الهرمل تحولت إلى ثكنة عسكرية.. وسكانها تأقلموا مع الصواريخ

(«الشرق الأوسط») زارت المدينة اللبنانية المتاخمة للحدود السورية.. ولجان شعبية تدير أمنها

لبنانيان يدخنان النرجيلة في أحد مقاهي الهرمل خلف السواتر الترابية (تصوير: حسين درويش)
لبنانيان يدخنان النرجيلة في أحد مقاهي الهرمل خلف السواتر الترابية (تصوير: حسين درويش)
TT

الهرمل تحولت إلى ثكنة عسكرية.. وسكانها تأقلموا مع الصواريخ

لبنانيان يدخنان النرجيلة في أحد مقاهي الهرمل خلف السواتر الترابية (تصوير: حسين درويش)
لبنانيان يدخنان النرجيلة في أحد مقاهي الهرمل خلف السواتر الترابية (تصوير: حسين درويش)

تتفقد لوليانا علام، أزهارا زرعتها في باحات مدينة الهرمل (شمال شرقي لبنان)، بهدف تغيير صورة المدينة. «نصر على إبراز وجه الحياة هنا»، تقول علام، وهي مهندسة زراعية رومانية الأصل، تقيم في المدينة، «ردا على الصواريخ والتفجيرات التي ضربتنا، والقلق الذي يعيشه السكان».
تبدو مدينة الهرمل، التي تعد خزانا بشريا لحزب الله اللبناني، مدينة أشباح. تكاد تخلو طرقاتها من السيارات والمارة، باستثناء عناصر أمنية راجلة وأخرى تراقب في سيارات مدنية، تنتشر في شوارعها الرئيسة. هذه الإجراءات، اتسعت بعد تعرض المدينة لثلاثة تفجيرات انتحارية، منذ 16 يناير (كانون الثاني) الماضي، وتبنتها مجموعات متشددة، قالت إنها تأتي ردا على تدخل حزب الله في القتال بسوريا.
تبدلت صورة المدينة منذ وقوع أول تفجير انتحاري فيها، بعدما «تأقلم» السكان مع الصواريخ التي ضربتها، انطلاقا من الأراضي السورية. ويقول علي ناصر الدين إن الأهالي «لم تخفهم الصواريخ التي كانت تسقط داخل الهرمل (تبعد 10 كيلومترات عن الحدود السورية) وكانوا يمارسون حياتهم الطبيعية»، مشيرا إلى أن التفجيرات التي تعرضت لها «بدلت صورة الحياة فيها، وتسببت في نزوح سكان إلى القرى المحيطة وإلى العاصمة، مما أدى إلى تراجع العمل التجاري في المدينة».
وتعرضت الهرمل، التي يبلغ تعداد سكانها نحو 45 ألف نسمة، ومعظمهم من الشيعة، للقصف بـ205 صواريخ، على الأقل، انطلقت من ريف القصير بريف حمص بسوريا، ومن شمال القلمون بريف دمشق. أول الصواريخ كان في 20 أبريل (نيسان) 2013، بعد مشاركة حزب الله بالقتال في القصير إلى جانب القوات النظامية، وكان آخرها في 25 يناير الماضي، حين تبنت «كتائب عبد الله عزام» المرتبطة بتنظيم القاعدة إطلاق سبعة صواريخ على المدينة، قائلة إنها «رد على مشاركة حزب الله بالقتال في سوريا». واتخذ حزب الله والجيش النظامي السوري، منذ ذلك الوقت، سلسلة إجراءات عسكرية ميدانية داخل الأراضي السورية، أهمها استعادة السيطرة على منطقة النعمات السورية (شرق الهرمل)، ساهمت إلى حد كبير في منع المعارضة من إطلاق الصواريخ على المدينة اللبنانية.
غير أن القلق الذي يعتري السكان هنا، ناتج عن التفجيرات بالسيارات المفخخة ودخول الانتحاريين. فقد ضاعف الجيش اللبناني تدابيره الأمنية، وأقام أربعة حواجز ثابتة بين بعلبك والهرمل (45 كلم)، تدقق بالسيارات وتفتش ركابها، فضلا عن إجراءات احترازية أخرى، لمنع تعرض عناصره للتفجيرات. وكان حاجز الجيش على مدخل الهرمل تعرض في 21 فبراير (شباط) الماضي لتفجير انتحاري بسيارة مفخخة، أسفر عن مقتل ضابط وجندي وشخص مدني، وذلك أثناء تفتيش الانتحاري على الحاجز.
إلى جانب الإجراءات الرسمية، يتولى عناصر مدنيون، التدقيق بهويات الداخلين إلى المدينة، بعد حاجز الجيش. فعلى مسافة مائتي متر عن حاجز الجيش الكائن على جسر العاصي (مدخل الهرمل الشرقي)، يقف عنصران بلباس مدني، وغير مسلحين، للتدقيق بهوية السيارات العابرة وركابها. وعلى بعد أمتار منهم، ينتظر عناصر آخرون في سيارات مدنية، يراقبون العابرين إلى الداخل، ويتدخلون لإيقاف سيارات يشتبهون بأن ركابها غرباء.
ومن الصعب الحسم إذا كان هؤلاء منظمين في صفوف حزب الله، نظرا لأن سياراتهم، تختلف عن سيارات عناصر الحزب الرباعية الدفع التي يستقلها مسلحون على مداخل بلدة اللبوة، قبل نحو 30 كيلومترا من الهرمل، وهي الممر الإلزامي إلى بلدة عرسال، التي تقول تقارير إن السيارات المفخخة إلى لبنان تمر عبرها انطلاقا من مدينة يبرود السورية. ويقيم عناصر الحزب ببزات عسكرية، حواجز تفتيش للسيارات الغريبة، وهي القضية التي أثارت امتعاض السلطات اللبنانية، ودفعت وزير العدل اللواء أشرف ريفي لبحثها مع رئيس لجنة التنسيق والارتباط بالحزب وفيق صفا في أول اجتماع بينهما منتصف الشهر الماضي.
أما في الهرمل، فتختلف السيارات التي تستقلها عناصر المراقبة المدنيون عن آليات حزب الله في اللبوة، على الرغم من أن معظم سكانها يؤيدون حزب الله. وينفي أهالي المدينة أن يكون هؤلاء العناصر من الحزبيين. ويقول نائب رئيس البلدية عصام بليبل لـ«الشرق الأوسط»، إن هؤلاء «غير منظمين في حزب الله»، مؤكدا أنهم «لجان شعبية تطوعت لحماية المدينة». ويوضح بليبل أنه «بعد تعرض الهرمل للتفجيرات، انتدبت العائلات والعشائر، وهي المكون الرئيس للبيئة الاجتماعية في المدينة، شبانا منها لمراقبة الشوارع»، لافتا إلى أن شيوخ العشائر «طلبوا من حزب الله أن يقيم حواجز رسمية له هنا، لكن قيادة الحزب رفضت، كما رفض الجيش اللبناني إجراءات الأمن الذاتي، مما دفع بالعائلات لتطويع شبان لمراقبة المداخل والغرود المؤدية إلى المدينة، بهدف منع دخول السيارات المفخخة».
والعزلة التي تعيشها المدينة، ناتجة عن التفجيرات والتدابير الأمنية المشددة، إلى جانب إغلاق وسائل العبور إلى الداخل السوري بعد اندلاع الأزمة السورية. قبل الأزمة، كانت السوق الرئيسة بالنسبة للسكان، هي مدينة حمص السورية، وما لبثت أن تدهورت العلاقة بين الحالين، منذ سيطرة المعارضة على قرى ريف القصير في خريف 2012، وهو ما يعبر عنه السكان بوصفه «هجوما شنته المعارضة على قرى غرب العاصي، ما منعنا من زيارة الداخل السوري».
وكانت الهرمل، تقليديا، مفتوحة على القصير وحمص، ويستخدم السكان معابر حدودية شرعية وأخرى للتهريب، تتيح لهم تلقي الخدمات الطبية بتكاليف منخفضة، إلى جانب شراء المواد التموينية من السوق السورية. وتوترت العلاقة بفعل الحرب، مما أثر على القطاعين السياحي والتجاري في المدينة بنسبة 70 في المائة، لكن السكان ينفون أن تكون الأزمة أثرت على العلاقة بين أبناء المنطقتين.
وفي موازاة تأكيد حسام، وهو لاجئ سوري يقيم في الهرمل منذ فبراير الماضي، أنه لم يتعرض لأي مضايقات، ينفي نائب رئيس البلدية التعرض لأي سوري، بعد اشتعال الأزمة. ويؤكد بليبل أن «1400 عائلة نزحت من سوريا، تقيم اليوم في الهرمل، وتتلقى المساعدات الإغاثية والطبية، من غير أن يتعرض أي منهم للمضايقات»، مستدلا بتجربة السوري خالد حسيان الذي يقيم في المدينة.
ولحسيان، قصة مختلفة، يجمع سكان من الهرمل على سردها، وتعذر على «الشرق الأوسط» مقابلته في منزله بالهرمل بسبب ارتباطه بدوام عمل. يقول هؤلاء إن الرجل، سوري يقيم مع إخوانه في المدينة منذ قبل اشتعال الأزمة. وبعد اندلاع معارك القصير «توجه إلى سوريا للقتال إلى جانب المعارضة، حيث قتل شقيقاه في المعارك، فيما أصيب هو بجروح». وخلال نقله من سوريا إلى لبنان، طلب جيرانه في الهرمل أن يعالج في مستشفياتها، بدلا من نقله إلى مستشفيات طرابلس (شمال لبنان) المؤيدة بمعظمها للمعارضة السورية. واليوم، يؤكد السكان أنه «يعمل في نقل طلاب الهرمل إلى المدرسة، من غير أن يؤثر قتاله ضد النظام وحزب الله في القصير على رزقه في المدينة». ويقول شاب من الهرمل: «نؤمنه على أولادنا.. أليس ذلك كافيا للتأكيد بأننا لا نعاقبه على القتال ضدنا؟».
الأزمة السورية نفسها، غيرت معالم المدينة وسلوك قاطنيها. ينقسم السكان في هذا الوقت بين «لجان شعبية»، ومدنيين يحتمون خلف أكياس الرمل التي استخدمتها معظم المؤسسات دشما لواجهاتها الزجاجية. وكان إبراهيم علو، صاحب مقهى «برهوم» الكائن وسط المدينة، أول الساعين لوضع دشم من أكياس الرمل «بهدف توفير مكان آمن للرواد الراغبين بتدخين النرجيلة أمام المقهى في الهواء الطلق»، وذلك بعد الانفجار الثاني في الثاني من فبراير الماضي الذي ضرب محطة وقود، ويبعد نحو 200 متر عن المقهى. وخلافا للمؤسسات المصرفية والتجارية التي أغلقت واجهاتها بأكياس الرمل بشكل نهائي، ترك علو مساحة صغيرة، أشبه بنافذة، تسمح للجالسين خلف أكياس الرمل بمشاهدة ما يدور في الشارع. يقول: «نهدف من هذه النافذة، إلى الإعلان عن أن المقهى مفتوحة»، مشيرا إلى أن الطلاب والشبان الذين يرتادون المقهى «يفضلون التدخين في مكان مفتوح، وهو ما دفعنا لوضع دشم رملية تحميهم من عصف التفجيرات في حال وقوعها». وتفنن السكان بأنواع الدشم، إذ استخدم بعضهم البراميل المعبأة بالمياه «بهدف إخماد النيران الناتجة عن التفجيرات في حال وقوعها»، كما تقول سارة أمهز، وهي موظفة في متجر لبيع الأدوات المنزلية.
وتخلو السوق التجارية في المدينة إلى حد كبير من الرواد والزبائن. يقول وصفي علو (سائق سيارة أجرة): «لم نعتد جمودا على هذا النحو.. لقد قضت التفجيرات على أرزاقنا». وعلو، الذي ينقل سكان القرى من وإلى المدينة، يؤكد أن السكان «يعيشون هاجس التفجيرات»، وهو ما دفع بكثيرين منهم إلى النزوح نحو القرى المحيطة. ويضيف: «تضاءلت حركة أهالي القرى إلى حد كبير نحو المدينة، حيث يلزم اللاجئون بلدات مثل بريصة والتركمان (سبعة كيلومترات عن الهرمل) وغيرها، للحد من تنقلاتهم»، لافتا إلى أن أولاده غادروا المدينة «ولا يرتادونها إلا إذا دعت الحاجة».
القلق في الهرمل، وعزلتها الاقتصادية عن البلدات السورية، هاجسان يسيطران على السكان. ووسط الشائعات عن سيارات مفخخة ستعبر إلى المدينة، وتطورات الأزمة السورية، لا تزال يوليانا علام تزرع الورود، وتشرف على تقليم الأشجار، وتسدي النصائح للنساء حول العناية بشتلات الأزهار التي تزين الأرصفة ووسط الطرقات ومداخل المنازل. تعيش يوليانا في عالم من الجمال، تتحدى به قلقها، وقلق الناس من تفجيرات محتملة.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.