» يمتلك قوات برية جاهزة للقتال في معاقله في سوريا والعراق. ويسعى التنظيم للتأقلم مع الوضع الجديد، وأيضا الحفاظ على مكانته الدولية عالية عن طريق شن هجمات خارجية مثل تلك التي أسقطت طائرة الركاب الروسية في مصر، والأخرى التي أصابت باريس بالشلل. ويستثمر التنظيم أيضا في بناء فروع جديدة في دول مثل ليبيا، حيث تواجه قواته مقاومة ضعيفة.
ويظل وعد الدولة على الأرض التي يسيطر عليها التنظيم في سوريا والعراق هو العامل الأساسي الذي يميزه عن تنظيم القاعدة، إلى جانب جذب المجندين من جميع أنحاء العالم بشكل كبير.
ولا تزال الدعوات للانضمام إلى «داعش» مستمرة - ولها تأثير – على وسائل الإعلام الاجتماعي وداخل الدوائر المتطرفة. غير أن وعود التنظيم تعد جوفاء في خضم فرار السكان الذين يعيشون في المناطق الخاضعة لسيطرة «داعش» بسبب الحرمان، والقصف الكثيف بالغارات الجوية، وتصرفات التنظيم الذي يقول الكثير من المسلمين إنه أشبه بعصابة الجريمة المنظمة أكثر من مناصرته للإسلام، حتى إن بعض السكان الذين اختاروا البقاء عندما استولى المتطرفون على مناطقهم يدفعون الآن المال للمهربين لاقتيادهم حول نقاط التفتيش المخصصة لمنعهم من الهرب.
وقالت معلمة من مدينة دير الزور السورية، فرت إلى تركيا الشهر الماضي: «يهاجر الكثير من الناس. ويريد (داعش) بناء مجتمع جديد، لكن سوف ينتهي الحال بوجود المقاتلين وحدهم». وعندما أُغلِقت المدارس التي تديرها الحكومة السورية، ذكرت المعلمة أنها أسست مدرسة غير رسمية، وواصلت العمل فيها حتى عندما وصل المتطرفون. وهذا عنى شراء عباءات سوداء فضفاضة أجبروا النساء على ارتدائها في الأماكن العامة، وإيجاد سبل للترفيه عن طلابها من دون الموسيقى أو الفن، حيث يحرم التنظيم كليهما. ففي بعض الأحيان، كان الطلاب ينحتون الصابون، بحسب المعلمة. لكنها غادرت المدرسة، وفقا لكلامها، بعد تجميع بعض النشطاء وإعدامهم، خشية أن يكون الدور المقبل عليها.
وحتى في ظل دفع قسوتهم السكان إلى الرحيل، يدرك المتطرفون منذ فترة طويلة ويعملون على أساس أنهم يحتاجون لمهنيين مهرة لبناء مؤسسات على غرار الدول. وورد في نداء نشرته مجلة «دابق» الناطقة باللغة الإنجليزية والخاصة بـ«داعش» العام الماضي أن «الخلافة تحتاج أكثر من أي وقت مضى للخبراء والمهنيين والمتخصصين الذين يمكنهم المساهمة في تعزيز هيكلها، والسعي لتلبية احتياجات إخوانهم المسلمين».
لكن الدعوة عجزت عن تحقيق أهدافها، تاركة المتطرفين للكفاح من أجل العثور على أشخاص قادرين على تشغيل المعدات النفطية، وتصليح شبكات الكهرباء، وتوفير الرعاية الطبية، وفقا لسكان سابقين.
وقال صيدلي من شرق سوريا: «ليس لديهم مهنيون، لذلك يضطرون لدفع المال للأشخاص من أجل القيام بتلك الأشياء».
وتتوافر القصص بشأن وضع الأعضاء الموالين للتنظيم في مناصب غير مؤهلين لها. وأوضح بعض السكان أن رئيس الخدمات الطبية في إحدى البلدات هو عامل بناء سابق. وكان مدير حالي في حقل نفط يعمل تاجرا في السابق، وفقا لموظف سابق.
وفي الرقة، أُغلِق المستشفى الوطني الذي ظهر في فيديو دعائي لـ«داعش» يتحدث عن الخدمات الصحية في الخلافة، بسبب فرار الكثير من الأطباء، بحسب عامل إغاثة لديه أقارب في المدينة.
وأدى حظر معالجة الأطباء الرجال للمريضات (النساء) إلى وجود نساء في إحدى البلدات من دون طبيب على الإطلاق، وفقا للصيدلي. وحاول المتطرفون ملء هذا الفراغ عن طريق توظيف القابلات.
كما يتمثل أحد الأسباب التي تدفع الناس إلى الفرار في نظام الضرائب المرهق الذي يجري تنفيذه تحت اسم الزكاة. ويجمع المتطرفون – إلى جانب ضرائب أخرى – حصة سنوية من المحصول وقطيع الماشية، ويجعلون أصحاب المحلات التجارية يدفعون حصة من قوائم الجرد. وتؤدي المخالفات مثل عدم ارتداء اللبس المناسب إلى دفع غرامات تساوي غرام ذهب يمكن دفعها بالعملة المحلية.
وأصبح الفرار صعبا على نحو متزايد، في ظل محاولة المتطرفين الاحتفاظ بالسكان.
ونظرا لعدم تمكنه من الحصول على إذن للمغادرة، دفع نايف الأسعد، البالغ من العمر 55 عاما، للمهرب مبلغ 150 دولارا للفرد الواحد ليتولى مهمة تهريب عشرة أفراد من عائلته من بلدة الشدادي الخاضعة لسيطرة «داعش» إلى الحدود التركية. وأثناء سيرهم في الطريق داس شخص على لغم أرضي، مما تسبب في انفجار أودى بحياة نجلة الأسعد وزوجها واثنين من أطفالهما وفرد آخر من العائلة، على حد قوله. وأوضح الأسعد: «لم يكن (داعش) ليتركنا لنغادر. سيقولون: أنتم ذاهبون إلى الكفار».
ولا يزال التنظيم يرعب هؤلاء الذين يعيشون تحت قبضته، ويخشى الكثيرون الذين سعوا للجوء إلى جنوب تركيا من استهداف على أيدي عملاء «داعش» نتيجة انتقادهم للتنظيم. لذلك فإنهم يتحدثون شريطة عدم الكشف عن هويتهم، حتى إن البعض الذين استفادوا كثيرا من حكم «داعش» ليست لديهم رغبة كبيرة في البقاء.
وذكر فني النفط السابق أنه كان يكسب 150 دولارا في الشهر من الحكومة السورية قبل أن تقطع راتبه في مارس (آذار). واستأجره تنظيم داعش للعمل في حقل النفط نفسه، وأعطوه في البداية 450 دولارا في الشهر، ثم زاد المرتب إلى 675 دولارا، على حد قوله. وأضاف الفني أن المتشددين دفعوا له راتبا كبيرا، لأنهم لم يمتلكوا سوى القليل من الناس الذين يستطيعون تأدية وظيفته. وحتى إنهم أمسكوا به وهو يدخن السجائر في العمل ذات مرة – وهي جريمة يعاقب المتطرفون مرتكبيها – لكنهم لم يفعلوا شيئا له واكتفوا بالتحذير فقط.
لكن ما أزعجه أنه لم تكن هناك مدرسة يمكن لأطفاله حضورها، وكان قلقا من إمكانية إجباره على العمل في العراق. لذلك، فقد دفع إلى المهرب المال من أجل تهريبه هو وزوجته وأطفاله الثلاثة إلى تركيا. ووصلوا مؤخرا إلى اليونان على متن قارب، آملين في مواصلة الرحلة إلى ألمانيا.
وقال فني آخر عمل في حقل غاز طبيعي إنه هو وزملاءه استمروا في العمل عندما استولى المتطرفون على المصنع، وإنهم كانوا ينفذون الأوامر التي تلقاها رئيسهم من تنظيم داعش. وأضاف: «كانت مهمتنا فتح هذا وتوصيل ذلك. من المسؤول؟ نحن لا نسأل». لكن المصنع تضرر نتيجة الحرب، وبدلا من إنتاج منتجات الغاز المكرر مثلما اعتادوا في السابق، فإنهم أرسلوا كمية أقل بكثير من الغاز غير المكرر إلى الحكومة السورية. ولم يكن أحد يعرف ما حصل المتطرفون عليه في المقابل. ومثل الكثيرين الآخرين، ذكر ذلك الفني أن وعود المتطرفين بإقامة دولة فشلت في التحقق. وتابع: «يعتبر الدعم الشعبي مهما، لكن المتطرفين لا يمتلكونه. وقد سمع الناس كلمات جيدة منهم، لكنهم لم يروا أي شيء جيد منهم أبدا».

* خدمة «نيويورك تايمز»



الحصار الحوثي لمدينة تعز ينذر بكارثة صحية وشيكة

حياة المرضى الأكثر هشاشة أمام مخاطر جسيمة في تعز (إعلام محلي)
حياة المرضى الأكثر هشاشة أمام مخاطر جسيمة في تعز (إعلام محلي)
TT

الحصار الحوثي لمدينة تعز ينذر بكارثة صحية وشيكة

حياة المرضى الأكثر هشاشة أمام مخاطر جسيمة في تعز (إعلام محلي)
حياة المرضى الأكثر هشاشة أمام مخاطر جسيمة في تعز (إعلام محلي)

حذّرت وزارة الصحة العامة والسكان اليمنية من كارثة صحية وشيكة في مدينة تعز، مع استمرار الحصار الذي يفرضه الحوثيون على المدينة، واقتراب نفاد الأدوية والمحاليل والمستلزمات الطبية والوقود في المرافق الصحية؛ مما يضع حياة آلاف المرضى على المحك.

وقالت الوزارة، في بيان، إن ما تشهده تعز لا يقتصر على أزمة في الإمدادات الطبية، «بل يمثل تهديداً مباشراً لحياة المرضى والجرحى والأطفال والنساء الحوامل وحديثي الولادة، الذين يعتمدون على استمرار الخدمات الصحية لإنقاذ حياتهم وتخفيف معاناتهم».

وأكدت أن «خلف كل سرير في المستشفى إنساناً ينتظر العلاج، وخلف كل نداء استغاثة أسرة تخشى فقدان أحد أفرادها، وأن كل نقص في دواء أو وقود قد يحوّل حالة قابلة للعلاج إلى مأساة لا يمكن تداركها».

ونبّهت الوزارة إلى أن «استمرار الوضع قد يؤدي إلى توقف خدمات الطوارئ والعمليات الجراحية والعناية المركزة وغسل الكلى وحضانات الأطفال حديثي الولادة، بما يعرّض حياة المرضى الأكثر هشاشة لمخاطر جسيمة». كما أن «النقص الحاد في الوقود يهدد بتوقف مولدات الكهرباء، وسيارات الإسعاف، وتعطل سلاسل التبريد اللازمة لحفظ الأدوية واللقاحات، الأمر الذي قد يحرم المرضى من الرعاية المنقذة للحياة، ويزيد احتمالات حدوث مضاعفات خطيرة ووفيات يمكن تفاديها».

الحوثيون يفرضون حصاراً محكماً على مدينة تعز (إعلام محلي)

وأكدت الوزارة أن المرضى ينبغي ألا يدفعوا ثمن الصراع من حياتهم، وأن المستشفيات يجب أن تظل «ملاذاً آمناً لكل من يحتاج إلى العلاج، لا أن تتحول إلى مرافق عاجزة عن تقديم أبسط الخدمات؛ بسبب انقطاع الإمدادات وتعذر الوصول إليها». وقالت إن «كل ساعة تأخير في وصول الأدوية والوقود والمستلزمات الطبية تضاعف المخاطر، وتضيّق فرص إنقاذ الأرواح، وتزيد معاناة المرضى وأسرهم».

مطالب بفتح الطرق

حمّلت وزارة الصحة اليمنية الحوثيين المسؤولية عن الحصار وعرقلة وصول الإمدادات، وما يترتب على ذلك من تداعيات صحية وإنسانية، مطالبة برفع الحصار فوراً وفتح طرق الإمداد دون تأخير أو عوائق، وضمان المرور الآمن للمرضى والجرحى وسيارات الإسعاف والطواقم الطبية، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية والإمدادات الصحية إلى جميع المرافق المحتاجة.

ودعت الوزارةُ الأممَ المتحدة والمنظماتِ الإنسانية والشركاءَ الدوليين والجهاتِ الداعمةَ للقطاع الصحي إلى «تحرك عاجل وفاعل يتناسب مع حجم التهديد، والعمل على إيصال الأدوية والمحاليل والمستلزمات الطبية والأكسجين والوقود بصورة فورية وآمنة إلى المرافق الصحية في مدينة تعز، بالتنسيق مع الوزارة ومكتب الصحة في المحافظة، مع إعطاء الأولوية القصوى للخدمات المنقذة للحياة وضمان استمرار تشغيل المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية».

طفل يمني في مدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين يبيع عبوات بنزين (أ.ف.ب)

وناشدت المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية «عدم الاكتفاء برصد التحذيرات أو التعبير عن القلق، بل اتخاذ خطوات عملية وعاجلة تحول دون انهيار الخدمات الصحية وتحمي المدنيين من تداعيات كارثة يمكن الحد منها إذا جرى التحرك في الوقت المناسب».

وشددت الوزارة على أن حماية المرضى والمرافق الصحية والعاملين فيها، وضمان وصول الأدوية والمستلزمات الطبية والوقود، «ليست مطالب قابلة للتأجيل، بل مسؤوليات إنسانية تقتضي التحرك الفوري». وأكدت أن «ضمان وصول الرعاية الصحية إلى المحتاجين إليها ضرورة لحماية الحق في الحياة وصون الكرامة الإنسانية».

وقالت إن إنقاذ تعز يبدأ برفع الحصار وفتح طرق الإمداد وضمان وصول العلاج إلى من يحتاج إليه، مشددة على أنه لا يمكن أن يصبح نقص الدواء أو انقطاع الوقود سبباً في فقدان حياة كان بالإمكان إنقاذها.

أزمة صحية تتسع

من جهتها، أكدت «منظمة الصحة العالمية» أن الخدمات الصحية في المحافظات المتضررة من الصراع تواجه صعوبات كبيرة في مواكبة الاحتياجات المتصاعدة. وقالت إن نحو نصف المرافق الصحية هناك يفتقر إلى دعم الشركاء، مع استمرار وجود فجوات حرجة في خدمات رعاية الإصابات في الخطوط الأمامية وخدمات الرعاية الصحية المتنقلة.

الحوثيون حشدوا حملة ضخمة من قواتهم لاقتحام أرياف تعز ومحاصرة المدينة (إ.ب.أ)

وقال ممثل «منظمة الصحة العالمية» لدى اليمن، سيد جعفر حسين، إن الوضع يتحول إلى حالة طوارئ معقدة، تزداد فيها الاحتياجات الصحية في وقت تعاني فيه الموارد من ضغوط هائلة.

وأضاف أن حصول المصابين بجروح خطيرة على رعاية الإصابات خلال الساعة الأولى قد يحدد فرص نجاتهم، «إلا إن نقاط تثبيت حالات المصابين على ساحل لحج وفي الضالع تفتقر إلى شركاء لتشغيلها، في حين لا تستطيع سوى وكالات قليلة تقديم رعاية الإصابات، مما يخلّف فجوات حرجة على طول خطوط المواجهة».

وذكرت «المنظمة» أنه بحلول الأسبوع الماضي، لم تتلقَّ خدماتٍ صحيةً سوى نسبة تقل عن واحد في المائة من النازحين جراء التصعيد الأخير، البالغ عددهم 198 ألف شخص.

آلاف النازحين جراء التصعيد الحوثي يعانون غياب الرعاية الصحية والمأوى (أ.ب)

وأضافت أن المستشفيات تعاني نقصاً في «المستلزمات الجراحية، ومواد التخدير، ومستلزمات بنوك الدم، والوقود، في حين أصبحت طرق إيصال الإمدادات الأساسية أبطأ وأكثر تكلفة. كما توقفت خدمات الولادة الطارئة في كل من مأرب ورأس العارة».

وبصفتها الجهة القائدة كتلة الصحة في اليمن، قالت «منظمة الصحة العالمية» إنها تتولى تنسيق الاستجابة وتعمل «مزوّداً لخدمات الملاذ الأخير» في الحالات التي تعجز فيها أي جهة شريكة عن تقديم الخدمات. وأضافت أنها تستعد لـ«تعزيز قدرات تقديم الرعاية الطارئة وعلاج الإصابات، والاستجابة لتفشي الأمراض، وتوفير الخدمات والإمدادات الصحية الأساسية، بما في ذلك خدمات رعاية الأمهات والمواليد الجدد».


صور قتلى الحوثيين تتحول إلى تجارة مزدهرة في صنعاء

الحوثيون يستثمرون صور القتلى من أجل استقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)
الحوثيون يستثمرون صور القتلى من أجل استقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)
TT

صور قتلى الحوثيين تتحول إلى تجارة مزدهرة في صنعاء

الحوثيون يستثمرون صور القتلى من أجل استقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)
الحوثيون يستثمرون صور القتلى من أجل استقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)

انعكست الخسائر البشرية المتزايدة التي تتكبدها الجماعة الحوثية في جبهات القتال على نشاط استوديوهات التصوير في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها، مع ارتفاع الطلب على تصميم وطباعة صور القتلى، لاستخدامها في مراسم التشييع والفعاليات التعبوية، وتعليقها في الشوارع والميادين العامة.

وقال عاملون في مجال التصوير لـ«الشرق الأوسط»، إن الجماعة كثَّفت خلال الأيام الأخيرة طلباتها لطباعة صور قتلاها بمقاسات مختلفة، موضحين أن آلاف الصور جرى تجهيزها لتلبية احتياجات مراسم التشييع والأنشطة التي تنظمها في مناطق سيطرتها.

وأشاروا إلى أن الجماعة تميّز في أحجام الصور بين القيادات العسكرية والمشرفين الميدانيين الذين تُخصَّص لهم صور كبيرة، والعناصر الأخرى التي تُطبع صورها بمقاسات أصغر، في تفاوت يستمر حتى بعد مقتلهم في الجبهات.

ويتزامن هذا النشاط مع استمرار سقوط قتلى حوثيين في جبهات تعز والساحل الغربي ومأرب والجوف ولحج والضالع وغيرها، وسط مساعٍ لإبقاء صور القتلى حاضرة في الفضاء العام، وتوظيف مراسم التشييع في التعبئة العسكرية والدعوة إلى مواصلة القتال.

صورة لدورية حوثية تنقل صوراً لقتلى الجماعة (فيسبوك)

وأكدت المصادر أن المطابع التي اعتادت الجماعة الاعتماد عليها لتجهيز صور قتلاها تواجه ضغوطاً متزايدة، بفعل ارتفاع أعداد القتلى وتتابع مراسم التشييع، ما دفعها خلال الأيام العشرة الماضية إلى توسيع نطاق الطباعة، والاستعانة باستوديوهات تصوير خاصة في صنعاء.

وحسب المصادر، تُطبَع أعداد كبيرة من الصور في صنعاء قبل توزيعها على المناطق التي ينتمي إليها القتلى، لتعليقها في الشوارع والأماكن العامة، بالتزامن مع تنظيم مواكب التشييع، والإعلان عن مصرع مزيد من عناصر الجماعة.

وأضافت أن الجماعة أنفقت ملايين الريالات على طباعة الصور لدى محلات التصوير الخاصة خلال الفترة الأخيرة، في ظل ازدياد الطلب على تجهيزها بمقاسات وتصاميم متعددة.

استياء السكان

أثار هذا التحرك استياءً في أوساط السكان في صنعاء الذين استنكروا تخصيص الأموال والجهود لطباعة الصور ونشرها، معتبرين أن ذلك يعكس أولوية مواصلة التعبئة العسكرية، بدلاً من الاهتمام بالأوضاع المعيشية المتدهورة واحتياجات الأسر التي فقدت أبناءها.

وقال «زكي» -وهو عامل في استوديو للتصوير الفوتوغرافي بشارع الستين في صنعاء- إن الطلب على تصميم وطباعة صور قتلى الجماعة ارتفع خلال الفترة الأخيرة، موضحاً أن الطلبات تشمل صوراً بمقاسات مختلفة، تُستخدم في مراسم التشييع، وأخرى تُجهَّز للَّوحات واللافتات التي تُعلَّق في الشوارع والأحياء.

صور قتلى الحوثيين تطغى على مشهد صنعاء اليومي (الشرق الأوسط)

وأضاف أن تجهيز هذه الصور بات يشكِّل جزءاً ملحوظاً من عمل بعض الاستوديوهات؛ خصوصاً مع ازدياد الطلبات المرتبطة بمراسم التشييع والفعاليات التي تنظمها الجماعة.

من جهته، قال «نعمان» -وهو اسم مستعار لأحد سكان صنعاء- إن صور القتلى باتت حاضرة في عدد من الشوارع والأحياء، مضيفاً أن كل صورة تذكِّر بأُسرة فقدت أحد أبنائها، وتثير تساؤلات بشأن ما تحصل عليه هذه الأسر من رعاية ومساعدات بعد انتهاء مراسم التشييع.

تعبئة تتجاوز التشييع

يرى مراقبون أن التوسع في طباعة صور قتلى الحوثيين يتجاوز كونه نشاطاً تجارياً مرتبطاً بمراسم التشييع، ليعكس جانباً من مساعي الجماعة لتوظيف خسائرها البشرية في تعزيز خطاب التعبئة واستمرار حشد المقاتلين، عبر إبقاء القتلى حاضرين في الشوارع والميادين والفعاليات العامة.

مسلحون حوثيون على متن عربة عسكرية خلال تجمع في صنعاء (رويترز)

ويشير هؤلاء إلى أن تحويل صور القتلى إلى أدوات للتعبئة يطرح تساؤلات بشأن مصير الأسر التي فقدت أبناءها في جبهات القتال، ومدى حصولها على الرعاية والدعم اللازمين؛ خصوصاً عندما يكون القتيل عائل الأسرة أو أحد مصادر دخلها.

وفي ظل تفاقم الأعباء المعيشية وتدهور الخدمات، يرى مراقبون أن الإنفاق على طباعة صور القتلى وتوزيعها يكشف اختلالاً في أولويات الجماعة، التي تواصل تسخير الموارد للأنشطة التعبوية، بينما يواجه السكان أزمات معيشية خانقة، وتكابِد أسر القتلى تداعيات فقدان أبنائها.


جبهات «فجر اليمن» تستنزف الحوثيين جواً وبراً

قوات من ألوية العمالقة الجنوبية التابعة للحكومة اليمنية بالقرب من باب المندب (أ.ب)
قوات من ألوية العمالقة الجنوبية التابعة للحكومة اليمنية بالقرب من باب المندب (أ.ب)
TT

جبهات «فجر اليمن» تستنزف الحوثيين جواً وبراً

قوات من ألوية العمالقة الجنوبية التابعة للحكومة اليمنية بالقرب من باب المندب (أ.ب)
قوات من ألوية العمالقة الجنوبية التابعة للحكومة اليمنية بالقرب من باب المندب (أ.ب)

دخلت العملية العسكرية اليمنية «فجر اليمن» يومها السابع، الأحد، مع اتساع نطاق الضربات الجوية التي تستهدف مواقع الجماعة الحوثية وتعزيزاتها في جبهات تعز والساحل الغربي، بالتزامن مع استمرار العمليات البرية لقوات ألوية العمالقة الجنوبية و«درع الوطن»، ومحاصرة مجموعات من الحوثيين في محيط مضيق باب المندب، وسط تقديرات عسكرية بارتفاع خسائر الجماعة إلى نحو 12 ألف قتيل وجريح خلال الأيام الستة الأولى من العملية.

وامتدت الضربات الجوية من جبهات القتال في تعز إلى مواقع وأهداف عسكرية في مناطق خاضعة للحوثيين داخل صنعاء وصعدة وحجة وإب، في مسار يعكس اتساع الضغط العسكري على الجماعة، بالتوازي مع عمليات إسناد جوي للقوات الحكومية في محاور القتال، ومحاولات حوثية لاستعادة مواقع خسرتها في الساحل الغربي.

وأعلن المركز الإعلامي لمحور تعز العسكري أن الطيران الحربي شن، الأحد، غارات استهدفت مواقع وتجمعات وآليات حوثية في تلال المقرمي والجَعشة والسلال شرقي مدينة تعز، إضافة إلى حصن المخعف ومنطقة بلعان في جبهة الأقروض جنوب المحافظة.

قوات الحكومة اليمنية تفرض حصاراً منذ أيام على جيوب حوثية في جبهة باب المندب (أ.ب)

وفي الساحل الغربي، أفادت قوات العمالقة الجنوبية بتدمير خمس مركبات حوثية مدرعة ومقتل من كانوا على متنها، خلال محاولة للتقدم باتجاه مطار ذوباب، كما أعلنت التصدي لهجوم حوثي على مواقعها شمال المطار، وإلحاق خسائر بشرية ومادية بالمهاجمين، بالتزامن مع غارات جوية استهدفت تعزيزات دفعتها الجماعة إلى المنطقة.

وتأتي هذه المواجهات في وقت تسعى فيه القوات الحكومية إلى تثبيت سيطرتها على المناطق المحررة في باب المندب وجزيرة ميون وجبال كهبوب، ومنع الحوثيين من استعادة مواقع استراتيجية تطل على المضيق والساحل الغربي، بينما تواصل القوات البرية عملياتها لتوسيع المكاسب الميدانية وتأمين المناطق المحيطة بها.

1900 عملية استهداف خلال يوم

في تطور يعكس كثافة العمليات العسكرية، أعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ أكثر من 1900 عملية استهداف مباشرة ودقيقة خلال الساعات الـ24 الماضية، في الجبهات الشرقية والغربية والجنوبية الغربية، ضمن عملية «فجر اليمن».

وقال المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن الاستهدافات طالت مخازن الأسلحة والذخائر، والتحصينات والمعسكرات والمواقع العسكرية، والنقاط الواقعة على المرتفعات الحاكمة، إلى جانب مناطق الحشد والتجميع ومرابض المدفعية ووسائط نقل العناصر والإمدادات.

ضربات جوية على مواقع الحوثيين في محيط مدينة تعز المحاصرة (إعلام محلي)

وأضاف النزيلي أن العمليات استهدفت أيضاً أهدافاً عسكرية وصفها بالمشروعة وعالية القيمة في عمق المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، مشيراً إلى أن التقديرات الميدانية الأولية تشير إلى تحييد أكثر من 1150 من عناصر الجماعة، وتدمير أو إعطاب أكثر من 180 آلية ووسيلة قتالية ونقل وإمداد خلال الفترة ذاتها.

وأكد المتحدث العسكري أن القوات البرية واصلت تطوير هجومها، محققة تقدماً ميدانياً جديداً، ومستعيدة مواقع إضافية، ومثبتة سيطرتها على مرتفعات ومواقع حاكمة، في إطار مساعيها لتعزيز المكاسب التي تحققت منذ انطلاق العملية.

وفي تعز، اتسعت المواجهات لتشمل محاور متعددة جنوب شرقي المدينة وغربها، حيث أفادت مصادر عسكرية بأن القوات الحكومية والمقاومة الشعبية واصلتا التصدي لهجمات الحوثيين وتنفيذ عمليات استهداف ضد تجمعاتهم وتحركاتهم.

وذكر موقع «سبتمبر نت»، التابع لوزارة الدفاع اليمنية، أن المواجهات تركزت خلال الساعات الماضية في جبهات الشقب والأقروض جنوب شرقي المدينة، وجبل حبشي غرباً. وتمكنت القوات الحكومية من كسر هجوم حوثي على مواقعها في جبهة الشقب، مما أسفر، وفق الموقع، عن مقتل أكثر من 25 عنصراً من الجماعة وإصابة آخرين.

كما نفذت وحدات عسكرية ومجموعات من المقاومة الشعبية كمائن في جبهات المسراخ والبيرين جنوب المحافظة، وجبل حبشي غرباً، قالت إنها أوقعت عشرات القتلى والجرحى في صفوف الحوثيين.

وقدمت الطائرات المسيَّرة التابعة لمحور تعز إسناداً جوياً للقوات الحكومية، مستهدفة عناصر الجماعة وأسلحتها وتعزيزاتها، بينما أعلنت القوات إسقاط طائرة مسيَّرة انتحارية حوثية شرقي المدينة.

وامتد الإسناد الجوي إلى مديرية سامع شرقي المحافظة، حيث استهدف الطيران تجمعاً لعناصر الحوثيين ومواقع أخرى، إضافة إلى مدفع في منطقة مسلقة بمديرية جبل حبشي. كما نفذ ثلاث غارات على مواقع وتجمعات للجماعة في جبهتي الأقروض وجبل سامع.

تمسك حكومي باستعادة الدولة

سياسياً، أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي عزم القيادة اليمنية على مواصلة عملية «فجر اليمن» لإنهاء التهديد الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة، مشدداً على المضي في العملية مهما كلف ذلك من تضحيات.

وقال رئيس الوزراء اليمني شائع محسن الزنداني إن العملية تمضي بثبات نحو تحقيق أهدافها، مشيراً إلى استمرار التقدم الميداني لقوات العمالقة الجنوبية و«درع الوطن»، بدعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، لتأمين باب المندب وذوباب وجبال كهبوب بعد تحريرها من الحوثيين.

حشد من الحوثيين في صنعاء يرفع شعارات الجماعة وأعلام إيران وحزب الله اللبناني (إ.ب.أ)

وأضاف الزنداني أن المكاسب الميدانية تجسد إرادة اليمنيين في إنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة، وأن تضحيات القوات المسلحة والمقاومة الشعبية تمثل ركيزة أساسية في معركة استعادة الدولة وترسيخ الأمن والاستقرار.

وقال رئيس الوزراء اليمني إن الحوثيين يواصلون استهداف المدنيين والأعيان المدنية، مشيراً إلى الهجوم الأخير على مطار عدن الدولي، إلى جانب الهجمات والانتهاكات في محافظة تعز. وقال إن هذه الممارسات تكشف عن نهج قائم على العنف والإضرار بمقدرات البلاد، في محاولة لكسر إرادة اليمنيين ومنعهم من استعادة دولتهم.

وجدد الزنداني تقدير الحكومة للدعم السعودي، مؤكداً أن إسناد تحالف دعم الشرعية يمثل عاملاً مهماً في معركة استعادة مؤسسات الدولة وحماية أمن اليمن واستقراره.

وفي موازاة التطورات العسكرية، صعَّد مجلس الوزراء اليمني لهجته إزاء توسيع الحوثيين نطاق الحصار على تعز، محذراً من أن التصعيد الأخير بات يهدد حياة وأمن ومعيشة أكثر من ستة ملايين مواطن في المحافظة.

ووجَّه المجلس الجهات الحكومية والأمنية والعسكرية بالتنسيق مع السلطة المحلية لحماية السكان، وضمان استمرار الخدمات الأساسية ووصول المساعدات الإنسانية، والاستعداد للتصدي للتهديدات الأمنية، مع الالتزام بحماية المدنيين واحترام القانون الدولي الإنساني.

كما دعا المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى ممارسة الضغط على الحوثيين لوقف الهجمات ورفع الحصار، مجدداً التزام الحكومة باستعادة سلطة الدولة وإنهاء الانقلاب، وتحقيق أهداف عملية «فجر اليمن» التي أعلنها رئيس مجلس القيادة الرئاسي.