نصف ساعة تجمع أوباما وبوتين والخلاف يستمر على مصير الأسد

دبلوماسيون روسيون لـ«الشرق الأوسط»: اتفاق الرئيسين تأكيد على نتائج «فيينا» > البيت الأبيض: أوباما اجتمع مع بوتين لإقناعه بضرورة تنحي الأسد

عدد من قادة دول وحكومات العالم في لقطة قبل انطلاق قمة المناخ في باريس أمس (إ.ب.أ)
عدد من قادة دول وحكومات العالم في لقطة قبل انطلاق قمة المناخ في باريس أمس (إ.ب.أ)
TT

نصف ساعة تجمع أوباما وبوتين والخلاف يستمر على مصير الأسد

عدد من قادة دول وحكومات العالم في لقطة قبل انطلاق قمة المناخ في باريس أمس (إ.ب.أ)
عدد من قادة دول وحكومات العالم في لقطة قبل انطلاق قمة المناخ في باريس أمس (إ.ب.أ)

شهد مقر المؤتمر، أمس، لقاءات أساسية على هامش فعاليات قمة «كوب 21»، أهمها ما جرى بين الرئيسين؛ الأميركي والروسي، اللذين اجتمعا لمدة نصف ساعة وفق أوساط الكرملين. وإذا كان الاجتماع تناول الملفين الخلافيين الرئيسيين بين موسكو وواشنطن، وهما سوريا وأوكرانيا، فإن الملف السوري قفز إلى الواجهة. وسعى الكرملين إلى إبراز إيجابيات اللقاء «المغلق» حيث توافق أوباما وبوتين على الحاجة «لانطلاق مسار التسوية السياسية»، بينما شدد البيت الأبيض على ضرورة «إحراز تقدم» على طريق تنفيذ خريطة الطريق التي تقود إلى الحل السياسي، والتي تم الاتفاق عليها في فيينا نهاية الشهر الماضي.
وقال مسؤول كبير بالبيت الأبيض إن الرئيس أوباما عبر عن أسفه حول إسقاط تركيا للطائرة الروسية التي دخلت المجال الجوي التركي من سوريا، وطالب كلا من روسيا وتركيا بتخفيف حدة التوتر. وأشار إلى أن الزعيمين ناقشا الأزمة السورية وأهمية التوجه نحو إطلاق عملية تسوية سياسية لإنهاء الحرب الأهلية في سوريا. وأضاف المسؤول أن «أوباما قال لبوتين إن الرئيس السوري بشار الأسد يجب عن يتنحى عن السلطة، كجزء من عملية الانتقال السياسي في سوريا. كما دعا أوباما إلى أن تقوم روسيا بتوجيه ضرباتها الجوية في سوريا ضد معاقل تنظيم داعش، ووقف الضربات ضد المعارضة السورية التي تقاتل نظام الأسد». وأضاف: «ناقش الرئيسان ضرورة تحقيق تقدم في عملية فيينا لوقف إطلاق النار والتوصل لحل سياسي للحرب الأهلية».
من جهتها، قالت مصادر دبلوماسية رفيعة المستوى في موسكو لـ«الشرق الأوسط» إن الرئيسين أكدا عمليا ما جرى الاتفاق عليه حول اللقاء الأخير الذي جرى في فيينا على مستوى وزراء الخارجية بشأن التركيز على «التسوية السياسية». وأشارت المصادر إلى أن الطرفين يتفقان في الرأي حول ضرورة سرعة بدء الحوار بين وفد المعارضة السورية مع الوفد الحكومي من أجل تشكيل الحكومة المؤقتة، تمهيدا للإعلان لاحقا حول موعد الانتخابات الرئاسية، وطرح الدستور الجديد للاستفتاء الشعبي. وأضافت أن الأطراف المعنية تنطلق في العملية السياسية من مبادئ إعلان جنيف الصادر في 30 يونيو (حزيران) 2012، وكذلك البيان الصادر عن اجتماع وزراء الخارجية الأخير في فيينا في 30 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بينما أكدت ضرورة التنسيق مع المعارضة الوطنية المسلحة ضد تنظيم داعش وغيره من التنظيمات الإرهابية في سوريا.
أما عن مستقبل الرئيس السوري الأسد وما قاله الرئيس الأميركي حول أنه يجب أن يرحل، قالت المصادر الروسية إن موسكو سبق وأعربت عن موقفها بهذا الشأن أكثر من مرة. واستشهدت بما قاله الرئيس بوتين يوم الخميس الماضي في مؤتمره الصحافي الذي عقده في الكرملين مع نظيره الفرنسي فرنسوا هولاند. وكان بوتين أشار إلى «أن مستقبل الرئيس الأسد رهن إرادة شعبه». وقال: «إننا جميعا على يقين من أن نجاح مكافحة الإرهاب في سوريا مستحيل من دون عمليات أرضية، وليس هناك أية قوى أخرى للقيام بذلك ضد (داعش) و(جبهة النصرة) وغيرهما من التنظيمات الإرهابية غير القوات الحكومية في سوريا. ولذا فإنني أعتقد أن جيش الرئيس الأسد، وهو نفسه، يعتبران الحلفاء الطبيعيين في النضال ضد الإرهاب». وقال بوتين كذلك إنه توجد قوى أخرى على استعداد لمكافحة الإرهاب، بل وكشف عن الاتفاق بالفعل مع بعضها. وفي كلمته لدى تسلم أوراق اعتماد عدد من السفراء الأجانب في الكرملين أعرب بوتين عن أمله «في أن يتم في نهاية المطاف تشكيل تحالف واسع بالفعل، يتصدى للإرهاب بصورة منسقة، كقوة موحدة فعالة، ويدعم العسكريين الروس الذين ينفذون عمليات عسكرية ناجحة ضد التنظيمات الإرهابية في سوريا».
وإذا كانت التحفظات الأميركية «تلجم» اندفاعة باريس، فإن الخلاف الروسي - التركي الذي أعقب إسقاط المقاتلات التركية قاذفة روسية من نوع سوخوي 24، زاد من ارتباكها. وقد رفض الرئيس بوتين لقاء نظيره التركي رجب طيب إردوغان على هامش قمة المناخ، مما يؤشر لعزم روسيا على السير بعيدا في خلافها مع تركيا. وأعلن وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس أن بلاده مستعدة للوساطة بين البلدين التي ترى فيها مصلحة خاصة لأنه سيكون من الصعب على باريس أن تسير بخطة إنشاء تحالف موحد بمواجهة «داعش» إذا كان التوتر والاتهامات المتبادلة مستمرين بين موسكو وأنقرة.
من جهة أخرى، ضم عشاء ثنائي، مساء أمس، الرئيسين؛ هولاند وأوباما. ومن المتوقع أن يكون هولاند قد أطلع أوباما على نتائج اتصالاته مع الجانب الروسي ومع الأطراف الأخرى، بحثا عن تحقيق مبادرته الخاصة بالتحالف العريض الذي لم يحصل منه حتى الآن إلا على وعود بالتنسيق وتبادل المعلومات. وقد اعتبر هولاند أنه حصل على تنازل من بوتين الذي وعد بوقف قصف المعارضة «الشريفة»، شرط أن تقدم له باريس خريطة بأماكن وجودها.
بيد أن هذا الخلاف لم يمنع الوزير فابيوس من الاستمرار في رمي شباكه والحديث عن إمكانية التعاون مع جيش النظام. وبعد أن كان قد أعلن هذا الأسبوع أن محاربة «داعش» التي تحولت إلى الهدف الرئيسي الذي تسعى إليه باريس، يمكن أن تضم الجيش السوري الحر و«قوات سُنية» لم يحدد شكلها ومصادرها والقوات الكردية وقوات من النظام، تراجع نصف خطوة ليربط هذا التحول الذي أثار الاستهجان بحصول عملية انتقال سياسي؛ «حيث لا يمكن أن يكون الأسد مستقبل سوريا». وعاد فابيوس أمس ليطرح الإشكالية، ولكن بكلمات جديدة إذ أعلن لإذاعة «فرانس أنتير»، في تصريح صحافي، أن التعاون مع الجيش السوري النظامي سيكون «ممكنا ضد الإرهاب في حال وصولنا إلى عملية انتقال سياسي، إذا لم يعد بشار هو من يقوده». وأضاف فابيوس إلى أنه «من الواضح أن الجيش لن ينخرط (في الحرب) إلى جانب المعارضة المعتدلة إذا كانت الكلمة العليا للأسد».
وينطلق فابيوس من مسلمة مفادها أن القضاء على «داعش» لن يتم فقط عن طريق القصف الجوي، وأنه لا بد من قوى أرضية تتمم العملية. وتريد باريس أن يتم توجيه الجهود لاستعادة مدينة الرقة من «داعش». ولذا، فإن المنطق الفرنسي «الجديد» يرى أن هناك حاجة لجيش النظام؛ إذ إن باريس أو أية بلدان أخرى لا تريد حتى الآن المحاربة ميدانيا والاكتفاء بالحرب الجوية. وبما أن الإرهاب أصبح «العدو الأول» لفرنسا وأن أولوية محاربته تتقدم على كل اعتبار، فإن السياسة الفرنسية أخذت تنزلق شيئا فشيئا مبتعدة عن المواقف السابقة لباريس التي كانت الأكثر تشددا في موضوع النظام والأسد.
وتجد باريس اليوم في الطرف الألماني حليفا يسير في ركابها. فقد أعربت وزيرة الدفاع الألمانية، أورسولا فون در ليان، عن الانفتاح على مشاركة قوات النظام السوري في التحالف الدولي لمحاربة «داعش»، مشيرة إلى ما حصل في العراق. لكن الوزيرة الألمانية كما في حالة فابيوس، رأت أن «لا مستقبل للأسد. هذا شيء واضح». لكن الناطق باسم الحكومة الألمانية صحح تصريحها بقوله إنه «لا تعاون مع الأسد ولا تعاون مع قوات يقودها الأسد»، مما يلتقي مع الموقف الفرنسي.



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».