كازنوف.. من المجهول إلى الأضواء

وزير الداخلية الفرنسي في مواجهة الإرهاب الأعمى

كازنوف.. من المجهول إلى الأضواء
TT

كازنوف.. من المجهول إلى الأضواء

كازنوف.. من المجهول إلى الأضواء

سلطت الهجمات الإرهابية في العاصمة الفرنسية باريس، التي نفذها متطرفون إرهابيون وهزّت فرنسا وأوروبا الأضواء خلال الأسبوع الماضي، بصورة غير مسبوقة على شخصية وزير الداخلية الفرنسي برنار كازنوف. فقبل هذه الهجمات كان كازنوف، السياسي والبرلماني الاشتراكي الوقور، شخصية لا يتردد اسمها كثيرًا خارج فرنسا. ولكن الواضح أن الرجل بهدوئه ورصانته فرض نفسه على الأحداث. ويظهر أن الشارع الفرنسي أيضًا يبدي رضا نسبيًا لا بأس عن المقاربة المتشددة التي اتخذها الرئيس فرنسوا هولاند وحكومته التي يرأسها مانويل فالس وتضم كازنوف، بوجه الإرهابيين، بدليل ارتفاع شعبية الرئيس هولاند بنسبة طيبة خلال الساعات الـ24 الماضية.
بينما كان الفرنسيون يتثاءبون في حر شهر أغسطس (آب) على الشواطئ تحت أشعة الشمس، كان برنار كازنوف، وزير الداخلية الذي عيّن في منصبه خلال العام الماضي يعقد قرانه مجددًا مع المرأة التي طُلق منها قبل سنوات والتي هي والدة أبنائه.
بالطبع، في الأمر ما يحير لأنه ليس شائعًا بين أوساط الفرنسيين. وأول الذين دعاهم برنار كازنوف لحفل الزواج في إحدى بلديات فرنسا رئيس الجمهورية فرنسوا هولاند. هولاند الذي كان معروفا قبل وصوله إلى قصر الإليزيه بروح الدعابة، قال لمن يريد أن يسمع أنه «لن يكون الرجل التالي» الذي سيقف أمام السلطات ليعلن زواجه في إشارة خفية، على ما يبدو، لوضعه العائلي إذ إنه يساكن جولي غاييه وهي ممثلة سينما بعدما افترق عن صديقته فاليري تريرفيلر التي حلت محل والدة أولاده الأربعة سيغولين رويال، وزيرة البيئة في الحكومة الحالية.
زواج كازنوف الثاني مرّ من غير ضجيج. فالرجل يحب السرية وهو كتوم. هولاند يسميه «الصامت الأكبر» بينما زملاؤه في الحكومة يعيبون عليه أنه كـ«البئر العميقة» ويلقبه آخرون بـ«الحرباء» لأنه يعرف أن يتكيف مع المواقف الأكثر صعوبة. لكن برنار كازنوف، في حياته الخاصة، غير كازنوف النائب ثم الوزير. هوايته المفضلة أن يقلد الرئيس هولاند ورئيس الحكومة وزملاءه في الوزارة. وبعض هؤلاء يقول عنه إنه يجيد السخرية على الطريقة الإنجليزية أي السخرية من «الدرجة الثانية».. وهو يحب القطط والطبيعة ويهوى الموسيقى ويحرص على الإتقان في كل ما يقوم به.
تقول الألسنة الخبيثة إن وصول برنار كازنوف إلى وزارة الداخلية الملاصقة لقصر الإليزيه سببه الأول أن مانويل فالس، الذي سبقه في هذا المنصب، أراد مع تعيينه رئيسا للحكومة، أن يأتي بوزير لا شعبية له ولا يستطيع أن يكون منافسًا له في المستقبل. فالمنصب فيه ما يغري وشاغله يستطيع استخدامه منصة لمناصب أعلى. ولعل أفضل دليل على ذلك أن نيكولا ساركوزي، رئيس الجمهورية السابق، نجح في استثماره وحوله بوابة لدخول قصر الرئاسة. ومثله فعل فالس الذي قفز من الداخلية إلى رئاسة الحكومة. فشاغل منصب وزير الداخلية هو المسؤول الأول عن أمن الفرنسيين والسهر على راحتهم كما أنه وزير الأديان. والأهم أن كل تقارير أجهزة المخابرات على تعدد اختصاصاتها تصل إلى مكتبه صبيحة كل يوم بحيث يعد الرجل الأكثر اطلاعا في كل الجمهورية.
* البداية
كانت بدايات كازنوف في ثيابه الجديدة خجولة وضعيفة. فالرجل الذي دخل عالم السياسة من الباب الحزبي بانتمائه إلى الحزب الاشتراكي عقب حصوله على شهادة ماجستير من معهد العلوم السياسية في مدينة بوردو بجنوب غربي فرنسا. وكان يفتقر لتجربة وزارية وسياسية كافية تؤهله لأن يحتل أحد أهم المناصب الوزارية في الجمهورية الفرنسية. إذ سبق لكازنوف أن شغل منصبين وزاريين اثنين: الأول، وزيرا مفوضا للشؤون الأوروبية وهو منصب وزاري تقني يدين به إلى وزير الخارجية لوران فابيوس الذي أخذه تحت جناحيه ورعى مساره السياسي وجاء به إلى الوزارة بعد وصول هولاند إلى رئاسة الجمهورية في ربيع عام 2012. ثم من هذا المنصب نقل ليحتل منصب وزير الدولة لشؤون الخزانة بعد الفضيحة التي ارتبطت باسم الوزير السابق جيروم كاهوزاك بسبب إخفائه حسابات مصرفية كان يمتلكها في سويسرا بينما وظيفته الرسمية أن يحارب تهريب الأموال إلى الخارج وخصوصا إلى الفراديس الضريبية وعلى رأسها سويسرا.
ولد برنار كازنوف في مدينة سانليس المتوسطة الحجم، الواقعة شمال العاصمة باريس، في عائلة يسارية تنتمي إلى الطبقة المتوسطة. فوالده كان مسؤولا عن الحزب الاشتراكي في منطقة الواز (شمال باريس) وبرنار نفسه باشر العمل السياسي شابًا في صفوف اليسار وانضم إلى الحزب الاشتراكي بعدما أنهى دروسه. ويروي أنه «قفز» العتبة بعد استماعه لخطاب ألقاه رئيس الجمهورية الأسبق فرنسوا ميتران الذي أدخل الاشتراكيين إلى عرين السلطة بعدما كانت حكرا على اليمين منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.
وبسبب تخصصه في الحقوق، باشر كازنوف حياته المهنية في «البنك الشعبي» مسؤولا عن الملفات القانونية، لكنه سريعًا، ومنذ بداية التسعينات، تنقل في وظائف كثيرة مستشارا هنا أو خبيرا هناك في المكاتب الوزارية. وعلى الصعيد الحزبي، كان منضويا في «تيار» لوران فابيوس الذي كان وقتها في عز شعبيته داخل الحزب الاشتراكي مما وفر له الفرصة ليتم اختياره في الانتخابات المحلية في منطقة مدينة شيربورغ بشمال غربي فرنسا. وهكذا ولج عتبة جديدة عندما أصبح في العام 1997 نائبا عنها ثم رئيسا لبلديتها، مما وفر له عرينا انتخابيا خاصا به. وبسبب «ولائه» لوزير الخارجية الحالي، صوت كازنوف في عام 2005 ضد المعاهدة الدستورية الأوروبية التي على أساسها قطع الاتحاد الأوروبي شوطا إضافيا للوصول إلى ما هو عليه اليوم. بيد أن ذلك لم يمنعه من أن يعاد انتخابه نائبا في عام 2007 وذلك بنسبة مريحة بمواجهة مرشح اليمين إذ حصل على 59 في المائة من الأصوات. وزاد على انتصاره في المعركة التشريعية انتصارا في الانتخابات البلدية إذ توّج رئيسا للمجموعة الحضرية لمنطقة شيربورغ. وخلال وجوده في البرلمان، نشط كازنوف في اللجان ومنها لجنة الشؤون الدفاعية، كما بدأ اسمه بالذيوع على المستوى الشعبي بعد ما تسلم الدفاع عن مصالح ضحايا الهجوم الإرهابي الذي أصاب فنيين فرنسيين في مدينة كراتشي، وهو الهجوم الذي تتضح كامل تفاصيله. وذهب كازنوف إلى حد تأليف كتاب عن هذه القضية.
في عام 2011، حمي وطيس المعركة داخل الحزب الاشتراكي لتعيين مرشحه الذي سيواجه الرئيس المنتهية ولايته في ربيع عام 2012. وبسبب كثرة المرشحين وربما محافظة على مصالحه الخاصة، رفض كازنوف أن يؤيد مرشحا دون آخر. ولذا، فإن فرنسوا هولاند عينه أحد الناطقين باسمه خلال الحملة الانتخابية الرسمية. لكن المواطنين الفرنسيين لا يتذكرون شيئا عن هذه الفترة إذ إن كازنوف، رغم مهارته السياسية، لم ينجح في البروز فبقي سياسيا متوسط الأهمية. ولذا، بعد فوز هولاند بالرئاسة، لم يعهد له سوى «نصف» منصب وزاري «الوزير المفوض للشؤون الأوروبية» ثم انتقل بعدها إلى نصف منصب وزراي آخر، لكنه أكثر أهمية وهو الوزير المفوض لشؤون الميزانية لتفتح له الأبواب على مصراعيها مع وصول فالس إلى رئاسة الحكومة وخلو منصب وزير الداخلية الذي كان يشغله الأخير منذ العام 2012.
* «الرجل المجهول»
لم يكن أحد في فرنسا يتوقع لهذا السياسي الذي يتكلم دائما بصوت منخفض ويتقن ما يسمى في عالم الصحافة «اللغة الخشبية» أي يتحدث لكي لا يقول شيئا بلجوئه إلى الصيغ الجاهزة أن يصل إلى ما وصل إليه اليوم. ففي منتصف العام الماضي، قامت القناة التلفزيونية «كانال+» بإنتاج تحقيق عنه. وكان عنوان التحقيق «الرجل المجهول في وزارة الداخلية». لكن الأمور تغيرت والسياسي المغمور تحول الشهر الماضي إلى أحد ثلاثة يرتكن إليهم الرئيس هولاند وهم، إلى جانبه، وزير الدفاع جان إيف لودريان ووزير الخارجية لوران فابيوس.
قبل أيام قليلة، وخلال جلسة استجواب في الجمعية الوطنية، كال فالس المديح لوزير داخلتيه معلنا: «لم يكن لدي أبدا أدنى شك بقدرة كازنوف على إدارة شؤون الوزارة وبمهنيته العالية». ذلك أن كازنوف تحول بعد مقتلتي المجلة الساخرة «شارلي أيبدو» والمتجر اليهودي في شهر يناير (كانون الثاني) من العام الحالي إلى «الرجل الذي يسهر على أمن الفرنسيين» ويسعى لتوفير كل المقومات للأجهزة الأمنية لكي تقوم بواجباتها إزاء المواطنين. لكن كازنوف هو الوحيد بين كل وزراء الداخلية الذين تعاقبوا على هذا المنصب في السنوات الأربعين الأخيرة الذي يشهد عهده هجومين إرهابيين في عام واحد. وجاءت العمليات الإرهابية الأخيرة ليل 13 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي لتكون الأخطر والأكثر دموية في زمن السلم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
كازنوف لبس مع الأيام ثياب الرجل الذي يحارب الإرهاب. يعمل بمنهجية ومهنية ويستطيع السيطرة على أعصابه في الملمات. وعندما استهدف ثلاثة إرهابيين الملعب الكبير حيث كانت تجري مباراة كرة قدم بين فريقي ألمانيا وفرنسا، بحضور هولاند، عمد هذا الأخير إلى استدعائه بعد أن أخبر بوقوع مجزرة مسرح الباتاكلان وبحصول أعمال انتحارية خارج الملعب.
كازنوف أصبح «رجل المرحلة» الذي يرسله هولاند إلى اجتماعات وزراء الداخلية الأوروبيين ليدافع بقوة عن مطالب فرنسا لجهة تشديد الرقابة على الحدود الخارجية للاتحاد والعمل على منع تهريب السلاح وإعادة الرقابة المشددة على الحدود الفرنسية الداخلية والتهديد بالمطالبة بإعادة النظر باتفاقية شينغن.
* الوزير المحبوب
لم يحمّل أحد المسؤولية في الهجمات للوزير كازنوف الذي اغتنم كل مناسبة ليطمئن الفرنسيين، وليظهر لهم أن الدولة ساهرة على راحتهم وأمنهم. وربما هذا الأمر ما يفسر أنه أصبح أحد أكثر وزراء الحكومة شعبية وهي المرتبة التي يتقاسمها مع وزير الدفاع. ففي منتصف العام الحالي، بين استطلاع للرأي أن شعبيته تتفوق على شعبيتي الرئيس هولاند ورئيس الحكومة فالس. لكن هذه الشعبية «لم تفقده رأسه» إذ إنه يعرف كيف يحفظ المقامات ويترك لمن يتقدمه في المسؤوليات الموقع الأول كفالس مثلا الذي لم يعرف بعد أن ينسى أنه كان وزيرا للداخلية.
عرف كازنوف لحظات من الخيبة خلال الأشهر الـ19 التي انقضت على وجوده في وزارة الداخلية. ولعل أكثرها مرارة هي مقتل مناضل من الخضر يدعى ريمي فريس ليلة 25/ 26 أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي خلال مظاهرة احتجاجية على مشروع بناء سد سيفنس، على أحد روافد نهر التارن جنوب غربي فرنسا وذلك بقنبلة رماها أحد رجال الدرك. هذه القنبلة الهجومية قضت على ريمي فريس وهو شاب عمره 21 سنة وابن إحدى الشخصيات المحلية المعروفة بمعاركها لصالح البيئة. ومشكلة كازنوف أنه وجد نفسه بين مطرقة البيئويين والرأي العام الذي ندد بتصرف رجال الأمن وبين سندان الحاجة للوقوف إلى جانبهم باعتباره وزيرا لهم. وكانت نتيجة هذه المأساة أن الدولة أمرت بوقف أعمال السد، كما أنها أمرت بمنع استخدام هذا النوع من القنابل في تفريق المتظاهرين.
* ثلاث جبهات
هذه المأساة غابت عن أذهان الفرنسيين الذين وجدوا أنفسهم ضحايا لحرب إرهابية يرفضون حتى الآن النظر إليها نظرة تحليلية للغوص على أسبابها العميقة. وفي هذه الحرب، يتمثل دور كازنوف بأن يكون «اليد الحديدية» التي تضرب بلا هوادة. ولذا، فإن الوزير ينشط على ثلاث جبهات على الأقل: الجبهة التشريعية إذ عليه أن يدافع ويبرر مشاريع القوانين المتشددة التي تقترحها الحكومة، والجبهة الميدانية المتعلقة بملاحقة الخلايا الإرهابية النائمة أو الجهاديين العائدين من ميادين القتال من وراء الحدود، وأخيرا الجبهة الأوروبية والدولية إذ دوره السعي لتشديد التعاون وتبادل المعلومات مع الأوروبيين ومع بلدان أخرى شرق أوسطية وعلى رأسها تركيا. واليوم مع التمديد لحالة الطوارئ ثلاثة أشهر إضافية، تجد الأجهزة الأمنية أنها طليقة اليدين لتقوم بما تريده من عملات دهم وتفتيش وطرد ونزع الجنسية وحل الجمعيات والمؤسسات التي ترى فيها خطرا على الأمن والسلامة العامة.
حتى الآن، نجح كازنوف في تجسيد دور «الشرطي الأول». لكنه يبقى في موقع بالغ الحساسية والخطورة خصوصا إذا تبين أن الإجراءات والتدابير الأمنية المشددة التي اتخذت لم تكن كافية لمنع وقوع أعمال إرهابية جديدة. عندها، سيتضاءل رأس المال الذي جناه كازنوف وستضيع معها الشهرة التي جناها خلال الأشهر التي قضاها في وزارة الداخلية.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.