مع نهاية العام تحلو المراجعات لما شكّل أهم الظواهر السينمائية: الأفلام الأفضل، الأفلام الأسوأ، التيارات التي نضحت بالجديد وتلك التي استمرت على المنوال ذاته، حال المهرجانات وأي منها تقدّم أو تأخر وما الأفلام التي نجحت وتلك التي أخفقت في بيع تذاكرها إلى الجمهور؟
في طي كل ذلك، يمكن للمرء أن يعاين، في هذه المناسبة، وضعًا آخر يشكل ظاهرة أو ملمحًا من ملامح السنة التي ستؤول إلى نهايتها بعد 33 يوما، وهي ظاهرة وجود أفلام موقعة ببعض أهم مخرجي السينما في العالم مرّت تحت رادار الاهتمام الفعلي وأصيبت باختفاء تدريجي سريع.
جل ما استطاعت القيام به هو أنها عُرضت في بعض المهرجانات الكبيرة. صفّق لها البعض وصفّر ضدها البعض الآخر وهزت لجان التحكيم رؤوسها بتوافق ما، ثم توجهت بجوائزها إلى أفلام أخرى بلا أعذار.
ليس أن كل أفلام المخرجين الذين تميّزوا طوال العقود الماضية جيّدة بلا قيود، لكن هذا ليس الشأن الغالب. وبصرف النظر، للحظة، عن التقييم المقارن بينها وبين أفلام لمخرجين أقل تجربة - وأحيانا أقل قيمة أيضًا - فإن تغييب الأسماء الكبيرة عن الجوائز الممنوحة ثم تغييبها الحالي عن لائحة الأفلام التي تمثل الدول لمسابقة أوسكار أفضل فيلم أجنبي يدعو إلى التأمل، كما يشكل واحدة من ظواهر هذه السنة.
* صُنع في المكسيك
بات واضحًا أن المهرجانات الدولية الثلاثة الأولى (برلين وكان وفينيسيا) هي المواقع التي يمكن فحص الظواهر غير الهوليوودية؛ كونها تشمل معظم ما يمكن الحديث فيه من تيارات فنية، وكونها أيضًا الاختيارات الرئيسية لكل فيلم ممهور بتوقيع مخرج معروف أو «كبير». ويأتي مهرجان برلين في المقدّمة بين هذه الثلاثة كونه المحطّة الأولى لمثل هذه المهرجانات. وفي دورة برلين التي أقيمت في الشهر الثاني من هذا العام، في التوقيت المعتاد سنويًا، تم عرض أربعة أفلام تشكل عناصر هذه الظاهرة وهي «أيزنشتاين في غوانايوتو» للبريطاني بيتر غريناواي و«فارس الكُبة» للأميركي ترنس مالك و«ملكة الصحراء» للألماني فرنر هرتزوغ و«كل شيء سيكون على ما يرام» للألماني، أيضًا، فيم فندرز.
«أيزنشتاين في غوانايوتو» جانب مشكوك بأمره من حياة المخرج الروسي سيرغي أيزنشتاين يمنحه المخرج مركز الصدارة وهو أن صاحب الأفلام النضالية المعروف بـ«البارجة بوتمكين» و«عشرة أيام هزت العالم» (في العشرينات) ثم «ألكسندر نوفسكي» (1938) وصل في مطلع الثلاثينات إلى بلدة غوانايوتو المكسيكية عذريًا وخرج منها، بعد أشهر طويلة، مثليا. الموضوع أثار الاهتمام وتزيّن بمشاهد ساخنة لكن السخونة فترت عنه سريعًا ولم يثر الفيلم إلا القليل من النقاش بعد ذلك. وعرض لاحقًا في حفنة من المهرجانات الأخرى مثل هونغ كونغ وبوينس آيريس وتورنتو وسيدني وموسكو من دون أن يثير بالاً كثيرًا.
بيتر غريناواي، من عداد المخرجين البريطانيين الذين يعملون بمنوال فني لا تجاري ولو أنه كان ينتظر لمثل هذا الموضوع أن يُثير الفضول إن لم يكن الاهتمام.
أفضل وأهم منه المخرج ترنس مالك الذي لا يكترث لنجاح أي من أعماله والذي قدّم على شاشة برلين «فارس الكُبّة» (Knight of Cups) بأسلوبه ومعالجته اللذين لا ينثنيان أو يتنازلان. لكن الفيلم لم يحظ بالإعجاب الحاشد آنذاك ولا يبدو أنه آيل للعروض الأميركية هذا العام (سيتم توزيعه هناك في الرابع من مارس (آذار) 2016 أي بعد عاصفة الأوسكار).
