«الناشط السياسي».. ظاهرة تربك المصريين

وظيفة تغري بتحقيق الشهرة والثراء السريع

«الناشط السياسي».. ظاهرة تربك المصريين
TT

«الناشط السياسي».. ظاهرة تربك المصريين

«الناشط السياسي».. ظاهرة تربك المصريين

وجوه جاءت واختفت في الضباب ولم يعد يتذكرها أحد إلا بالكاد. كان «دومة»، الشاب المصري الذي يضع طاقية على رأسه، ناشطًا سياسيًا، واليوم هو في السجن. مثل عشرات آخرين طواهم المجهول، لم يأتِ اسمه على لسان أي مرشح من ألوف المرشحين لانتخابات البرلمان الجديد. وفي الجانب الآخر حملت فتيات مثل «إسراء»، ابنة القاهرة، لقب ناشطة لأكثر من سنتين، واحتلت شاشات التلفزيون، إلى أن نزل الستار وانطفأت الأضواء. ومع ذلك جاءت طائفة جديدة من هذه الشريحة التي تحمل صفة «ناشط سياسي» لتتسبب في إرباك المشهد، وإخافة المصريين من المستقبل. صراخ على شاشات التلفزيون وتهويل على واجهات الصحف.
جسم غريب خرج للمرة الأولى من قمقم الثورة واستمر يثير الفزع بعد ذلك فوق كباري القاهرة، في وقت كانت فيه البلاد تعاني من مشكلات سياسية واقتصادية وأمنية جراء الانتفاضة التي أطاحت بحكم الرئيس الأسبق حسني مبارك وما تلاها من تداعيات. جسم غريب لكنه أخذ يتآكل وينكمش رويدا رويدا. واليوم بعد أن جرى الانتهاء من انتخاب أول برلمان في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، تستطيع أن تجلس على ضفة النيل وتدفئ نفسك بشرب «خليط حُمُّص الشام» الحار من الأكواب الطويلة. وتتأمل ظاهرة «النشطاء». كيف بدأت وإلى أين يمكن أن تنتهي.

من فراغ الحياة الحزبية في مصر، وخلال أقل من أربع سنوات، طفا كثير من الأسماء على السطح. اليوم.. يسأل بائع «حُمُّص الشام» من تحت كشافات الكوبري عمن كانوا يحملون صفة «نشطاء سياسيين» في الأيام الأولى للثورة. أين اختفوا؟ يسأل عن شاب مثل وائل غنيم، الذي حقق في وقت وجيز شهرة دولية. لماذا لم يرشح نفسه في انتخابات البرلمان الحالية؟ يقلِّب البائع «الحُمُّص» ويقدمه للزبون، ويعود ليسأل مرة أخرى عن أسماء كانت تملأ الدنيا ضجيجًا عن فساد السلطة وغياب الحريات، لا إجابة. هكذا بكل بساطة. ثم ماذا عن النشطاء الجدد الذين أثاروا، لشهور، الذعر في العاصمة بسبب «القنابل البدائية»؟
كان يوجد في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك أكثر من عشرين حزبا سياسيا. كانت أحزابا هشة. وزاد عدد الأحزاب منذ «الثورة» حتى الآن إلى قرابة المائة حزب، لكنها لم تتمكن، على ما يبدو، من إقناع عامة الشعب بالانخراط فيها أو التفاعل معها. مرت من هنا جحافل الجماعات الدينية ومرت جماعات الاشتراكيين والناصريين واليمينيين، لكن حين تنظر لا تجد لها أثرا.
حتى بعد الإطاحة بحكم الرئيس الأسبق محمد مرسي، ظلت غالبية الأحزاب بقادتها وكوادرها تقف كالمتفرج من بعيد. فشرارة الثورة الأولى خرجت من تحت أصابع الشبان المحترفين على مواقع التواصل الاجتماعي، وأحداث الثورة الثانية ولدت على أيدي شبان آخرين أقنعوا المصريين بـ«التمرد».
* ناشطون «متخصّصون»
بغض النظر عمَّن حملوا صفة «نشطاء» وفشلوا في استكمال المسيرة، وخسروا استحقاق اللقب لأسباب مختلفة، مثل «غنيم» و«دومة» و«إسراء»، إلا أن العامل المشترك يبدو أنه يتلخص في أن معظم هؤلاء لم تكن لديه «سابقة أعمال سياسية يعتد بها». يقول المحامي الشاب الذي شارك في الثورتين، كريم راضي، وهو مدير «مبادرة محامين من أجل الديمقراطية»، إن هذا الوضع الغريب ينطبق أيضًا على من ورثوا صفة «الناشط السياسي» بعد «ثورة» 2013 وحتى اليوم. ويضيف: «الأمر اتخذا أبعادا جديدة بظهور تسميات أخرى مثل (الناشط الحقوقي) و(الناشط الإعلامي)، بينما لا تعرف ما هي وظيفته الأصلية».
بدأ لقب «الناشط السياسي» يتكوّن في أفق الحياة المصرية بشكل واضح بعد أن احتلت الجماهير الغاضبة ميدان التحرير لإجبار مبارك على الخروج من السلطة. وقتها وجد عشرات الشبان والفتيات أنفسهم أمام الكاميرات المسلطة عليهم.. تطلب منهم أن يتحدثوا وأن يفسروا ما يحدث وعن أهدافهم. ومن خلال هذا الحراك الشعبي والغياب الحزبي «ظهر كثير من الناس بشكل غير مفهوم»، كما تقول داليا زيادة، وهي شابة تشغل مديرة مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية. وتضيف: «كثيرٌ من هؤلاء لم يكن لهم أي سابقة أعمال أو تاريخ يستندون إليه. كان الإعلام يبحث عن طريقة لتوصيفهم ووجد أقرب شيء هو مصطلح (ناشط سياسي)».
ومع ذلك توجد ملاحظة تتعلق بالتحول الذي طرأ على «النشطاء السياسيين» خلال السنوات الأربع الأخيرة، كما يقول محمد عبد اللطيف، وهو شاب محامٍ وعضو في ائتلاف الشباب الاشتراكي الذي تكوَّن خلال «الثورة». ففي البداية كانت الظاهرة ترتبط بوجود هؤلاء «النشطاء» في الشوارع وسط المظاهرات والاحتجاجات، لدرجة أن كثيرا منهم دُعي لاجتماعات مع قيادات الدولة أثناء عملية البحث عن طريق جديد لفترة ما بعد مبارك ثم فترة ما بعد مرسي.
ويضيف عبد اللطيف: «الثورة أدت إلى أزمة اقتصادية، ومن هنا عزف الناس عن المظاهرات. أدى ذلك إلى اختفاء (النشطاء) الذين ارتبطت أسماؤهم بتقلبات الشارع وحرائق الميادين والصدامات مع قوات الأمن في ذلك الوقت، وحل محلهم جيل جديد يطمح إلى الشهرة ويحترف التنظير دون علم في وسائل الإعلام، إلى درجة إصابة الناس بالإحباط والذعر. لهذا أصبح الاستمرار في استخدام لقب (ناشط) مثيرا للسخرية».
في كواليس قناة تلفزيونية يملكها رجل أعمال موالٍ للحكومة جلس معدّ القناة يلقّن الضيف، وهو «ناشط» جديد، بما ينبغي أن يقوله في الحلقة. المطلوب اتهام عناصر جماعة الإخوان التي تصنفها الدولة كـ«منظمة إرهابية» بأنهم وراء غرق مدينة الإسكندرية في مياه الأمطار، لأنهم سدوا بالوعات صرف المياه بالإسمنت.
* انتشار.. ودولار
غالبية الضيوف في القنوات المصرية لا يتقاضون مكافأة عن المشاركة في الحلقة، لكن انتشاره إعلاميا يسهل استضافته بعد ذلك في قنوات عربية وأجنبية تدفع بالدولار واليورو، إضافة إلى الشهرة والنفوذ. وعقب الحلقة أجاب الضيف وهو يهم بركوب سيارة التلفزيون التي جاءت به عما إذا كان لديه أدلة على قيام الإخوان بسد مصارف ثاني أكبر المدن المصرية، قائلا بكل بساطة: «هؤلاء يفعلون أي شيء».
المصري أطلق على نفسه قديمًا وصف «الرجل القادر على دهان الهواء بالطلاء»، للتعبير على قدرته على فعل أي شيء يمكن أن تتخيله أو لا تتخيله. ومع ذلك لديه من الإدراك ما يمكن أن يميز به الغث من السمين، رغم فقر الحال إجمالا. ففي أقل من شهر تمكن الملايين من حشد أنفسهم للإطاحة بحكم جماعة الإخوان، وكان من بين من هتفوا بـ«سقوط حكم المرشد» في ميدان التحرير بائع «حُمُّص الشام»، وعدد من زبائنه الذين يترددون عليه فوق كوبري الجامعة الشهير الواصل بين محافظتي القاهرة والجيزة.
على جانبي الكوبري تتقاطع المئات من لافتات الدعاية الانتخابية التي تروّج لمرشحين للبرلمان الذي سيبدأ أعماله خلال أيام.. أسماء معروفة بانتمائها إلى الحزب الذي كان يرأسه مبارك، وأخرى من أحزاب المعارضة التقليدية وشخصيات مستقلة. لم يكن هناك اسم يذكر ممن يحمل لقب «ناشط سياسي». يراقب عمرو عمارة، قائد الشباب المنشقين عن جماعة الإخوان، مجريات العملية الانتخابية وهو يقول بكل وضوح إنه رفض أكثر من مرة أن تطلق عليه وسائل الإعلام لقب «ناشط سياسي.. هذا وصف أصبح ممقوتًا».
ويضيف عمارة أن مصطلح «ناشط سياسي» انتشر «كالنار في الهشيم خلال السنوات الأربع الأخيرة، لكنه ارتبط في كثير من الأحيان بالبحث عن الارتزاق والمكسب المادي. أنا ضد هذا المصطلح لأنه تحول إلى وظيفة لمن لا وظيفة له. ويقول كثير ممن يظهرون على شاشات التلفزيون تحت اسم (ناشط)». إن وسائل الإعلام هي التي أطلقت عليهم هذا الاسم. ويدرك عدد من هؤلاء، على ما يبدو، أن اللقب لم يعد يعني شيئا ذا قيمة. لهذا يسعى بعضهم، مثل عمارة، إما للانخراط في أحد الأحزاب السياسية، وإما لتأسيس حزب جديد، لكي يكون مقنعا للرأي العام.
* معنى فارغ
حتى المحلل السياسي محمد العزبي، يتكلم عن أنه لاحظ في الفترة الأخيرة إدراك الرأي العام للمعنى الذي أصبح فارغًا لكلمة «ناشط». هذا المصطلح ظهر في غفلة من الزمن وانتشر في الإعلام المرئي والمواقع الإخبارية، و.. «أرى أنه في طريقه إلى الزوال». هناك «ناشط» استعانت به إحدى القنوات للهجوم على دول صديقة، و«ناشط» آخر ظل في وقت سابق يضخم من قدرات الإرهاب على ضرب القاهرة حتى أصاب الناس بالذعر والخوف من الخروج إلى الشوارع.
يعود راضي للتذكير بأن «أكثر من تكلّموا باسم الثورة، في بدايتها، كانوا انتهازيين.. هذا تسبب في تشتيت القوى الثورية وإضعاف الحركة المطالبة بالديمقراطية وإرباك المشهد برمته سواء للسلطة أو للشارع السياسي نفسه». صفة «الناشط السياسي» ظهرت منذ القدم في كثير من دول العالم، لكنها أطلقت على شخصيات تمكّنت من إحداث تغيير في بلدانها. وارتبط الاسم أيضًا بقيادات في بلدان مختلفة استمرت لسنوات تسعى لتحقيق مكاسب سياسية من خلال الإضرابات والمظاهرات والمفاوضات. كانت الصفة تعبر عن تيار اجتماعي أو آيديولوجيا، وذلك من خلال حزب أو ائتلاف محدد المعالم، له خطاب واضح يعكس مطالبه وأهدافه.
* دور المراسلين الأجانب
هذا لم يحدث في «الثورة» المصرية. كان المراسلون يفدون إلى ميدان التحرير ويسألون عمّن هو الزعيم. وحيث إنه لم تكن هناك إجابة، استعان إعلاميون أجانب وهم يلهثون لكتابة قصص منطقية للقراء، بمصطلح «activist» أي «ناشط» على الشبان والفتيات المتحمّسين. ولهذا تقول داليا زيادة إن كلمة «ناشط» جاءت بهذه الطريقة من الإعلام في ذلك الوقت المبكر من «الثورة».
زيادة ولدت مع بداية حكم مبارك في مطلع ثمانينات القرن الماضي. وهي من جيل مصري يطمح إلى صنع مستقبل أفضل لبلاده. واختارتها مجلة «نيوزويك» الأميركية ضمن أكثر 150 سيدة مؤثرة على مستوى العالم. وتقول إنه مع ثورة يناير (كانون الثاني) «ظهر كثير من الناس بشكل غير مفهوم. لم يكن لهم أي سابقة أعمال أو تاريخ يستندون إليه. كان الإعلام يبحث عن طريقة لتوصيفهم ووجد أقرب شيء هو لقب (ناشط). هذه التسمية ظهرت في الإعلام الغربي أولا، وبعد ذلك جرى ترجمتها إلى اللغة العربية. وبدأ استخدامها كصفة منذ ذلك الوقت حتى الآن».
