النمر وآل شويل: منظرا الإرهاب من مذهبين.. أمام ميزان واحد

النمر وآل شويل: منظرا الإرهاب من مذهبين.. أمام ميزان واحد

خيانة الوطن وتوظيف الدين لأغراض سياسية واستباحة شاملة للدماء
الاثنين - 18 صفر 1437 هـ - 30 نوفمبر 2015 مـ
إرهاب السكان هدف مستمر للإرهابيين («الشرق الأوسط»)
الرياض: عبد الله آل هيضه
بينهما روابط مشتركة، إذ خلعا البيعة عن أعناقهما لحكام السعودية، وانتهجا الخيانة وفقا لنصي حكميهما، معلنين من منبرين، تتفاوت بينهما سنوات، أنه لا شرعية لهذه البلاد.. إنهما عملة واحدة، أحد أوجهها رجل الدين الشيعي نمر النمر، ووجه آخر يتمثل في منظّر تنظيم القاعدة فارس آل شويل، ولهما في إيران موقع للتدريب، وفقا لما أثبتته مسيرة جلسات محاكمتهما في المحكمة الجزائية المتخصصة بالعاصمة السعودية الرياض.
* نمر باقر النمر
يتوقف عمره عند الخامسة والخمسين، وعاش حياته في العوامية وتتلمذ في مدارسها، وبعدما اندلعت الثورة الإسلامية في إيران هاجر إليها لأهداف شتى، ومنها إلى العراق الذي التحق فيه بحوزة الإمام القائم (الحوزة: لفظ اصطلاحي على مدرسة تدرس المذهب الجعفري الاثني عشري الشيعي)، ومن ثم انتقل إلى سوريا، وظل بعيدا عن السعودية لأكثر من خمس عشرة سنة، قبل أن يعود في 1994، ومنذ ذلك التاريخ وحتى الآن ظل مارقا على أنظمة الدولة، على الرغم من إيقافاته المتكررة.
في عام 2009 صعد منبره في العوامية، موجها الهجوم على وزارة الداخلية السعودية، واتهمها بكثير من التهم المترافقة مع الخطابات التحريضية القادمة من قم إيران. واتهم الأجهزة الأمنية أنها تسعى للخراب وليس الأمن. وظل على ذات المنوال حتى اندلاع الثورات العربية، وقيام احتجاجات في مملكة البحرين التي أخمدتها السياسة البحرينية والأمن الخليجي بعد ثبوت تورط إيراني في تلك الاحتجاجات، والدفع بعدد كبير من الأفراد للخروج، بغية إسقاط حكم الأسرة الحاكمة في البحرين.
وطالب النمر، الذي استؤنف الحكم عليه بالقصاص، في خطبه منذ 2011 التي أصبحت منتشرة ومتناغمة مع التطور التقني وتناقلتها الأجهزة الذكية، بإعادة الهجوم على السعودية، وحكامها وأجهزتها الأمنية، متهما إياها بـ«القمع»، ومطالبا بالخروج للتظاهر ضد الحكومة وحكامها، والمطالبة بالإفراج عن متهمين لهم علاقة بـ«تفجيرات الخبر» 1996. وحملت تلك الدعوات انسجاما في الموقف الرسمي الإيراني، وبعض المرجعيات الدينية التي ظل النمر ممثلا في مسرحها، لتأجيج الشارع.
وبعد وفاة الأمير نايف بن عبد العزيز (رحمه الله)، ولي العهد وزير الداخلية السعودي، سخر النمر من وفاته، وطالب عبر خطبة دموية بتحكيم ولاية الفقيه في هذه البلاد، ومطالبته بإسقاط مملكة البحرين، ودعوته للشباب السعودي إلى مناصرة مثيري الفتنة في البحرين بالقول والفعل وغير ذلك مما حوته خطبه.
وفي شهر يوليو (تموز) من عام 2012، وأثناء قيام إحدى الدوريات الأمنية بعملها المعتاد، لاحظت وجود أحد المطلوبين على لائحة القائمة الأمنية الـ«23» هو حسين آل ربيع (قبض عليه بعد شهرين من القبض على النمر ويمثل حاليا أمام القضاء الشرعي)، وأثناء محاولتها القبض عليه قام بإطلاق النار على الدورية الأمنية، وخلال تلك اللحظات حاولت سيارة أخرى تضليل المطاردة الأمنية للمطلوب، واتضح أنها تعود للمطلوب حينها نمر النمر. وعندها أقدمت الأجهزة الأمنية للقبض على النمر، ولكن أثناء القبض عليه حضرت سيارة أخرى إلى المكان وأطلق من كانوا فيها وابلا من الرصاص على الأمن، ونتج عنها إصابة نمر النمر، الذي تم نقله للعلاج.