والمصير مشابه أيضًا بالنسبة لفيلم جيّد آخر هو «ملكة الصحراء» لفرنر هرتزوغ، أحد مخضرمي السينما الألمانية. ذلك الفيلم شهد عرضًا تجاريًا في ألمانيا والنمسا وروسيا وحدها ولم يطلبه أي مهرجان من الصف الثاني وعرضه الأميركي مؤجل للعام المقبل بدوره.
أما رفيق دربه فيم فندرز فعرض «كل شيء سيكون على ما يرام» مزينًا بوجوه أميركية شابة مثل راتشل ماك آدامز وجيمس فرانكو (الذي بدا تائهًا حيال الدور كما بدا تائها في التمثيل). الفيلم ووجه بنقد سلبي كبير ولم يترك أثرًا مختلفًا في أي من المهرجانات القليلة التي توجه إليها بعد برلين.
* مصير
عندما حط فيلم ناني موريتي الجديد «أمي» على شاشة مهرجان «كان» الدولي في مايو (أيار) الماضي، صاحبه كثير من توقعات النجاح. لكن العمل انتهى مقعدًا كونه فيلما آخر من تلك التي يرصد فيها المخرج جانبًا من حياته الخاصة. الفيلم فشل في استحواذ جائزة ثم انصرف إلى مهرجانات متباعدة (تورنتو في أميركا، شنغهاي في الصين، نيويورك في أميركا، فيينا في أوروبا) بتقديرات معتدلة في الغالب. أسوأ منالاً كان مصير فيلم غس فان سانت «بحر من الأشجار»: فان سانت من بين المخرجين المستقلين والمختلفين حول العالم، وسبق لبعض أفلامه أن حازت اهتماما كبيرًا (منها «غود ويل هانتينغ» و«إيجاد فورستر») والتقطت جوائز، لكن «بحر من الأشجار» (بطولة ماثي ماكونوفي والياباني كن واتانابي) ليس من بينها. في الواقع، هذا الفيلم شهد عرضه العالمي الأول في «كان» وعرضه الوحيد حتى الآن وبمراجعة شركة إنتاجه (اسمها Bloom) يتبين أن لا أحد اشتراه.
مثله في هذا المصير، أو أفضل منه قليلاً، فيلم الإيطالي ماركو بيلوكيو الذي شهد عرضه الأول في مهرجان فينيسيا ثم انتقل منها إلى تورنتو وبوسان (كوريا الجنوبية) ولم يعرض تجاريًا إلا في فرنسا (في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي).
وفي فينيسيا أيضًا تم عرض فيلم الروسي ألكسندر سوخاروف «فرانكوفونيا»، أحد أهم أفلام الفن هذا العام، لجانب فيلم ترنس مالك، ومع أن النقد تناوله، غالبًا بالإيجاب، إلا أن عروضه في المهرجانات الأخرى (وآخرها «ثيسالونيكي» اليوناني) لم تثمر تمييزه على نحو معين. تجاريًا عرضته فرنسا وبولندا حتى الآن.
والبولندي ييرزي سكوليموفسكي عرض «11 دقيقة» المذهل تقنيًا، على هناته الأخرى، لكنه لم ير نور العرض التجاري إلا في بولندا خلال الشهر الماضي واستقبلته مهرجانات تورنتو وبوسان ولندن وثيسالونيكي بإعجاب فاتر.
الإخفاق الكبير الذي أطلقه مهرجان فينيسيا أيضًا جاء من نصيب المخرج الكندي أتوم إيغويان عبر فيلمه «تذكر» بطولة كريستوفر بلامر في دور رجل يبحث عن نازي متخف قتل والد من أرسله إلى المهمّة. اسم إيغويان دفع الفيلم لنصف دزينة من العواصم الأخرى، لكن مصيره، كمصير كل ما سبق، لم يزد عن بضع مقالات صحافية على الورق أو على الإنترنت، وهو كحال معظم هذه الأفلام لا يظهر على رادارات الأوسكار.
أفلام لمخرجين مشهود لهم مرّت صامتة هذا العام
{لا حس ولا خبر}
كن واتانابي في فيلم «بحر من الأشجار».
أفلام لمخرجين مشهود لهم مرّت صامتة هذا العام
كن واتانابي في فيلم «بحر من الأشجار».
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة





