«خرافة» شركات التكنولوجيا «وحيدات القرن» تصطدم بالواقع

انفجار فقاعة الشركات الناشئة التي تم تقييمها بمليار دولار وأكثر

«خرافة» شركات التكنولوجيا «وحيدات القرن» تصطدم بالواقع
TT

«خرافة» شركات التكنولوجيا «وحيدات القرن» تصطدم بالواقع

«خرافة» شركات التكنولوجيا «وحيدات القرن» تصطدم بالواقع

تميزت الطفرة في قطاع التكنولوجيا على مدار الأعوام القليلة الماضية بصعود ما يسمى بشركات اليونيكورن - في إشارة إلى المخلوقات الخرافية «وحيدات القرن» - وهي الشركات الناشئة التي بلغت قيمتها مليار دولار أو أكثر. وقبل أن يكتسب المصطلح هذا الانتشار، كانت شركة «ليفينغ سوشيال» من كبرى «وحيدات القرن» في وقتها. والآن تمثل نموذجًا وعبرة لما قد تبدو عليه بعض وحيدات القرن الحالية في قادم الأعوام إذا خرجت الأمور عن مسارها الصحيح.
وقبل 4 أعوام فقط، كانت «ليفينغ سوشيال» ومنافستها الأكبر «غروبون» قد حققتا نموًا سريعًا بفضل فكرة بسيطة مفادها الربط بين الزبائن والمتاجر والأعمال المحلية عبر عروض مخفضة يومية تصل إلى صناديق بريد المستخدمين، مثل خصم 50 في المائة على مأكولات جاهزة أو رسالة ترويجية عن الحصول على قطعتين عند شراء قطعة واحدة من منتج ما. وتقتطع «ليفينغ سوشيال» وغروبون نسبة على كل صفقة.
واعتبر أصحاب رؤوس الأموال المغامرة أن تلك العروض اليومية ستكون سبيل الإنترنت لغزو الأنشطة التجارية المحلية، وبحلول أواخر عام 2011، كانت «ليفينغ سوشيال» قد جمعت أكثر من 800 مليون دولار ووصل تقييمها إلى 4.5 مليار دولار، حسبما تفيد البيانات الصادرة عن شركة في سي إكسبرتس. وعدت الشركة أمازون وصندوق الاستثمار العملاق تي روي برايس من بين مستثمريها. وأنفقت «ليفينغ سوشيال»بسخاء وأطلقت حملات إعلانية تلفزيونية ضخمة. وفي ظل موجة الزخم التي تعيشها، فكرت الشركة في طرح أسهمها في البورصة.
اليوم أصبحت «ليفينغ سوشيال» جثة وحيدة (يونيكوربس) أكثر منها وحيدة القرن. ولم تتقدم الشركة قط بطلب لطرح عام أولي كما خبا حماس المستهلكين للعروض اليومية. أما صندوق «تي روي برايس» فقد خفف حصته في «ليفينغ سوشيال» إلى صفر تقريبًا، حسبما تظهر بيانات «مورنينغستار». وانكمشت القوة العاملة في الشركة لتصل إلى نحو 800 موظف بعدما كانت تضم 4500 موظف في أوج مجدها عام 2011. (غروبون، التي أدرجت نفسها بالفعل في البورصة، تتداول أسمهما بأسعار تقل أكثر من 85 في المائة عن سعر الطرح العام الأولي).
وتصارع «ليفينغ سوشيال» الآن لكي تنعش أعمالها عبر التركيز على «خبرات جديدة»، مثل برنامج كوبونات مجانية، الذي يعيد الأموال لبطاقات العملاء الائتمانية عندما يتناولون الطعام في مطاعم معينة. وتعاني الشركة من أجل الإبقاء على موظفيها. كما أنها باعت تقريبًا جميع الشركات الأجنبية التي اشترتها وأغلقت المقار التي افتتحتها أيام ازدهارها.
ويقول جيم برامسون وهو مستشار قانوني عام في «ليفينغ سوشيال» عمل مع الشركة على مدار 5 أعوام ونصف العام، إنه «من الصعب تغيير شركة كبيرة الحجم بين ليلة وضحاها».
وربما ينضم قريبًا إلى «ليفينغ سوشيال» رفقاء جدد. وتوجد الآن أكثر من 142 شركة وحيدة القرن تقدر قيمتها مجتمعة بنحو 500 مليار دولار، بحسب شركة الأبحاث «سي بي إنسايتس». وبدأت التصدعات تظهر على بعض من تلك الشركات الناشئة ذات القيم المرتفعة.
كانت عدة صناديق استثمارية خفضت مؤخرًا قيم شركة تبادل الرسائل «سنابشات» وخدمة التخزين على الإنترنت دروببوكس. وأفادت «زينيفتس»، وهي شركة ناشئة تعمل في مجال الموارد البشرية، إنها لم تحقق أهدافها لقطاع المبيعات مما يبطئ من وتيرة تعييناتها. وسعرت شركة سكوير للمدفوعات يوم الأربعاء الماضي طرحها العام الأولي بقيمة 2.9 مليار دولار، بعدما قيمها مستثمرون خاصون بـ6 مليارات دولار. وحذر أصحاب رؤوس أموال مغامرة في سليكون فالي، من أمثال بيل غيرلي من بنشمارك ومايكل موريتز من سكويا، من أن هزة كبيرة ستطال شركات اليونيكورن.
فينكي غانيسان هو مستثمر مغامر في مينلو فينشرز، وضخ أموالاً في شركة طلب السيارات الأجرة «أوبر» وشركات يونيكورن أخرى. ويقول إنه كما أن تقييم «ليفينغ سوشيال» رفع التوقعات إلى مستويات لم تستطع الشركة الوصول إليها، فإن «وحيدات القرن اليوم ستواجه ذات المشاكل».
وتأسست «ليفينغ سوشيال» عام 2007 من قبل 4 أصدقاء هم آرون باتاليون وتيم أوشوغنيسي، وإيدي فريدريك، وفال أليكسينكو، الذين كانوا يعملون سوية في شركة ناشئة للرعاية الصحية تدعى «ريفوليوشن هيلث غروب». الطبعة الأولى من ليفينغ سوشيال، كانت تسمى هانغري ماشين، وأنتجت تطبيقات ارتبطت بفيسبوك، بما في ذلك تطبيقات لاستطلاع الآراء وطريقة لتبادل الكتب المفضلة مع الأصدقاء. وبمرور الوقت، أصبحت «هانغري ماشين» شركة ترسل إلى زبائنها رسائل إلكترونية يومية تحمل عروضًا من الشركات والمتاجر. وكان تيم أوشوغنيسي رئيس مجلس إدارة الشركة.
وهرع المستهلكون للاستفادة من عروض «ليفينغ سوشيال» اليومية. وبعد نحو عام من دخولها هذا النشاط، قالت الشركة إنها تمتلك 10 ملايين مشترك منتشرين عبر أنحاء الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا. وبعد شهور قليلة، أعلنت أنها تمكنت من رفع عدد مشتركيها بما يزيد عن الضعف. ودخلت السوق الآسيوية في وقت لاحق من ذلك العام. وضمت قائمة المستثمرين في الشركة ريفوليوشن فينشرز ولايت سبيد فينشر بارتنرز وأمازون وجي بي مورغان تشايز، ليبلغ إجمالي رأس المال الذي جمعته «سوشيال كابيتال» أكثر من 919 مليون دولار.
وعلى مدار السنوات التالية، استحوذت «ليفينغ سوشيال» على العملاء بأسرع ما يمكن في مسعى لضمان صدارة غير قابلة للمنافسة في مجال العروض اليومية. وأنفقت الشركة النقود على الإعلانات التلفزيونية لزيادة الوعي بعلامتها التجارية. وبهدف تعزيز توسعها، استحوذت «ليفينغ سوشيال» على شركات ناشئة في إسبانيا ونيوزيلندا وأسواق أخرى لا تعرف عنها الكثير. وقدمت الشركة عروضًا ترويجية في فئات جديدة مثل السفر وتوصيل الوجبات. وشهدت طفرة في التوظيف.
لكن رغم إنفاقها الإعلاني الضخم، لم تكن أنشطتها الأساسية ناجعة. وتكشف البيانات المالية الأخيرة التي أصدرتها «أمازون» أنه في عام 2011، حققت «ليفينغ سوشيال» إيرادات بقيمة 238 مليون دولار - لكنها خسرت 499 مليون دولار.
أما «غروبون»، التي لم تحقق الأرباح أيضًا، فقد أدرجت أسهمها في البورصة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2011، وعلى الفور واجهت شكوك المستثمرين حول استدامتها. وكانت الشكوك معدية وسرعان ما انتقلت إلى «ليفينغ سوشيال» وأجهضت فرصها في طرح أسهمها في البورصة. وحاولت الشركة الناشئة أن تجمع 400 مليون دولار في أواخر 2011، لكنها لم تتمكن من جمع سوى 176 مليون دولار، بحسب بيانات لجنة الأوراق المالية والبورصة.
ويقول مستثمرو «ليفينغ سوشيال» إنه يسهل الآن تبين أن استراتيجية النمو بأي تكلفة خلقت دورة هبوطية من الإفراط في التوظيف والتوسع. ولم يلتفت أحد كثيرًا إلى الكيفية التي ستجني بها الشركة المال في نهاية المطاف.
وتدار «ليفينغ سوشيال» الآن من قبل رئيس مجلس إدارة جديد هو غوتام تاكار، الذي انضم إلى الشركة في أغسطس (آب) 2014 بعد نحو عقد من الزمان قضاه في إي باي. ويقول السيد تاكار إن خطة الشركة المقبلة سوف تقلص من اعتمادها على العروض وتركز بالأحرى على مبادرة جديدة لاستعادة المال.
ويمنح مشروع تجريبي يدعى «ريستورانتس بلاس»، الزبائن تخفيضات عبر استرداد النقود على بطاقاتهم الائتمانية - دون حاجة إلى كوبونات مطبوعة - عندما يتناولون الطعام في مطاعم معينة. وتأخذ «ليفينغ سوشيال» حصة من كل معاملة.
ويقول السيد تاكار إن «جمهورنا الأساسي من النساء الثريات المتعلمات - من اللائي تتراوح أعمارهن بين 25 إلى 40 عامًا. ما يمكننا عمله هو مساعدة هؤلاء النسوة على التمتع بعطلة نهاية أسبوع طيبة».
وداخل «ليفينغ سوشيال»، كانت الشكوك تساور موظفي الشركة إزاء تحول استراتيجيتها، حسبما أفاد 3 موظفين تركوها هذا العام. وقال نحو 12 موظفًا سابقًا ومستثمرون حاليون إن الإجراءات الاستراتيجية الخاطئة من قبل الشركة أثرت بالسلب على الروح المعنوية. مشاعر السخط فاقمها عجز الموظفين الأوائل - الذين أغرتهم حزم الأسهم السخية - عن بيع أسهمهم في «ليفينغ سوشيال».
النتيجة أن الشركة عاجزة عن الاحتفاظ بموظفيها، لا سيما أن «ليفينغ سوشيال» تنافس شركات يونيكورن أخرى لاستمالة المهندسين. ولم تعد الشركة قادرة على عرض رواتب ضخمة وحزم أسهم مغرية لاجتذاب المواهب.
ويقول السيد تاكار: «تعيين التقنيين ليس بأسهل مهمة في العالم.. فنحن لسنا غوغل».
كما دخلت «ليفينغ سوشيال» أيضًا في طور التقشف بجولة من الاستغناءات في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي علاوة على تصفية للاستثمارات في وحدات كاملة. كما أغلقت الشركة مقار في عدة مدن، من بينها نيويورك وسياتل. وباعت الخريف الماضي تيكيت مونستير، ومقرها في كوريا الجنوبية. وفي فبراير (شباط) الماضي، باعت الشركة «ليتس بونس»، وهي شركة ناشئة مقرها إسبانيا كانت قد استحوذت عليها في 2011، وبعد شهرين، تخلصت «ليفينغ سوشيال» من أعمالها في أستراليا ونيوزيلندا.
ويجد المستثمرون والمؤسسون والكثير من الموظفين أنفسهم عالقين مع أسهمهم، في ضوء أن الطرح العام الأولي أو البيع يبدوان بعيدي المنال. وعندما سئل السيد تاكار عن هذا المسار قال إن التقييمات جميعها «نظرية». وأضاف: «التقييمات هي واحدة من تلك الأشياء التي تخضع لنظرة المتلقي».

* خدمة «نيويورك تايمز»



السعودية تفتح باب التملك العقاري للأجانب


جانب من العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
جانب من العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
TT

السعودية تفتح باب التملك العقاري للأجانب


جانب من العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
جانب من العاصمة السعودية الرياض (رويترز)

دخلت السعودية، أمس (الخميس)، حقبة اقتصادية تاريخية بدخول نظام تملك غير السعوديين للعقار حيز التنفيذ، مُحوّلة سوقها المحلية إلى منصة استثمارية عالمية.

ويمثل هذا الحدث حجر زاوية في منظومة التشريعات العقارية الهادفة إلى إعادة صياغة ملامح السوق العقارية السعودية.

ويستهدف النظام، المنسجم مع «رؤية 2030»، تعزيز الاستثمار الأجنبي المباشر ورفع جودة الحياة، من خلال تمكين الأفراد والشركات من التملك عبر رحلة رقمية ميسرة من بوابة «عقارات السعودية». ويمنح النظام مرونة واسعة في مختلف المدن كالرياض وجدة، مع وضع ضوابط سيادية خاصة لمكة المكرمة والمدينة المنورة، تحصر التملك فيهما على المسلمين والشركات السعودية.

ومن المتوقع أن يساهم هذا التحوّل في تنشيط القطاعات الرديفة، مع ضمان أعلى مستويات الموثوقية القانونية عبر الربط بنظام التسجيل العيني، ترسيخاً لبيئة استثمارية شفافة وآمنة.


دافوس... «هندسة الأثر» تضع السعودية في قلب الاقتصاد العالمي الجديد

جلسة خاصة بالاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)
جلسة خاصة بالاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)
TT

دافوس... «هندسة الأثر» تضع السعودية في قلب الاقتصاد العالمي الجديد

جلسة خاصة بالاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)
جلسة خاصة بالاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)

في وقتٍ يبحث فيه العالم عن بوصلة وسط «ضبابية» المشهد الاقتصادي، قدمت السعودية من فوق جبال دافوس السويسرية نموذجاً فريداً في «هندسة الأثر» الاقتصادي. ومن المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، رسم وزراء ومسؤولون خريطة طريق لمرحلة قوامها «الذكاء التشغيلي»، حيث لم يعد الطموح مجرد تحقيق النمو، بل جودة هذا النمو وتكلفته المستدامة. وبينما كان العالم يترقب صدمات جديدة، كانت الرياض تعلن انتقالها من مرحلة «التخطيط الهيكلي» إلى مرحلة «تعظيم النتائج»، محولةً الاستقرار من مجرد حالة سياسية إلى «فرصة تنافسية» نادرة تجذب رؤوس الأموال العالمية في زمن التجزؤ.

وقد عُقدت جلسة حوارية خاصة في المنتدى تحت عنوان «نظرة على الاقتصاد السعودي»، بمشاركة وزير المالية محمد الجدعان، ووزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم، ورئيس البنك الدولي أجاي بانغا، وعدد من المسؤولين.

الجدعان و«ضريبة الغموض»

أطلق وزير المالية، محمد الجدعان، مصطلحاً جوهرياً بوصفه «ضريبة الغموض» كأكبر تحدٍّ يواجه المستثمرين عالمياً. وأكد أن دور المملكة يتجاوز صياغة التشريعات إلى استئصال آفة هذا الغموض.

وشدد الجدعان على أن «المالية العامة هي مرساة الاقتصاد»، معلناً بوضوح: «لا نساوم على استدامة المالية من أجل الاقتصاد»، في إشارة إلى الموازنة الدقيقة بين تسريع المشاريع والحفاظ على متانة المركز المالي للدولة.

وأوضح أن «إبطاء» بعض المشاريع أحياناً ليس تراجعاً، بل هو إجراء ضروري لمنع «سخونة الاقتصاد» وضمان قدرة القطاع الخاص على المواكبة، وصولاً إلى جعل فلسفة الإصلاح «سلوكاً مؤسسياً» يتجاوز لغة الأرقام والمستهدفات.

البيئة الاستثمارية

وأكد وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، أن المشهد الاقتصادي العالمي بات محكوماً بقاعدة «عدم اليقين»، وهو الواقع الذي ترفضه قطاعات الأعمال وتتحاشاه الشركات الكبرى.

وشرح الجدعان فلسفة المملكة في إدارة البيئة الاستثمارية، مشيراً إلى أن الشركات تمتلك القدرة والخبرة لتحديد أسعار تجارتها بناءً على التعريفات الجمركية الواضحة أو الضرائب الإضافية المعلنة، إلا أنها تقف عاجزة أمام غياب الرؤية والتقلبات غير المتوقعة. ومن هنا، شدد على أن الدور الجوهري لصنّاع السياسات يكمن في استئصال شأفة هذا الغموض، وضمان توفير «ملاذ آمن»، وبيئة مستقرة تتيح للأعمال النمو دون مفاجآت تشريعية أو إجرائية.

الجدعان يتحدث خلال جلسة خاصة في منتدى دافوس عن الاقتصاد السعودي (الشرق الأوسط)

القطاع الخاص

وفي سياق تعزيز جاذبية السوق السعودية، أكد الوزير أن المملكة تعمل جاهدةً على بناء «المرونة» في مفاصل اقتصادها الوطني، ومنح القطاع الخاص أهم أداة يحتاج إليها للنجاح، وهي «القدرة على التنبؤ».

وأوضح أن استقرار عملية صنع القرار ووضوح مساراتها يمثلان التزاماً سعودياً لضمان أن تكون العوائد الاستثمارية متسقة ومجزية، ومناسبة لحجم المخاطر التي يتحملها المستثمر، بما يعزز من ثقة الشركاء الدوليين في استدامة النهضة الاقتصادية التي تشهدها المملكة.

وشدد الجدعان على أن مرساة الاقتصاد هي المالية العامة، قائلاً: «لا نساوم عليها من أجل الاقتصاد». وأضاف: «نوازن بين نمو الاقتصاد والتنوع ونحافظ على هذا التوازن بدقة».

العجز والدين

بدوره، قال وزير الاقتصاد والتخطيط، فيصل الإبراهيم، إن الاقتصاد السعودي انتقل إلى مرحلة «التوظيف الأمثل لرأس المال»، موضحاً أن المنظومة الاقتصادية اليوم تمتلك «ذكاءً تشغيلياً» يُمكّنها من التمييز بدقة بين توقيت تسريع النمو وتوقيت ضبط الإيقاع.

وأشار إلى ارتفاع العجز أو الدين وأنه لم يعد مجرد أرقام حسابية، بل أصبح «إنفاقاً استراتيجياً» موجهاً إلى قطاعات ذات قيمة مضافة وعوائد اقتصادية واضحة ومستدامة.

وحسب الإبراهيم، فإن الزخم الاقتصادي قوي في عدد كبير من القطاعات، وإن الأنشطة غير النفطية تمثل اليوم 56 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي وذلك للمرة الأولى، وبيَّن أن هذا التحول لم يحدث بشكل مفاجئ، بل جاء نتيجة نمو تدريجي خلال السنوات الماضية، حيث يبلغ معدل نمو الأنشطة غير النفطية نحو 5 في المائة.

وأضاف أن التوقعات تشير إلى نمو الأنشطة غير النفطية خلال السنوات الثلاث المقبلة بمعدل يتراوح بين 4.5 و5.5 في المائة مع وجود حوكمة واضحة لإقرار هذه التقديرات، وذكر أن 74 نشاطاً غير نفطي شهدت نمواً سنوياً بنسبة 5 في المائة أو أكثر خلال السنوات الخمس الماضية، فيما سجل 38 نشاطاً نمواً تجاوز 10 في المائة، مؤكداً أن هذا يعكس جودةً وتنوعاً في الأداء الاقتصادي.

وزير الاقتصاد والتخطيط يتحدث خلال جلسة خاصة عن الاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)

الإصلاحات الهيكلية

ولفت إلى أن المؤشرات الداعمة لهذا التوجه تشمل نمو الصادرات غير النفطية، وزيادة عدد المصانع قيد التأسيس أو التشغيل، واتساع مشاريع قطاع السياحة، إضافةً إلى تحول ميزان تجارة الخدمات إلى فائض خلال فترة زمنية قصيرة، مما يعكس فاعلية السياسات الاقتصادية المتبعة.

وواصل الوزير أن السؤال لم يعد مرتبطاً بجدوى النمو أو زخمه بل بتكلفته، مؤكداً أهمية ضمان استمرار الزخم الاقتصادي بأثر أمثل وتكلفة مناسبة، وأن المرحلة السابقة استلزمت إنفاقاً مرتفعاً لتعويض عقود من الإمكانات غير المستغلة، غير أن المرحلة المقبلة ستركز على: لماذا يتم الإنفاق مقروناً بإصلاحات هيكلية مدروسة تحقق النتائج المطلوبة مع ضبط مستويات الصرف؟

وفيما يتعلق بالقطاعات، أوضح الوزير أن مجالات مثل الطاقة بمفهومها الواسع بما في ذلك حلول التحول الطاقي والرعاية الصحية وتقنيات الدفاع والذكاء الاصطناعي والتعدين ستواصل لعب دور محوري في النمو، مشيراً إلى أن الطلب على الرعاية الصحية يزداد، في ظل أن 70 في المائة من السكان دون سن 35 عاماً، مع توقعات ببدء مرحلة الشيخوخة بعد نحو 18 إلى 20 عاماً.

في سياق آخر، أشار الوزير إلى أن العالم يشهد حالة متزايدة من التجزؤ، معتبراً أن الوفاء بالالتزامات أصبح عملة نادرة، وأن الثقة باتت عنصراً أساسياً في استمرارية التجارة وكفاءة الأسواق، وأكد أن الاستقرار في هذا السياق أصبح قيمة نادرة وفرصة تنافسية.

وبيَّن أن السعودية تتعامل مع الاستقرار بوصفه نهجاً مؤسسياً يشمل السياسات والتنظيم والتنفيذ، مشيراً إلى أنه في عام 2024 وبينما انخفض الاستثمار الأجنبي المباشر عالمياً بنسبة 11 في المائة، ارتفع في المملكة بنحو 24 في المائة.

سوق العمل

من جانبه، قدّم رئيس مجموعة البنك الدولي، أجاي بانغا، خلال الجلسة نفسها، خريطة طريق للفصل بين التقلبات العابرة والأزمات الهيكلية الجسيمة. وبينما أبدى بانغا تفاؤلاً حذراً بقدرة القوى الكبرى على الصمود، أطلق صرخة تحذير تجاه «قنبلة موقوتة» تتعلق بسوق العمل في الدول الناشئة، معتبراً أن العالم اليوم يقف أمام مفترق طرق: إما صناعة الأمل وإما مواجهة عدم الاستقرار العالمي.

رئيس البنك الدولي يتحدث في جلسة خاصة بالاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)

وأبدى بانغا دهشته من مرونة الاقتصاد العالمي، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة والصين والهند حققت معدلات نمو تجاوزت التوقعات. وعزا هذا التفوق إلى الاستثمارات الضخمة في قطاعات الذكاء الاصطناعي، والبيانات، والبنية التحتية، مؤكداً أن هذه الاقتصادات تمتلك أنظمة مؤسسية مكَّنتها من تجاوز الظروف الصعبة؛ إذ سجلت الصين نمواً بنحو 5 في المائة، فيما لامست الهند حاجز الـ8 في المائة.

في المقابل، لفت بانغا إلى واقع مؤلم يواجه ربع الاقتصادات الناشئة، إذ لا يزال نصيب الفرد من الناتج المحلي أقل بنسبة 10 في المائة ممّا كان عليه قبل «كوفيد-19». وأرجع هذا التعثر إلى مشكلات متراكمة تتعلق بالديون والسيولة وسوء الإدارة المالية، منتقداً الإفراط في الاقتراض خلال حقبة الفائدة المنخفضة التي جعلت الاستدانة تبدو خياراً سهلاً ومغرياً لكنها أصبحت اليوم عبئاً ثقيلاً.

وسلَّط بانغا الضوء على تحدٍّ بشريّ هائل يواجه العالم في السنوات الـ15 المقبلة، إذ سيصل نحو 1.2 مليار شاب في الأسواق الناشئة إلى سن العمل. وحذر من فجوة مرعبة في الفرص، إذ تشير التقديرات إلى توفر 400 مليون وظيفة فقط، مما يترك 800 مليون شاب دون مسار مهني واضح، وهو تحدٍّ يراه بانغا أكثر إلحاحاً من النقاشات الدائرة حول الذكاء الاصطناعي.

وختم رئيس البنك الدولي تصريحاته بتحذير من أن الفشل في خلق فرص عمل لهؤلاء الشباب سيقود العالم إلى دفع ثمن باهظ يشمل الهجرة غير الشرعية، والانقلابات العسكرية، والاضطرابات الاجتماعية، مبيناً أنه في حال إحسان التعامل مع هذا الملف، سيتحول هؤلاء الشباب إلى محرك نمو عالمي يمتد لأربعين عاماً، أما الإخفاق فيعني تقويض الاستقرار العالمي لعقود قادمة.

التكنولوجيا والتعدين

وفي جلسة أخرى من المنتدى، كشف وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي، بندر الخريف، عن وجود «علاقة تكافلية» بين التكنولوجيا والتعدين؛ ففي حين يقود الذكاء الاصطناعي الطلب على المعادن، توفر التكنولوجيا الحلول لتأمين هذا الإمداد.

ووفق الخريف، فإن التكنولوجيا تقدم للقطاع التعديني الكفاءة والسلامة، من خلال المساعدة في تسريع استكشاف المعادن، وفهم أنواعها، ومكامن تركيزها، فضلاً عن معالجتها والمساهمة في تصنيع منتجاتها النهائية بطرق كالطباعة ثلاثية الأبعاد.

في المقابل، لفت إلى أن التوسع الهائل في تقنيات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات يمثل المحرك الأكبر للطلب على المعادن الحرجة.

الخريّف يتحدث خلال جلسة خاصة في دافوس (الشرق الأوسط)

الذكاء الاصطناعي

من ناحية أخرى، أكد وزير الاتصالات وتقنية المعلومات السعودي، المهندس عبد الله السواحه، أن بلاده تتبنى طموحات عالمية لقيادة عصر الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أن «الاستراتيجية الوطنية لا تستنسخ تجارب الآخرين، وتهدف إلى المساهمة في إضافة 100 تريليون دولار للقيمة الاقتصادية العالمية المقبلة».

السواحه يتحدث في إحدى الجلسات في دافوس (الشرق الأوسط)

وفي رده على تساؤلات بشأن طبيعة التوجه السعودي مقارنةً بالنموذجين الأميركي والصيني، أوضح السواحه، خلال جلسة حوارية في «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس، أن توجيهات الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، «تدفع دائماً نحو مضاعفة الأهداف 3 مرات سنوياً».


وزير الصناعة السعودي من دافوس: علاقة التكنولوجيا والتعدين «تكافلية»

الخريّف يتحدث في إحدى الجلسات التي استضافها «البيت السعودي» على هامش اجتماعات دافوس (الشرق الأوسط)
الخريّف يتحدث في إحدى الجلسات التي استضافها «البيت السعودي» على هامش اجتماعات دافوس (الشرق الأوسط)
TT

وزير الصناعة السعودي من دافوس: علاقة التكنولوجيا والتعدين «تكافلية»

الخريّف يتحدث في إحدى الجلسات التي استضافها «البيت السعودي» على هامش اجتماعات دافوس (الشرق الأوسط)
الخريّف يتحدث في إحدى الجلسات التي استضافها «البيت السعودي» على هامش اجتماعات دافوس (الشرق الأوسط)

شدد وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي، بندر الخريّف، على وجود «علاقة تكافلية» بين التكنولوجيا والتعدين؛ قائلاً إنه في حين يقود الذكاء الاصطناعي الطلب على المعادن، توفر التكنولوجيا الحلول لتأمين هذا الإمداد.

وأوضح الخريّف، خلال جلسة في المنتدى الاقتصادي العالمي، أن التكنولوجيا تقدم للقطاع التعديني الكفاءة والسلامة، من خلال المساعدة في تسريع استكشاف المعادن، وفهم أنواعها، ومكامن تركيزها، فضلاً عن معالجتها والمساهمة في تصنيع منتجاتها النهائية بطرق كالطباعة ثلاثية الأبعاد.

وفي المقابل، أشار إلى أن التوسع الهائل في تقنيات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات يمثل المحرك الأكبر للطلب على المعادن الحرجة.

وقال الوزير إن عائد التكنولوجيا في الكفاءة والسلامة شجع السعودية للجوء إليها، مضيفاً: «نحن جريئون جداً في السعودية بشكل عام تجاه التكنولوجيا، ليس فقط في التعدين بل في كل شيء».

وأكد الخريّف أنها قدمت إمكانية رؤية مستقبل المناجم، خاصة المناجم تحت الأرض، مما عزز السلامة، وقلل التكلفة، ووفر استهلاك الطاقة، ومكّن من إدارة المناجم عن بُعد.

وعلى صعيد الاستثمار، أكد الخريّف أن نقص الاستثمار يمثل عائقاً رئيسياً أمام نمو القطاع، مشدداً على ضرورة تغيير «المفاهيم القديمة» لدى شركات الاستثمار والمصرفيين حول تخصيص الأصول في التعدين.

وفي هذا الإطار، أوضح الوزير أن «منتدى مستقبل المعادن»، الذي انطلق من الرياض قبل خمس سنوات، تحول إلى آلية دولية لفهم قيود شركات الاستثمار والمصرفيين، سعياً لتعزيز الاستثمار والابتكار في القطاع.