مؤتمر باريس: دعم دولي قوي لاستقرار أمن لبنان ومواجهة المخاطر

إشادة بالمنحة السعودية.. ودعوة لتقاسم أعباء الأزمة السورية

صورة تذكارية للمسؤولين المشاركين في مؤتمر المجموعة الدولية لدعم لبنان يتوسطهم الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند ونظيره اللبناني ميشال سليمان في باريس أمس (إ.ب.أ)
صورة تذكارية للمسؤولين المشاركين في مؤتمر المجموعة الدولية لدعم لبنان يتوسطهم الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند ونظيره اللبناني ميشال سليمان في باريس أمس (إ.ب.أ)
TT

مؤتمر باريس: دعم دولي قوي لاستقرار أمن لبنان ومواجهة المخاطر

صورة تذكارية للمسؤولين المشاركين في مؤتمر المجموعة الدولية لدعم لبنان يتوسطهم الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند ونظيره اللبناني ميشال سليمان في باريس أمس (إ.ب.أ)
صورة تذكارية للمسؤولين المشاركين في مؤتمر المجموعة الدولية لدعم لبنان يتوسطهم الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند ونظيره اللبناني ميشال سليمان في باريس أمس (إ.ب.أ)

وسط إجراءات أمنية صارمة وحضور إعلامي كثيف وأربعة من وزراء خارجية الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن ونظرائهم من إيطاليا وألمانيا وإسبانيا والنرويج وممثل عن المملكة السعودية والأمين العام للجامعة العربية ومسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي وممثل عن الأمين العام للأمم المتحدة ومسؤولين عن مؤسسات اقتصادية ومالية دولية، التأم في قصر الإليزيه مؤتمر مجموعة المساندة الدولية للبنان وسط وعي كبير بالتحديات التي يواجهها لبنان والأخطار المحدقة به.
واستبق الرئيسان فرنسوا هولاند وميشال سليمان الاجتماع بلقاء ثنائي جرى جانب منه بحضور الوفد اللبناني المرافق، والجانب الآخر اقتصر على الرئيسين فقط. كما أجرى الرئيس اللبناني سلسلة من اللقاءات شملت نبيل العربي، أمين عام الجامعة العربية، وجون كيري وزير الخارجية الأميركي، وإيما بونينو وزيرة خارجية إيطاليا، والأخضر الإبراهيمي المبعوث الدولي إلى سوريا، كما زار منظمة اليونيسكو واجتمع بمديرتها العامة، البلغارية إيرينا بوكوفا.
وقالت مصادر لبنانية لـ«الشرق الأوسط» إن سليمان «نقل للرئيس الفرنسي هواجس لبنان الأمنية من انفلات الحدود، وطلب منه المساعدة على ضبطها وفق منطوق القرار الدولي رقم 1701». وبرأي الرئيس سليمان، فإن ضبط الحدود «سيساعد لبنان على الحفاظ على أمنه وضبط تدفق اللاجئين السوريين إلى أراضيه وتنقل المقاتلين بالاتجاهين». كذلك، تناول الرئيسان الوضع اللبناني ببعديه الداخلي والخارجي، وارتباطه بالوضع الإقليمي، وانعكاسات الحرب السورية على استقراره وسلامته، فضلا عن عقد السلاح الكبير الذي سيبرم بين باريس وبيوت لتسليح الجيش اللبناني من الهبة السعودية.
وتحرص باريس على استكمال الاستحقاقات الدستورية في لبنان وتحديدا إجراء الانتخابات الرئاسية المفترض أن تحدث بين 25 مارس (آذار) الحالي و25 مايو (أيار) المقبل، والتشريعية المنتظرة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، فضلا عن تقدم الحكومة ببيانها الوزاري ونيلها الثقة على أساسه. وفي موضوع السلاح، لم تعلن في باريس تفاصيل العقد. وبحسب المصادر اللبنانية، فإن ذلك سيجري خلال مؤتمر سيركز على الشؤون الأمنية وستستضيفه العاصمة الإيطالية قريبا.
وفي الكلمتين الافتتاحيتين اللتين ألقاهما هولاند وسليمان ركز الطرفان على أهمية «اللحظة» التي ينعقد فيها المؤتمر الذي وصفه الرئيس الفرنسي بأنه «حدث للبنان وللمنطقة وللعالم».
وتوجه الرئيس الفرنسي للحاضرين قائلا إن الدعم المعنوي والسياسي للبنان، على أهميته «لا يكفي» بل من الضروري تمكينه من المحافظة على استقراره وأمنه وتوازنه الاقتصادي، مشيرا بشكل خاص إلى العبء الذي يمثله وجود أكثر من مليون لاجئ سوري على أرضه واستمرار تدفق نحو 50 ألف لاجئ إضافي كل شهر.
وفي حين أشار هولاند إلى «الإرادة اللبنانية الجامعة لحماية لبنان من تداعيات الأزمة السورية» شدد على ضرورة الالتزام بـ«إعلان بعبدا» الداعي للنأي بلبنان عن الأزمة السورية، وحصول الحكومة اللبنانية على ثقة المجلس النيابي لكي تبدأ نشاطها فعليا وتحضر للانتخابات الرئاسية.
ومن الأمور الطارئة التي تدعو باريس للإسراع بها موافقة مجلس النواب اللبناني على مجموعة من القرارات التي من شأنها تمكين لبنان من الحصول على مساعدات خارجية بقيمة 720 مليون دولار وهي معطلة بسبب شلل المجلس النيابي وغياب حكومة تمارس نشاطها كاملا.
وفي السياق عينه، دعا هولاند إلى الإسراع باتخاذ التدابير الضرورية التي ستمكن لبنان من الاستفادة من تقديمات الصندوق الائتماني الجديد الموضوع تحت إشراف البنك الدولي لمساعدة الاقتصاد اللبناني وتمويل المشاريع التي يوافق عليها البنك.
وخلاصة هولاند أن المنتظر من مؤتمر باريس توفير «الأمل» للبنانيين من خلال إظهار وعي الأسرة الدولية بحجم المشكلات التي يواجهونها والعثور على حل سياسي لها وتوفير الأمن والاستقرار لبلدهم.
وفي كلمة مطولة، قرع الرئيس اللبناني ناقوس الخطر وذهب إلى حد اعتبار أن مشكلة اللاجئين السوريين «باتت تشكل خطرا وجوديا يطال الكيان اللبناني على أكثر من صعيد»، مضيفا أن حجم الدعم الدولي الذي تلقاه لبنان حتى الآن «أدنى بكثير من حجم العبء الذي بات ينوء به كاهله».
وحث سليمان الدول الداعمة للبنان على الوفاء بالتزاماتها المالية التي عبرت عنها في مؤتمر الكويت، خصوصا «تقاسم أعداد اللاجئين بصورة أشمل»، وبنسب أعلى، بمعنى قبولها مزيدا من اللاجئين السوريين وليس الاكتفاء بأعداد قليلة. ولا يزيد عدد هذه الدول على الـ20، وما تستقبله «ما بين 500 وخمسة آلاف» أي لا يقارن بـ1.3 مليون لاجئ سوري في لبنان.
وطرح سليمان مشروع إقامة «مبان أو مخيمات آمنة» للسوريين «داخل الأراضي السورية أو على الحدود» كما هو حاصل في الأردن وتركيا مثلا. ولكن حتى الآن لا يوجد إجماع لبناني على هذه المسألة. وتوقع الرئيس اللبناني «تدفقات كارثية» للاجئين في حال استمرت المعارك في سوريا.
وفي السياق السياسي، طالب سليمان «الدول المؤثرة على الساحة اللبنانية» بالضغط من أجل «تحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية عن طريق الالتزام قولا وفعلا بـ(إعلان بعبدا)» وبخلاصات مجموعة الدعم التي تبناها مجلس الأمن الدولي.
وكان سليمان نبه إلى تدهور الوضع الأمني في لبنان بسبب ارتفاع حدة التوتر السياسي والمذهبي و«الانخراط المتدرج لبعض الأطراف في النزاع المسلح في سوريا وتزايد المخاطر الإرهابية (تفجيرات واغتيالات وتهديدات)، فضلا عن الخروقات الإسرائيلية للسيادة اللبنانية وازدياد عمليات القصف على طول الحدود الشرقية للبنان»، في إشارة للعمليات العسكرية السورية داخل الأراضي اللبنانية.
وشكر الرئيس سليمان المملكة العربية السعودية على هبتها للجيش اللبناني، وعدّها بمثابة «الرافعة» لتزخيم برامج المساعدة الممكنة للبنان مع مزيد من الدول ما رجح ظهوره في مؤتمر روما المقبل.
ووزع قصر الإليزيه عصرا «خلاصات» المؤتمر التي جاءت في أربع صفحات وثماني فقرات دعت الأولى منها إلى «الاستمرار في تقديم دعم دولي قوي ومتناسق لمساعدة لبنان على مواجهة المشكلات التي تهدد أمنه واستقراره»، مذكرة بما ينص عليه القرار الدولي رقم 1701 لجهة التركيز على أهمية استقرار لبنان.
ورحب المجتمعون (الفقرة الثانية) بتشكيل حكومة لبنانية جديدة وأعلنوا «استعدادهم للتعاون الوثيق معها» ودعوها للعمل بثبات «ومن غير تأخير» للتصدي للمشكلات الاقتصادية والأمنية والإنسانية الفورية، مشددين على أهمية توحد اللبنانيين من أجل «تأمين استمرارية مؤسسات الدولة». وأضافت الفقرة الثانية أنه «من الجوهري لاستمرار الثقة بلبنان واستقراره أن تحصل الانتخابات الرئاسية والتشريعية في مواعيدها وبحسب الإجراءات الدستورية والممارسة الديمقراطية المعمول بها» في لبنان.
وحثت الفقرة الثالثة «الأطراف كافة في لبنان» على احترام إعلان بعبدا وسياسة النأي بالنفس عن الأزمة السورية، كما جاء فيها شكر للرئيس سليمان لدوره في المحافظة على سيادة لبنان ووحدته واستقراره، وحفاظه على المؤسسات اللبنانية والدعوة للحوار.
وفي السياق عينه، أدان المجتمعون بقوة الاعتداءات الإرهابية المتكررة. وبما أن التهديد الإرهابي يطأ بثقله على كاهل المدنيين اللبنانيين، فإن المؤتمر طالب بـ«حل شامل» لخطر الإرهاب، وإلى توثيق الدعم للأجهزة الأمنية اللبنانية، وإلى عدم تمكين الإرهابيين من الإفلات من المساءلة والعقاب.
وفي ما يخص الجيش اللبناني، طالب المؤتمرون بزيادة الدعم له وتوفير الوسائل الضرورية «لمساعدته على مواجهة التحديات» الأمنية الكبرى، مشيدين بالمساعدة «الكريمة» التي وفرتها السعودية (ثلاثة مليارات دولار) والمساعدات الدولية الأخرى التي ستصب في مصلحة الخطة الخمسية للحكومة اللبنانية. وعول المؤتمرون على اجتماع روما الموعود (بلا تاريخ حتى الآن) لما يشكله من فرصة للمساهمة الجماعية لدعم الجيش اللبناني.
وإزاء ما يتحمله لبنان من أعباء بسبب الأزمة السورية، أشار البيان إلى ضرورة «تقاسمها» بشكل أفضل، كما أنه دعا إلى مزيد من المساعدات غير التي أقرت في مؤتمر الكويت (يناير/ كانون الثاني الماضي). وفي الوقت عينه، حث البيان الحكومة اللبنانية على زيادة التنسيق مع الأمم المتحدة والوكالات والمنظمات الأخرى العاملة في لبنان المستعدة لمد يد العون للبنان في إدارة مشكلة اللاجئين وتقديم الخدمات الضرورية لهم. لكن وبالنظر لضخامة المشكلة، فإن المؤتمرين دعوا الأسرة الدولية للبحث عن «سبل أخرى» لمساعدة لبنان.
مقابل ذلك، دعا المؤتمرون إلى التسريع في تنفيذ «خريطة الطريق» التي وضعتها المجموعة بالاتفاق مع البنك الدولي والحكومة اللبنانية على إدارة موضوع اللاجئين ومواجهة التبعات التي يرتبها على الاقتصاد وقطاعات التعليم والصحة والبنى التحتية والطاقة، بيد أنهم حثوا الحكومة اللبنانية على الإسراع في إقرار التدابير القانونية لتلقي المساعدات التي تمت الموافقة عليها للبنان.
وأخيرا، أبدى المؤتمرون انفتاحا على توسيع دائرة الأطراف المشاركة في المجموعة، كما عبروا عن استعداهم للاجتماع مجددا كلما بانت الحاجة.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.