تونس بعد رابع عملية إرهابية نوعية.. التوافق السياسي أو الفوضى

المتفجرات والأسلحة ليبية والمنفذون «مراهقون تونسيون»

شرطي يعاين آثار الانفجار الذي تعرضت له الحافلة خلال الهجوم الإرهابي الذي شهدته العاصمة التونسية يوم الأربعاء (أ.ب)
شرطي يعاين آثار الانفجار الذي تعرضت له الحافلة خلال الهجوم الإرهابي الذي شهدته العاصمة التونسية يوم الأربعاء (أ.ب)
TT

تونس بعد رابع عملية إرهابية نوعية.. التوافق السياسي أو الفوضى

شرطي يعاين آثار الانفجار الذي تعرضت له الحافلة خلال الهجوم الإرهابي الذي شهدته العاصمة التونسية يوم الأربعاء (أ.ب)
شرطي يعاين آثار الانفجار الذي تعرضت له الحافلة خلال الهجوم الإرهابي الذي شهدته العاصمة التونسية يوم الأربعاء (أ.ب)

يتواصل في تونس تطبيق إجراءات حالة الطوارئ وحظر التجول في العاصمة ليلا مع تعطيل عدد من القوانين من بينها تلك التي تنظم الحق في التظاهر وتنظيم الإضرابات.
وشددت قوات الأمن والجيش التونسي تنفيذ قرار غلق كل المنافذ الحدودية مع ليبيا مع مطالبة جميع الليبيين والأجانب المقيمين في تونس بصفة غير قانونية بتسوية وضعياتهم حتى لا يقع ترحيلهم تنفيذا لـ14 قرارا استثنائيا أصدرها مجلس الأمن القومي برئاسة رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي ردا على العملية الإرهابية «التي استهدفت عشرات من قوات الأمن الرئاسي على بعد 200 متر من المقر المركزي لوزارة الداخلية في الشارع الرئيسي للعاصمة تونس».
وقد كشف رئيس الحكومة الحبيب الصيد ووزير الداخلية ناجم الغرسلي أن «المتفجرات التي استخدمت في الهجوم على حافلة الأمن الرئاسي ليبية كانت تستخدم في المؤسسات العسكرية الليبية في عهد القذافي». لكن السؤال الكبير في تونس اليوم: ماذا بعد هذه العملية الإرهابية «النوعية» الرابعة من نوعها في نحو نصف عام؟ هل سينتصر الخيار السياسي أم تدفع البلاد نحو منعرج أمني عسكري؟
قيادات الأحزاب السياسية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني أجمعت على إدانة الجريمة الإرهابية الجديدة واعتبرت أن «تربة تونس لا تسمح بانتصار الإرهابيين وإن نجحت بعض المجموعات في شن هجمات محدودة» على غرار ما ورد على لسان بوجمعة الرميلي المدير التنفيذي للحزب الحاكم ونور الدين البحيري الوزير السابق للعدل والقيادي في حزب النهضة ومحسن حسن البرلماني والقيادي في حزب المؤتمر الوطني.
لكن كثيرا من السياسيين والخبراء الأمنيين - مثل أمير اللواء المتقاعد والمدير العام السابق للأمن العسكري محمد المؤدب - أعربوا في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» عن توقعات بـ«أن تشهد تونس عمليات إرهابية جديدة بحكم تداخل الأوضاع الأمنية والسياسية في تونس بالمستجدات في محيطها الإقليمي وخاصة في جارتيها ليبيا والجزائر».
في نفس الوقت أعرب الخبير الأمني محمد ناصر المهداوي عن تخوفاته من «انفجار أزمات أمنية في تونس بسبب نقص الاعتماد على الخبراء الأمنيين الحقيقيين مقابل فتح مزيد من الفرص للسياسيين والجامعيين الذين يفتقرون للخبرة والكفاءة في الملفات الأمنية والعسكرية».
في المقابل حذر الجامعي والمسؤول السابق في الحكومة محمد بن نصر من «الارتجال» الذي برز مجددا عند التعامل مع ملف الإرهاب. وحذر محمد بن نصر من كون «التصدي للإرهاب في تونس لا يكون ممكنا إلا بالكشف عن المخططين والمنفذين لجرائم الاغتيال السياسي وكل الجرائم التي تبعت ذلك».
وطالب بن نصر بـ«فتح ملفات جرائم المافيا السياسية والأمنية التي تفاجئننا كل مرة بعملية أبشع من التي سبقتها في محاولة لاستبلاه الشعب وتزوير الحقائق».
لكن رئيس نقابة الأمن الرئاسي هشام الغربي ورفاقه بدوا «مستائين جدا» من الهجوم الإرهابي الذي استهدف عشرات من زملائهم لأسباب كثيرة لأنه شمل لأول مرة «قوات النخبة التابعة لرئاسة الجمهورية في شارع مدني وسط العاصمة» في محاولة من التنظيمات الإرهابية الإيحاء بكونها قادرة على ضرب كل الأهداف في الجبال والمدن بما في ذلك مؤسسة رئاسة الجمهورية.
ولاحظت بدرة قعلول رئيسة مركز الدراسات الأمنية والعسكرية في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى كون الهجوم على قوات الأمن الرئاسي هو رابع عملية «نوعية» و«خطيرة جدا» في ظرف 8 أشهر فقط.. بالتزامن مع مجموعة كبيرة من الهجمات الإرهابية التي عمقت التخوفات من الخطر الإرهابي على تونس بعد سقوط عشرات القتلى والجرحى خلال الهجومين على المتحف الوطني بباردو ومقر مجلس النواب في موفى مارس (آذار) ثم على فنادق منتجع سوسة السياحي في موفى يونيو (حزيران).. وصولا إلى ذبح راعي الغنم الشاب مبروك السلطاني في جبل «مغيلة» - 300 كلم جنوبي العاصمة تونس - بعد ترويج شريط فيديو يفسر الجريمة باعترافاته قبل قطع رأسه بكونه «يتعاون مع الأمنيين والعسكريين بمقابل مالي».
وتوقعت بدرة قعلول مع عدد من الخبراء الأمنيين التونسيين والليبيين مثل عبد اللطيف الحناشي وجمال علي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن تكون الهجمات «النوعية» التي يشنها «الجيل الثالث والرابع من تنظيم القاعدة» وفروعه في «المغرب الإسلامي» جزءا من تحركات استعراضية لمحاولة «فرض نفسها كمعطى إقليمي ودولي منافس» لـ«داعش» ولقيادات «القاعدة» القدامى في أفغانستان وباكستان.. بزعامة أسامة بن لادن وأيمن الظواهري وتلامذتهم.
وتوقع الخبير في الإعلام والاتصال والعلاقات الدولية رضا الكزدغلي أن «تشهد تونس ضربات أمنية جديدة إذا لم ينجح مسار التسوية السياسية في ليبيا وإذا لم تنجح قيادات الحزب الحاكم في تونس - حزب النداء - في تجاوز تناقضاتها ومخاطر انقسامها.. لأن انهيار الأغلبية البرلمانية الحالية قد يؤدي إلى إسقاط الحكومة واستفحال مخاطر الفوضى والمنعرجات الأمنية والعسكرية مجهولة العواقب.. وقد يكون من بينها دفع تونس نحو خيارات تشبه المنعرج الذي سجل في مصر وليبيا في صائفتي 2013».
وانتقد ممثلو منظمات حقوقية وإعلامية تونسية - مثل الإعلامي المعارضي محمد بنور - طريقة تعامل غالبية المسؤولين السياسيين والإعلاميين و«أشباه الخبراء الأمنيين» و«ممثلي النخبة» في وسائل الإعلام بعد جريمة حافلة الأمن الرئاسي بالقرب من شارع بورقيبة. واعتبر بنور أن ذلك «لا ينبئ بحصول تطور إيجابي جدي في التعامل مع ملفات العنف والإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة والأجندات السياسية للقوى المعادية للديمقراطية والإصلاح الحقيقي في تونس ودول المنطقة».
ورجح الصحبي الجويني رئيس نقابات الأمنيين التونسيين أن «تتسبب أخطاء السياسيين والمسؤولين الحكوميين والإعلاميين في أن تشهد تونس مجددا عمليات إرهابية جديدة يسقط فيها مزيد من الأبرياء المدنيين والعسكريين والأمنيين.. هدفها زعزعة استقرار النظام مثلما ورد على لسان رئيس الحكومة الحبيب الصيد».
وقد اعتبر الجامعي والخبير في الدراسات السياسية والقانونية نوفل سعيد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن من بين ما يثير الانتباه أن غالبية وسائل الإعلام. والقنوات الإذاعية والتلفزية تابعت بعد جريمة محمد الخامس - شارع بورقيبة تعليقات تبدو أقرب إلى «السطحية» والترويج لمفاهيم «بدائية» للإرهاب ولاستراتيجيات مكافحته.. مثل ضرورة سن قوانين جديدة لمكافحة الإرهاب.. وكأن الانتحاري سيستفسر «الخبراء» عن عقوبته بعد موته في هجوم إرهابي يتسببه في مقتل عدد من المدنيين والعسكريين الأبرياء؟؟
وبعد أن تبين أن منفذي سلسلة الهجمات الإرهابية الجديدة
في تونس «شبان ومراهقون كانوا مدمنين على الكحول والمخدرات قبل أن تستوعبهم الجماعات المتشددة دينيا» فإن السؤال الكبير بالنسبة لعالم الاجتماع والوزير السابق للثقافة المهدي مبروك: متى تبدأ الأطراف السياسية والإعلامية والأمنية تقديم قراءات علمية معمقة وهادئة للأسباب الحقيقية لبروز ظاهرتي الإرهاب والتهريب ثم تعاظم تأثيرهما في الأوساط الشبابية خاصة بين أبناء الولايات الحدودية مع ليبيا والجزائر والجهات المهمشة في الجنوب وفي المناطق الغربية والأحياء الشعبية «وأحزمة الفقر» حول العاصمة وبعض المدن الكبرى؟
في الأثناء كشف وزير الداخلية نماجم الغرسلي والوزير المستشار لرئيس الحكومة كمال الجندوبي أن من بين أولويات الحكومة مستقبلا «تجفيف المنابع المالية والفكرية للمجموعات الإرهابية».
وفي هذا الصدد برزت دعوات إلى «تضييق الخناق» على عدد كبير من الجمعيات والأحزاب وفرض سلطة الدولة على الجوامع «الخارجة عن القانون».
إلا أن كثيرا من بين من قاموا بدراسات معمقة لتطورات شبكات المجموعات المسلحة والعصابات المتشددة في تونس والمنطقة العربية - مثل الوزير السابق أسامة رمضاني - يشككون في نجاعة «ردود الفعل الفلكلورية» و«القرارات الاستعراضية» مثل التلويح بحظر مجموعة من الجمعيات والأحزاب. ويسجل الجامعي علية العلاني أن «المسلحين الجهاديين» و«الإرهابيين الجدد» ليسوا بالضرورة من بين رواد الجوامع ولم يعودوا من بين من يطلقون اللحى ويجبرون النساء على ارتداء النقاب والحجاب.. بل لقد تبين أن بينهم من كان يحتسي الخمر ويتناول المخدرات ويرقص ليلا في ملاهي الفنادق السياحية.
لكن السؤال الكبير بالنسبة للتونسيين والتونسيات هو: ما هي الخطوات العملية العاجلة المطلوبة اليوم لمكافحة الإرهاب والمجموعات المسلحة أو الحد من الخطر؟
ألا ينبغي دعم خيار التوافق السياسي مجددا وتقوية الحكومة والبرلمان «حتى لا ينهار البيت على كل من فيه من ليبراليين ويساريين وإسلاميين»؟
الوزير السابق والقيادي في حركة النهضة عبد اللطيف المكي حذر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» من مخاطر «دفع البلاد نحو المجهول».
في المقابل دعت الأمينة العامة للحزب الجمهوري إلى «خطة إنقاذ سياسي شامل تجنب البلاد مخاطر المنعرجات العسكرية والأمنية التي تطيح بالتجربة الديمقراطية». وطالب الزعيم التاريخي للمعارضة التونسية أحمد نجيب الشابي الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي إلى إصلاحات سياسية وأمنية اقتصادية فورية تهدف إلى «القضاء على الأسباب العميقة للجريمة والعنف والفوضى والتطرف ومن بينها الفقر والتهميش والأمية والبطالة والإحساس بالضيم والظلم».
لكن أولوية الأولويات قد تكون حسب الجامعي ورئيس رابطة التعدد الثقافي احميدة النيفر والناشط الحقوقي محمد القوماني قد تبدأ بإجراء دراسات مقارنة للتجارب الناجحة في مكافحة التطرف والعنف والجريمة المنظمة والإرهاب مثل تجارب المغرب والجزائر والأردن.. أي التجارب التي اهتمت بالأبعاد الفكرية والدينية والسياسية عند رسم مخططات محاربة «التكفيريين» والإرهابيين.
ولئن تميزت منطقة المغرب العربي تاريخيا بعلماء وكتاب مسلمين متسنيرين مثل ابن خلدون وابن رشد والشاطبي وسالم بوحاجب والثعالبي والطاهر والفاضل بن عاشور والطاهر حداد.. فإنه من العبث إهدار الطاقات في التسلح والمعارك الأمنية في بلد يفتقر إلى سياسات ثقافية وعلمية ودينية عقلانية رغم ثراء مكتبته العربية الإسلامية المستنيرة، حسب أستاذ الحضارة والفكر العربي والإسلامي في الجامعة التونسية زهير بن يوسف.. الذي أكد على كون «الفكر لا يحارب إلا بالفكر» واعتبر أن «قتل عشرات الإرهابيين لن يعني أبدا القضاء على فكرهم الذي انتشر في كل مكان.. لأن الصحوة الإيمانية التي لا تقترن بالوعي والعقلانية تفرز التطرف المتعدد الألوان».
وإذا لم تنظم حملات شاملة وسريعة لنشر الفكر الإسلامي المستنير فقد تكون تونس وكامل المنطقة ضحية لأعمال إرهابية جديدة تخسر فيها المزيد من الأبرياء المدنيين والعسكريين والأمنيين.
لكن كل تلك الحملات لن تنجح إلا على وقع إدخال إصلاحات جوهرية على أداء مؤسسات الدولة وهياكلها.. وإذا قرر صناع القرار الاقتصادي والسياسي أن يستبعدوا نهائيا سيناريو جر البلاد إلى الفوضى فعليهم العودة إلى خيار التوافق السياسي الذي يعتبر نقطة القوة الرئيسية في «الاستثناء التونسي» منذ سنوات.



«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
TT

«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)

مع اقتراب أزمة غلق مضيق هرمز، من يومها الـ60، تتصاعد أزمة أخرى في البحر الأحمر مع حادث اختطاف ناقلة من جانب قراصنة قبالة السواحل الصومالية التي لها تاريخ كبير مع مثل تلك العمليات، قبل أن تهدأ في السنوات الأخيرة مع تحركات دولية مناهضة.

هذه العودة، حسب خبير بالشأن الصومالي والأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعد اختباراً للممرات الملاحية، خصوصاً بالبحر الأحمر، لجس نبض إمكانية عودة نشاط القراصنة على نحو أوسع واستغلال الاهتمام الدولي بأزمة مضيق هرمز.

قرصنة جديدة

أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (يو كاي إم تي أو) أن ناقلة نفط خُطفت، الثلاثاء الماضي، قبالة سواحل الصومال الذي يحده من الشمال خليج عدن ومن الشرق المحيط الهندي، وتلك المنطقة تقع عند مدخل مضيق باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن على أحد أكثر الطرق التجارية استخداماً في العالم، والرابط بين المحيط الهندي وقناة السويس.

وازدادت أهمية هذا المضيق استراتيجياً منذ إغلاق مضيق هرمز الذي كان يمر عبره قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط 20 في المائة من إنتاج النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.

ووفقاً لما نقلته الهيئة السبت، جرى الإبلاغ عن «حادث» على بُعد نحو 90 كيلومتراً شمال شرقي ماريو، في شرق الصومال، لافتة إلى أن «أفراداً غير مصرح لهم سيطروا على الناقلة وقادوها لمسافة 77 ميلاً بحرياً جنوباً، داخل المياه الإقليمية الصومالية»، من دون ذكر مزيد من التفاصيل.

وأفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، الخميس أيضاً، باختطاف مسلح لسفينة صيد ترفع العلم الصومالي، لافتة إلى أن «هذه الأحداث مجتمعة تُشير إلى وجود تهديد حقيقي بالقرصنة».

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (رويترز)

وفي الأشهر الأخيرة، أثارت عدة حوادث مخاوف من عودة القرصنة قبالة سواحل القرن الأفريقي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويرى المحلل السياسي في الشأن الصومالي والأفريقي، عبد الولي جامع بري، أن ذلك الحادث يأتي في سياق إقليمي أوسع مرتبط بالتوترات في البحر الأحمر ومضيق هرمز برغم أن حادث اختطاف السفن، ليس ظاهرة جديدة لكنه الآن ينذر بتداعيات.

ويُرجِع أسباب تلك العودة إلى ضعف الرقابة البحرية رغم تحسن الوضع الأمني في مقديشو، إلا أن السواحل الطويلة ما زالت صعبة على السيطرة الكاملة، بخلاف الفراغ الأمني الدولي النسبي مع تراجع الوجود البحري الدولي مقارنة بذروة مكافحة القرصنة بين 2010 - 2015.

وبرأي الباحث الاقتصادي والاستشاري في الاقتصاد والنقل الدولي، زياد الهاشمي، فإن «القراصنة الصوماليين يستغلون انشغال العالم بمضيق هرمز ويبدأون باختطاف السفن من جديد بالقرب من منطقة البحر الأحمر».

وهذا التطور حسبما ذكره الهاشمي في منشور عبر صفحته بـ«فيسبوك»، «يأتي وسط تصاعد ملحوظ في نشاط القرصنة في منطقة باب المندب، الذي كان يستهدف في الغالب السفن الأصغر حجماً، لكن اختطاف ناقلة منتجات نفطية كبيرة يُعد مؤشراً مقلقاً، خصوصاً أن المنطقة تعاني أصلاً من ضغوطات بحرية كبيرة بسبب مخاطر الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز».

تاريخ مظلم

وبلغت أعمال القرصنة ذروتها في الصومال عام 2011، قبل أن تنخفض بشكل ملحوظ مع نشر سفن حربية دولية (من الاتحاد الأوروبي والهند ودول أخرى)، وإنشاء قوة شرطة بونتلاند البحرية.

وفي ذروتها في عام 2011، وصلت حوادث القرصنة قبالة سواحل الصومال إلى مستوى قياسي بلغ 237، ما كلف الاقتصاد العالمي 7 مليارات دولار في ذلك العام، وتم إطلاق النار على أكثر من 3863 بحاراً ببنادق هجومية وقذائف صاروخية في تلك الفترة، حسب تقرير سابق لـ«سي إن إن» الأميركية.

ويعود ظهور القراصنة، إلى تسعينات القرن الماضي، مع معاناة الصيادين المحليين من الصيد التجاري غير المنظم ، وبدأ بوصفه احتجاجاً مسلحاً ضد سفن الصيد الأجنبية التي حرمتهم من مصدر رزقهم التقليدي، الذي لطالما وفرته المياه الصومالية الغنية بأنواع الأسماك المختلفة.

ويشير عبد الولي جامع بري، إلى أن أي حادثة جديدة لا تُعد عودة كاملة للقرصنة، لكنها مؤشر قابل للتصاعد إذا توفرت الظروف، مؤكداً أن المخاوف ستتسع بعد حادث الجمعة، لأسباب بينها أن تكرار الحوادث الصغيرة قد يشير إلى اختبار الممرات البحرية، وتحول الاهتمام الدولي مع تصاعد أزمة مضيق هرمز.

وعودة نشاط القرصنة البحرية في مضيق باب المندب، حسب زياد الهاشمي، يزيد من مستوى المخاطر المرتفعة، ويضغط على شركات الشحن البحري لاستخدام المسار الأطول والأكثر تكلفة عبر رأس الرجاء الصالح، ما يعمّق مشكلة ارتفاع الأسعار في مراكز الاستهلاك الغربية.


هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
TT

هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)

تعرضت مدينة سانت كاترين بمحافظة جنوب سيناء المصرية، صباح الأحد، لهزة أرضية بلغت قوتها 4.3 درجة على مقياس ريختر، شعر بها عدد من المواطنين، دون تسجيل أي خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وجاءت هذه الهزة بعد يومين فقط من زلزال أقوى ضرب شمال مرسى مطروح بقوة 5.77 درجة صباح الجمعة، ما أثار تساؤلات حول أسباب وقوع هزتين أرضيتين في منطقتين مختلفتين داخل مصر.

وأوضح «المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر»، في بيان، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد 77.9 كلم من سانت كاترين، عند الساعة 3:13 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.1 كلم ،من دون ورود بلاغات عن خسائر.

كانت محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت، الجمعة، هزة أرضية على بُعد نحو 412 كلم شمال مرسى مطروح في الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي وعلى عمق 26.85 كلم، وشعر بها بعض المواطنين بشكل خفيف دون تسجيل أي أضرار.

وفي التوقيت نفسه تقريباً، ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان، حيث حُدد مركزه على بُعد نحو 23 كلم جنوب غربي مدينة لاسيثي وعلى عمق 9.7 كلم، من دون تقارير عن وقوع خسائر.

تفاصيل وموقع الهزة الأرضية الأخيرة بجنوب سيناء (المعهد القومي للبحوث الفلكية)

يقول الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية»، إن مركز الهزة التي سجلت في جنوب سيناء، يقع في منطقة أبو زنيمة، وهي منطقة غير مأهولة نسبياً، لكن شعر بها بعض سكان المدن القريبة منها مثل رأس غارب وسانت كاترين.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الهزة تُصنَّف ضمن الزلازل الأقل من المتوسطة، حيث يكون الإحساس بها محدوداً»، موضحاً أن الزلازل الضعيفة تقل قوتها عن 3 درجات، بينما تبدأ الزلازل المتوسطة من 5 درجات فأكثر.

وبيّن أن مصدر هذه الهزة يعود إلى النشاط الزلزالي في خليج السويس، وهي منطقة معروفة بتسجيل هزات خفيفة إلى متوسطة على فترات متباعدة.

ولفت إلى أن هذا النشاط يختلف تماماً عن زلزال مطروح الأخير، الذي ارتبط بتأثر منطقة شرق البحر المتوسط بنشاط زلزالي مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأكد الهادي، أن الطبيعة التكتونية لخليج السويس تختلف جذرياً عن منطقة شرق المتوسط، التي تقع ضمن حزام زلزالي نشط، ما يفسر تكرار الهزات فيها، خصوصاً ما يقع في جزيرة كريت، كما شدّد على أن تزامن وقوع الهزتين خلال يومين جاء بـ«محض الصدفة، ولا يعد مؤشراً على زيادة النشاط الزلزالي في مصر، بل يأتي في إطار النشاط الطبيعي المعتاد».

وأضاف أن منطقة خليج السويس شهدت هدوءاً سريعاً عقب الهزة، مع تسجيل توابع ضعيفة لم تتجاوز 1.5 درجة، وهو ما يشير إلى استقرار الوضع، وأرجع النشاط الزلزالي المحدود في هذه المنطقة، إلى الطبيعة الجيولوجية للصخور وتاريخها الجيولوجي الطويل الذي يسمح بحدوث هزات خفيفة من حين لآخر.

وأوضح محمد عز العرب، الأستاذ المساعد في الشبكة القومية لرصد الزلازل التابعة لـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية»، أن ما شهدته منطقة جنوب سيناء يختلف كلياً عن زلزال مرسى مطروح، نظراً لاختلاف البيئة التكتونية بين المنطقتين.

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن مطروح تقع جيولوجياً على كتلة مستقرة نسبياً ضمن اللوح الأفريقي، وأن ما يشعر به السكان من هزات هناك لا يعود إلى وجود صدوع نشطة داخل المدينة، بل إلى تأثرها بالموجات الزلزالية المقبلة من مناطق النشاط التكتوني على حدود التقاء اللوح الأفريقي مع اللوح الأوراسي الذي يضم قارتي أوروبا وآسيا، في شرق البحر المتوسط، خصوصاً قرب جزيرة كريت وقبرص. وفي هذه المنطقة، تنشط آلية الاندساس، حيث ينغمس جزء من اللوح الأفريقي أسفل الأوراسي، ما يولد زلازل قد تمتد تأثيراتها إلى السواحل المصرية، بوصفها صدى للطاقة المنبعثة من نطاق التصادم.

وأشار عز العرب، إلى أن منطقة كريت تشهد نشاطاً زلزالياً مرتفعاً وبوتيرة أكبر بكثير مقارنة بمنطقة خليج السويس، التي تسجل هزات أقل تكراراً.

ولفت في المقابل، إلى أن الهزات في خليج السويس تكون غالباً خفيفة أو متوسطة القوة وغير منتظمة الحدوث، إذ قد تُسجَّل عدة مرات خلال سنوات متفرقة، وقد تمر فترات دون نشاط يُذكر.

وبيّن عز العرب أن سبب وقوع زلازل في خليج السويس من الناحية الجيولوجية يعود إلى أن هذه المنطقة ترتبط بحركة الفوالق المكونة لخليج السويس، وبالتباعد التكتوني بين اللوحين الأفريقي والعربي، ويُعد الخليج جزءاً من امتداد نظام الأخدود الأفريقي العظيم، وهو شق جيولوجي واسع في القشرة الأرضية بدأ تشكله منذ ملايين السنين، ويتسبب في تباعد كتل اليابسة تدريجياً، ما يجعل المنطقة نشطة تكتونياً.


موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
TT

موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)

بعد أيام من محاكمة رئيس «منظمة الشفافية الشاملة» في موريتانيا وعضو مجلس الشيوخ السابق، محمد ولد غده، في قضية «تشهير» إثر كشفه عن وثائق زعم أنها تثبت حدوث «فساد» في صفقة شراء مختبر للشرطة، تصدر الحديث عن «ملفات الفساد» الساحة السياسية بالبلاد.

وتزامن الجدل مع هدم السلطات منازل في أحد أحياء العاصمة نواكشوط، بسبب عمليات فساد شابت الحصول على قطع الأراضي التي بُنيت عليها، مما ألقى الضوء على مزاعم الفساد في قطاع العقارات.

وفي هذا السياق، نظم حزب «الإصلاح» الداعم للحكومة، السبت، جلسة نقاش تحت عنوان «الإصلاح في مواجهة الفساد»، ودعا لها عدداً من الشخصيات السياسية والإعلامية والمجتمع المدني.

وخلال الجلسة، قال رئيس الحزب، محمد ولد طالبن، إن الفساد من منظور حزبه «لا يقتصر على الفساد المالي، ولا على سوء التسيير، وإنما الفساد بالمفهوم الشامل».

كما وصف محمد السالك ولد إبراهيم، وهو مستشار سابق في رئاسة الجمهورية، الفساد بأنه «ظاهرة» تؤثر بشكل عميق على الدولة والمجتمع، وقال: «ظاهرة الفساد بمختلف أبعادها تمثل تحدياً كبيراً أمام أي جهود للتحول الديمقراطي، وتحقيق الاستقرار، وبناء دولة قوية».

مصدر التربح الأول

وفي سياق متصل، نظم «الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد» جلسة نقاش، يوم الجمعة، طرح فيها موضوع «الفساد في القطاع العقاري وآليات محاربته».

وقال الوالي السابق، صيدو حسن صال، إن الفساد العقاري «يشكل نحو 80 في المائة من مصادر الثراء في موريتانيا»، كما أكد أن ما يقارب 70 في المائة من النزاعات المعروضة أمام القضاء تعود إلى إشكالات مرتبطة بالفساد العقاري.

وخلال النقاش، قال الصحافي، الهيبة الشيخ سيداتي، إن الفساد العقاري «يرتبط بشبكة واسعة ومتجذرة في الدولة والمجتمع»، ولكنه شدّد على أن «المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الحكومة».

وأكد سيداتي في مداخلته أن «تفشي الفساد في موريتانيا لا يعود إلى غياب القوانين، بل إلى ضعف تطبيقها، وغياب الصرامة في تنفيذ الأحكام القضائية».

تفشٍ «غير مسبوق»

ومنذ وصوله إلى سدة الحكم في موريتانيا عام 2019، أعلن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الحرب على الفساد.

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

وفتح ولد الغزواني ملفات الفساد في عهد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، الذي أودع السجن منذ خمس سنوات بتهم تتعلق بالفساد، بعد صدور حكم عليه بالحبس 15 عاماً.

ومع ذلك تقول أطراف معارضة إن الفساد تفشى بشكل غير مسبوق خلال سنوات حكم ولد الغزواني، رغم ما تعلن عنه الحكومة من إجراءات وأدوات لمحاربة الفساد في الصفقات العمومية والتعيينات.

وأسس ولد غده منذ سنوات «منظمة الشفافية الشاملة» التي أعلنت حينها أن هدفها هو مساعدة الحكومة في الكشف عن الفساد، وكشفت من وقتها عن عدة ملفات انتهى أغلبها في أروقة القضاء.

وتعرض ولد غده للسجن أكثر من مرة. وكان قد خرج لتوه من السجن في أبريل (نيسان) الحالي، بعد أن اتهمته النيابة العامة بالتشهير ونشر معلومات مغلوطة على الإنترنت، خلال حديثه عن شبهات فساد في صفقة لاقتناء مختبر للشرطة الوطنية.

ومَثُل ولد غده الأسبوع الماضي أمام محكمة الاستئناف، التي أكدت براءته من ثلاث تهم، هي إعاقة سير العدالة، وإهانة موظفي وأعوان القوة العمومية، ونشر معلومات كاذبة عبر شبكة الإنترنت، فيما أدانته بتهمة التقليل من أهمية القرارات القضائية، وحكمت عليه بالسجن ثلاثة أشهر مع وقف التنفيذ.