«الناشط السياسي».. ظاهرة تربك المصريين

وظيفة تغري بتحقيق الشهرة والثراء السريع

«الناشط السياسي».. ظاهرة تربك المصريين
TT

«الناشط السياسي».. ظاهرة تربك المصريين

«الناشط السياسي».. ظاهرة تربك المصريين

وجوه جاءت واختفت في الضباب ولم يعد يتذكرها أحد إلا بالكاد. كان «دومة»، الشاب المصري الذي يضع طاقية على رأسه، ناشطًا سياسيًا، واليوم هو في السجن. مثل عشرات آخرين طواهم المجهول، لم يأتِ اسمه على لسان أي مرشح من ألوف المرشحين لانتخابات البرلمان الجديد. وفي الجانب الآخر حملت فتيات مثل «إسراء»، ابنة القاهرة، لقب ناشطة لأكثر من سنتين، واحتلت شاشات التلفزيون، إلى أن نزل الستار وانطفأت الأضواء. ومع ذلك جاءت طائفة جديدة من هذه الشريحة التي تحمل صفة «ناشط سياسي» لتتسبب في إرباك المشهد، وإخافة المصريين من المستقبل. صراخ على شاشات التلفزيون وتهويل على واجهات الصحف.
جسم غريب خرج للمرة الأولى من قمقم الثورة واستمر يثير الفزع بعد ذلك فوق كباري القاهرة، في وقت كانت فيه البلاد تعاني من مشكلات سياسية واقتصادية وأمنية جراء الانتفاضة التي أطاحت بحكم الرئيس الأسبق حسني مبارك وما تلاها من تداعيات. جسم غريب لكنه أخذ يتآكل وينكمش رويدا رويدا. واليوم بعد أن جرى الانتهاء من انتخاب أول برلمان في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، تستطيع أن تجلس على ضفة النيل وتدفئ نفسك بشرب «خليط حُمُّص الشام» الحار من الأكواب الطويلة. وتتأمل ظاهرة «النشطاء». كيف بدأت وإلى أين يمكن أن تنتهي.

من فراغ الحياة الحزبية في مصر، وخلال أقل من أربع سنوات، طفا كثير من الأسماء على السطح. اليوم.. يسأل بائع «حُمُّص الشام» من تحت كشافات الكوبري عمن كانوا يحملون صفة «نشطاء سياسيين» في الأيام الأولى للثورة. أين اختفوا؟ يسأل عن شاب مثل وائل غنيم، الذي حقق في وقت وجيز شهرة دولية. لماذا لم يرشح نفسه في انتخابات البرلمان الحالية؟ يقلِّب البائع «الحُمُّص» ويقدمه للزبون، ويعود ليسأل مرة أخرى عن أسماء كانت تملأ الدنيا ضجيجًا عن فساد السلطة وغياب الحريات، لا إجابة. هكذا بكل بساطة. ثم ماذا عن النشطاء الجدد الذين أثاروا، لشهور، الذعر في العاصمة بسبب «القنابل البدائية»؟
كان يوجد في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك أكثر من عشرين حزبا سياسيا. كانت أحزابا هشة. وزاد عدد الأحزاب منذ «الثورة» حتى الآن إلى قرابة المائة حزب، لكنها لم تتمكن، على ما يبدو، من إقناع عامة الشعب بالانخراط فيها أو التفاعل معها. مرت من هنا جحافل الجماعات الدينية ومرت جماعات الاشتراكيين والناصريين واليمينيين، لكن حين تنظر لا تجد لها أثرا.
حتى بعد الإطاحة بحكم الرئيس الأسبق محمد مرسي، ظلت غالبية الأحزاب بقادتها وكوادرها تقف كالمتفرج من بعيد. فشرارة الثورة الأولى خرجت من تحت أصابع الشبان المحترفين على مواقع التواصل الاجتماعي، وأحداث الثورة الثانية ولدت على أيدي شبان آخرين أقنعوا المصريين بـ«التمرد».
* ناشطون «متخصّصون»
بغض النظر عمَّن حملوا صفة «نشطاء» وفشلوا في استكمال المسيرة، وخسروا استحقاق اللقب لأسباب مختلفة، مثل «غنيم» و«دومة» و«إسراء»، إلا أن العامل المشترك يبدو أنه يتلخص في أن معظم هؤلاء لم تكن لديه «سابقة أعمال سياسية يعتد بها». يقول المحامي الشاب الذي شارك في الثورتين، كريم راضي، وهو مدير «مبادرة محامين من أجل الديمقراطية»، إن هذا الوضع الغريب ينطبق أيضًا على من ورثوا صفة «الناشط السياسي» بعد «ثورة» 2013 وحتى اليوم. ويضيف: «الأمر اتخذا أبعادا جديدة بظهور تسميات أخرى مثل (الناشط الحقوقي) و(الناشط الإعلامي)، بينما لا تعرف ما هي وظيفته الأصلية».
بدأ لقب «الناشط السياسي» يتكوّن في أفق الحياة المصرية بشكل واضح بعد أن احتلت الجماهير الغاضبة ميدان التحرير لإجبار مبارك على الخروج من السلطة. وقتها وجد عشرات الشبان والفتيات أنفسهم أمام الكاميرات المسلطة عليهم.. تطلب منهم أن يتحدثوا وأن يفسروا ما يحدث وعن أهدافهم. ومن خلال هذا الحراك الشعبي والغياب الحزبي «ظهر كثير من الناس بشكل غير مفهوم»، كما تقول داليا زيادة، وهي شابة تشغل مديرة مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية. وتضيف: «كثيرٌ من هؤلاء لم يكن لهم أي سابقة أعمال أو تاريخ يستندون إليه. كان الإعلام يبحث عن طريقة لتوصيفهم ووجد أقرب شيء هو مصطلح (ناشط سياسي)».
ومع ذلك توجد ملاحظة تتعلق بالتحول الذي طرأ على «النشطاء السياسيين» خلال السنوات الأربع الأخيرة، كما يقول محمد عبد اللطيف، وهو شاب محامٍ وعضو في ائتلاف الشباب الاشتراكي الذي تكوَّن خلال «الثورة». ففي البداية كانت الظاهرة ترتبط بوجود هؤلاء «النشطاء» في الشوارع وسط المظاهرات والاحتجاجات، لدرجة أن كثيرا منهم دُعي لاجتماعات مع قيادات الدولة أثناء عملية البحث عن طريق جديد لفترة ما بعد مبارك ثم فترة ما بعد مرسي.
ويضيف عبد اللطيف: «الثورة أدت إلى أزمة اقتصادية، ومن هنا عزف الناس عن المظاهرات. أدى ذلك إلى اختفاء (النشطاء) الذين ارتبطت أسماؤهم بتقلبات الشارع وحرائق الميادين والصدامات مع قوات الأمن في ذلك الوقت، وحل محلهم جيل جديد يطمح إلى الشهرة ويحترف التنظير دون علم في وسائل الإعلام، إلى درجة إصابة الناس بالإحباط والذعر. لهذا أصبح الاستمرار في استخدام لقب (ناشط) مثيرا للسخرية».
في كواليس قناة تلفزيونية يملكها رجل أعمال موالٍ للحكومة جلس معدّ القناة يلقّن الضيف، وهو «ناشط» جديد، بما ينبغي أن يقوله في الحلقة. المطلوب اتهام عناصر جماعة الإخوان التي تصنفها الدولة كـ«منظمة إرهابية» بأنهم وراء غرق مدينة الإسكندرية في مياه الأمطار، لأنهم سدوا بالوعات صرف المياه بالإسمنت.
* انتشار.. ودولار
غالبية الضيوف في القنوات المصرية لا يتقاضون مكافأة عن المشاركة في الحلقة، لكن انتشاره إعلاميا يسهل استضافته بعد ذلك في قنوات عربية وأجنبية تدفع بالدولار واليورو، إضافة إلى الشهرة والنفوذ. وعقب الحلقة أجاب الضيف وهو يهم بركوب سيارة التلفزيون التي جاءت به عما إذا كان لديه أدلة على قيام الإخوان بسد مصارف ثاني أكبر المدن المصرية، قائلا بكل بساطة: «هؤلاء يفعلون أي شيء».
المصري أطلق على نفسه قديمًا وصف «الرجل القادر على دهان الهواء بالطلاء»، للتعبير على قدرته على فعل أي شيء يمكن أن تتخيله أو لا تتخيله. ومع ذلك لديه من الإدراك ما يمكن أن يميز به الغث من السمين، رغم فقر الحال إجمالا. ففي أقل من شهر تمكن الملايين من حشد أنفسهم للإطاحة بحكم جماعة الإخوان، وكان من بين من هتفوا بـ«سقوط حكم المرشد» في ميدان التحرير بائع «حُمُّص الشام»، وعدد من زبائنه الذين يترددون عليه فوق كوبري الجامعة الشهير الواصل بين محافظتي القاهرة والجيزة.
على جانبي الكوبري تتقاطع المئات من لافتات الدعاية الانتخابية التي تروّج لمرشحين للبرلمان الذي سيبدأ أعماله خلال أيام.. أسماء معروفة بانتمائها إلى الحزب الذي كان يرأسه مبارك، وأخرى من أحزاب المعارضة التقليدية وشخصيات مستقلة. لم يكن هناك اسم يذكر ممن يحمل لقب «ناشط سياسي». يراقب عمرو عمارة، قائد الشباب المنشقين عن جماعة الإخوان، مجريات العملية الانتخابية وهو يقول بكل وضوح إنه رفض أكثر من مرة أن تطلق عليه وسائل الإعلام لقب «ناشط سياسي.. هذا وصف أصبح ممقوتًا».
ويضيف عمارة أن مصطلح «ناشط سياسي» انتشر «كالنار في الهشيم خلال السنوات الأربع الأخيرة، لكنه ارتبط في كثير من الأحيان بالبحث عن الارتزاق والمكسب المادي. أنا ضد هذا المصطلح لأنه تحول إلى وظيفة لمن لا وظيفة له. ويقول كثير ممن يظهرون على شاشات التلفزيون تحت اسم (ناشط)». إن وسائل الإعلام هي التي أطلقت عليهم هذا الاسم. ويدرك عدد من هؤلاء، على ما يبدو، أن اللقب لم يعد يعني شيئا ذا قيمة. لهذا يسعى بعضهم، مثل عمارة، إما للانخراط في أحد الأحزاب السياسية، وإما لتأسيس حزب جديد، لكي يكون مقنعا للرأي العام.
* معنى فارغ
حتى المحلل السياسي محمد العزبي، يتكلم عن أنه لاحظ في الفترة الأخيرة إدراك الرأي العام للمعنى الذي أصبح فارغًا لكلمة «ناشط». هذا المصطلح ظهر في غفلة من الزمن وانتشر في الإعلام المرئي والمواقع الإخبارية، و.. «أرى أنه في طريقه إلى الزوال». هناك «ناشط» استعانت به إحدى القنوات للهجوم على دول صديقة، و«ناشط» آخر ظل في وقت سابق يضخم من قدرات الإرهاب على ضرب القاهرة حتى أصاب الناس بالذعر والخوف من الخروج إلى الشوارع.
يعود راضي للتذكير بأن «أكثر من تكلّموا باسم الثورة، في بدايتها، كانوا انتهازيين.. هذا تسبب في تشتيت القوى الثورية وإضعاف الحركة المطالبة بالديمقراطية وإرباك المشهد برمته سواء للسلطة أو للشارع السياسي نفسه». صفة «الناشط السياسي» ظهرت منذ القدم في كثير من دول العالم، لكنها أطلقت على شخصيات تمكّنت من إحداث تغيير في بلدانها. وارتبط الاسم أيضًا بقيادات في بلدان مختلفة استمرت لسنوات تسعى لتحقيق مكاسب سياسية من خلال الإضرابات والمظاهرات والمفاوضات. كانت الصفة تعبر عن تيار اجتماعي أو آيديولوجيا، وذلك من خلال حزب أو ائتلاف محدد المعالم، له خطاب واضح يعكس مطالبه وأهدافه.
* دور المراسلين الأجانب
هذا لم يحدث في «الثورة» المصرية. كان المراسلون يفدون إلى ميدان التحرير ويسألون عمّن هو الزعيم. وحيث إنه لم تكن هناك إجابة، استعان إعلاميون أجانب وهم يلهثون لكتابة قصص منطقية للقراء، بمصطلح «activist» أي «ناشط» على الشبان والفتيات المتحمّسين. ولهذا تقول داليا زيادة إن كلمة «ناشط» جاءت بهذه الطريقة من الإعلام في ذلك الوقت المبكر من «الثورة».
زيادة ولدت مع بداية حكم مبارك في مطلع ثمانينات القرن الماضي. وهي من جيل مصري يطمح إلى صنع مستقبل أفضل لبلاده. واختارتها مجلة «نيوزويك» الأميركية ضمن أكثر 150 سيدة مؤثرة على مستوى العالم. وتقول إنه مع ثورة يناير (كانون الثاني) «ظهر كثير من الناس بشكل غير مفهوم. لم يكن لهم أي سابقة أعمال أو تاريخ يستندون إليه. كان الإعلام يبحث عن طريقة لتوصيفهم ووجد أقرب شيء هو لقب (ناشط). هذه التسمية ظهرت في الإعلام الغربي أولا، وبعد ذلك جرى ترجمتها إلى اللغة العربية. وبدأ استخدامها كصفة منذ ذلك الوقت حتى الآن».
وتضيف قائلة إن مصطلح «الناشط السياسي» غير عملي، فالسياسي يفترض أن ينتمي إلى حزب وأن يمارس العمل السياسي، إلى جانب مهنته الأساسية، أما «الناشط السياسي» أو «الناشط الحقوقي» أو «الناشط الإعلامي»، فهي صفات استخدمها الإعلام «حتى يعطي توصيفا لمن ليس لهم توصيف محدد للظهور للمشاهدين والقراء».
وبالإضافة إلى وائل غنيم، ارتبطت أسماء كثير من الشبان والفتيات في خضم «الثورة» الأولى ثم الثانية بوصف «ناشط» أو «ناشطة». ومن الأسماء التي كانت مشهورة حينذاك، واختفى معظمها في الوقت الراهن، نوارة نجم، وعلاء عبد الفتاح، وأحمد دومة، وإسراء عبد الفتاح، وأسماء محفوظ، وغيرهم. غالبية هؤلاء من مواليد أواخر عهد السادات وبدايات عهد مبارك. ومع اختلاف المناخ السياسي، والمزاج الشعبي، خصوصا عقب الإطاحة بحكم مرسي والتفاف قطاع كبير من المصريين حول السيسي، يحاول كثير من المتعطشين للشهرة تكرار التجربة رغم تغير الظروف.
يقول عمارة: «كلمة (ناشط) أصبحت سبّوبة (أي مصدر للارتزاق).. أنا ضد هذا المصطلح بعد أن انتشر في كل مكان وأصبح عمل من لا عمل له». ويشير إلى أن بعض وسائل الإعلام المحلية أيضًا تتحمل جانبا من المشكلة، لأن بعض محطات التلفزيون التي تريد أن تنال من جهة ما تأتي بأي شخص لديه القدرة على توجيه الشتائم وتطلق عليه ناشط سياسي، بل تنقل عنه كلاما وتعبيرات، وأنه قال كذا وأكد على كذا.
وإلى جانب نشاطه الساعي لتكوين حزب سياسي، يعمل عمارة في القطاع الخاص. ويقول: «أنا أسأل هذا النوع من الناشطين السياسيين: ما مصدر رزقك؟ أنا أعمل في التسويق العقاري، وأنت ما عملك الخاص؟ المشكلة أن هناك من يستغل انتشاره في الإعلام كناشط سياسي ويبدأ في التعامل مع المجمع على أنه أصبح شخصية عامة وله نفوذ يقوم باستغلاله لتحقيق مكاسب خاصة. منشق عن أحد الأحزاب يتحول إلى ناشط سياسي.. منشق عن إحدى الجماعات الدينية يتحول إلى ناشط سياسي. بعض الدول تستضيف مثل هؤلاء في أفخم الفنادق وتقدم لهم بدلات سفر وألوف الدولارات لحضور ندوة أو مؤتمر تحت صفة ناشط سياسي أو ناشط حقوقي.
أمضى كريم راضي شهورًا في ميدان التحرير مع شباب الثورة. وظهر على قنوات التلفزيون عدة مرات، ويقول إنه كان يبادر ويطلب من القناة التي تستضيفه تحاشي تقديمه كناشط سياسي أو حقوقي، لأنه لم يكن يستسيغ هذه التسمية، إلى أن اكتشف أخيرًا أنها أصبحت، بالفعل، ترتبط بأشخاص يغيّرون مواقفهم حسب المصالح الشخصية.
* من هو الناشط السياسي الحقيقي؟
راضي الذي يعمل ضمن فريق «الشبكة العربية لحقوق الإنسان»، يرى أنه «أصبح من الصعب معرفة الناشط السياسي الحقيقي من الناشط السياسي غير الحقيقي.. الأمر يحتاج إلى فترة من الزمن حتى تعرف أن هذا الناشط مدّعٍ. هو يرفع شعارات، ومع أول فرصة له لتحقيق مصالحه الشخصية، يبدأ في الظهور على حقيقته. ويضيف أنه يمكن أن تمر سنة كاملة قبل أن ينكشف للرأي العام مثل هؤلاء المنظرين المزيفين.. «مثلا هناك كثيرون ركبوا الثورة منذ بدايتها، وتحدثوا باسمها، وبعد ذلك أصبحوا أول من يهاجمها. لماذا؟ لأن مصالحهم انقضت. كانوا أول من دعا للتظاهر ثم بدأوا بعد ذلك يهاجمون من يدعو إلى التظاهر. كان من الصعب أن تحدد الموقف من هؤلاء في وقت ظهورهم».
وفي المقابل، كما يقول راضي أيضا، هناك شخصيات محترمة تظهر في الإعلام سواء من الشباب أو غير الشباب.. هؤلاء لهم مبادئ يدافعون عنها ولا تتغير مع مرور الوقت، وهذا يمكن أن تطلق عليه السياسي الحقيقي، وهؤلاء قادمون من خلفيات حزبية أو من خلال أنشطة حقيقية على الأرض. هذا لا ينفي أيضًا أن بعض الناشطين المزيفين يمكن أن يكونوا قادمين من حزب سياسي، لكنه يفتقر إلى المبادئ والآيديولوجيا التي يزعم الانتماء إليها.
ويضيف أن الأمر نفسه ينطبق على «الناشط الحقوقي»، لأن «هناك من يوظف نشاطه الحقوقي باختلاف السلطة الحاكمة أو تغير الظروف.. يبدأ في تجزئة المبادئ.. مثلا يدافع عن فئات معينة وفئات يتجاهلها.. يزيد درجة الحرارة في خطاب ينتقد فيه السلطات حين تنتهج نهجا معينا ضد تيار سياسي بعينه، ويخفض من درجة الانتقاد إذا كانت السلطة تستهدف تيار سياسي آخر أو جهة أخرى. هذا أمر لا يمت إلى النشاط الحقوقي بصلة».
القضية بطبيعة الحال لها علاقة بالشهرة والثراء السريع. هذا أغرى البعض ممن ليست لهم صفة أو مركز، لتقديم أنفسهم على أنهم «نشطاء». «ما المانع إذا كانت السيولة الإعلامية على هذه الشاكلة من السهولة؟» كما يقول راضي، ويضيف أن كثيرا من هؤلاء النشطاء المزعومين تمكنوا من الحصول على أموال من الخارج وتمويل من منظمات دولية، وظهرت عليهم النعمة من خلال عملهم الهش، و.. «هناك حالات فجة. مثلا أحدهم كان لا يملك طعام يومه، واليوم أصبح يمتلك السيارات الفارهة».
ويتابع قائلا إن مثل هذه الأوضاع بدأت بالفعل بعد ثورة يناير، واستمرت إلى الآن، رغم أن الناس بدأوا ينفرون من مثل هؤلاء الأشخاص ومن وسائل الإعلام التي تروج لهم. «منذ الثورة انفتح المجال العام، وبدأت وجوه كثيرة تظهر، وحققت كثيرا من هذه الشخصيات الثراء بشكل غير مفهوم وغير معروف مصدره».
تسببت «طائفة النشطاء» بما تروجه من نظريات غريبة وغير واقعية، بإصابة المواطنين بالحيرة بشأن المستقبل، وتسببوا في الخلط بين الغث والسمين، وبين الصدق والكذب. كما يقول كريم راضي، مشيرا إلى أن هذه الظاهرة «جعلت قوى الثورة تتشتت. أدت إلى إرباك المشهد سواء أمام السلطة أو أمام الشارع. كما تسبب في إضعاف الحركة المطالبة بالديمقراطية».
العزبي الذي يظهر بين حين وآخر على قنوات التلفزيون المصري وفي بعض وسائل الإعلام ينفي بشدة أن يكون ممن يحملون صفة «ناشط». ويقول: «أنا لا أعتبر نفسي ناشطًا، بل أنا مواطن مصري وباحث سياسي أبحث في ما وراء الأخبار والأحداث». ويضيف: «لم يكن لي في يوم من الأيام علاقة بهذا النوع من الذين يطلقون على أنفسهم لقب (ناشط)، لأنني منذ اللحظة الأولى أدركت تماما أن هذا الاسم هو مهنة من لا مهنة له»، مشيرًا إلى أن هناك «كثيرا من نماذج الناشطين ممن نبذهم المجتمع أو دخلوا السجون بسبب تورطهم في أعمال عنف وإرهاب أو الحصول على تمويل من الخارج للإضرار بالدولة».
ويعد العزبي من الشبان الذين انخرطوا في الزخم السياسي الكبير الذي تفجر بعد الثورة، إذ إنه كان متحدثا لبعض الوقت باسم «جبهة ثوار وحكماء». ويقول إنه «يوجد كثير ممن أطلقوا على أنفسهم نشطاء، استفادوا من التمويلات المالية ومن تحقيق مراكز وشهرة إعلامية، لكنهم لم يحققوا أي شيء له مردود يشعر به المجتمع».
* مطالب ومصالح شخصية
ويرى أن سبب استمرار ظاهرة «الناشط السياسي» ما زالت كما هي.. «أقصد بذلك حالة الانفلات الأخلاقي التي سادت مصر منذ أحداث الثورة الأولى وحتى الآن، فكل من له مطلب يخرج على الإعلام بصفة ناشط ليتحدث ويملأ الدنيا عويلاً، حتى يستطيع تنفيذ مطالبه الشخصية. هذه وظيفة لجلب الرزق».
ومثل المحامي عبد اللطيف، الذي يداوم على السهر على كوبري الجامعة الذي تفضله عائلات وسط القاهرة، يعتقد العزبي أن الرأي العام بدأ يدرك خطورة اسم «الناشط»، وبدأ يلفظ هذه الصفة التي لا أساس لها. ومن جانبه يضيف عبد اللطيف: «غضب الناس ممن يطلق عليهم الإعلام (النشطاء) ازداد بعد أن استضافت قنوات التلفزيون كثيرا منهم، إذ إنهم قاموا بتضخيم الأخبار عن التفجيرات التي قامت بها بقايا الجماعات المتطرفة. حين كان يقع انفجار صغير في مكب للنفايات مثلا كانوا يصورون الأمر كأن القاهرة تحترق. هذا أصاب الناس بالذعر».
وفي بلد يعاني من الفقر والأمية الثقافية، فإن الأمر يبدو أنه لا يتعلق فقط بطائفة «النشطاء»، ولكن المشكلة تخص وسائل الإعلام وإثارتها مواضيع تخرج أحيانا عن حدود المنطق، لا سيما في القطاع الخاص. فقد فوجئ المشاهدون بـ«ناشط» يؤيد مزاعم أحد المذيعين بشأن مسؤولية أميركا عن إحداث الزلازل وإطلاق البراكين وتوجيه أماكن نزول الأمطار وجريان السيول في الأماكن التي تريدها. ويقول مسؤول في الحكومة المصرية إن البرلمان الجديد سيقرّ إنشاء مجلس أعلى للإعلام لترتيب البيت في هذا القطاع المؤثر على الرأي العام.
في مثل هذا الوقت من شتاء العام الماضي كان هناك نوع من الناشطين يظهرون على الشاشات ويهوّلون من حجم الحوادث الإرهابية والقنابل البدائية التي كانت آثارها ما زالت مستمرة منذ الإطاحة بحكم مرسي. حينذاك لم يكن في مقدور كثير من المصريين التمشي في الليل على ضفاف النيل. كان كوبري الجامعة، مثل بعض الكباري الأخرى، مهجورا على طوله البالغ نحو 500 متر.
اليوم تغيرت الحال وأصبح يمكن الجلوس والسهر على المقاعد البلاستيكية وتناول المشروبات الساخنة. وبينما أضواء السيارات تمرق بين جانبي النهر، وبعيدا عن تنظير «نشطاء» التلفزيون، يواصل الزبائن الاستماع لتعليقات بائع «حُمص الشام» عن الأمل في مستقبل أفضل، بينما النسيم البارد ينساب منعشا من الضفة الأخرى.



هل يريد نتنياهو فعلاً وقف المساعدات الأميركية؟

خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)
خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)
TT

هل يريد نتنياهو فعلاً وقف المساعدات الأميركية؟

خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)
خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)

المسؤول الإسرائيلي الذي يزور الولايات المتحدة هذه الأيام، يتعب. الأسئلة التي تُطرح عليه صعبة، بعضها لم يُطرح على الإسرائيليين حتى في دول معادية. على سبيل المثال: «إذا شئتم أن تعيشوا كل حياتكم على الحراب فهذا شأنكم، ولكن لماذا تريدون للولايات أيضاً أن تعيش مثلكم؟ تريدون منا مساعدات، مفهوم. لكن لماذا تريدون أن ندير نحن حروبكم، التي لا تنتهي؟ هل أنتم تريدون حقاً وقف المساعدات الأميركية، أم أن هذه مجرد تصريحات تضليلية يطرحها رئيس حكومتكم ويخدعنا بها؟ أنتم قوة إقليمية عظمى في الشرق الأوسط، ولكن كيف ومتى سترون أن هناك قوى عظمى أخرى في هذه المنطقة، لا تقل عنكم أهمية، بل في قضايا عديدة هي أهم منكم؟ لدينا قائمة طويلة بمطالبكم منا ومن حلفائنا ومن المؤسسات والأطر التي يوجد لنا تأثير فيها. فماذا تعطون بالمقابل؟ إلى متى تريدوننا أن نقف معكم في مواجهة العالم؟ متى سنرى مبادرات إسرائيلية للسلام، تمكننا من الاستمرار في الدفاع عنكم أيضاً في المستقبل؟».

الأسئلة أعلاء مأخوذة عن شهادات إسرائيلية منشورة، تثير قلق كثيرين، خصوصاً وأنها صادرة عن «حلفاء إسرائيل المقربين»، كما يقول الجنرال في الاحتياط عاموس يدلين، الذي عاد أخيراً من زيارة طويلة من الولايات المتحدة. ومما قاله: «ثمة أزمة متفاقمة في الموقف الشعبي الأميركي تجاه إسرائيل. إنك تلمس فوراً أن هناك جبهة معادية لإسرائيل تجمع بين اليسار التقدمي في الحزب الديمقراطي والمعسكر الانعزالي في الحزب الجمهوري. وكلّما اتجهنا نحو الفئات العمرية الأصغر، اتسع نطاق هذه الظاهرة لتشمل بعض المعتدلين في الحزبين. وتزداد هذه الظاهرة حدةً في ضوء التعاون الأمني غير المسبوق بين البلدين في الحرب ضد إيران، والمساهمة الإسرائيلية الكبيرة والمؤثرة في العمليات القتالية المشتركة».

يدلين يُعدّ من كبار المهتمين بالشؤون الاستراتيجية لإسرائيل. إذ شغل لسنين طويلة منصب رئيس «معهد أبحاث الأمن القومي»، بعد خدمة طويلة في الجيش طالت لأكثر من 30 سنة، وتولى آخر منصب فيها رئيساً لشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان). والزيارة الأميركية المذكورة لم تكن زيارة عابرة، بل جاءت في إطار دراسة للعلاقات الأميركية - الإسرائيلية تعدّها منظمة «مايند يسرائيل»، التي يقودها، وكان معه مؤسس «المنظمة» الدكتور أفنر غولوب.

الرجلان يريان، كما ورد في مقال نُشر في موقع معهد الأبحاث المذكور، أنه «مقابل التقدير البالغ للجيش الإسرائيلي على شراكته الحرب مع الجيش الأميركي ضد إيران، وخارج المؤسسة الأمنية وحاشية الرئيس دونالد ترمب، تتشكّل جبهة معادية لإسرائيل من الحزبين الأميركيين، تُصوّر إسرائيل على أنها (جرّت الرئيس الأميركي إلى صراع إقليمي لتحقيق طموحاتها بالقوة العسكرية)». بل حتى الذين يصفون هذا الادعاء بأنه لا أساس له من الصحة، يُقرّون بأن هذه حملة فعّالة للغاية، خاصة بين الشباب من كلا الحزبين. ولهذا السبب تحديداً؛ يجب على إسرائيل أن تُقدّم للولايات المتحدة رواية جديدة. ولا ينبغي أن تكون هذه مجرد علاقة أخرى قائمة أساساً على المصالح الأمنية أو الالتزامات التاريخية، بل شراكة تُحقق قيمة استراتيجية مباشرة للمصالح المشتركة للبلدين.

أيضاً، وفق المقال، «تحتاج تل أبيب إلى تعزيز نموذج جديد للعلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة لا يقتصر على تلقّي المساعدات، بل يشمل الشراكة؛ ولا يقتصر على الأمن فحسب، بل يشمل التكنولوجيا أيضاً؛ ولا يقتصر على الدبّابات والطائرات، بل يشمل أيضاً الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والرقائق الإلكترونية، والطاقة، والمواد الحيوية، والتقارب الحيوي (مزيج من الهندسة والبرمجيات والذكاء الاصطناعي مع علم الأحياء)».

العلاقات الثنائية اليوم

معروف أن الدعم الأميركي لإسرائيل حالة نادرة في العلاقات الدولية. ففي المجال العسكري قدّمت واشنطن لإسرائيل غالبية الأسلحة التي تستخدمها في الحروب. وقد بلغ 69 في المائة حتى سنة 2023 وارتفع إلى 78 في المائة خلال الحرب على غزة ولبنان وإيران. وتمّول واشنطن هذا الدعم بمساعدات مالية، بلغ مجموعها 220 مليار دولار منذ عام 1948. وكذلك تجاوزت المساعدات الأميركية لإسرائيل 21.7 مليار دولار منذ بدء الحرب في غزة، لتضاف إلى المساعدات السنوية الاعتيادية البالغة 3.8 مليار دولار. بيد أن الأهم من الحسابات المالية في هذا الدعم هو «المبدأ» الذي تسير عليه، وهو «ضمان تفوق الجيش الإسرائيلي على جميع الجيوش العربية والجيوش المعادية في الشرق الأوسط».

في الولايات المتحدة يعتبر هذا دعماً للدفاع عن إسرائيل في مواجهة أعدائها. ولكن الحقيقة أن ثمة سبباً آخر، لا يقل أهمية، ألا وهو خدمة مصالح واشنطن في المنطقة. بالمناسبة، إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم، التي لا تعارض خوض حرب يُقتل فيها أبناؤها، لخدمة دولة أخرى. ولقد سبق أن فعلتها عام 1956 عندما شاركت في «العدوان الثلاثي» على مصر لخدمة مصالح فرنسا وبريطانيا، الغاضبتين من تأميم قناة السويس. وفعلتها بعشرات العمليات المغامرة، وراء الحدود، بواسطة عملاء «الموساد». ولقد عبّر المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، عن ذلك في يونيو (حزيران) 2025، خلال تصريح على هامش مشاركته بقمة «مجموعة السبع» في كندا، عندما أشاد بالضربات الواسعة التي تشنها إسرائيل على إيران وقال: «هذه مهمة قذرة تؤديها إسرائيل نيابةً عنّا جميعاً».

لكن المسؤولين الإسرائيليين لا يجرؤون على الاعتراف الصريح بذلك، مع أنهم يزعمون أن «إسرائيل تحارب الإرهاب الإيراني لمصلحة الغرب كله». ويفضلون وصف الدعم الأميركي لإسرائيل بأنه «استثمار مُجدٍ».

دبلوماسي إسرائيلي سابق أفاد بأن «كل دولار تصرفه الولايات المتحدة على إسرائيل تسترده بخمسة اضعاف على الأقل». وعدَّد فوائد إسرائيل للولايات المتحدة، من خلال دراسة أعدها ونشرها على موقع الجمعية في يناير (كانون الثاني) الماضي، قائلاً: «إسرائيل تجرّب عشرات أنواع الأسلحة الأميركية في الحروب والعمليات العسكرية. ومنذ عام 1967، وهي تعمل كقاعدة عسكرية تعمل في خدمة العَلم الأميركي كأفضل قاعدة وأطول ذراع في الشرق الأوسط لخدمة مصالحها في وجه الأعداء والإرهاب وحتى لردع الصين وروسيا في المنطقة. ويكفي أن نعرف أن هناك اليوم 128 قاعدة أميركية في 51 دولة في العالم تكلفها مبلغ 70 - 80 مليار دولار في السنة، لكن لا توجد قاعدة كهذه في إسرائيل. لأنها كلها تعتبر قاعدة أميركية. وهي لا تكلف الجيش الأميركي سنتاً واحداً ولا يعمل فيها أي جندي أميركي». من هنا، فإن الدعم الأميركي بقيمة 3.8 مليار دولار «مبلغ متواضع جداً أمام الفوائد التي تجنيها من إسرائيل».


أُطلِقت أخيراً مبادرة تُوازن بين مكانة إسرائيل كما تعرّفها السلطات الأميركية وبين ما لا يعرفه الجمهور الأميركي المنتقد لإسرائيل حالياً

المبادرة الجديدة

اعتماداً على هذا المنطق، يدرس الإسرائيليون مبادرة أُطلقت تُوازن بين مكانة إسرائيل، كما يعرّفها قادة البيت الأبيض والبنتاغون، وبين ما لا يعرفه الجمهور الأميركي الذي يعادي إسرائيل اليوم.

المبادرة أُطلقت في الأسبوع الماضي بالتعاون بين «معهد أبحاث الأمن القومي» في تل ابيب (INSS) ومعهد «مايند يسرائيل» وبين معهد أبحاث SCSP، الذي أسسه هنري كيسنجر والرئيس التنفيذي السابق لشركة «غوغل» إريك شميدت، ويشارك فيها نحو 50 شخصية أميركية وإسرائيلية من السياسيين والعسكريين والباحثين والخبراء، الذين يدعون إلى بناء عملية ذات شقين: خفض تدريجي للمساعدات المباشرة لإسرائيل، بالتزامن مع بناء شراكة تكنولوجية واسعة النطاق.

يدلين وغولوب يشرحان هذه المبادرة، موضحين: «على الصعيد الأمني، يعني ذلك استثماراً مشتركاً في تقنيات الدفاع المستقبلية، ودمج إسرائيل في برنامج (القبة الذهبية) الدفاعي الأميركي. ويمثل هذا تحوّلاً من نموذج الرعاية - دولة راعية للأمن تتلقى مساعدات - إلى نموذج شراكة تكنولوجية عميقة من شأنها تعزيز وتعميق وتحصين العلاقة من خلال المساهمات الإسرائيلية للولايات المتحدة في صراعها ضد الصين».

ويصف الرجلان الرؤية الإسرائيلية للفكرة قائلَين: «أظهرت الحرب ضد إيران بوضوح أهمية إسرائيل كحليف أمني لواشنطن: إذ قدّمت إسرائيل قدرات استخباراتية وعملياتية وتكنولوجية جعلتها شريكاً استراتيجياً يقاتل، مُظهراً أداءً مذهلاً، إلى جانب أقوى قوة في العالم لتحقيق أهداف الحرب. وتساوت مشاركة القوات الإسرائيلية والأميركية في الهجوم والدفاع، وكانت مساهمة إسرائيل في إنقاذ الجنود الأميركيين مساوية لمساهمة الولايات المتحدة في حماية سكان إسرائيل. لم نلتقِ بمسؤول واحد إلا وأبدى تقديره للمساهمة الإسرائيلية في الحرب، وردّد تعريف البنتاغون لإسرائيل (حليف يُحتذى به). لكن، وبما أنه خارج المؤسسة الأمنية وحاشية الرئيس ترمب، تتشكّل راهناً جبهة معادية لإسرائيل من الحزبين الأميركيين الكبيرين، تُصوّر إسرائيل على أنها جرّت الرئيس الأميركي إلى صراع إقليمي لتحقيق طموحاتها بالقوة العسكرية، علينا ان نحدث شيئاً يغيّر الصورة. على إسرائيل أن تُقدّم لواشنطن رواية جديدة. لا ينبغي أن تكون هذه مجرد علاقة أخرى قائمة أساساً على المصالح الأمنية أو الالتزامات التاريخية، بل شراكة تُحقق قيمة استراتيجية مباشرة للمصالح المشتركة للبلدين».

المعروف أن مفعول مذكرة التفاهم الحالية بشأن المساعدات الأميركية لإسرائيل ينتهي عام 2028. ولقد أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سابقاً - وكرّر ذلك هذا الأسبوع - أن على إسرائيل أن تُقلل اعتمادها على المساعدات الأمنية، وقد يكون هذا هو الهدف الصحيح على المدى البعيد.

لكن قلائل جداً في إسرائيل يصدّقون فعلاً بأنه جاد في التخلي عنها، وبخاصة الآن، في خضم أو حتى بعد الحرب ضد إيران. وحسب يدلين: «بالتأكيد إذا اختارت الولايات المتحدة في المستقبل تقليص وجودها في الشرق الأوسط أو التوصل إلى اتفاق جديد مع طهران، فمن المنطقي الإبقاء على المساعدات العسكرية لعقد آخر، ليس فقط لمساهمتها في ميزانية الجيش الإسرائيلي، بل لأنها أصبحت رمزاً لالتزام أميركا بأمننا. ويمكن تفسير أي توقف مفاجئ لها في المنطقة على أنه تقويض لهذا الالتزام».

ويضيف يدلين وغولوب: «لقد رأت المؤسسة الأمنية الأميركية وإدارة ترمب مساهمة مباشرة في المصلحة الأمنية العليا لواشنطن عندما خاضت طائرات (إف -35) و(إف -15)، التي اشتريت بأموال المساعدات، معارك جوية مثيرة للإعجاب، ينفذها الطيارون الإسرائيليون جنباً إلى جنب مع القوات الجوية والبحرية ومشاة البحرية الأميركية. ولكن بعيداً عن الاستراتيجية الأمنية، ووفقاً لتقديراتنا في (مايند إسرائيل)، فإن المساهمة المباشرة للمساعدات الأمنية في الاقتصاد الأميركي تفوق قيمة المساعدات نفسها بأربعة أضعاف على الأقل. بل في النموذج الحالي، لا يتعلق الأمر كثيراً بـ(«مساعدة إسرائيل) بقدر ما يتعلق بالاستثمار الأميركي في منظومة أمنية تكنولوجية مشتركة؛ ولهذا السبب أطلقنا في واشنطن هذه المبادرة».

للعلم، كان معهد الأبحاث الإسرائيلي قد خصّص فصلاً من المبادرة للعمل على الصعيد المدني، لا العسكري فحسب. ويتضمّن الفصل تخصيص موارد متساوية لصندوق مشترك، بقيمة مليار دولار سنوياً لمدة عشر سنوات، يركز على تطوير أهم التقنيات الاستراتيجية للمستقبل.

وتشمل المشاريع الرئيسة التي برزت خلال المناقشات بين الفريقين الإسرائيلي والأميركي: إنشاء مصنع للرقائق الإلكترونية المتقدمة، الموجود حالياً في تايوان فقط؛ وتطوير قدرات البلدين في مجال الأمن السيبراني عبر الذكاء الاصطناعي، وجهود مشتركة لإنتاج ومعالجة المواد الحيوية التي يستخدمها قطاع التكنولوجيا وتسيطر عليها الصين بشكل رئيس، وتطوير الريادة في الحوسبة الكمومية وتطوير تقنيات الاندماج النووي لإنتاج الطاقة... وهي قدرات تضمن الاستقلال الاستراتيجي للبلدين ونفوذاً كبيراً على الساحة العالمية.

يهود أميركا يتغيّرون

على صعيد آخر، في إسرائيل قلق شديد من مكانتها عند يهود الولايات المتحدة، الذين يضاهي عددهم عدد اليهود في إسرائيل.

الباحثان الإسرائيليان تيد ساسون وإلزا زيلبرمان، ذكرا في دراسة جديدة لـ«معهد الأمن القومي» في تل أبيب أن «المجتمع اليهودي الأميركي يسهم إسهاماً كبيراً في الأمن القومي الإسرائيلي وتعزيز صمود المجتمع. فهو يدير شبكة قوية من المنظمات التي تُساعد في حشد الدعم لإسرائيل في المجالين الدبلوماسي والأمني. ويتبرع بمبالغ طائلة للنهوض بالفنون والعلوم والطب والتعليم والرعاية الاجتماعية في إسرائيل، ويُعدّ جزءاً لا يتجزأ من النسيج الثقافي الذي يُشكّل المجتمع الإسرائيلي. لهذه الأسباب وغيرها؛ يُشكّل وجود مجتمع يهودي أميركي قوي ومؤيد لإسرائيل رصيداً استراتيجياً حيوياً لدولة إسرائيل.

مع ذلك، تُشير مؤشرات عدة إلى ضعف هذا المجتمع وتراجع دعمه لإسرائيل»، مع: تزايد التباعد عن المجتمع اليهودي المنظم، وانخفاض عدد الأعضاء في المعابد اليهودية، وتراجع الإقبال على برامج التعليم اليهودي المكملة، وتناقص عدد المتبرعين لحملات الاتحادات اليهودية.

الباحثان رصدا انخفاضاً في عدد الشباب اليهود من الشتات الذين زاروا إسرائيل في السنوات الخمس الماضية بعشرات الآلاف مقارنة بالتوقعات. ويتزايد الجدل حول إسرائيل على خلفية الانتقادات الواسعة لإدارة الحرب في غزة، ولا سيما ارتفاع عدد الضحايا المدنيين، ونقص المساعدات الإنسانية، والسياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية. وبشكل عام، وصل التعاطف مع إسرائيل إلى أدنى مستوياته منذ عقود، وخاصة بين جيل الشباب. وان الاستقطاب تتسع بين الفصائل اليمينية والليبرالية في مجال المناصرة والضغط المؤيد لإسرائيل، مع تصاعد التطرف لدى كلا الجانبين.


عاصم منير... رئيس أركان الجيش الباكستاني و«وجه» دبلوماسية إسلام آباد مع واشنطن

برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود
برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود
TT

عاصم منير... رئيس أركان الجيش الباكستاني و«وجه» دبلوماسية إسلام آباد مع واشنطن

برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود
برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود

في أواخر مارس (آذار) الماضي، بدأت باكستان تموضع نفسها وسيطاً غير اعتيادي بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب بين الطرفين، وراحت تنقل رسائل لوقف النار، انتهت بإعلان هدنة في 8 أبريل (نيسان)، وذلك بعد قرابة 5 أسابيع من القتال، ما زالت مستمرة حتى اليوم. وهي الآن تكمل لعب دور الوسيط الرئيس بين واشنطن وطهران بهدف التوصُّل إلى اتفاق نهائي يثبِّت الهدنة، ويهدف إلى تحقيق اتفاق حول برنامج إيران النووي. لقد فاجأت الوساطة الباكستانية هذه كثرة من المراقبين، لا سيما أن العلاقة بين إسلام آباد وواشنطن لم تكن يوماً علاقة ثقة كاملة بين حليفين يتشكِّك كلاهما من الآخر. وفي الماضي القريب، حتى انطلاق الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، وبدء إيران باستهداف دول الخليج رداً على العملية التي أطلقتها واشنطن وتل أبيب ضدها، كانت دول في المنطقة مثل قطر وتركيا ومصر، تلعب دور الوسيط مع إيران. أيضاً، كان الاتحاد الأوروبي وسيطاً لسنوات بين واشنطن وطهران، وقاد المفاوضات التي تُوجِّت باتفاق نووي عام 2015 انسحب منه الرئيس الأميركي دونالد ترمب في فترته الرئاسية الأولى عام 2018، ثم عاد الرئيس السابق جو بايدن ليطلق مفاوضات جديدة فاشلة، بوساطة بروكسل، لإعادة إحيائه. ولكن مع تحوُّل دول المنطقة إلى أهداف لإيران خلال الأشهر الماضية، ووصول حدة التوترات بين واشنطن والدول الأوروبية إلى مستويات غير مسبوقة، برزت إسلام آباد وسيطاً مقبولاً لدى طرفي النزاع. في قلب هذا التحوُّل، كان هناك رجل عزا إليه كثيرون تغيير الموقف الأميركي: المشير عاصم منير، رئيس أركان الجيش الباكستاني. وبمجهود شخصي، نجح منير في كسب ودِّ الرئيس الأميركي الذي يعوّل في كثير من الأحيان في علاقاته مع الدول، على بناء روابط شخصية مع قادتها، وفي حالة باكستان - التي لطالما لعب الجيش فيها دوراً محورياً في السلطة - مع مشيرها.

يطلق الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، على عاصم منير لقب «مشيري المُفضَّل». وخلال الأشهر الأخيرة الماضية، امتدحه أكثر من مرة بعبارات تراوحت بين «جنرال رائع وقوي»، و«رجل استثنائي»، و«مقاتل رائع». ولا يمر ذكر باكستان أو رئيس وزرائها على لسان الرئيس الأميركي من دون ذكر عاصم منير.

هذا الإعجاب الذي أبداه ترمب مراراً بالجنرال الباكستاني بدأ قبل سنة تقريباً عند اندلاع «حرب الأيام الأربعة» بين «الجارتين» اللدودتين النوويتين، باكستان والهند، على خلفية تفجير في كشمير الهندية.

يومذاك، أنحت نيودلهي باللائمة في التفجير على إسلام آباد، وردَّت بقصف مواقع عديدة لجيشها، ليبدأ تصعيد خطير بين الطرفين، انتهى سريعاً بجهود دبلوماسية أميركية. ومع أن نيودلهي رفضت الإقرار بـ«فضل» ترمب في إنهاء التوتر مع باكستان، وإعلانها أنَّ القتال إنما توقَّف بعد «حوار ثنائي»، فإنَّ إسلام أباد لم تترد بامتداح الرئيس الأميركي علناً، بل وترشيحه أيضاً لـ«جائزة نوبل للسلام».

وهنا يقول محللون إن باكستان استغلت فتور الرد الهندي على الوساطة الأميركية كي تتموضع في مكان أقرب لقلب ترمب ومزاجه. ولكن من هو عاصم منير؟

البداية والنشأة

وُلد عاصم منير في راولبندي عام 1968 لعائلة محافظة ذات جذور في جالاندهار، بشرق إقليم البنجاب، كانت قد هاجرت إلى باكستان بعد الانفصال عن الهند عام 1947.

ونشأ في بيئة دينية انعكست لاحقاً على شخصيته العامة وخطابه السياسي. فهو لا يتحدر من عائلة عسكرية، إذ كان أبوه معلماً في إحدى مدارس مدينة راولبندي وإماماً لمسجد. وخلال نشأته في راولبندي، العاصمة السابقة لباكستان، زاول منير رياضة الكريكت، وحظي بدراسة دينية مبكّرة في مدرسة إسلامية تقليدية. وبعدها، تحوَّل إلى منشد ديني، ويُقال إنه حفظ القرآن بشكل كامل إبان تدريبه العسكري.

وبالفعل، تلقَّى منير تعليمه العسكري في مانغلا، وتخرّج بتفوق، وهو ما وضعه مبكراً ضمن الضباط الذين يُنظر إليهم باعتبارهم «مشاريع قادة» داخل المؤسسة العسكرية.

ثم إنَّه تخرَّج في «مدرسة تدريب الضباط»، ومن ثم التحق بالجيش الباكستاني بعد تخرجه عام 1986، وبدأ الخدمة في وحدات ميدانية، ثم انتقل تدريجياً إلى مواقع أكثر حساسية، خصوصاً في مجالات الاستخبارات والأمن. ومن ثم، ترقّى بسرعة ليصبح مديراً للاستخبارات العسكرية عام 2016، ثم أصبح المدير العام للاستخبارات الباكستانية عام 2018. وخلال هذه الفترة دخل في صراع مع رئيس الوزراء (آنذاك) عمران خان الذي أقاله من منصبه عام 2019... مُطلقاً صراعاً مفتوحاً بين الطرفين.

انضباط ميداني... وبروز في مجال الاستخبارات

هذا المسار المُبكِّر مهَّد لصورته كضابط يجمع بين الانضباط الميداني والخبرة الاستخباراتية. وكما سبقت الإشارة، منذ عام 2016 تولّى منير مناصب بارزة في الاستخبارات، وصولاً إلى قمة الهرم، وهو ما منحه وزناً سياسياً كبيراً داخل الدولة الباكستانية.

هذه المرحلة كانت مفصلية، لأنها صنعت له شبكة علاقات داخلية وخارجية، وعرّفته على ملفات أفغانستان والهند والإرهاب والتوازنات الإقليمية. إلا أن عمران خان أقاله عام 2019 من المنصب من دون إعلان الأسباب.

توليه قيادة الجيش

يوم 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 أصبح عاصم منير رئيس الأركان الـ11 للجيش الباكستاني، وهو المنصب العسكري الأقوى في البلاد. ومنذ تلك اللحظة بدأ حضوره يتجاوز الإطار العسكري البحت، ليصبح لاعباً محورياً في السياستين الداخلية والخارجية لباكستان.

وبين عاميَ 2023 و2024، برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي، مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود. وعمل على توسيع قنوات باكستان مع الخليج والصين وتركيا، وإبقاء التواصل مع واشنطن مفتوحاً في إطار «تنويع التحالفات» بدل الارتهان الكامل لأي طرف.

أيضاً، منذ عام 2024 ارتبط اسم عاصم منير بمحاولات تهدئة الاقتصاد الباكستاني عبر دعم آليات لجذب الاستثمار ومكافحة المضاربة في سوق الصرف، بالتوازي مع اتساع دور الجيش في إدارة ملفات الدولة. وفي الداخل، أثار ذلك جدلاً بين مَن يرى فيه رجل دولة قوياً، ومَن يعدّه متوسعاً في مساحة التأثير السياسي.

بعدها، في مايو (أيار) 2025 رُقّي منير إلى رتبة مشير (فيلد مارشال)، وهي أعلى رتبة عسكرية في باكستان، في خطوة أكّدت حجم حضوره بعد اشتباكات باكستان والهند وتعاظم مكانته داخل النظام. وجعلت هذه الترقية من منير واحداً من أكثر القادة نفوذاً في تاريخ الجيش الباكستاني الحديث.

أكثر من هذا، في نوفمبر 2025 وافق البرلمان الباكستاني على تعديل دستوري يوسِّع دور رئيس أركان الجيش، ويضع القوات البحرية والجوية تحت سلطته، ووافق أيضاً على منح مَن يرقّون إلى رتبة 5 نجوم (فريق) حصانة قانونية مدى الحياة. وهكذا بات المشير يتمتع بحصانة تحميه من الملاحقات القانونية حتى بعد مغادرة منصبه.

العلاقة مع واشنطن

منذ عام 2025 تحوَّلت علاقة عاصم منير بواشنطن إلى عنصر سياسي مهم، مع تقارير عن لقاءات ومشاورات عزَّزت قنوات التواصل مع إدارة ترمب. وفي الوقت نفسه، برز اسمه في ملفات الوساطة الأميركية - الإيرانية، حيث نُظر إليه كقناة غير تقليدية قادرة على تخفيف التوتر الإقليمي عبر موقع باكستان إزاء الطرفين.

والواقع أنَّ العلاقة بين واشنطن وإسلام آباد كانت قد بدأت تترمّم قبل أشهر، عندما سلّمت السلطات الباكستانية مطلوباً أفغانياً لواشنطن متهماً بالمسؤولية عن تفجير مطار كابل الدولي في عام 2021 في أثناء الانسحاب الأميركي ما أدى إلى مقتل 13 عسكرياً أميركيا آنذاك. وكان الفضل في تسليم المتهم وغيره من المطلوبين لدى الولايات المتحدة، يعود بشكل أساسي إلى منير نفسه. وبالفعل، حرص الرئيس ترمب على تقديم الشكر إلى باكستان، إبان الإعلان عن اعتقال المتهم، في خطوة كانت لافتة، خصوصاً بعدما وجَّه الرئيس الأميركي انتقادات لاذعة لها في ولايته الأولى، متهماً إياها بـ«الكذب والخداع» في التعاون بمسائل تتعلق بمكافحة الإرهاب.

زيارة البيت الأبيض

بالنتيجة، هذا الإعجاب المُتجدِّد من طرف الرئيس الأميركي، تُوِّج في يونيو (حزيران) العام الماضي باستضافة ترمب لرئيس الأركان الباكستاني في البيت الأبيض، للجنرال الذي كان قد رقّي بعد «حرب الأيام الأربعة» مع الهند، إلى رتبة مشير، في زيارة غير مسبوقة. إذ ليس من المعتاد أن يستقبل البيت الأبيض قائداً عسكرياً من دون القيادة المدنية، ولكن هذا الحدث كان مؤشراً إلى أنَّ منير كان المُحرِّك الأساسي خلف إعادة إطلاق العلاقات الثنائية. ومع أنَّ الرجل شخصية عسكرية بشكل أساسي، فإنَّه لعب دور الدبلوماسي خلف الأبواب، معتمداً على التكتم، والعمل ما وراء الكواليس.

دور حساس وحيوي

بل لقد كان واضحاً، بعد لقائه ترمب، أنه نقطة التواصل الرئيسة لواشنطن مع إسلام آباد في مواضيع تتجاوز الترتيبات العسكرية والاستخباراتية. فبعد لقاء الرجلين في البيت الأبيض، أصدر الجيش الباكستاني بياناً كشف فيه عن أنَّ اللقاء استمرَّ ساعتين، وناقش مسائل تتعلق بالتجارة والعلاقات الاقتصادية والعملات المشفّرة، إضافة إلى التوترات بين إسرائيل وإيران. ولم تكن، حينذاك، قد اندلعت الحرب بين الطرفين، لكن ترمب أراد - كما يقول البعض - ربما الاستفادة من العلاقة المقربة للمشير بـ«الحرس الثوري الإيراني». وهو قال حقاً بعد لقائه به في البيت الأبيض: «الباكستانيون يفهمون إيران جيداً، بشكل أفضل منا، وهم لاعبون أساسيون في السلام بالمنطقة».

وبحسب ترمب أيضاً، فإنَّ السبب الرئيس لدعوة منير إلى البيت الأبيض كان لشكره على تخفيف التصعيد مع الهند. وكان لافتاً أن زيارة رئيس الأركان الباكستاني جاءت بعد أيام على زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، وهو ما أشار إليه ترمب، مضيفاً: «نحن نعمل على اتفاقية تبادل تجاري مع الهند وباكستان». وما كان لافتاً في هذا الإطار أن ترمب اختار دعوة منير، وليس رئيس الحكومة الباكستاني، إلى واشنطن بعد رئيس الحكومة الهندي، والتشاور معه في أمور تتجاوز المسائل العسكرية.

وللعلم، عاد منير إلى البيت الأبيض بعد 3 أشهر، ولكن هذه المرة مع رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف ليلتقيا معاً الرئيس الأميركي. وبدا واضحاً أن ترمب بات يرى في باكستان شريكاً موثوقاً، وليس ناقص الأهلية، كما كانت الحال في عهده الأول.


دور منير المؤثر في عملية الوساطة مع طهران

قاليباف (آ ف ب)
قاليباف (آ ف ب)
TT

دور منير المؤثر في عملية الوساطة مع طهران

قاليباف (آ ف ب)
قاليباف (آ ف ب)

يرى المراقبون، بكثير من الثقة، أن اللقاءات والعلاقة المتجددة لواشنطن مع باكستان، وبفضل رئيس أركان جيشها عاصم منير، عامل أساسي مهَّد الطريق أمام الوساطة التي لعبتها إسلام آباد عندما بدأت الحرب مع إيران. فهنا أيضاً قاد الوساطة المشير منير، الذي نجح في جمع الطرفين على طاولة المفاوضات يومي 11 و12 أبريل (نيسان) في إسلام آباد.

ولقد تحوّل اللقاء الذي شارك فيه نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس رئيساً للوفد الأميركي، ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباق رئيساً لوفد بلاده، إلى لقاء تاريخي مع أنه لم يتيسر تحقيق أي خرق أو اتفاق فيه؛ إذ كان المرة الأولى التي يلتقي فيها مسؤولون أميركيون وإيرانيون رفيعون بهذا المستوى منذ الثورة الإيرانية.

هنا كان المشير الباكستاني «نقطة الوصل» الرئيسة بين الطرفين والحاضر الثالث على طاولة المفاوضات. وهكذا حلّت إسلام آباد محل كل من فيينا وجنيف اللتين استضافتا جولات كثيرة بين المفاوضات النووية بين الولايات المتحدة وإيران. واستعيض عن الوسيط الأوروبي الذي كان الشريك الأقرب للأميركيين، بوسيط باكستاني.

أيضاً، على الرغم من تعذّر التوصل إلى اتفاق آنذاك، ظل منير متأهباً ويواصل اتصالات لا تتوقف وزيارات مكّوكية لإقناع الطرفين بتوقيع اتفاق. وكان آخرها زيارته إلى طهران الأسبوع الماضي حين التقى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي للتفاوض على النقاط الأخيرة في الاتفاق. ومع أن الزيارة الأخيرة لم تثمر اتفاقاً... فإن جهود المشير الباكستاني مستمرة بلا توقف.

والحقيقة، أن الجهود الدبلوماسية التي قادها منير أوسع من مجرّد إعادة «ترميم» العلاقات مع واشنطن. فهو كان محرّك «اتفاقية الدفاع المشترك» مع المملكة العربية السعودية من الجانب الباكستاني، وهي وصفت بأنها اتفاقية تاريخية تنص على أن أي اعتداء على أحد الطرفين يشكّل اعتداءً على الآخر.

هذه النجاحات الدبلوماسية نادراً ما يحققها قائد عسكري. وهنا يذكر محللون بأن منير كان سبب ملاحقة خان واعتقاله عام 2024 بتهم فساد. وعاد رئيس الحكومة شهباز شريف ليعيّن منير رئيساً لأركان الجيش الباكستاني، ثم تصدر ترقيته العام الماضي إلى رتبة مشير بعد «حرب الأيام الأربعة» مع الهند. إذ سُجّل له الفضل بالوقوف في وجه نيودلهي وإلحاق إضرار كبيرة بجيشها خلال المواجهة الوجيزة.

تلك الحرب، فتحت في الواقع الباب أمام عاصم منير لتصحيح العلاقات مع واشنطن وحوّلته «نقطة تواصل» موثوق بها ووسيطاً دبلوماسياً رئيساً مع إيران. وفعلاً، أنهى منير بجهود متراكمة، سنوات من تشكيك الإدارات الأميركية المتعاقبة بشراكة باكستان. وللعلم، ما زال في الأذهان قرار إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، تنفيذ عملية اغتيال أسامة بن لادن على الأراضي الباكستانية من دون التنسيق معها. وظل التشكيك بإسلام آباد والتساؤل حول ما إذا كانت فعلاً تجهل وجوده على أراضيها، يلاحقها حتى اليوم.

أخيراً، ما إذا كان سينجح المشير الباكستاني في دوره الجديد ويتوّج جهوده الدبلوماسية باتفاق نهائي بين الولايات المتحدة وإيران، تساؤل غير واضح الإجابة بعد. ولكنه من دون شك، نجح في تغيير صورة باكستان لدى الإدارة الأميركية، وتحويلها من شريك ناقص مشكوك فيه، إلى شريك كامل محل ثقة، حتى في أكثر الملفات تعقيداً.