أنصار القذافي يهددون النيجر بالثأر بعد تسليمها الساعدي

مسؤولون: نجل العقيد بدا محبطا وامتثل لأوامر بحلق لحيته وارتداء ملابس السجناء

الساعدي القذافي بملابس السجن الزرقاء في العاصمة الليبية أمس (إ.ب.أ)
الساعدي القذافي بملابس السجن الزرقاء في العاصمة الليبية أمس (إ.ب.أ)
TT

أنصار القذافي يهددون النيجر بالثأر بعد تسليمها الساعدي

الساعدي القذافي بملابس السجن الزرقاء في العاصمة الليبية أمس (إ.ب.أ)
الساعدي القذافي بملابس السجن الزرقاء في العاصمة الليبية أمس (إ.ب.أ)

بينما انعكست الخلافات بين نوري أبو سهمين رئيس المؤتمر الوطني العام (البرلمان) وعلي زيدان رئيس الحكومة الانتقالية في ليبيا خلال مشاركتهما أمس في مؤتمر أصدقاء ليبيا بالعاصمة الإيطالية روما، أعلنت السلطات الليبية عن اتخاذ الإجراءات الأولية لفتح ملف تحقيق مع الساعدي نجل العقيد الراحل معمر القذافي عقب تسلمه بشكل مفاجئ في ساعة مبكرة من صباح أول من أمس من النيجر.
وكشفت مصادر ليبية لـ«الشرق الأوسط» النقاب عن مفاوضات سرية مكثفة أجرتها الحكومة الليبية مع النيجر لإقناعها بتسليم الساعدي إليها، مشيرة إلى أن الحكومة الليبية تعهدت بزيادة استثماراتها المباشرة في النيجر كتعبير عن امتنانها لموافقة السلطات هناك على موقفها. ولفتت المصادر إلى أن السلطات الليبية سلمت حكومة النيجر في وقت سابق ملف معلومات كاملا يبرهن على ما وصفته السلطات الليبية بـ«تورط» نجل القذافي في نشاطات مناوئة لها، خاصة بمنطقة الجنوب، في محاولة لزعزعة الأمن والاستقرار.
بينما قال مسؤول ليبي، طالبا حجب اسمه، لـ«الشرق الأوسط»: «قدمنا للسلطات في النيجر كافة المعلومات التي نمتلكها حول دعم الساعدي لإحداث حالة من الفوضى الأمنية والعسكرية، ودخلنا في مفاوضات اقتصادية ومالية صعبة. أخيرا اقتنعوا. بالتأكيد نجحنا في عقد صفقة جيدة». ورجحت معلومات غير رسمية دفع ليبيا مليار دولار أميركي مقابل تسلم الساعدي، الذي يواجه عدة قضايا جنائية منها مقتل لاعب كرة قدم، والمشاركة في قمع الثورة على نظام والده في 2011.
وأكد المستشار عبد القادر رضوان، النائب العام الليبي، أنه جرى إيداع الساعدي  بسجن مؤسسة الهضبة في العاصمة الليبية طرابلس تحت حراسة جهاز الشرطة القضائية التابع لوزارة العدل، قائلا في مؤتمر صحافي أمس، إنها «لحظات سعيدة بالنسبة للمجتمع الليبي. ورهيبة بالنسبة لأعدائه».
وأعلن رضوان استمرار التعاون بين أجهزة الدولة الليبية لاتخاذ كافة الإجراءات والتدابير العاجلة والفورية بطلب تسليم كافة من أجرموا في حق الشعب الليبي سواء بمذكرات التفاهم أو بالاتفاقيات الموقعة مع بعض الدول العربية والأجنبية. وكشف أن التهم الجنائية والجنح الموجهة ضد الساعدي متعلقة بالخطف وهتك العرض والإيذاء الخطير، وإساءة استخدام الوظيفة ومقتل لاعب كرة قدم والمشاركة في قمع الثورة على نظام والده في 2011.
وقال: «بالنسبة للتهم المسندة إلى المذكور باعتباره معاون آمر ركن الوحدات الأمنية، فهي أعمال ترمي للقتل العشوائي ودعم وتمويل جماعات مسلحة للقضاء على ثورة فبراير بجلب المرتزقة وتحديد المدن المناهضة للنظام بأرقام وعلامات أدت إلى زعزعة الأمن والاستقرار في البلاد». ولفت إلى أن الساعدي بصفته رئيس الاتحاد العام لكرة القدم سابقا، استولى بقوة السلاح على أراض مملوكة للدولة الليبية، وأخرى لمواطنين وضمها للاتحاد واستولى على قيمتها لحسابه الخاص.
وطبقا لما أعلنه هاشم بشر، رئيس اللجنة الأمنية العليا بطرابلس، فإن «الساعدي وصل في نحو الساعة الثانية وخمسين دقيقة من صباح (أول من) أمس إلى قاعدة امعتيقة مقبوضا عليه، ومنها جرى نقله إلى سجن الهضبة، حيث جرى تسليمه إلى مكتب النائب العام رسميا»، بينما قال خالد الشريف، وكيل وزارة الدفاع الليبية، إنه فور وصول الساعدي جرى تكبيله بالأصفاد كما ربطت عيناه، قبل أن يجري نقله إلى السجن في موكب أمني.