وتضيف قائلة إن مصطلح «الناشط السياسي» غير عملي، فالسياسي يفترض أن ينتمي إلى حزب وأن يمارس العمل السياسي، إلى جانب مهنته الأساسية، أما «الناشط السياسي» أو «الناشط الحقوقي» أو «الناشط الإعلامي»، فهي صفات استخدمها الإعلام «حتى يعطي توصيفا لمن ليس لهم توصيف محدد للظهور للمشاهدين والقراء».
وبالإضافة إلى وائل غنيم، ارتبطت أسماء كثير من الشبان والفتيات في خضم «الثورة» الأولى ثم الثانية بوصف «ناشط» أو «ناشطة». ومن الأسماء التي كانت مشهورة حينذاك، واختفى معظمها في الوقت الراهن، نوارة نجم، وعلاء عبد الفتاح، وأحمد دومة، وإسراء عبد الفتاح، وأسماء محفوظ، وغيرهم. غالبية هؤلاء من مواليد أواخر عهد السادات وبدايات عهد مبارك. ومع اختلاف المناخ السياسي، والمزاج الشعبي، خصوصا عقب الإطاحة بحكم مرسي والتفاف قطاع كبير من المصريين حول السيسي، يحاول كثير من المتعطشين للشهرة تكرار التجربة رغم تغير الظروف.
يقول عمارة: «كلمة (ناشط) أصبحت سبّوبة (أي مصدر للارتزاق).. أنا ضد هذا المصطلح بعد أن انتشر في كل مكان وأصبح عمل من لا عمل له». ويشير إلى أن بعض وسائل الإعلام المحلية أيضًا تتحمل جانبا من المشكلة، لأن بعض محطات التلفزيون التي تريد أن تنال من جهة ما تأتي بأي شخص لديه القدرة على توجيه الشتائم وتطلق عليه ناشط سياسي، بل تنقل عنه كلاما وتعبيرات، وأنه قال كذا وأكد على كذا.
وإلى جانب نشاطه الساعي لتكوين حزب سياسي، يعمل عمارة في القطاع الخاص. ويقول: «أنا أسأل هذا النوع من الناشطين السياسيين: ما مصدر رزقك؟ أنا أعمل في التسويق العقاري، وأنت ما عملك الخاص؟ المشكلة أن هناك من يستغل انتشاره في الإعلام كناشط سياسي ويبدأ في التعامل مع المجمع على أنه أصبح شخصية عامة وله نفوذ يقوم باستغلاله لتحقيق مكاسب خاصة. منشق عن أحد الأحزاب يتحول إلى ناشط سياسي.. منشق عن إحدى الجماعات الدينية يتحول إلى ناشط سياسي. بعض الدول تستضيف مثل هؤلاء في أفخم الفنادق وتقدم لهم بدلات سفر وألوف الدولارات لحضور ندوة أو مؤتمر تحت صفة ناشط سياسي أو ناشط حقوقي.
أمضى كريم راضي شهورًا في ميدان التحرير مع شباب الثورة. وظهر على قنوات التلفزيون عدة مرات، ويقول إنه كان يبادر ويطلب من القناة التي تستضيفه تحاشي تقديمه كناشط سياسي أو حقوقي، لأنه لم يكن يستسيغ هذه التسمية، إلى أن اكتشف أخيرًا أنها أصبحت، بالفعل، ترتبط بأشخاص يغيّرون مواقفهم حسب المصالح الشخصية.
* من هو الناشط السياسي الحقيقي؟
راضي الذي يعمل ضمن فريق «الشبكة العربية لحقوق الإنسان»، يرى أنه «أصبح من الصعب معرفة الناشط السياسي الحقيقي من الناشط السياسي غير الحقيقي.. الأمر يحتاج إلى فترة من الزمن حتى تعرف أن هذا الناشط مدّعٍ. هو يرفع شعارات، ومع أول فرصة له لتحقيق مصالحه الشخصية، يبدأ في الظهور على حقيقته. ويضيف أنه يمكن أن تمر سنة كاملة قبل أن ينكشف للرأي العام مثل هؤلاء المنظرين المزيفين.. «مثلا هناك كثيرون ركبوا الثورة منذ بدايتها، وتحدثوا باسمها، وبعد ذلك أصبحوا أول من يهاجمها. لماذا؟ لأن مصالحهم انقضت. كانوا أول من دعا للتظاهر ثم بدأوا بعد ذلك يهاجمون من يدعو إلى التظاهر. كان من الصعب أن تحدد الموقف من هؤلاء في وقت ظهورهم».
وفي المقابل، كما يقول راضي أيضا، هناك شخصيات محترمة تظهر في الإعلام سواء من الشباب أو غير الشباب.. هؤلاء لهم مبادئ يدافعون عنها ولا تتغير مع مرور الوقت، وهذا يمكن أن تطلق عليه السياسي الحقيقي، وهؤلاء قادمون من خلفيات حزبية أو من خلال أنشطة حقيقية على الأرض. هذا لا ينفي أيضًا أن بعض الناشطين المزيفين يمكن أن يكونوا قادمين من حزب سياسي، لكنه يفتقر إلى المبادئ والآيديولوجيا التي يزعم الانتماء إليها.
ويضيف أن الأمر نفسه ينطبق على «الناشط الحقوقي»، لأن «هناك من يوظف نشاطه الحقوقي باختلاف السلطة الحاكمة أو تغير الظروف.. يبدأ في تجزئة المبادئ.. مثلا يدافع عن فئات معينة وفئات يتجاهلها.. يزيد درجة الحرارة في خطاب ينتقد فيه السلطات حين تنتهج نهجا معينا ضد تيار سياسي بعينه، ويخفض من درجة الانتقاد إذا كانت السلطة تستهدف تيار سياسي آخر أو جهة أخرى. هذا أمر لا يمت إلى النشاط الحقوقي بصلة».
القضية بطبيعة الحال لها علاقة بالشهرة والثراء السريع. هذا أغرى البعض ممن ليست لهم صفة أو مركز، لتقديم أنفسهم على أنهم «نشطاء». «ما المانع إذا كانت السيولة الإعلامية على هذه الشاكلة من السهولة؟» كما يقول راضي، ويضيف أن كثيرا من هؤلاء النشطاء المزعومين تمكنوا من الحصول على أموال من الخارج وتمويل من منظمات دولية، وظهرت عليهم النعمة من خلال عملهم الهش، و.. «هناك حالات فجة. مثلا أحدهم كان لا يملك طعام يومه، واليوم أصبح يمتلك السيارات الفارهة».
ويتابع قائلا إن مثل هذه الأوضاع بدأت بالفعل بعد ثورة يناير، واستمرت إلى الآن، رغم أن الناس بدأوا ينفرون من مثل هؤلاء الأشخاص ومن وسائل الإعلام التي تروج لهم. «منذ الثورة انفتح المجال العام، وبدأت وجوه كثيرة تظهر، وحققت كثيرا من هذه الشخصيات الثراء بشكل غير مفهوم وغير معروف مصدره».
تسببت «طائفة النشطاء» بما تروجه من نظريات غريبة وغير واقعية، بإصابة المواطنين بالحيرة بشأن المستقبل، وتسببوا في الخلط بين الغث والسمين، وبين الصدق والكذب. كما يقول كريم راضي، مشيرا إلى أن هذه الظاهرة «جعلت قوى الثورة تتشتت. أدت إلى إرباك المشهد سواء أمام السلطة أو أمام الشارع. كما تسبب في إضعاف الحركة المطالبة بالديمقراطية».
العزبي الذي يظهر بين حين وآخر على قنوات التلفزيون المصري وفي بعض وسائل الإعلام ينفي بشدة أن يكون ممن يحملون صفة «ناشط». ويقول: «أنا لا أعتبر نفسي ناشطًا، بل أنا مواطن مصري وباحث سياسي أبحث في ما وراء الأخبار والأحداث». ويضيف: «لم يكن لي في يوم من الأيام علاقة بهذا النوع من الذين يطلقون على أنفسهم لقب (ناشط)، لأنني منذ اللحظة الأولى أدركت تماما أن هذا الاسم هو مهنة من لا مهنة له»، مشيرًا إلى أن هناك «كثيرا من نماذج الناشطين ممن نبذهم المجتمع أو دخلوا السجون بسبب تورطهم في أعمال عنف وإرهاب أو الحصول على تمويل من الخارج للإضرار بالدولة».
ويعد العزبي من الشبان الذين انخرطوا في الزخم السياسي الكبير الذي تفجر بعد الثورة، إذ إنه كان متحدثا لبعض الوقت باسم «جبهة ثوار وحكماء». ويقول إنه «يوجد كثير ممن أطلقوا على أنفسهم نشطاء، استفادوا من التمويلات المالية ومن تحقيق مراكز وشهرة إعلامية، لكنهم لم يحققوا أي شيء له مردود يشعر به المجتمع».
* مطالب ومصالح شخصية
ويرى أن سبب استمرار ظاهرة «الناشط السياسي» ما زالت كما هي.. «أقصد بذلك حالة الانفلات الأخلاقي التي سادت مصر منذ أحداث الثورة الأولى وحتى الآن، فكل من له مطلب يخرج على الإعلام بصفة ناشط ليتحدث ويملأ الدنيا عويلاً، حتى يستطيع تنفيذ مطالبه الشخصية. هذه وظيفة لجلب الرزق».
ومثل المحامي عبد اللطيف، الذي يداوم على السهر على كوبري الجامعة الذي تفضله عائلات وسط القاهرة، يعتقد العزبي أن الرأي العام بدأ يدرك خطورة اسم «الناشط»، وبدأ يلفظ هذه الصفة التي لا أساس لها. ومن جانبه يضيف عبد اللطيف: «غضب الناس ممن يطلق عليهم الإعلام (النشطاء) ازداد بعد أن استضافت قنوات التلفزيون كثيرا منهم، إذ إنهم قاموا بتضخيم الأخبار عن التفجيرات التي قامت بها بقايا الجماعات المتطرفة. حين كان يقع انفجار صغير في مكب للنفايات مثلا كانوا يصورون الأمر كأن القاهرة تحترق. هذا أصاب الناس بالذعر».
وفي بلد يعاني من الفقر والأمية الثقافية، فإن الأمر يبدو أنه لا يتعلق فقط بطائفة «النشطاء»، ولكن المشكلة تخص وسائل الإعلام وإثارتها مواضيع تخرج أحيانا عن حدود المنطق، لا سيما في القطاع الخاص. فقد فوجئ المشاهدون بـ«ناشط» يؤيد مزاعم أحد المذيعين بشأن مسؤولية أميركا عن إحداث الزلازل وإطلاق البراكين وتوجيه أماكن نزول الأمطار وجريان السيول في الأماكن التي تريدها. ويقول مسؤول في الحكومة المصرية إن البرلمان الجديد سيقرّ إنشاء مجلس أعلى للإعلام لترتيب البيت في هذا القطاع المؤثر على الرأي العام.
في مثل هذا الوقت من شتاء العام الماضي كان هناك نوع من الناشطين يظهرون على الشاشات ويهوّلون من حجم الحوادث الإرهابية والقنابل البدائية التي كانت آثارها ما زالت مستمرة منذ الإطاحة بحكم مرسي. حينذاك لم يكن في مقدور كثير من المصريين التمشي في الليل على ضفاف النيل. كان كوبري الجامعة، مثل بعض الكباري الأخرى، مهجورا على طوله البالغ نحو 500 متر.
اليوم تغيرت الحال وأصبح يمكن الجلوس والسهر على المقاعد البلاستيكية وتناول المشروبات الساخنة. وبينما أضواء السيارات تمرق بين جانبي النهر، وبعيدا عن تنظير «نشطاء» التلفزيون، يواصل الزبائن الاستماع لتعليقات بائع «حُمص الشام» عن الأمل في مستقبل أفضل، بينما النسيم البارد ينساب منعشا من الضفة الأخرى.



العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
TT

العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)

«نحن في كتلة اليمين واليمين الوسط نشكل نحو 65 في المائة من جمهور الناخبين؛ لذلك، سنظل قادرين على تشكيل الحكومة في المستقبل أيضاً. واضح لي أنني سأفقد تأييداً، بل ربما سأثير هلع الكثيرين من أصدقائي الطيبين، لكنني أعتقد أن علينا أن نربط مصيرنا مع العرب في إسرائيل». هذه الكلمات نُشرت يوم 16 يونيو (حزيران) 2019، بقلم شخص يدعى نتان إيشل، المعروف كأقرب المستشارين إلى بنيامين نتنياهو. وجاء نشرها في اليوم نفسه، في صحيفتين على طرفي نقيض، «هآرتس» التي تعد اليسار الراديكالي في نظر اليمين، و«مكور ريشون»، صحيفة اليمين الاستيطاني التي يعدها اليسار منبراً للتيار اليميني الفاشي. كل من يعرف أسرار السياسة الإسرائيلية يفهم أن هذا المقال يعبّر عن وجهة نظر نتنياهو نفسه، وأن الرسالة التي تحملها كانت موجّهة من اليمين الحاكم، إلى الجمهور العام في إسرائيل، من أقصى اليمين، إلى أقصى اليسار، عبر الوسط الليبرالي. ومفادها أن اليمين يملك الشجاعة لتغيير السياسة الرسمية تجاه المواطنين العرب، التي اتّسمت طيلة سنوات الدولة العبرية، بالتمييز العنصري وقمع الحريات.

شكّل المقال أعلاه صدمة، يومها. ففي حينه، كانت إسرائيل تعيش أزمة دستورية تاريخية؛ إذ إنها عبرت 5 معارك انتخابية خلال سنتين ونصف السنة. وبدا أن «العرب ليسوا مشكلة، بل هم الحل»، كما كتب إيشل في المقال نفسه. فما الذي جرى خلال 7 سنوات، حتى يتراجع نتنياهو عن هذا الطريق، ويتخذ موقفاً مناقضاً، يملؤه العداء والكراهية؟

وليس نتنياهو وحده، فإسرائيل تقرّر، اليوم، عبر لجنة الانتخابات المركزية فيها، التي يُفترض أنها نموذج في النزاهة، تعمل على حرمان مواطنيها العرب من حقّهم الأوّلي في الترشح للكنيست (البرلمان)، فتصوّت بأكثريتها الساحقة لشطب جميع قوائم المرشحين العربية؟

قراءة معمقة في التطورات، تبين أن غالبية الأحزاب الإسرائيلية غارقة في مستنقع عنصري موحل. وبما أن العرب في إسرائيل أقلية، تتعامل الأحزاب معهم بتعالٍ وفوقية، تماماً كما كان الآريّون في أوروبا يتعاملون مع اليهود، فيشطبونهم ويدوسون حقوقهم، ويعملون كل ما من شأنه أن يقلل من شأنهم.

ونعود إلى السؤال: ما الذي دفع نتنياهو لإنصاف العرب ثم يقرّر التراجع، لدرجة أنه بات يرى في العرب «جبهة ثامنة» في حروب إسرائيل، إلى جانب إيران و«حزب الله» اللبناني و«حزب الله» العراقي و«حماس» في غزة والسلطة الفلسطينية في الضفة والحوثيين في اليمن؟

منصور عباس (أ.ف.ب)

بداية انعطافة

هناك من يرى بداية الانعطاف عام 2016، عندما قرر المستشار القضائي للحكومة، أبيحاي مندلبليت، إعداد لائحة اتهام في 3 قضايا فساد خطيرة. هؤلاء المحلّلون يحسبون أن نتنياهو، عندما قرر التقارب مع المواطنين العرب، يُقدِم على إجراء ديمقراطي طبيعي، ويبغي إنصاف المواطنين العرب بعد عشرات السنين من التمييز العنصري ضدهم، ليثبت أن اليمين تحديداً هو الذي يحقق لهم مساراً للمساواة، خصوصاً أنه صادق على «الخطة 922» التي تخصّص لهم ميزانية تسدّ بعضاً من هوة التمييز بقيمة 5 مليارات دولار. وهي الخطة التي أُعدت بالتعاون مع «القائمة العربية المشتركة» بقيادة النائب أيمن عودة واللجنة القطرية لرؤساء البلديات العربية بقيادة مازن غنايم.

لكن فريق مساعدي نتنياهو كان يتعاطى مع الموضوع بطريقة أخرى، فهو يخطط لتشكيل تحالف من أحزاب اليمين يكون ضمانة لمواجهة جهاز القضاء، الذي يحاكمه بثلاث لوائح اتهام بالفساد. وتلك الأحزاب كانت مشتتة. اليمين المتطرف فيها، يخشى من حكومات نتنياهو التي تضم دائماً حزباً أو أكثر من الوسط، فعرض عليهم صفقة: «حلف دائم معه، في السراء والضراء، ولا يتفسخ في أي ظروف. ويسانده في المحكمة»، لكنه عندما وجد أن قادة اليمين المتطرف يتبجّحون عليه، ويحاولون فرض شروط، لجأ لحيلة التحالف مع إحدى القوائم العربية.

يومها، كانت الأحزاب العربية قد توحّدت جميعاً تحت لواء «القائمة المشتركة». ونتنياهو يعرف أن السبيل لتفسيخها هو ضم أحدها إلى الائتلاف. وبذا يضرب 3 عصافير بحجر: يفتت الوحدة كعادته في التعامل مع كل خصومه، ويضمن أكثرية لتشكيل حكومة، ويكسب احتراماً في الغرب على أنه ينهي سياسة نبذ العرب والتمييز ضدهم.

إلا أن اليمين المتطرف العميق اشترط ألا يعقد تحالفاً مع العرب. وهكذا أجهضت الفرصة، لكن خصوم نتنياهو في اليمين الوسط، بقيادة نفتالي بنيت ويائير لبيد، استغلوا الوضع، وأقاموا ائتلافاً مع «القائمة العربية الموحّدة» بقيادة النائب منصور عباس عام 2021، وتمكّنوا من تشكيل حكومة بفضل هذا التحالف.

صمدت هذه الحكومة سنة ونصف السنة، من دون تحقيق تغيير جوهري في السياسة الإسرائيلية في مدة قصيرة كهذه، لكنها أكسبت الأحزاب العربية شرعية في الساحة السياسية، وحققت للعرب العديد من الإنجازات، في مقدمتها «الخطة 555» التي توفر للعرب ميزانية تقدر بعشرة مليارات دولار.

البداية مع رابين

لم يكن تحالف عباس مع حكومة بنيت – لبيد الأول الذي يضم العرب، فعام 1993، انسحب حزب «شاس» لليهود الشرقيين المتدينين (حريدي) من حكومة إسحاق رابين، لتغدو حكومة أقلية، فلجأ رابين إلى العرب، الذين كانوا ممثلين بحزبين هما «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» بقيادة النائب توفيق زياد (3 نواب) والحزب الديمقراطي العربي بقيادة النائب عبد الوهاب دراوشة (نائبان)، فشكلوا ما سُمّي «الجسم المانع»، أي الذي يمنع اليمين من إسقاط الحكومة.

وحقاً أظهر رابين نية خالصة في هذا التحالف، ووافق على شرطين: بدء عملية لتحقيق المساواة التامة لمواطني إسرائيل العرب، والاعتراف بـ«منظمة التحرير الفلسطينية». وكان هذا التحالف ناجحاً وناجعاً، في الموضوعين. وجاءت «اتفاقيات أوسلو» ثمرةً له، لكن كما هو معروف، اغتال اليمين الإسرائيلي رابين. وجاء إلى الحكم نتنياهو في حقبته الأولى (1996 - 1999).

هكذا نُسِف المسار. وعاد «استثناء» العرب ومحاولة إبقائهم على هامش الحياة السياسية، ورجعت الأحزاب العربية إلى موقعها الكفاحي من الصفوف الخلفية للمعارضة في الكنيست، والمظاهرات في الشوارع، والضغوط الدولية، عبر مؤسسات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي... وغيرها. وعاد نتنياهو ليستغلها «غولا» يخيف به اليهود.

التحريض قديم

ليس صحيحاً الانطباع بأن نتنياهو يستغل هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، لتأجيج الكراهية للعرب في إسرائيل، فالتحريض عليهم كان قائماً قبل ذلك بكثير وهو نفسه أدّى به دوراً حاسماً.

ومن دلائل نجاح تحريضه على العرب ما جاء في نتائج استطلاع رأي أجراه «المعهد الإسرائيلي للديمقراطية» قبل أسبوع من دعوة نتنياهو ضم العرب إلى الائتلاف في يونيو (حزيران) 2019، أن 81 في المائة من الجمهور اليهودي لا يرغبون في مشاركة الأحزاب العربية فيها، فيما قال 13 في المائة من اليهود إنهم يرغبون بذلك.

لكن هجوم «حماس» المذكور تحوّل إلى معيار للسياسة الإسرائيلية، وعقدة مجتمع كامل، وفي صلبه الكراهية للفلسطينيين، كل الفلسطينيين، بمن في ذلك أطفال غزة وتأييد إعدامهم مع أمهاتهم وبناتهم وشيوخهم. وحتى الفلسطينيون المواطنون في إسرائيل وضعوا في إطار عدائي.

لماذا؟ هل شاركوا في هجوم «حماس» أو وافقوا عليه؟

جميع السياسيين والعسكريين الإسرائيليين يعرفون أن المواطنين العرب هم النقيض التام لحركة «حماس» وموقفهم كان معارضاً كلياً لهجومها، بل إن العديد من هؤلاء العرب قتلوا أو جرحوا خلال الهجوم.

العرب ضد الهجوم

لقد كان العرب في النقب طليعة متلقّي صواريخ «حماس» في ذلك الهجوم، وقتل منهم 6 أشخاص، كذلك قتل المهاجمون امرأة فلسطينية محجّبة؛ لمحاولتها ثنيهم عن قتل مدنيين، وقالت لهم إن فعلهم لا يلائم القيم الإسلامية، فأطلقوا عليها الرصاص. وأطلقوا على مُسعف عربي من بلدة أكسال قرب الناصرة، يعمل في منظمة نجمة داود الحمراء، وهو يسعف أحد المصابين اليهود. وحتى «الحركة الإسلامية»، التي يقودها النائب منصور عباس، أدانت هجوم 7 أكتوبر بوصفه «مجزرة وعملاً غير إنساني وغير مبرّر لا يعكس قيم الشعب الفلسطيني». ومثله فعل تقريباً كل السياسيين العرب في إسرائيل.

لذا، فالقول إنه «بعد 7 أكتوبر لا يجوز تشكيل حكومة تستند إلى الأحزاب العربية»، نوع من التجنّي يقوم على الكذب ونكران الجميل، ويخفي في الحقيقة قيم العنصرية العمياء. ومن شدة خطورة هذه السياسة على مستقبل إسرائيل، يشتعل صراع بين اليهود أنفسهم حول كيفية التعاطي معه.

الغالبية، بما في ذلك قوى الوسط الليبرالي بقيادة غادي آيزنكوت ونفتالي بنيت ويائير لبيد، يتبنّى هذا الموقف العنصري بلا خجل ولا وجل. وهؤلاء رغم خوضهم تجربة جيدة في التحالف مع منصور عباس، خنعوا أمام حملة نتنياهو، وتنصّلوا من هذا التحالف، وتعهدوا برفض أي حكومة تستند إلى أي حزب عربي. وآيزنكوت تحديداً، حاول تخفيف هذه المعارضة وقال، خلال لقاء مع ناخبين في القدس، يوم الجمعة الماضي: «منذ الصباح، ينشغل طاقمي بالوعد الذي قيل إنه أعطي لهم، وهو أن منصور عباس سيكون في الحكومة. كل من يعرفني يعرف أنني لا أقدّم الوعود». ولكن جوابه ما زال يترك له مخرجاً؛ فحسب قوله، يجب على كل شريك أن يوافق على 3 مبادئ أساسية هي: أن دولة إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية – ليبرالية، وأن يوافق على قيم وثيقة الاستقلال، وأن يوافق على واجب الخدمة العسكرية أو الوطنية». ويوم الثلاثاء الأخير قال، خلال لقاء إذاعي مع «إف إم 103»، إنه قرر إضافة شرط رابع هو أن من يريد أن ينضم إلى حكومته أن يؤيد تصفية «حماس».

في المقابل، هناك تيار ليبرالي ويساري يرفض هذا التوجه العنصري، ويقول إن الشعب اليهودي الذي تعرض للتمييز العنصري بأبشع أشكاله في الماضي، يمارسه اليوم بوضوح وصراحة وبشكل رسمي وعلني. وبحسب يائير جولان، رئيس حزب الديمقراطيين فإن «دمج الأحزاب والمجتمع العربي في أي ائتلاف حكومي قادم ضرورة استراتيجية لإنقاذ إسرائيل، ولإلحاق هزيمة باليمين، الذي يدمر إسرائيل». لكن جولان هذا انضم إلى أحزاب اليمين العنصري في شطب سامي أبو شحادة، رئيس حزب «التجمع».

يائير لبيد (أ.ف.ب)

اليهود الذين تعرّضوا للتمييز العنصري

في الماضي يمارسونه اليوم بشكل رسمي وعلني

معركة عربية حذرة

في هذه الأثناء، تدير الأحزاب العربية معركتها بحذر، كي لا تعطي اليمين سلاحاً ضدها في أي ساحة. واليمين يضع محاربة هذه الأحزاب هدفاً أساسياً في حملته، خصوصاً وهو يرى كيف يقع خصومه في حبائل مؤامرته. وهو يخوض معركة قضائية لشطب جميع الأحزاب العربية، ومنعها من المشاركة في الانتخابات، بحجة أنها تؤيد الإرهاب، ولا تعترف بإسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية.

قادة الأحزاب العربية أدركوا خطورة المعركة الانتخابية على مستقبل مجتمعهم، فسلكوا أسلم الدروب لزيادة وزنهم في الحلبة السياسية. وكانت الخطوة الأولى منع إضاعة أي أصوات عربية، فبنوا تحالفاً يضم الأحزاب العربية الثلاثة: «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» بقيادة البروفسور يوسف جبارين، و«الحركة العربية للتغيير» بقيادة النائب أحمد الطيبي و«التجمع الوطني» بقيادة سامي أبو شحادة، وارتبطوا مع «القائمة العربية الموحّدة» بقيادة النائب منصور عباس باتفاق فائض أصوات.

والخطوة الثانية، توقيع «ميثاق شرف» يضمن معركة انتخابية نزيهة ونظيفة بين القائمتين العربيتين، واتفاق قادتهما على التعاون أيضاً بعد الانتخابات في الكنيست، كي يحظوا معاً بأفضل مواقع قيادية برلمانية.

والثالثة، ضمّ عباس نائباً يهودياً إلى القائمة، هو اللواء السابق في الشرطة، يوآف سيغالوفتس، ومنحه المكان الثاني في لائحته الانتخابية. وسيغالوفتش ذو رصيد غني في مكافحة الإجرام المنظم، الذي يعد اليوم أخطر آفة تواجه العرب في إسرائيل، ووجوده في قائمة عربية يقطع الطريق على من يعدها غير شرعية.

شطب أبو شحادة

والرابعة، توسيع دائرة المعركة مع اليمين، وإدخال جهات دولية من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وبعض القوى في الولايات المتحدة، لمنع الحملة العنصرية ضدهم. وسامي أبو شحادة، الذي شُطب في لجنة الانتخابات بسبب مقال كتبه يوم 8 أكتوبر 2023، غداة هجوم «حماس» على إسرائيل يمجِّد فيه الهجوم ويعده هجوم مقاومة ناجحاً، ومتوقعاً وفقاً لقوانين الفيزياء، «لكل فعل رد فعل»، تراجع عن مضمون مقاله، وقال أمام اللجنة، الأربعاء، إنه كتب المقال في حينه قبل أن يعرف ما تضمنه هجوم «حماس» من ممارسات بشعة. وأضاف أنه يعد كتابة المقال خطأً، ولو كان سيكتبه اليوم لكتبه بطريقة أخرى، وأكد أنه يرفض العنف ضد أي جهة كانت، دولة أو بشراً، وأن تاريخه السياسي حافل في تأييد السلام العادل؛ ولذلك فإن الاقتراح لشطبه غير عادل.

لكن هذا التراجع لم يسعفه، لا بل تقرر شطب حتى القائمة التي يقودها عباس وتبدي استعداداً لدخول الحكومة، وانضمت المحكمة العليا إلى هذا الموقف، وأبلغته أنها ستشطبه إذا استمر في المحكمة، لكنها تنصحه بأن ينسحب ويُبطِل هو ترشحه. وهكذا كان. وانضم سلوكه هذا إلى الإجراءات السابقة، التي عُدَّت جزءاً من الجهود العاقلة لسحب البساط من تحت أقدام اليمين.

البداية بالأحزاب... وبعدها المواطنة

اليوم، يرى العرب أن معركتهم جذرية ومصيرية، فمن يريد شطب أحزابهم، يمهّد عملياً للتخلص منهم كمواطنين، وهم يقرؤون جيداً كيف تؤثر الآراء الوحشية كآراء وزير المالية بتسلئيل سموتريتش على جهات يهودية كثيرة، بدءاً بالميليشيات المسلحة التي تهدد وجودهم، وحتى البروفسور الإرهابي من جامعة بار إيلان، الذي وضع خطة لإقامة تنظيم إرهابي يهودي يقتل مئات منهم لغرض حملهم على الرحيل من الوطن.


إيليف إيرالب... المحامية التركية الأصل تطمح بمنح اليسار حُكم العاصمة الألمانية

شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
TT

إيليف إيرالب... المحامية التركية الأصل تطمح بمنح اليسار حُكم العاصمة الألمانية

شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع

البعض لقبها بـ«أخطر امرأة في ألمانيا»، وآخرون وصفوها بـ«ممداني الألماني» نسبة إلى عمدة نيويورك زهران ممداني، أما الصحافة التركية فأطلقت عليها تسمية «ممداني التركي»... كل هذه تسميات تلاحق إيليف إيرالب، المحامية الألمانية - التركية التي تأمل بأن تصبح عمدة برلين بعد فوز حزبها «دي لينكا»، حزب أقصى اليسار، بالانتخابات المحلية في العاصمة الألمانية. الذين يتكلّمون عن «خطرها» يشيرون إلى تعهّداتها بتأميم شركات السكن الكبرى في العاصمة ضمن خطط لتخفيض أسعار الإيجارات. والذين يشبّهونها بعمدة نيويورك الشاب، يقصدون خلفيتها المهاجرة و«الكاريزما» التي تتمتّع بها وقربها من «البرلينيين» وحضورها القوي على وسائل التواصل الاجتماعي. هذه الصفات لعبت دوراً أساسياً في تحقيق حزبها فوزاً غير مسبوق في برلين؛ إذ حصل على ما يقارب الـ26 في المائة من نسبة الأصوات، متقدماً بـ6 نقاط على حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الحاكم بزعامة المستشار فريدريش ميرتس، وهو يحكم حتى برلين حالياً.

إذا نجحت إيليف إيرالب البالغة من العمر 45 سنة، بتشكيل حكومة في ولاية - مدينة برلين، فستصبح أول سيدة ومن أصول مهاجرة تحكم العاصمة الألمانية. ويأتي هذا الحدث بينما يتأهب حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف ليبدأ بحكم أول ولاية ألمانية يكسبها هي سكسونيا آنهالت حيث فاز بنسبة 44 في المائة؛ إذ بدأ مرشح الحزب لترؤس الحكومة أولريش زيغموند مشاوراته لتشكيل حكومة الولاية خلال الأسابيع المقبلة.

في الحقيقة، كثيرون ربطوا بين فوز أولريش، أو حزب «البديل من أجل ألمانيا» بشكل عام، وفوز إيرالب وحزبها، واعتبروا ما أنجزته إيرالب رد فعل من الناخبين الرافضين لاتجاه البلاد أكثر نحو أقصى اليمين. وقد يكون جزءاً من ذلك صحيح إضافة إلى عوامل أخرى. ولكن في أي حال، أصبحت إيرالب حديث الصحافة الألمانية اليومي منذ فوزها قبل ثلاثة أسابيع.

«أمثالي لا ينبغي أن يشغلوا منصب العمدة في هذا البلد»!بهذه الجملة أعلاه افتتحت إيليف إيرالب كلمتها المسجلة والتي توجّهت فيها للناخبين مع إطلاق حملتها الانتخابية. ولاحقاً شرحت ما تقصده بذلك.

إذ قالت في مقابلة مع صحيفة «تاغس شبيغل» البرلينية: «على عكس كثرة من الساسة، أنا لا أنتمي إلى حزب سياسي منذ عقود ولست جزءاً من المؤسسة السياسية. أنا ابنة لاجئين جاؤوا إلى ألمانيا من تركيا قبل فترة قصيرة من ولادتي». وحقاً كان هذا أن خلفيتها المهاجرة ستلعب دوراً محورياً في حملتها الانتخابية.

ولدت إيليف إيرالب في يناير (كانون الثاني) 1981 في مدينة ميونيخ الألمانية بعد أشهر قليلة من وصول والديها من تركيا هرباً من الانقلاب العسكري وما تبعه من عنف وقمع.

وبعكس معظم الأتراك الذين جاؤوا إلى ألمانيا عمالاً، فإن والديها كانا متعلمَين، ووصلا طالبين للجوء في ألمانيا الغربية في سبتمبر (أيلول) 1980. وهما يتحدّران من بلدة بانلي قرب مدينة قيصري، وكانا ناشطين سياسيين نقابيين سجناً بعد الانقلاب العسكري. الوالد كان طبيباً والوالدة ناشطة نسوية في الحزب العمالي الاشتراكي، سجنت بعد الانقلاب ولم يطلق سراحها إلا بسبب تقدّم حملها بشكل واضح عندما كانت حاملاً بإيرالب. وبالنتيجة، تمكنا من الهرب إلى ألمانيا حيث قدّما طلب لجوء في ميونخ. ولكن عمل والدها دفع بالعائلة لاحقاً إلى الانتقال إلى مدينة دورتموند، حيث كبرت إيرالب قبل أن تنتقل مرة أخرى إلى مدينة هامبورغ في سن الثامنة حيث أنهت المدرسة.

دراسة القانون في هامبورغ

بعد المدرسة، درست إيرالب القانون في جامعة هامبورغ وتخرّجت محامية، وأسهم في اختيارها تخصصها، وفق تصريح لها، المعاملة المختلفة والعنصرية التي تعرضت لهما عائلتها في ألمانيا.

لقد تطرقت إيرالب مراراً لتجربة عائلتها لدى وصولها إلى ألمانيا، وعملية اللجوء المعقدة والطويلة التي واجهوها، ومما قالته: «لقد عشت تجربة ما الذي يعنيه عندما تتّخذ السلطات قرارات غير مفهومة، وقد شعرت كذلك بالعنصرية والتمييز... لقد عاصرت عائلات عوملت معاملة مختلفة مثل عائلتنا، ولهذا درست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع».

وقبل إكمال تخصّصها في القانون الجزائي في جامعة هامبورغ، أمضت إيرالب فصلاً في مدينة أليكانتي في إسبانيا. وهو ما مكّنها من تعلّم الإسبانية، لتضاف إلى لغاتها الألمانية والتركية والإنجليزية.

وبعد تخرّجها عام 2007، انتقلت عام 2010 إلى برلين لتعمل مستشارة قانونية لكتلة حزب «دي لينكا» البرلمانية من دون أن تنضمّ للحزب اليساري آنذاك؛ إذ إنها لم تصبح عضواً في الحزب إلا عام 2017. بل، برّرت إيرالب قرارها الانضمام إلى الحزب المنتمي لأقصى اليسار بأنه جاء كرد مباشر على دخول حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف إلى البرلمان الفيدرالي (البوندستاغ) للمرة الأولى آنذاك. ومعلوم، أن الحزب اليميني المتطرف استغل من موجة اللاجئين السوريين التي وصلت إلى ألمانيا عام 2015 لتوسيع قاعدته الشعبية، بانياً حملته الانتخابية ضد اللاجئين والمسلمين.

العيش في بيئة مهاجرين

منذ انتقالها إلى برلين، تعيش إيرالب في منطقة كرويتزبيرغ، المعروفة بـ«إسطنبول الصغيرة»، وقال عنها المستشار الألماني فريدريش ميرتس - قبل أن يصبح مستشاراً - إنها «لا تمثل ألمانيا». وهي تعيش حياة بسيطة، في شقة تستأجرها مع زوجها وولديها اللذين يرتادان مدرسة عامة في الحي. وكانت قد حرصت خلال حملتها الانتخابية على عكس هذه الصورة، بأنها واحدة من سكان المدينة وأنها تشبههم، وأن الأمر لا يتعلق فقط بأصولها المهاجرة.

لقد قالت عن ذلك: «الحملة لا تتعلق بأصولي المهاجرة بل بواقع أنني مثل الجميع هنا. أعرف مشاكل المدينة، الإيجارات المرتفعة والمدارس المتهالكة ونظام التنقل المتردي». وتابعت: «أنا لا أعيش في فيلا في غرونافالد، وأولادي لا يرتادون مدارس خاصة بل مدرسة عادية». وبالمناسبة، غرونافالد منطقة راقية في غرب برلين مليئة بالفلل الفخمة ومحاطة بمدارس خاصة.

أزمة السكن

أزمة السكن في برلين شكلت بالفعل محور حملة إيليف إيرالب الانتخابية. وكانت قد ذكرت في إحدى المقابلات أنها هي نفسها تبحث عن شقة منذ 7 سنوات من دون توفيق. وفي الحقيقة، تعاني برلين من أزمة سكن كبيرة وارتفاع إيجارات مستمر رغم وجود قوانين تحد من رفعها. ويعيش معظم سكان برلين (قرابة 85 في المائة منهم) في شقق مستأجرة في بلد ما زالت فيه ثقافة امتلاك المنزل غير شعبية. وخلال السنوات العشر الأخيرة، ارتفعت أسعار الإيجارات بنسبة 70 في المائة مع تزايد عدد القادمين للعيش في المدينة. وعلى الرغم من وجود قانون يحد رفع الأسعار منذ عام 2015، فإن مالكي الشقق وشركات التأجير تستغل ثغرات في القانون لرفع الإيجارات بشكل دوري.

من جانبها، طرحت إيرالب أفكاراً راديكالية للتعامل مع أزمة السكن، منها الاستحواذ على الشقق المملوكة من كبرى الشركات العقارية الخاصة، بشرائها من ميزانية ولاية برلين بسعر محدد (أقل من سعر السوق الحالي) ثم تحويلها لكي تدار من قبل هيئة غير ربحية.

الخطط تشبه تأميم الشركات، ولكن علامات استفهام كثيرة تحيط بها، من قانونيتها إلى المخاطر التي قد تحملها على ميزانية الولاية التي قد لا تكون قادرة على تحملها. ولقد أثارت هذه الخطط مخاوف كبيرة لدى الشركات المالكة للشقق مثل «فينوفيا» التي تهوي أسهمها منذ فوز إيرالب. وحتى المستشار ميرتس الذي يرفض حزبه التحالف مع «دي لينكا»، تعهد بعد فوز إيرالب وحزبها في برلين، بإدخال قوانين سريعاً تمنع الاستحواذ على شركات العقارات وتحبط خطط الاستيلاء عليها.

أصداء كبيرة

مع هذا، فإن تركيز إيرالب على مواجهة أزمة السكن لقيت صدى كبيراً لدى سكان العاصمة الذين ذكروا في استفتاءات سابقة بأن أزمة السكن هي الموضوع الأول الذي يهتمون به في الانتخابات المحلية. وبينما لم تطرح الأحزاب الأخرى الرئيسة أي أفكار جديدة لمواجهة أزمة السكن، بدت أفكار «دي لينكا» جديدة وجذابة للناخبين. وقال كثيرون من الذين صوّتوا للحزب، إنهم لا يوافقونه في كل السياسات ولكن خطط حل أزمة السكن شكلت عاملاً رئيساً في التصويت لهم. وهكذا، نجح الحزب بمضاعفة أصواته عن الانتخابات السابقة. وما يذكر، أن «دي لينكا» استعان كذلك بفريق عمدة نيويورك ممداني، إذ قدم إلى برلين أحد مستشاريه في حملته الانتخابية ليقدم النصح لفريق إيرالب.

من جهة ثانية، رغم أن أزمة السكن كانت محور حملة إيرالب الانتخابية، فإن أصولها المهاجرة ونضالها في مواجهة التمييز العنصري ظَهَرا أيضاً بشكل محوري في لقاءاتها مع الناخبين. وكان لافتاً أنها استخدمت اللغة التركية في جزء كبير من حملتها في منطقة تعد القلب النابض للجالية التركية. والواقع أن إيرالب أمضت عدة سنوات ناشطة حقوقية أكثر منها سياسية. وحتى عندما انضمت إلى «دي لينكا»، أسست داخل الحزب جناحاً ضم من هم من أصول مهاجرة للترويج للألمان بخلفيات مختلفة وتسليط الضوء على قضايا تمييز يتعرض لها لاجئون ومهاجرون.

وبخلاف الأحزاب الألمانية الأخرى، لا يخشى «دي لينكا»، ولا إيرالب، إظهار التضامن مع القضية الفلسطينية، وهو ما جذب عدداً كبيراً من الناخبين من أصول عربية لهم. وإن كان تسبّب أيضاً بجدل أحاط بالحزب، خاصة، بعد ظهور صور لمشاركة ناشطين فلسطينيين في الحفلة التي أقامها الحزب ليلة صدور النتائج؛ إذ اتهمت الصحافة اليمينية إيرالب، وأيضاً اتهمها بعض الساسة منهم وزير الداخلية، بـ«معاداة السامية». ورد مكتب إيرالب بأنها ستتقدم بدعوى تشهير ضد وزير الداخلية.

الحملات المعادية

هذا، وتشن الصحافة الألمانية حملة لا تتوقف على إيرالب منذ فوزها. وفي المقابل، تكرر إيرالب مراراً بأنها تريد لبرلين أن تكون مكاناً لكل السكان من بينهم أتباع الديانة اليهودية، كما أنها تريد للحوار أن يكون أساسياً بين المجتمعات المسلمة واليهودية في برلين. أيضاً، تتهم الصحافة الألمانية «دي لينكا» بعلاقات مع الجريمة المنظمة، بعد انتشار صورة أيضاً لأحد «زعماء» العشائر العربية - كما تسميهم الصحافة الألمانية - موجود في حفل الحزب ليلة الفوز. لكن الحزب برر لاحقاً بأن الحفل كان مفتوحاً للعامة ولم يكن بالدعوات فقط.

ومن القصص السلبية الأخرى التي تنشرها الصحافة الألمانية يومياً عن إيرالب، قصة عن انتمائها لمجموعة يسارية راديكالية تعرف بـ«المساعدة الحمراء»، وهي مراقبة من المخابرات الداخلية. ولكن إيرالب لم تخف يوماً انتماءها للمجموعة، وأعلنت أعلنت أنها تركتها العام الماضي بسبب اختلاف حول قضايا أساسية.


«دي لينكا»... أمام شروط الحلفاء المحتملين

بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
TT

«دي لينكا»... أمام شروط الحلفاء المحتملين

بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)

نشطت المشاورات لتشكيل حكومة ائتلافية محلية في ولاية برلين، بعد أيام على صدور نتائج الانتخابات. ويقود المفاوضات حزب «دي لينكا» الفائز بالانتخابات بنسبة قاربت الـ26 في المائة، مع حزب «الخضر» الذي حصل على 14 في المائة من نسبة الأصوات والحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) الذي حصل على 12 في المائة منها.

الحزبان الأخيران حددا شروطاً أساسية قبل انطلاق المفاوضات؛ إذ طالب حزب «الخضر» حزب «دي لينكا» باتخاذ موقف واضح من «معاداة السامية»، ومن الاتهامات المرتبطة بذلك التي تلاحق أفراداً في الحزب. وقالت كاتارينا دروغه، زعيمة الكتلة البرلمانية لحزب «الخضر» في ولاية برلين، إن على «دي لينكا» اتخاذ «موقف أقوى ضد معاداة السامية في صفوفه، فنحن لا نتكلّم عن حوادث معزولة بل عن مشاكل هيكلية». وأضافت أنه إذا «لم يحدد (دي لينكا) بشكل واضح الخطوات الصارمة التي سيصار إلى اتخاذها للتعامل مع هذه المشكلة، فلن يمكن إجراء مشاورات لتشكيل حكومة معهم».

أما الحزب الديمقراطي الاجتماعي فقال إنه يتوقع «تفسيراً» من إيرالب حول انتمائها لمجموعة «المساعدة الحمراء» المتطرفة والتي تخضع لمراقبة المخابرات الداخلية. وقال شتيفان كراخ، زعيم الكتلة البرلمانية للحزب في برلمان برلين، إن المشاورات لن تبدأ قبل الحصول على تفسير حول عضويتها تلك، وأيضاً بعد مناقشة ارتباط الحزب بمعاداة السامية والجريمة المنظمة.

أما فيما يخص حزب «دي لينكا»، فهو حزب من أقصى اليسار، شكّل عام 2007 من مجموعة أحزاب يسارية وشيوعية من بينها حزب «الوحدة العمالية» الألماني، وهو حزب ماركس لينيني أسس عام 1946 في مناطق شرق ألمانيا التي كانت تحت حكم الاتحاد السوفياتي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.

ولدى الحزب تجربة بحكم محلي في ولاية ثورينجيا (الشرقية سابقاً) التي حكمها طوال 10 سنوات، وكان رئيس حكومة الولاية فيها هو بودو راميلو الذي تمتع بشعبية كبيرة طوال فترة حكمه. ويستعين فرع الحزب في برلين من تجربة «دي لينكا» في تورينجيا في الحكم، لإجراء المشاورات الحكومية ووضع برنامج الحكومة في حال نجحت المشاورات.