* نص الحكم الابتدائي
وجاء نص الحكم الابتدائي على نمر النمر بعدد من الإدانات، أقر فيها النمر بأنه لا بيعة في عنقه لأحد، وأن البيعة لا تكون إلا لله ولرسوله وآله وللأئمة الاثنى عشر، وأنه لا شرعية لحكام هذه البلاد، كونه لا تتوفر فيهم الشروط الشرعية للبيعة. واتهم القضاء في السعودية بعدم النزاهة، ووصف الدولة بأنها «دولة إرهاب وعنف». كذلك وصف كثيرا من الأنظمة والقوانين المتبعة فيها بأنها غير شرعية، خصوصا النظام الأساسي للحكم. ووصف رجال الأمن بـ«عصابات قطاع الطرق»، وقوات «درع الجزيرة» بـ«عار الجزيرة»، مطالبا بإخراجهم من البحرين. وحرض للدفاع عن المطلوبين في قضايا تمس أمن البلاد والمعلن عنهم في قائمة «الـ23»، وهرب وتخفى عن رجال الأمن بعدما علم أنه مطلوب للسلطات المختصة.
حمل نص الحكم، بناء على إفادات عدد من الأشخاص المرصودة سابقا والمتضمنة، أن النمر هو من يتزعم التوتر الحاصل في بلدة العوامية، ويقوم بتحميس الشباب في البلدة على مواصلة المسيرات والتجمعات، وعدم الخوف من الجهات الأمنية. ويسيء في خطبه لولاة الأمر، ويطالب باستقلال العوامية. وبعد أن ثبت لدى المحكمة الجزائية المتخصصة «خروجه على إمام هذه الدولة والحاكم فيها خادم الحرمين الشريفين بقصد تفريق الأمة وإشاعة الفوضى وإسقاط الدولة (...) ونظرا إلى أنه قد ثبت للمحكمة إدانة المدعى عليه بأفعال ضارة على الأمن العام وسكينة المجتمع وسلمه، الذي استقرت به أوضاعه، حيث تجاوز الأمر إبداء الرأي المجرد، والذي مارسه المدعى عليه سنين طويلة دون أن يؤاخذ به انطلاقا من ترحيب الشريعة الإسلامية بالرأي وعدم مصادرته»، تم الحكم بقتله تعزيرا.
* فارس آل شويل
آل شويل محرض في بحر الأربعين من العمر، خاض حياته في التأليب والتحريض، حتى انتهى به الحال بين قضبان الحديد، ومحكوم عليه بالقتل تعزيرا.
رحل من منطقة الباحة إلى المدينة المنورة في عام 1996، لدراسة المرحلة الجامعية بالجامعة الإسلامية، حيث لم يستمر بها أكثر من سنة، انتقل بعدها إلى القصيم (بوسط السعودية)، ومن ثم انتقل جنوبا إلى أبها، حيث أكمل فيها دراسته، ومن ثم تزوج ورزق بطفلين.
نشيط في الكتابة، وساهم تنامي الوهج المحلي على الإنترنت مع بداية الألفية الحالية، على القيام بكثير من الأمور الشرعية وفقا لتخصصه الجامعي. وبما أن تنظيم القاعدة في عمله يقوم على ثلاثة شعب: الشرعية والعسكرية والإعلامية، فإن آل شويل كان حجر الأساس الشرعي للفتيا في التنظيم، وكان يمد الشعبة الإعلامية بنتاجه من كتب مسمومة، يشرعن فيها الزاد النظري أمام الجناح العسكري المتعدد الأفراد.
* الكتب التي ألفها
ألف آل شويل عشرات الكتب، وأصدر عدة رسائل صوتية عبر الإنترنت، وكان من بين أبرز كتبه التي كتب بعضها باسم مستعار هو «أبو جندل الأزدي» - أزاله لاحقا بعدما أصبح على قائمة المطلوبين - هو: «الباحث عن حكم قتل أفراد وضباط المباحث»، و«أسامة بن لادن مجدد الزمان وقاهر الأميركان»، و«وجوب استنقاذ المستضعفين من سجون الطواغيت والمرتدين»، و«الآيات والأحاديث الغزيرة على كفر قوات درع الجزيرة»، و«تحريض المجاهدين الأبطال على إحياء سنة الاغتيال»، و«نصوص الفقهاء حول أحكام الإغارة والتترس».