وقال حراس ومسؤولون أمنيون شاركوا في استلام الساعدي لـ«الشرق الأوسط» إنه بدا محبطا ومنهارا؛ لكنه لم يرد على بعض الشتائم التي وجهت إليه، كما امتثل لطلب إدارة السجن حلق لحيته وشعر رأسه وارتداء الملابس الزرقاء المخصصة للسجناء.
من جهته، قال مسؤول أمنى لـ«الشرق الأوسط» إن الساعدي «يخشى الاعتداء عليه كما حدث مع شقيقه المعتصم، الذي قتل بعد اعتقاله إثر انهيار النظام السابق قبل نحو ثلاث سنوات».
وفور انتشار أخبار وصوله إلى طرابلس خرج بعض السكان إلى الشوارع وأطلقوا أبواق السيارات، كما هتف مسؤولون داخل السجن بالتكبير والتهليل، تعبيرا عن فرحتهم بنجاح السلطات في استلام نجل القذافي. وأعربت حكومة زيدان في بيان بثه موقعها الإلكتروني عن شكرها لرئيس النيجر محمد يوسف والحكومة النيجرية والشعب النيجري على التعاون الذي ترتب عليه هذا الأمر، وتعهدت بالتزامها بمعاملة نجل القذافي وفق أسس العدالة والمعايير الدولية في التعامل مع السجناء.
وقالت الحكومة في بيان آخر منفصل، إن موافقة حكومة النيجر على تسليم الساعدي جاءت بعدما ثبت لديها بما لا يدع مجالا للشك مسؤوليته عن ما وصفته بـ«مخطط إرهابي يستهدف حياة المدنيين ويرمي إلى ضرب الوحدة الوطنية وزعزعة الأمن في ليبيا». وكشف البيان النقاب عن أن «جهاز المخابرات الليبية قدم كل الأدلة والقرائن التي تثبت تورط الساعدي في التخطيط وتوفير الدعم اللازم وتجنيد العناصر المسؤولة عن الأحداث الدامية التي تعرض لها الجنوب الليبي في يناير (كانون الثاني) الماضي، وهو الأمر الذي اعتبرته سلطات النيجر بمثابة نقض للتعهدات والالتزامات التي قطعها على نفسه كشرط للتمتع بحقه الإنساني في الإقامة على أراضيها».
ودعت حكومة زيدان بقية الدول التي تؤوي عناصر من النظام السابق، إلى الحذو حذو النيجر، لافتة إلى أن العلاقات الثنائية بين طرابلس ونيامي ستشهد «انطلاقة تعود على الشعبين بالنماء والازدهار».
وكانت حركة اللجان الثورية التي كانت تمثل العمود الفقري لنظام القذافي قبل انهياره عام 2011، استبقت عملية تسليم النيجر للساعدي بتوجيه إنذار لحكومة النيجر، مشيرة في بيان أصدرته أخيرا إلى أنها علمت بأن هناك مفاوضات تجري منذ مدة بين الحكومة الليبية وحكومة النيجر وصلت إلى مليار دولار لبيع الساعدي. وأضافت: «ولن تمر هذه الصفقة.. ونحمل رئيس النيجر مغبة هذا العمل الجبان المهين للنيجر قبل أن يكون عارا يلاحقها.. وأن الرئيس وعائلته سوف يتحملون ثأر هؤلاء الرجال الذين يعرفهم جيدا».
وأوضح عثمان القلالي، المتحدث الرسمي باسم مؤسسة (سجن) الإصلاح والتأهيل بمنطقة الهضبة، أن «إدارة السجن التابع لجهاز الشرطة القضائية أودعت الساعدي في معتقله بعد أن انتهت من إجراءات تسلمه وكشوفاته الطبية رسميا بأمر من النائب العام الليبي، تمهيدا لبدء إجراءات التحقيق معه خلال الساعات المقبلة لتقديمه إلى غرفة الاتهام». وقال القلالي إنه «عومل بشكل جيد وفق الإجراءات المتبعة لدى جهاز الشرطة القضائية الليبية وما تقتضيه الشريعة الإسلامية ومواثيق حقوق الإنسان ليواجه الاتهامات الموجهة إليه أمام محكمة تتوفر فيها جميع متطلبات العدالة والقانون».
وتضم مؤسسة الإصلاح والتأهيل في منطقة الهضبة بطرابلس عددا من كبار مسؤولي النظام السابق، وقد بدأت فعليا محاكماتهم جميعا. وسلمت النيجر الحكومة الليبية منتصف الشهر الماضي عبد الله منصور رئيس جهاز الأمن الداخلي في نظام القذافي، علما بأنه جرى تسليم مسؤولين كبار آخرين في النظام الليبي السابق إلى طرابلس من جانب دول أخرى، مثل عبد الله السنوسي الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الذي سلمته موريتانيا، والبغدادي المحمودي رئيس الوزراء السابق الذي سلمته تونس.
وتنتقد منظمات للدفاع عن حقوق الإنسان باستمرار، شروط محاكمة مسؤولين ليبيين سابقين. ودعت منظمة «هيومن رايتس ووتش» طرابلس إلى السماح لسيف الإسلام القذافي نجل القذافي ومسؤولين آخرين في نظامه متهمين بقمع الثورة في 2011، بتعيين محامين لهم.
في غضون ذلك، لفت علي زيدان إلى الاستحقاقات التي تعمل حكومته على إنجازها في هذه المرحلة وعلى رأسها، إجراء انتخابات مبكرة ووضع نظام لا مركزي، بالإضافة إلى استراتيجية للتخلص من السلاح وضبط الحدود وتحقيق المصالحة الوطنية وتفعيل الاقتصاد. وأكد في كلمة ألقاها بالعاصمة الإيطالية روما لدى افتتاح أعمال مؤتمر أصدقاء ليبيا بحضور ممثلين عن أكثر من ثلاثين دولة، حرص بلاده على الحفاظ على المسار الديمقراطي والشرعية والحراك السلمي.
في المقابل، عد نوري أبو سهمين رئيس البرلمان الليبي خلال كلمته أمام المؤتمر، أن بلاده خلال هذه المرحلة التي تنتقل فيها من مسار الثورة إلى مؤسسات الدولة، تمر بمحطات تاريخية وهامة سترسم ملامح دولة ليبيا الجديدة. وطالب المؤتمر بتبني التوصيات المرجوة التي من شأنها دعم المسار الديمقراطي، ورفض كل المحاولات لانتزاع السلطة بالقوة أو العنف والقفز على إرادة الشعب الليبي الذي ضحى من أجل استعادة حريته.
وأعرب عن أمله في أن يخرج المؤتمر بتوصيات تؤكد على بذل المزيد من الجهد لتسليم رموز نظام القذافي، الذين قال «إنهم يعملون على إثارة القلاقل، مستغلين في ذلك الأموال والممتلكات والاستثمارات التي نهبوها بغير وجه حق من الشعب الليبي». وأضاف أن «ليبيا تأمل التزام الدول وشركاتها بألا تتعامل في شراء النفط الليبي إلا من خلال القنوات الرسمية للدولة الليبية، ونأمل من خلال بناء قدرات المؤسسات الأمنية ومؤسسات الجيش والشرطة أن نتمكن من وضع حد للانفلات الأمني والعسكري في ليبيا».
وأجرى زيدان وأبو سهمين سلسلة من الاجتماعات الثنائية على هامش مؤتمر روما، شملت وزراء خارجية الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وبريطانيا بالإضافة إلى مسؤولين من الاتحاد الأوروبي والصين وكندا. وكشفت مصادر ليبية مقربة من زيدان وأبو سهمين لـ«الشرق الأوسط»، عن ما وصفته بمماحكات سياسية سبقت توجههما إلى مؤتمر روما، مشيرة إلى أن رئيس البرلمان الليبي أبو سهمين تأخر في اتخاذ قرار الذهاب، فيما تجاهل زيدان إبلاغه وذهب مباشرة إلى هناك.
من جانبه، قال وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس للصحافيين أمس على هامش المؤتمر إن «الوضع مقلق جدا بسبب ضعف ضمان الأمن والأعمال والمخاطر الإرهابية، لا سيما في الجنوب، ولأن الوضع السياسي غير مستقر». كما شدد على أهمية اللقاء المنعقد في روما، بعد عام على لقاء أول في باريس.
وقال فابيوس: «للمرة الأولى اجتمع عدد هائل من البلدان، من بينها الصين وروسيا اللتان لم تحضرا من قبل» هذا المؤتمر «المفيد» و«المشجع». وأفاد أن المطلوب من السلطات الليبية هو «أولا، على الصعيد السياسي، يطلب إلى الليبيين التحاور فيما بينهم والتوصل إلى حل مستقر» بالعمل مع مبعوث الأمم المتحدة الخاص حول هذا النزاع.
وأفادت مصادر دبلوماسية غربية أنه على ليبيا العثور على وسائل تنظيم «حوار وطني فعلي» والعمل على «جلوس الجميع حول طاولة» لتجاوز مشكلات «تداخل الشرعيات» بين الحكومة والسلطات المحلية في كل منطقة والقبائل. كما اقترحت الدول الغربية مساعدات ملموسة جديدة على مستوى الأمن، لا سيما مبادرة من ألمانيا وفرنسا لإنشاء مخازن أسلحة وضمان أمنها. وقال فابيوس «لا يجدي سحب الأسلحة من التداول إن كانت مجموعة إرهابية أخرى ستنجح في الاستيلاء عليها».
 



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.