فيما ما زال الجدل حول التعويضات المالية الباهظة التي يتقاضاها المديرون التنفيذيون محتدما، فتحت جبهة نقاش أخرى حول زيادة أجور أعضاء مجالس إدارات الشركات.
وبحسب تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» اكتسبت هذه القضية أهمية في الآونة الأخيرة بسبب دعوى قضائية رفعت ضد «فيسبوك»، يزعم مقيمها أن أعضاء مجلس الإدارة في عملاق الإنترنت وافقوا على زيادة أجورهم عبر رفع متوسط التعويضات التي يحصل عليها الأعضاء الخارجيون لتصل إلى 461.265 دولار في عام 2013.
كان أحد حملة أسهم «فيسبوك» قد رفع دعوى قضائية أمام محكمة في ولاية ديلاوير الأميركية دفع فيها بأن هذا التعويض مبالغ فيه. ولم يشكُ حامل الأسهم من أن أعضاء المجلس يحددون بأنفسهم هذه التعويضات فحسب، ولكن أيضًا من أن المبلغ يزيد 43 في المائة عما تدفعه شركات مماثلة لأعضاء مجالس إدارتها. لا يتوقف الأمر عند ذلك الحد، لكن سوزان ديزموند هيلمان، رئيسة مجلس إدارة مؤسسة بيل وميلندا غيتس، تلقت خيارات تحفيزية في ذلك العام تزيد عن 900 ألف دولار نظير انضمامها لمجلس إدارة «فيسبوك»، أي ما يقرب من الأجر الذي تتقاضاه في مؤسسة غيتس ويبلغ مليون دولار سنويًا.
إن الأجور التي سيدفعها الصفوة لأنفسهم تحدد النهج لأعضاء مجالس الإدارات في الشركات الأخرى. وستكون هذه واحدة من أولى القضايا التي ستدرس فيها محكمة في ديلاوير مبلغ التعويض الكافي لأعضاء مجالس الإدارة.
إن القضية تطرح سؤالاً جيدًا: كم هو الأجر الذي ينبغي أن يتقاضاه أي عضو مجلس إدارة؟
من ناحية أخرى، يتواصل احتدام المعركة حول تعويضات التنفيذيين فيما ارتفع معدل حزمة الأجور الذي يتحصل عليه المدير التنفيذي لإحدى الشركات المدرجة بمؤشر ستاندرد آند بورز 500 العام الماضي إلى 12.2 مليون دولار، بينما بلغ المتوسط 10.3 مليون دولار، حسبما أفادت مؤسسة إكويلار لأبحاث الأجور.
وعلى النقيض، يتقاضى عضو مجلس الإدارة الفتات. وبحسب إكويلار، متوسط أجر العضو بلغ 233.600 دولار في 2014، بزيادة نحو 17 في المائة عن 2010. لكن يظل هذا المبلغ رقمًا معتبرًا بالنسبة إلى الموظف العادي، لكنه لا يقارن بما يتحصل عليه رئيس مجلس إدارة بالطبع.
لكن كثيرين يجادلون بأن أعضاء مجلس الإدارة لا يتقاضون أجورًا مناسبة، على الأقل في ضوء مستوى العمل الذي يقومون به.
كانت الفكرة السائدة في الماضي أن وظيفة عضو مجلس الإدارة شكلية، إذ لا يفعل الكثير، بخلاف حضور اجتماع سنوي بالأساس. كما أن هؤلاء الأعضاء كانوا في العادة من الأصدقاء والمشاهير. هذه كانت الأيام التي شغل فيها أو جي سيمسون منصب عضو مجلس الإدارة ولجنة المراجعة في شركة إنفينيتي برودكاستينغ.
لكن العالم بات مختلفًا. وأصبح التركيز في الوقت الراهن منصبًا على الانخراط في المهمة. وتعقد مجالس إدارات الشركات في وقتنا الحالي المزيد من الاجتماعات ويطلب منها المزيد من الأعمال، ما يعود الفضل فيه إلى حد بعيد إلى التعديلات التي أدخلها قانون ساربانز - أوكسلي لعام 2002. ويجتمع مجلس الإدارة الآن في المتوسط 8 مرات سنويًا، حسبما تفيد شركة سبنسر ستيوارت الاستشارية. إن حجم العمل لم تطرأ عليه زيادة فحسب، ولكن أيضًا فرص التعرض للملاحقة القانونية في حال ساءت أحوال الشركة.
وهكذا صعبت زيادة الأعمال والتعرض للمساءلة من مهمة إيجاد النوعية المناسبة من الأشخاص للانضمام إلى عضوية مجالس إدارات الشركات، حيث يفضل كبار التنفيذيين التركيز على مهام وظائفهم اليومية.
وفي إطار سعيها وراء الاستعانة بأعضاء جيدين لمجالس الإدارات، تدفع صناديق التحوط لهم الآن حصة من أرباحها، في ترتيب يعرف باسم الطوق الذهبي. وتخوض صناديق التحوط النشطة منافسات بالوكالة تشمل أغريوم ونرال موتورز وهيس باستخدام سياسة الأطواق الذهبية. وفي كل واحدة من هذه المنافسات، يتحصل أعضاء مجالس الإدارات على الملايين في حال جناها صندوق التحوط، ويهدف هذا التعويض جزئيًا إلى اجتذاب أفضل العناصر المرشحة.
وبالمقارنة بترتيبات الطوق الذهبي، تبدو أجور أعضاء مجلس إدارة «فيسبوك» صفقة رابحة.
ويمكن الدفع بأنه ينبغي في الواقع زيادة أجور أعضاء مجلس الإدارة في «فيسبوك» لأن ما يتحصلون عليه هي مبالغ زهيدة. بالطبع، على الجانب الآخر، يطرح تساؤل مفاده أنه لماذا يتعين على أي شركة عامة أن تدفع سنتًا واحدًا أكثر مما يتعين عليها - لا سيما إذا كان الأجر جرى التصويت عليه بالموافقة من جانب أعضاء مجلس الإدارة أنفسهم؟
موطن السخرية يكمن في أن رقم الأجر في بعض الحالات لا يساوي شيئا، بينما في حالات أخرى يساوي كثيرًا جدًا.
هل يبدو من المنطقي أن مارك أندريسين أو ريد هاستنغز أو بيتر ثيل أعضاء مجلس إدارة «فيسبوك»، وجميعهم من المليارديرات، انضموا إليه من أجل المال؟ في الأغلب، شأنهم شأن الكثير من الأعضاء الآخرين، لم يلتحقوا بمجلس إدارة الشركة إلا لنيل شرف لقب «عضو مجلس إدارة فيسبوك».
لكن أعضاء مجالس إدارات شركات أخرى يهتمون كثيرًا بالمال. خذ مجلس إدارة شركة سكوير، على سبيل المثال. إنه يضم روث سيمونز، الرئيس السابق لجامعة براون التي استقالت من مجلس إدارة غولدمان ساكس بعد اندلاع الأزمة المالية. وتلقت خيارًا بشراء 38 ألف سهم من سكوير لتنضم إلى مجلس إدارتها، وهو ما يقل كثيرًا عما ناله وزير الخزانة الأميركي الأسبق لورانس إتش سامرز الذي تلقى خيارًا بشراء 1.1 مليون سهم. وفي كلتا الحالتين، تترجم هذه الخيارات إلى مبالغ معتبرة إذا ما قيست بقيمتها الصافية. وبالمناسبة، لا يملك أعضاء مجلس إدارة سكوير، ومن بينهم ماجيك جونسون، أي خبرة مصرفية تقريبًا.
ويعني ذلك أن التعويض الذي يحصل عليه أعضاء مجالس الإدارة، مهما كان ارتفاع المبلغ، ليس منطقيًا في غالب الأحوال. في حالات كثيرة، لا يكون له علاقة بالخبرة التي يجلبها العضو إلى طاولة الاجتماعات. وفي حالات أخرى، قد يشعر عضو مجلس الإدارة بامتنان مفرط إزاء المبلغ المحترم الذي يتقاضونه ويزهد في تحدي الإدارة.
كما تغيب أي أدلة على أن زيادة أجر عضو مجلس الإدارة يحسن في واقع الأمر أداء الشركة.
في الواقع، إن تعويض عضو مجلس الإدارة يمثل حالة لا يصبح فيها ربط الأجر بالأداء فكرة طيبة، إذ إنه من شأن ذلك أن يمنح هؤلاء الأعضاء الحافز لكي يشجعوا شركتهم على خوض مخاطر شديدة. وبما أن هؤلاء الأعضاء يحظون في العادة بالحماية من تراجع شركاتهم ومن المستبعد أن يتعرضوا للمساءلة، فإن مثل هذه الخطوات غير المحسوبة ستضر حملة الأسهم بالأساس. لذا من الأفضل أن يواصل أعضاء مجالس الإدارات في أداء مهامهم المعتادة. قارن ذلك بالمديرين التنفيذيين الذين يضعون مسيرتهم المهنية وسمعتهم برمتها على المحك في شركاتهم.
ويعيدنا ذلك من جديد إلى «فيسبوك».
سيكون من قبيل الخطأ أن تشعر بحماسة زائدة حيال إمكانية أن توجه هذه الدعوى القضائية ضربة قاصمة لمستوى التعويضات التي يتقاضاها أعضاء مجلس الإدارة. فلطالما سمحت محاكم ديلاوير بتباين شديد في تعويضات التنفيذيين وفي قضايا تعلقت بمبالغ أكبر كثيرًا. لقد قررت المحكمة، على سبيل المثال، أنه لا ضير في أن يدفع مجلس إدارة والت ديزني لمايكل أوفيتز مبلغ 140 مليون دولار تعويضًا لعزله بعد 14 شهرًا من العمل بالشركة.
لكن مرة أخرى، في ضوء ثراء «فيسبوك»، تبدو أجور أعضاء مجلس إدارة الشركة ضئيلة. وتدفع شركات أخرى مبالغ أكبر، بما في ذلك غوغل وسيلزفورس دوت كوم، التي دفعت لكل عضو من أعضاء مجالس إدارتها نحو 650 ألف دولار في عام 2013. بينما خفضت «فيسبوك» أجور أعضاء مجالس إدارتها إلى نحو 370 ألف دولار العام الماضي.
وهكذا ربما تكشف قضية «فيسبوك» أنه عندما يتعلق الأمر بأجر عضو مجلس الإدارة، فإنه لا توجد إجابة واضحة.
بعد المديرين التنفيذيين.. الجدل يحتدم حول أجور أعضاء مجالس إدارات الشركات
مساهم في «فيسبوك» رفع دعوى في أميركا بعد زيادة متوسط تعويضاتهم فيها إلى 460 ألف دولار
بعد المديرين التنفيذيين.. الجدل يحتدم حول أجور أعضاء مجالس إدارات الشركات
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