وتنقل آل شويل بين عدد من المدن السعودية، متنكرا بزي نسائي، حتى وصل إلى مدينة أبها في شهر أغسطس (آب) من عام 2004. وبعد رصد أمني دقيق تمكنت القوات الأمنية من جعله تحت الأنظار أثناء وجوده في حديقة عامة، وكانت محاكمته تحمل تحديا أمام القضاء، إذ إنه ظل متمسكا بمنهج «القاعدة»، وأثبتت المحكمة الجزائية المتخصصة، في حكمها الذي أدانت فيه آل شويل، تأييده منهج «عدد من المنحرفين فكريا أمثال أسامة بن لادن وأبو محمد المقدسي والفقيه والمسعري وتصريحه بتمجيدهم ودفاعه عن منهجهم». كما أدين بالاستجابة لأحد الأشخاص عند مقابلته في مكة المكرمة، وسبق أن التقاه في إيران، وذلك بعرض مقابلته عددا من الأشخاص في محافظة جدة لممارسة بعض التدريبات البدنية بقصد الإعداد للقتال. وقيامه بالتردد عليهم في إحدى الشقق، وتدربه مع بعضهم على الرماية بالسلاح الرشاش، وإقراره بأنه بعد الأحداث الإرهابية التي وقعت في الرياض 2003 قرر الانتقال إلى منطقة عسير، وذلك بالتشاور مع من وصفه بـ«قائد تنظيم الجهاد في جزيرة العرب»، وكذلك بالتشاور أيضا مع عيسى العوشن.
أيضا، ثبتت إدانته بالخروج من السعودية إلى اليمن بطريقة غير مشروعة، بعد علمه أنه مطلوب للجهات الأمنية، إثر القبض على من كان يجتمع بهم في جدة. وكذلك عودته إلى المملكة بالطريقة نفسها، والتنقل من منطقة إلى أخرى متخفيا عن رجال الأمن بمساعدة عدة أشخاص، مستخدما محررات رسمية مزورة حصل عليها من شخص يقيم في منطقة القصيم سبق أن تعرف إليه أثناء وجودهما في إيران. كما قام بالاشتراك في إيواء أحد المصابين في المواجهات الأمنية في حي الفيحاء، شرق مدينة الرياض، في أبريل (نيسان) 2004، وهو راكان الصيخان، وتولى مع عبد العزيز المقرن دفنه بعد هلاكه بقصد تضليل الجهات الأمنية.
وثبت أيضا إدانة آل شويل بالتستر على عدة عمليات إرهابية علم عن الترتيب لها أثناء إقامته مع أعضاء التنظيم وقيامه بالقنوت لإتمامها، ومنها التخطيط لاغتيال وزير الداخلية آنذاك الأمير نايف بن عبد العزيز (رحمه الله)، والشروع في تفجير سفارات دول أجنبية ومبنى قوات أمن الطوارئ بتجهيز أعضاء التنظيم سيارات مفخخة، إضافة إلى إقراره بأنهم في كل مخططاتهم هدفهم في التنظيم الإطاحة بالأسرة الحاكمة في المملكة وعدد من الأسر الحاكمة في الخليج بعد الإطاحة بأميركا.
* اعتبارات تتعلق بالعقوبة
وقال حمود الزيادي، الباحث في شؤون الجماعات الإرهابية، إن «تنفيذ العقوبة بحق المدانين، لها عدة اعتبارات، أهمها أن من شأن ذلك يعد رادعا للذين لم ينخرطوا بعد في هذه التنظيمات المتطرفة، ويبرهن على سيادة القانون ونفاذه، وأن لا تهاون مع كل من يستحل الدماء ويعتدي على شرعية الدولة وكيانها ويتآمر على أمنها واستقرارها لتحقيق مصالح أعداء سواء كانوا تنظيمات أو دولا». وأوضح أن «ذلك سيحدث إرباكا بين أتباع تلك التنظيمات ومناصريها، وسيحطم الهيبة المصطنعة والموهومة لتلك الجماعات».
وتابع الزيادي، خلال حديث مع «الشرق الأوسط»، أن «لدى السعودية من الإمكانات والقدرات الأمنية الاحترافية ما يكفي للتصدي لمثل هذه التهديدات التي طالما وجهت إليها من هذه المجموعات الإرهابية، ورعاتها من بعض الدول الإقليمية وتحديدا إيران. وأن السعودية تعمل بحزم وصرامة مع ملف الإرهاب خلال عقد ونصف، وفككت كثيرا من الشبكات والخلايا حتى قضت على فرع تنظيم القاعدة في السعودية».

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة