من خلال استهداف أكبر سوق لكرة القدم مستقبلاً، تتطلع أبوظبي للاستحواذ على الإمكانات العالمية للنادي مع الحرص على الحفاظ على رضا الجمهور المحلي. وقد أنجزت «تشينا ميديا كابيتال»، وهي كونسورتيوم من شركات استثمارية صينية مملوكة للدولة، صفقة شراء حصة تبلغ 13 في المائة من مجمل أسهم «سيتي فوتبول غروب» المظلية، مما يعد بمثابة صفقة ثورية تمثل أقصى طموحات شركة أبوظبي القابضة المالكة للنادي على الصعيد العالمي. وتسلط هذه الصفقة الضوء على أربع حقائق أساسية: أولاً: أنه لدى شراء الشيخ منصور بن زايد آل نهيان النادي عام 2008، ساد اعتقاد لدى البعض للوهلة الأولى بأن الأمر لا يعدو تجربة، لكن سرعان ما اتضح عزم المالك الجديد على حصد مكاسب حقيقية من وراء هذه الخطوة. وبالفعل، نجحت الصفقة الأخيرة في رفع قيمة مانشستر سيتي إلى 3 مليارات دولار (ما يعادل ملياري جنيه إسترليني) ولا تزال قيمته في تزايد. ثانيًا: احتلال مانشستر سيتي صدارة الدوري الإنجليزي الممتاز، والذي يسعى الفريق الزاخر بالنجوم إلى الفوز به، بجانب تأهله لدور التصفيات في بطولة دوري أبطال أوروبا، يوحي بحجم الاستثمار المالي والجدية التي أولتها الشركة المالكة للنادي للنشاط الكروي. ثالثًا: على النقيض من الوضع السابق لمانشستر سيتي باعتباره النادي الكئيب القابع دومًا في الترتيب الثاني داخل مدينة مانشستر، يتمتع مسؤولو النادي حاليًا بنفوذ جيوسياسي بالغ، ومع ارتدائهم قبعات حكومة أبوظبي، أصبحوا يتمتعون بنفوذ دبلوماسي قوي لدى الحكومة البريطانية، حسبما كشفت الـ«غارديان».
رابعًا: استخدم مسؤولو أبوظبي التنفيذيون الخبرة التي اكتسبوها لإدارة نادٍ إنجليزي لكرة القدم، الأمر الذي تجلى في عدة إجراءات منها قرار الأسبوع الماضي بتصميم شارة جديدة للنادي تعود إلى التصميم الدائري الذي عشقته جماهير النادي في ستينات وسبعينات القرن الماضي. والواضح أن المسؤولين يتفهمون الحاجة للتخفيف من حدة السعي وراء المكاسب المالية والعمل على تعزيز ولاء الجماهير المحلية وحماسها تجاه النادي.
الآن، تسعى شركة أبوظبي القابضة نحو نقل الإمبراطورية التي أسسوها وتضم ثلاثة أندية رياضية في المدن الكبرى مانشستر ونيويورك وملبورن ونشاطات بمجالات تنمية الشباب والكشافة والتسويق واللوجيستيات إلى داخل الصين - التي قد تمثل أكبر سوق لكرة القدم مستقبلاً على مستوى العالم. ومن خلال قيامه بذلك كشريك كامل مع «سي إم سي»، وهي شركة مدعومة من قبل الحكومة الشيوعية بالصين، يسبق مانشستر سيتي باقي أندية الدوري الممتاز بخطوة، والتي حاول الكثيرون منها على مدار فترة طويلة التوصل لسبل لاقتحام السوق الصينية. وفي الوقت الذي كانت عقود الرعاية الدولية الكثيرة التي نجح آل غليزر في الفوز بها لحساب مانشستر يونايتيد محط حسد الكثير من الأندية الأخرى باعتبارها دليلاً على نموذج تجاري ناجح، فإن هذه الشراكة الأقوى التي دخلت فيها «سيتي فوتبول غروب» يمكن أن تمثل بداية سلسلة من الصفقات الناجحة داخل الصين ودول أخرى.
ومن شأن هذه الخطوة تمكين مالكي أبوظبي القابضة من التوسع بجدية داخل الصين، والترويج للأندية الرياضية، خاصة مانشستر سيتي، باعتبارها علامات تجارية، والشركات المتحالفة التي جرى إنشاؤها بغية توفير خدمات وخبرة من خارج مجموعة سيتي. كما يرمي التحالف لخدمة تطلعات الحكومة الصينية التي أعلن رئيسها تشي جين بينغ في وقت سابق من العام عن خطة مؤلفة من 50 نقطة لتحويل الصين إلى «مركز نفوذ كروي». ومن المتوقع أن تسهم نشاطات «سيتي فوتبول غروب» بدرجة كبيرة في توفير الاحتياجات المرتبطة بمزيد من المدربين والأكاديميات ومستلزمات بناء بنية تحتية لكرة القدم، مع الاستفادة في الوقت ذاته من اهتمام التلفزيون الصيني المتزايد بمتابعة فعاليات الدوري الإنجليزي الممتاز.
وخلال البيان الذي أصدرته «سيتي فوتبول غروب» للإعلان عن الشراكة الجديدة، أوضحت أن: «الصفقة ستخلق فرصة غير مسبوقة للنمو أمام أندية (سيتي فوتبول غروب) وشركاتها على الصعيدين الصيني والدولي، بالاعتماد على قدرة المجموعة على توفير ثروة من الخبرات والموارد إلى صناعة كرة القدم الصينية الآخذة في النمو السريع». في الإطار ذاته، أصدر رويغانغ لي، العضو البارز بالحزب الشيوعي الصيني الذي أنشأ ويترأس «سي إم سي»، بيانًا تحدث خلاله عن: «فرص نمو غير مسبوقة» بمجال كرة القدم بفضل «التوجه المنظم الذي تنتهجه (سيتي فوتبول غروب) حيال بناء قاعدة عالمية»، مشيرًا إلى الطموح السياسي لدى الحكومة الصينية الذي تعكسه الخطة المؤلفة من 50 نقطة، بما في ذلك استضافة بطولة كأس العالم. وأضاف: «نحن وشركاؤنا في الكونسورتيوم (سيتيك كابيتال) نتطلع أيضًا نحو هذا الاستثمار باعتباره فرصة كبرى لتعزيز الإسهامات الصينية بالحقل العالمي لكرة القدم». وأوضح البيان أن الأطراف المعنية استغرقت ستة أشهر في التوصل للهيكل المناسب، الأمر الذي بلغ ذروته في إصدار أسهم جديدة لحصة الـ13 في المائة في «سيتي فوتبول غروب».
ومع سداد 265 مليون جنيه إسترليني مقابل هذه الحصة، أصبح في متناول «سيتي فوتبول غروب» الآن النقد اللازم للاستثمار على نحو منفصل عن الثروة الشخصية للشيخ منصور، والتي يمكن تخصيصها لبناء الاستاد الجديد اللازم لنيويورك سيتي، الذي اشترته المجموعة منذ عامين.
يذكر أن الشراكة الصينية جرى تمكينها من خلال اتصالات سياسية رفيعة المستوى بين البلدين، تجلت في استضافة الشيخ المبارك للرئيس شي في استاد الاتحاد خلال زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ لبريطانيا الشهر الماضي. وفي اليوم ذاته، جرى تدشين تمثال للاعب الكرة الصيني السابق بمانشستر سيتي، صن جيهاي، في قاعة المشاهير بالمتحف الوطني لكرة القدم في مانشستر، الأمر الذي أثار علامات استفهام كثيرة بالأوساط الرياضية. وقبل ذلك بأسابيع، وقع الاختيار على جيهاي ليصبح سفير مانشستر سيتي لدى الصين.
والملاحظ أن نظام أبوظبي حرص على احترام تقاليد مانشستر سيتي وميول مشجعيه في الوقت الذي أنفق أكثر من مليار جنيه إسترليني على شراء لاعبين جدد، الأمر الذي أكسبه قبولاً واسعًا داخل مانشستر. وفي الوقت الذي تتزايد شعبية ملاك مانشستر سيتي في صفوف جماهيره، يتزايد العداء الجماهيري تجاه «يويفا» لاعتقاد مشجعي النادي أن القواعد المالية التي يفرضها تقيد أيدي مسؤولي النادي. وتسلط الصفقة الصينية الأخيرة الضوء على مدى البراعة التي أصبح عليها مسؤولو أبوظبي ونجاحهم في استغلال الإمكانات التجارية المرتبطة بالصين، مع العمل في الوقت ذاته على الحفاظ على رضا الجماهير المحلية.
مغامرة مانشستر سيتي الصينية.. آفاق جديدة أوسع
«أبوظبي القابضة» تسعى لنقل الإمبراطورية التي أسستها في مانشستر ونيويورك وملبورن إلى الصين
الرئيس الصيني شي جين بينغ بصحبة ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا خلال زيارتهما لمقر مانشستر سيتي التدريبي (رويترز)
مغامرة مانشستر سيتي الصينية.. آفاق جديدة أوسع
الرئيس الصيني شي جين بينغ بصحبة ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا خلال زيارتهما لمقر مانشستر سيتي التدريبي (رويترز)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة




