الابتكار لحد الاختراع والرومانسية تأخذ وجوها جديدة

أسبوع باريس لخريف 2014 وشتاء 2015

من عرض نينا ريتشي
من عرض نينا ريتشي
TT

الابتكار لحد الاختراع والرومانسية تأخذ وجوها جديدة

من عرض نينا ريتشي
من عرض نينا ريتشي

انتهت أمس دورة الموضة لخريف وشتاء 2014. دورة بدأت في نيويورك، وانتقلت إلى لندن ثم ميلانو وأخيرا باريس، وقال فيها المصممون كلمتهم واقتراحاتهم، بالألوان والأقمشة. ورغم اختلاف لغة كل واحد منهم وأسلوبه، فإنهم اتفقوا على أن الوضع لم يعد يحتمل الجموح والشطحات الخيالية، وبأنه يتطلب ترويضا لهذه الاقتراحات. لهذا رأيناهم وعلى مدى شهر تقريبا يلبسونها ألوانا رومانسية وتصاميم واقعية تخاطب متطلبات العصر وجيلا جديدا من الزبونات، باستثناء حفنة من المصممين لم يقبلوا بهذا الحل، وحاولوا التميز بطرح ابتكارات أقرب إلى الاختراعات كما هو الحال في دار إيسي مياكي مثلا. أما في العموم، فقد تمخضت الدورة ككل عن تصاميم عصرية تركز على الجمال والمال، بمعنى التسويق، أكثر ما تركز على خض التابوهات.
في باريس، بدأت العروض هادئة في أول يومين، ليتسارع إيقاعها في اليوم الثالث بعروض نينا ريتشي ولانفان مثلا، وترتفع سخونتها في عروض ديور وشانيل وفالنتينو وسان لوران وغيرهم.
مكان العرض لم يتغير، فقد كان في حدائق التويلريز كعادة دار «نينا ريتشي» التي جعلته مسرحها المفضل منذ عدة مواسم. السجادة البيضاء المائلة إلى الرمادي، والتي تمتد من مدخل الحديقة إلى الخيمة المنصوبة وسطها، هي كذلك لم تتغير وإن تبللت هذه المرة إثر تساقط زخات من المطر قبل العرض بساعة وكأنها تريد أن تفسد منظرها ووظيفتها. لكن نينا ريتشي كانت عازمة ألا تترك أي شيء يفسد عليها يومها، فما إن تلج قاعة العرض حتى تشعر ليس بالدفء فحسب بل أيضا بموجة تغيير قادمة. فالديكور كان بسيطا وكأنك تدخل بيتا مريحا، مفروش بالسجاد وتتوسطه كنبة طويلة باللون البرقوقي من المخمل. هذا الإحساس بالتغيير يزيد قوة مع بداية العرض ومع كل إطلالة، لتخرج في النهاية وأنت مقتنع بأن هذه قد تكون أفضل تشكيلة يقدمها لها مصممها البريطاني بيتر كوبينغ منذ عدة مواسم. على العكس من الموسم الماضي، كانت فكرتها واضحة تلعب على عالم جديد تدخله المرأة وعلى جماليات الديكور الداخلي. وهو مجال يعشقه المصمم ويهتم به بشكل كبير بالنظر إلى تحركاته ونشاطه على شبكات التواصل الاجتماعي التي لا يتوقف فيها على نشر صور تشده وتثير انتباهه في هذا المجال. وقد شرح فيما بعد أن البذرة التي انطلق منها مجموعة من الصور جمعها عبر السنوات وزيارة لبيت مرفه يتمتع بتصميم عال وخاص. ولأنه انطلق من عنصر يحبه ويفهمه كثيرا، فإنه لم يته، بل العكس أبدع تشكيلة مركزة وقوية، تتراقص على ضوء ألوان هادئة، وتزخر بالأقمشة المتنوعة، التي تستعمل أحيانا في تنجيد قطع الأثاث مثل المخمل والبروكار. أما التصاميم فتمزج الرومانسية التي تطبع دار نينا ريتشي دائما مع جرعة أنوثة أقرب إلى النضج منها إلى الإثارة. وفي كل الحالات كان يلبي حاجة امرأة تريد خزانة متكاملة لكل مناسباتها، الخاصة والعامة. كانت هناك الكثير من القطع المنسدلة براحة للنهار مثل التايورات المكونة من تنورات عوض بنطلونات، والمعاطف الواسعة فضلا عن قطع منفصلة من الصوف أو الجلد أو الفرو طعمها بالحرير أو الساتان أو الدانتيل لكسر حدتها وإضفاء النعومة عليها. هناك أيضا أزياء خاصة بمناسبات الكوكتيل والمساء والسهرة، تضج بالأناقة لكن لا تنسى أبدا عنصر الراحة. وتتجسد هذه الراحة في انسدال التصاميم على الجسم عوض شدها، ما أعطى الانطباع أحيانا أنها مستلهمة من ملابس البيت أو النوم، مثل معطف واسع يلتف حول الجسم ويغمره وكأنه بطانية، وفساتين طويلة يتراقص فيها حرير الساتان مع الدانتيل، أحيانا بألوان الأسود أو الوردي الخفيف أو الليلكي، وهي ألوان طبعت أيضا قمصانا من الحرير مطبوعة بالورود وكنزات من الكشمير بياقات عالية.
المهم أن بيتر كوبينغ تخيل امرأة لا ينقصها شيء، بل العكس تعيش في بيت فاخر يعكس شخصيتها الرومانسية وتطلعاتها إلى حياة مرفهة ومريحة، من الصباح إلى المساء. وكانت النتيجة مثيرة لكن غير مبتذلة حتى بالنسبة للفساتين المستوحاة من ملابس النوم أو القطع المستلهمة من البيجاما الرجالية، بفضل تصاميمها المنسدلة وأقمشتها المأخوذة في بعض الأحيان من تلك المستعملة في قطع الأثاث مثل صوف النيوبرين، أو الجلد أو القماش المقصب.
عرض لانفان من العروض التي يترقبها الجميع وتنجح دائما في أن تكون في مستوى هذا الترقب أو أكثر. لهذا، وعلى الرغم أنها تكون عادة في وقت متأخر، الساعة الثامنة مساء هذه المرة مع الأخذ بعين الاعتبار أن الكل يعرف أنه قد يتأخر بنحو 45 دقيقة على الأقل، فإن هذا لا يخفف من حجم الحماس. حماس يؤججه المصمم ألبير إلبيز بتصاميمه، لكن أيضا بعرض تمهيدي، غير مقصود، قبل العرض الرئيس عارضاته نجمات أو سيدات مجتمع من آسيا. وهذا ما يجعل الحضور يعيش حالة من الإثارة وكأنه في مسرح مفتوح. فالمشروبات لا تنتهي والمقبلات متنوعة والوجوه المعروفة، مثل المغنية ريهانا والممثلة المخضرمة كاثرين دونوف أو الممثلة الصاعدة إيما روبرتس، تلهي الجميع عن الوقت المتأخر وتعب يوم طويل، يلتقطون صورهن بحماسة الأطفال لإرسالها عبر الـ«تويتر» أو الإنستغرام للأصدقاء، أو يتبادلون الآراء حول مظهرهن وأزيائهن، وهكذا إلى أن يبدأ العرض. وحتى هنا، لم يختف ذلك الشعور بأننا نعيش مسرحية تتهادى فيها العارضات بملابس تلعب على الخفة والسماكة من جهة، وعلى الضوء والظلام من جهة ثانية، في صورة تستحضر أحيانا «لو فيلم نوار»، لكن قد يعود هذا إلى اللون الأسود والإضاءة التي كانت تنعكس على وجوه العارضات فتمنحهن غموضا، خصوصا اللواتي ظهرن بقبعات ضخمة. كانت القطع تضج بالقوة إلى حد الوحشية أحيانا، ما يجعلك تعشقها وتريدها، مثل فستان أسود من الجلد ببليسيهات تغطي الصدر والتنورة، ومعطف أيضا من الجلد الناعم بلون الزيتون المائل إلى الأسود، وتايور رمادي بأجزاء من الفرو. كما لم تغب بصمته التي تعتمد على الطيات والثنيات المختلفة والمدروسة، في مزجه التويد مع القطن، ولا في الإكسسوارات اللافتة بدءا من القبعات الضخمة إلى القلادات وغيرها. منذ عدة مواسم، ونحن نلاحظ أن ألبير إلبيز يزيد جرأة، حيث نصب نفسه محررا للمرأة من التصاميم التقليدية، متحملا مسؤولية تحريك المياه الراكدة حتى وإن كلفه الأمر استغراب البعض وعدم فهمهم لفلسفته الجديدة. وحتى هؤلاء، أي الذين لا يفهمونها، يعانقونها من باب عشقهم له ولكل ما تصوغه أنامله ويجود به خياله. وهذا يؤكد أنه يفهم سوقه جيدا عدا أنه كان البطل بلا منازع في هذه المسرحية المتشابكة الخيوط، والتي تتوفر على كل عناصر الإثارة والتشويق.
في عرض إيسي مياكي، كان السيناريو مختلفا. ديناميكيا ومتحولا بعدة وجوه ووظائف في الوقت ذاته. فقد عودنا المصمم يوشييوكو مياماي على معانقة الحداثة والابتكار، إن لم نقل الاختراع، بعروض تقوم فيها العارضات بارتداء القطع أمام أعيننا لمزيد من الإبهار والتأكيد على وظائفها المتنوعة. هذه المرة، أطللن علينا، وهنا يحملن حقائب كبيرة مستديرة ومسطحة ما إن فتحنها حتى تحولت إلى فساتين بأشكال وألوان مختلفة. ورغم أنها ليست المرة الأولى التي نرى فيها ابتكارات مماثلة في عروض الدار، فإنها دائما تنجح في انتزاع شهقات الإعجاب. بعد هذه المقدمة، توالت القطع، أغلبها ثلاثية الأبعاد وتميل إلى الاتساع، بعضها يتميز بطبعات مستوحاة من الأرت ديكو، وأغلبها من أقمشة مرنة تهتز مع كل حركة بفضل تقنيات يعشقها يوشيكييو مياماي، ورسخت مكانته كمصمم يتمتع بمهارة فائقة في مزج الابتكار بالحرفية، لتكون النتيجة دائما حداثية وواقعية في الوقت ذاته. هذا، على الأقل بالنسبة لسوقه الآسيوي وشرائح الشباب، من الذين لم يتوقفوا عن التصفيق له بعد العرض ورفضوا التوقف إلى أن أطل عليهم ثانية، وهو ما لا يحدث في أي عرض، لأن الحضور في العادة يتسابقون على الخروج عند أول فرصة حتى يتجنبوا الازدحام ويصلوا إلى العرض التالي في الموعد المحدد.
من أهم التقنيات التي اعتمدها المصمم هنا تقنية تعتمد على تمديد القماش بالبخار، ينكمش بعدها ليكتسب مظهرا ثلاثي الأبعاد، فضلا عن جمالية عضوية أقرب إلى الشاعرية انعكست هنا على فساتين وجاكيتات قصيرة بعيدة كل البعد عن الجمود، وتلخص رؤية المصمم، بأن «الملابس تختزن قوة الحياة.. ما إن تلفك حتى يغمرك إحساس بالسعادة»، وهذا الشعور بالسعادة هو ما منحه لنا بالضبط السيد يوشييوكو مياماي.
دائما يجرنا الحديث عن التقنيات الحديثة والرغبة في الابتكار والتفرد إلى الحديث عن دار «ميزون مارتان مارجيلا»، رغم أنها بدأت في الآونة الأخيرة تروض جنوحها للاختراع بالاكتفاء باستعراض الحرفية وتبني الإبهار. أكبر دليل على هذا أنها، في الموسم الماضي، وإن لم تتخل عن الخياطة المفصلة، فإنها أضافت إليها بريق الأحجار، وهو ما كان جديدا، إن لم نقل ثوريا على دار تعشق التصاميم التجريبية والعوم ضد التيار. لموسمي الخريف والشتاء المقبلين، اعتمدت على دفء التويد لتفكك رموز أزياء رجالية وتضيفها إلى خزانة المرأة، ولو من خلال تفاصيل وجزئيات صغيرة. مثلا كان هناك فستان يبدو وكأنه صنع من بطانة بدلة رجالية زينته حواشي من الدانتيل، بينما كان ظهره من التويد، وآخر مصمم على شكل بنطلون وغيرها من التصاميم التي تتميز ببصمات فريق الدار، من الأكتاف الحادة إلى المعاطف الواسعة مرورا بالحياكة التي قد تعطي الانطباع بأن القطعة لم تكتمل بعد. ورغم أن البعض يرى أن أزياء الرجل، خصوصا التويد وما يوحيه من تصاميم تقليدية قديمة، غير مغرية إلا أن «ميزون مارتان مارجيلا» نجحت في إدخال عنصر جديد عليها، ألا وهو الجاذبية الذكية، لا سيما وأن بعض هذه التصاميم، وإن كانت تبدو للوهلة الأولى تجريبية، إلا أننا بتنا نعرف أنها عندما تصل إلى السوق فإنها تبدو مكتملة وناضجة، تغري بقطفها للتلذذ بجمالياتها.
بالنسبة للمصممة تسوموري شيساتو، وقبل الحديث عن تشكيلتها، لا بأس من الإشارة إلى أنها عملت في السبعينات من القرن الماضي في دار إيسي مياكي، قبل أن تؤسس دارها الخاصة في التسعينات. وهذا يعني أن الرغبة في الابتكار تجري في دمها، وأنها من مدرسة تتوخى أن تستعرض قدراتها الفنية. هذه الفنية بالنسبة لها تركزت في الأسبوع الماضي على طبعات صارخة وعلى أسلوب بوهيمي ناعم، بعد أن قررت أن تقدم لخريف وشتاء 2014، طبقا من فاكهة الموز، وأن تأخذنا في رحلة إلى غابة استوائية تتعايش فيها القرود مع الببغاوات، ما يفسر تصدرها كنزات صوفية وجاكيتات منفوخة من الظهر وقطعا كثيرة أخرى. كان كل شيء في هذه التشكيلة، باستثناء الأقمشة الدافئة، يخاطب الصيف، بدءا من الألوان المشعة بالأصفر المستردي والأخضر الليموني والأحمر التوتي، إلى الطبعات المستوحاة من الحيوانات وتغري برحلة استكشافية. ومع ذلك توصلت فيها المصممة إلى خلق توازن ارتكزت فيه على التصاميم الأنيقة، خصوصا في الجاكيتات والتنورات المستقيمة التي لم تخرجها صور القرود ووجوه الغوريلات أو الببغاوات عن رزانتها، ولا ذلك الإحساس بالفينتاج أحيانا عن عصريتها.
على العكس تماما من شيساتو، فإن الثنائي فيكتور هورستينغ ورولف سنورين، فيكتور آند رولف، اختارا اللون الرمادي عنوانا للموسمين المقبلين. ليس لأنهما يتوقعان موسمين قاتمين، بل لأنه لونهما المفضل. القاعة في حدائق التويلريز يوم السبت الماضي، تحولت إلى شارع طويل بأرضية من الإسمنت وأضواء جانبية، اسمه «الطريق إلى الجحيم» حسب كلمات الأغنية الحزينة التي صاحبت العرض. لحسن الحظ أن القطع لم تعكس هذا الجحيم بل العكس، خصوصا القطع الصوفية، التي يمكن القول إنها ستكون الأجمل في الموسمين المقبلين، بعد أن تم ترصيعها بأحجار الكريستال، واستعملت فيها درجتين من الرمادي أو مزيجا من الخامات المختلفة مثل المخمل. بعضها على شكل كنزات وبعضها الآخر طويل، بحيث يمكن أن تعوض عن معطف في أي مناسبة من المناسبات. لم يكن الرمادي اللون الوحيد هنا إذ اخترقته ومضات من الأزرق والبرتقالي والأبيض، كما لم تكن هذه أقوى تشكيلة يقدمها الثنائي، لكنها عملية وواقعية بكل المقاييس، وهذا ما يجعل كل امرأة، ترى نفسها فيها وترغب فيها، أيا كان أسلوبها.
نفس الشيء يمكن أن يقال على تشكيلة رولان موريه، التي أكدت أن المصمم الفرنسي الأصل وصل إلى مرحلة في حياته المهنية لم يعد يحتاج فيها أن يثبت قدراته أو يغير أسلوبه تماشيا مع تغير أحوال السوق. نعم هناك تغيير في التفاصيل والاتجاه لكن من دون المساس بالأساس، وهو ما كتبه في ورقة وضعها على كل الكراسي قبل العرض يشرح فيها: «لقد وصلت إلى مرحلة معينة من الحياة، أشعر فيها بأني محظوظ لأني أقوم بما أعشقه وأقتنع به وليس ما هو متوقعا مني». ولا شك أن المصمم، بعد 50 عاما، وصل إلى مرحلة من الثقة والاقتناع بأسلوب برهن أنه يروق لشرائح كبيرة من النساء، وحقق له سمعة طيبة عبر السنوات، وبالتالي يرى أنه يجب أن يبادله نفس الإخلاص. لهذا ترجمة في فساتين رشيقة تحدد الجسم لكن لا تشده مثل السابق، بعضها بسحابات واضحة، وبعضها الآخر بزخات من الألوان موضوعة بطريقة محسوبة ودرامية لتحدد جزءا معينا من الجسم أو تموه عنه، لكن أغلبها بياقات من الجلد. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الياقات منفصلة، أي أنها إكسسوارات أكثر منها جزءا من القطعة. وهذا وحده يشير إلى أنه يعرف ما يريده السوق، وما يبيع.
ولأن موريه ليس مصمما فقط بل عمل في بدايته كخبير ومنسق أزياء، لهذا فهو ضليع في خلق إطلالات تروق للعين، وفي الوقت ذاته تغذي رغبته في تجربة أشكال جديدة. وهذا ما برهنه بمزجه ثلاثة أنواع من الدانتيل مثلا في قطعة واحدة، وفي استعمال الريش كجزء من حواشي بعض القطع، وغيرها من الأمور التي شرح بأنه كان يقوم بها في بدايته من باب الزينة وخلق تأثير درامي، والآن توصل إلى جعلها جزءا لا يتجزأ من القطعة، لتحاكي الـ«هوت كوتير». هذا الطموح إلى الـ«هوت كوتير»، الجانب الفني لصناعة الأزياء ظهر أيضا في تنورات من الجلد مقصوصة على شكل شراشيب، ومجموعة من الفساتين بسحابات ومطبوعة بورود، كما في معاطف مفصلة من الكشمير وغيرها من القطع المنفصلة.
أما مصممة دار كلوي، البريطانية كلير وايت كيلير، فقدمت يوم الأحد الماضي، تشكيلة لم تكن أفضل ما قدمته ولم يشفع لها سوى المعاطف وحقائب اليد. لم تكن واضحة المعالم، وإن تميزت بخطوط ناعمة وألوان هادئة بدت فيها المصممة وكأنها تريد أن تمسك بخيوط الدار وأن لا تتخلى عن جيناتها، لكنها لم تضف إليها شيئا يذكر، ما جعلها تبدو نسخة باهتة وغير متماشية مع متطلبات امرأة عصرية. وحتى عندما شرحت المصممة وجهة نظرها قائلة بأنها كانت تتوجه «إلى فتاة مختلفة.. أكثر جموحا وغموضا» فإنها لم تقنع.
بيد أنه لا يمكن لأحد أن ينكر بأن المعاطف كانت في غاية الأناقة والجمال، سواء من حيث تصاميمها المبتكرة أو خاماتها المترفة أو ألوانها الباستيلية، مما يشير إلى أنها ستكون مطمع أي فتاة أنيقة سواء كانت جامحة وجريئة أو هادئة وناعمة.



حفل «الغولدن غلوب» هذا العام... حنين لعصر هوليوود الذهبي واحتجاجات صامتة

أناقة أيام زمان وجمالها بريشها ومكياجها تجسدت في إطلالة سيلينا غوميز (شانيل)
أناقة أيام زمان وجمالها بريشها ومكياجها تجسدت في إطلالة سيلينا غوميز (شانيل)
TT

حفل «الغولدن غلوب» هذا العام... حنين لعصر هوليوود الذهبي واحتجاجات صامتة

أناقة أيام زمان وجمالها بريشها ومكياجها تجسدت في إطلالة سيلينا غوميز (شانيل)
أناقة أيام زمان وجمالها بريشها ومكياجها تجسدت في إطلالة سيلينا غوميز (شانيل)

إذا كان هناك شيء واحد تخرج به من متابعة الدورة الـ83 من حفل جوائز الغولدن غلوب في نهاية الأسبوع الماضي، فهو أن هناك حنيناً واضحاً إلى أناقة هوليوود في عصرها الذهبي.

كانت الصورة التي طالعتنا بها معظم النجمات مألوفة جداً. لم تفتقد الأناقة والجمال، لكن لا جديد فيها بمعنى الحداثي الثوري الذي كان يُشعل حوارات فكرية جدلية، ويسرق من نقاد السينما تغطيات مهمة في المجلات وعلى وسائل التواصل الاجتماعي. المصمم اللبناني العالمي طوني ورد، الذي ظهرت أربع نجمات بتصاميمه في هذه المناسبة قال إن هذه الأزياء «لا تنتمي إلى مزاج واحد، بل إلى اللحظة». وأضاف أن حفل الغولدن غلوب ليس «مجرد مناسبة خاصة بالسينما نتابعها لمعرفة من سيفوز، بل هي أيضاً عمن يحضرها وهو يحمل قصة».

بريق وأناقة العصر الذهبي جسدتهما كايت هادسون وإميلي بلانت وإيل فانينغ (أ.ف.ب)

الكلاسيكية أولاً

اللافت أن معظم النجمات هذه المرة اخترن إطلالات كلاسيكية، وكأنهن يعدن تمثيل مشاهد قديمة مُخزنة في الذاكرة لأودري هيبورن أو لمارلين مونرو أو غريس كيلي أو ريتا هايورات. سيرينا غوميز مثلاً اختارت فستاناً أسود مزداناً بريش أبيض نسقته بماكياج وتسريحة شعر تستحضر خمسينات القرن الماضي، وكيت هادسون، تألقت في فستان فضي بقصة «هالتر» وبريانكا شوبرا في فستان أزرق داكن يقتصر على تفاصيل محسوبة عند الخصر والتنورة وغيرهن من الأسماء، في حين كانت الألوان هادئة بدرجات الوردي والبنفسجي والأسود مع ومضات قليلة بألوان متوهجة، مثل الأخضر.

بحسب مجلة «فوغ» فإن هذا الاتجاه ليس جديداً على حفل الغولدن غلوب. في مقال نشرته المجلة في مطلع عام 2025 بعنوان «سحر هوليوود القديمة حاضر بقوة في الغولدن غلوب»، أشارت إلى أن هذا الاتجاه يشير إلى أنه قد يُصبح سمة تلازمه طويلاً. كانت قراءتهم جيدة، بحسب ما لمسناه هذا العام.

أونا تشابلين وجين سمارت بتصاميم من طوني ورد (أ.ف.ب)

بيوت أزياء عديدة ساهمت في رسم هذه الصورة الكلاسيكية المفعمة بالفخامة والرومانسية، بدءاً من «جيورجيو أرماني» و«لوي فويتون» إلى «شانيل» و«ديور» وغيرهم. المصمم اللبناني العالمي طوني ورد يُعلق على هذه الظاهرة لـ«الشرق الأوسط» قائلاً إن «سحر هوليوود آنذاك لم يولد على السجادة الحمراء، بل تمت صياغته في المشاغل على يد حرفيين وفنيين كانت لهم رؤية واضحة بعيدة عن التكلف، كما لم يكن الإبهار فيها غاية في حد ذاته. وهذا ما يجعل أناقة أيام زمان ببساطتها، عابرة للزمن وتبدو أكثر حداثة اليوم». اختارت الممثلة جيني ماي فستاناً أسود من مجموعته الجاهزة لخريف وشتاء 2025 - 2026، بأكتاف عارية ومطرز يدوياً بسلاسل ذهبية ناعمة، بينما اختارت الممثلة سكايلا ديغينز - سميت فستاناً من مجموعته الجاهزة لربيع وصيف 2026 بلون أزرق من قماش التافتا مطرزاً بالترتر يجمع بين الأسلوب الهندسي والخطوط الانسيابية.

أما الممثلة أونا تشابلن فاختارت فستاناً من خط الـ«هوت كوتور» لربيع وصيف 2025، مصنوعاً من الحرير الأسود والذهبي، بصديري غني بالتباينات والتطريزات اليدوية، في حين اكتفت الممثلة جين سمارت، الحائزة جائزة الغولدن غلوب على أفضل أداء لممثلة في مسلسل تلفزيوني بفستان أبيض أميري، جمع الحضور الكلاسيكي والسلاسة المعاصرة ببساطة.

تغيرت الوجوه والألوان وحتى الأقمشة، إلا أن التيمة التي اعتمدها المصمم وأقبلت عليها هؤلاء النجمات كانت الكلاسيكية المفعمة بالأنوثة.

الأجندات السياسية

غير أن الهدوء الشكلي أخفى وراءه صراخاً «مبطناً» بقضايا إنسانية. ففي مقابل اختفاء جرأة السنوات الأخيرة التي كانت تستهدف إحداث الصدمة وإثارة الانتباه، تصدّرت هذه القضايا المشهد من خلال نجوم أخذوا على عاتقهم مهمة تسليط الضوء عليها والتنديد بها من دون رفع لافتات أو هتافات. كانت الأزياء والإكسسوارات ولو على شكل دبوس صغير وسيلتهم لإيصال رسائلهم.

الممثلة ساجا كيلاني وفستان بتطريز فلسطيني يدوي بتوقيع ابنة بلدها، المصممة الفلسطينية الأردنية ريما دحبور (أ.ف.ب)

أكبر مثال على هذا عدم تجاهل معاناة الشعب الفلسطيني في هذه المناسبة، فقد مثّلته الفلسطينية الأردنية، ساجا كيلاني باختيارها فستاناً أسود أنيقاً بطابع معماري مرسوم بدقة. كان بتوقيع ابنة بلدها، المصممة ريما دحبور، التي طرّزته عند خط الصدر بتطريز تقليدي، صرحت الممثلة بأنه من أشهر أشكال الأعمال اليدوية الفلسطينية. غني عن القول أنه زاد من جمال الفستان وقيمته وبدا كما لو أنه تميمة تطلب الحماية وتحكي قصة تاريخ ومعاناة.

حتى من لم تحمل قضية سياسية وإنسانية من النجمات، عانقت الماضي وكأنه قضية ذاكرة حرصوا فيها على إعادة ترميم النجومية بمفهومها التقليدي كمضاد لارتباك الأوضاع الحالية.

الأسباب والتأويلات

هناك تفسيرات كثيرة عن الأسباب التي تجعل السجادة الحمراء هذا العام تتعدى كونها مجرد مساحة لاستعراض آخر صيحات الموضة وقراءتها كمؤشر على تحوّلات أعمق بوصفها واجهة احتفالية لصناعة السينما. إلا أن هذا الدور تعرّض هو الآخر للارتباك في ظل حالة التشبّع البصري الذي أفقد الإطلالات تفردها، وهيمنة منطق وسائل التواصل الاجتماعي التي اختزلت القيمة الجمالية في سرعة التداول وعدد المشاهدات.

الممثل مارك روفالو ودبوس عن رينيه غود التي قتلت بالرصاص على يد عميل فيدرالي للهجرة في مدينة مينيابوليس (أ.ف.ب)

وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه التحوّلات لا تنفصل عن مناخ عالمي مثقل بقلق سياسي وثقافي انعكس على السينما، التي تعيش منذ سنوات أزمة ذات طابع وجودي، وهو ما يفسِر الجمالي بالسياسي، كما عبّر عنه عدد من الفنانين، من بينهم مارك روفالو، الذي يوظف حضوره في هذه الفعاليات للتعبير عن مواقفه المناهضة لسياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

إلى ذلك، يفرض العامل الاقتصادي نفسه بوصفه أحد المحددِّات لهذا التحوّل. فتراجع العروض السينمائية التقليدية أمام تمدّد منصات البث، بما أدى إليه من تقلّص في الميزانيات، يُهدِد النموذج الهوليوودي الكلاسيكي القائم على الترف وبيع الأحلام، مثل الموضة.

المغنية مايلي سايروش وفستان أسود من «سان لوران» كلاسيكي تكمن جرأته في الياقة المفتوحة والنظارات الداكنة (أ.ف.ب*

أمام هذا الواقع، يبدو اعتماد الأزياء الكلاسيكية، نوعاً من التعويض الرمزي عن هذا الترف، بمحاكاة قصات حرص فيها مصممو منتصف القرن الماضي على تتبع تضاريس الجسم بذوق رفيع بعيد عن أي ابتذال واستحضار صور نجمات تلك الحقبة، حين كان هدف المصممين الأول إخفاء العيوب وإبراز الجماليات برسم كل قطعة وكأنها لوحة فنية بأقمشة تنساب وتتمايل مع كل حركة. كانت الأكتاف محددة بنعومة، والخصور ضيقة، وطبعاً الأقمشة المترفة التي تتحدى الزمن.

قواعد أصبحت مع الوقت مرجعاً للمصممين المعاصرين يستلهمون من فخامتها وحرفيتها خيوطاً ينسجونها بلغة تستهدف الجيل الجديد.

بدايات حذرة

اللافت في توقيت هذا الاتجاه أيضاً إلى جانب رسائله السياسية والثقافية، تزامنه مع التغيرات الكبيرة التي يشهدها عالم الموضة سواء على مستويات تنفيذية عالية أو على مستوى المديرين الإبداعيين. فقد تولت حديثاً مجموعة من المصممين الشباب مهمة قيادة بيوت أزياء كبيرة، مثل ماثيو بلايزي في دار «شانيل» وجوناثان أندرسون في «ديور» وأليساندرو ميكيلي في «فالنتينو» وديمنا في «غوتشي» وغيرهم. رغم إمكانياتهم، لم يعمل أي واحد منهم على خض المألوف أو فرد عضلاته الفنية. بل أجمعوا كلهم على ركن النزعة التجريبية أو المفاهيمية وتبني المدرسة الكلاسيكية.

سيلينا غوميز وروز بيرن وآيو إيدبيري بتصاميم في غاية الأناقة الكلاسيكية من «شانيل» (شانيل)

من فستان بريانكا شوبرا من دار «ديور» إلى فستان سيلينا غوميز الأسود المزين بالريش من «شانيل» أو إطلالة الممثلة روز بيرن بفستان أخضر يستحضر صورة ريتا هايوارث ومارلين مونرو وغيرهما من نجمات الخمسينات، والممثلة آيو إدبيري في فستانها الأسود الأنيق المشبوك عند الكتف بدبوس، كانت الصورةَ العامة: فساتين بلا أكتاف في الغالب، قفازات طويلة، ذيول تمسح الأرض وتسريحات شعر ومكياج أيضاً من الزمن نفسه.

بريانكا شوبرا تتوسط رشيدة جونز وميا غوث في فساتين من دار «ديور» (ديور)

هل تحفّظ المصممين هذا وعودتهم للماضي يعنيان افتقادهم الموهبة والقدرة على الابتكار مقارنة بأسلافهم من المؤسسين لهذه البيوت؟ الجواب بكل بساطة أن الأوضاع الاقتصادية هي التي تغيرت وباتت تفرض نفسها على المساحة المتاحة للإبداع. في القرن الماضي كان المصمم أكثر استقلالية، يعمل ضمن منظومة إنسانية أبطأ تركز على الفنية والحرفية. فعدد المجموعات أقل، وفترة الاختبار أطول في غياب ضغط الاستهلاك والرغبة في تحقيق الربح السريع. والنتيجة كانت تصاميم متقنة عابرة للزمن. مصمم اليوم في المقابل، يفتقد أي استقلالية، ويعمل تحت ضغوطات هائلة من قبل المجموعات الضخمة المالكة لبيوتهم. بات عليهم تقديم عدة تشكيلات من خطوط مختلفة لإرضاء جمهور متقلّب، فضلاً عن هيمنة المنصات الرقمية.

ربما يكون المصمم راف سيمونز مصمم دار «برادا» حالياً أكثر من لخّص هذا الوضع حين قال في إحدى تصريحاته في الفترة التي تولى فيها إدارة «ديور» إن المصمم بات يعاني من الكثير من الضغوطات ما يُفقده السيطرة ويؤثر على الابتكار. بييرباولو بكيولي، مصمم دار «فالنتينو» سابقاً ومصمم دار «بالنسياغا» حالياً يوافقه الرأي وعبر عن ذلك أيضاً بشجاعة.

الممثلة ليسلي مان وفستان من دار «بالنسياغا» بياقة مبتكرة وقفازات طويلة (بالنسياغا)

من هذا المنظور فإن العودة إلى الماضي، ما هو سوى مضاد حيوي لبث الطمأنينة يضمن للمصممين مرجعية جمالية تضفي على التصميم وزناً وقيمة، ويضمن للمستهلك قصة رومانسية تلمس قلبه. لكن الأجمل في الصورة التي تابعناها في الدورة الـ83 من حفل الغولدن غلوب، أن هؤلاء المصممين بعودتهم إلى إرث قديم فتحوا حواراً ممتعاً بين زمنين. زمن أسس قواعد الأناقة وزمن يعيد تفسيرها لجيل يبدو أنه يحِن للرومانسية والرصانة.


من نيويورك إلى لبنان...رمزية إطلالة راما دواجي وتأثيرها الثقافي

راما دواجي وزهران ممداني في حفل التنصيب (أ.ب)
راما دواجي وزهران ممداني في حفل التنصيب (أ.ب)
TT

من نيويورك إلى لبنان...رمزية إطلالة راما دواجي وتأثيرها الثقافي

راما دواجي وزهران ممداني في حفل التنصيب (أ.ب)
راما دواجي وزهران ممداني في حفل التنصيب (أ.ب)

في 1 يناير (كانون الثاني) 2026، وفي محطة ظلّت مهجورة منذ عام 1945، شهدت نيويورك انتقال السلطة من أندرو كومو إلى زهران ممداني. اختيار المكان لم يكن مصادفة، بل إشارة واضحة إلى أن السياسة الجديدة تبدأ من حيث يلتقي الناس يومياً: المترو.

من المكان إلى الأزياء والأكسسوارات، كانت كل التفاصيل محسوبة ومدروسة بعناية فائقة تؤذن بعهد ديناميكي. وبالطبع، الحديث عن الأزياء يجرنا تلقائياً إلى حضور راما دواجي، زوجة ممداني، أو سيدة نيويورك الأولى حالياً. وكعادتها رافقته بصمت مطبق، تاركة الكلام كله لإطلالتها.

لم يكن اختيار أزياء وأكسسوارات راما وزوجها زهران ممداني عبثياً إذ تمت دراسة كل التفاصيل بعناية فائقة (أ.ف.ب)

إلى جانب ارتدائها هويتها العربية وحرصها على إلقاء الضوء على مصممين محليين، أضافت في هذه المناسبة التاريخية عنصراً آخر يُسلط الضوء على الموضة بوصفها وسيلة التمكين النسوي، فهي لم تكتفِ بتألقها الشخصي، بل رفعت معها مصممة معطفها، الفلسطينية اللبنانية سينثيا مرهج، وخبيرة الأزياء النيويوركية السمراء غابرييلا كاريفا جونسون. وبهذا أكّدت لنا أن مساحة النجاح تتسع لكل النساء، وأن المرأة الواثقة يمكن أن ترتقي بكل مَن يعملن معها، وتُعطيهن حقهن.

تقول سينثيا مرهج، وهي مصممة شابة أطلقت علامتها «رينسانس رينسانس» في عام 2016، وفازت بجائزة «فاشن ترست آرابيا» لعام 2023 عن فئة ملابس السهرة إضافة إلى جوائز أخرى، إنها تفاجأت بمعرفة راما بعلامتها. وتضيف بإعجاب: «كان بإمكانها اختيار أي اسم عالمي، لكنها اختارتنا، وهو ما يُعيد الاعتبار لبُعدنا الإنساني، ويُظهر حجم الثقافة والإبداع الموجودين في منطقتنا».

المعطف والرمزية

المعطف كما ظهر ضمن مجموعة خريف وشتاء 2023 مصنوع من صوف محلي وفرو اصطناعي (رينسانس رينسانس)

وبعد المفاجأة والغوص في عالم راما، الإنسانة والفنانة، اكتشفت المصممة مدى الانسجام الطبيعي بينها وبين علامتها التي تحتفل بالمرأة العملية والمثقفة فنياً. وكان المعطف، من مجموعة خريف وشتاء 2023، «يعكس شخصية راما بدقة»، وفق قولها، مضيفة أن تفاصيله كافة «صُنعت في لبنان من صوف محلي جرى غزله ونسجه وتنفيذه بأيدي نساء لبنانيات، بينهن والدتي وابنتا خالتي، كريستي وجيس، اللتان نقلتا القطعة إلى نيويورك». وبالنسبة إلى سينثيا، شكّل ذلك «دليلاً على القوة الاستثنائية للمرأة والمجتمع الذي تنتمي إليه».

فن رسم الصورة

في إطار رسم هذه الصورة، لا يمكن عدم الإشارة إلى المايسترو وراءها: غابرييلا كاريفا جونسون، فهي خبيرة ومحررة أزياء نيويوركية سمراء، تمتلك صوتاً مسموعاً توظّفه في تمثيل الأقليات وتسليط الضوء على المواهب الناشئة. ولم يكن اختيار «مكتب زهران ممداني» للتعاون مع راما محض صدفة، بل خطوة مدروسة تعكس توافقاً استراتيجياً بين سياسة ممداني القائمة على التعددية والشمولية، ورؤية راما المعتزة بجذورها العربية.

عبّرت غابرييلا عن سعادتها بهذا التعاون في مقال طويل نشرته مؤخراً، قائلة إنه كان تجربة ثلاثية فريدة بينها وبين راما وسينثيا، حيث «جرى تبادل الأفكار والرسومات لتعديل بعض تفاصيل المعطف بحماس سلس ليأخذ شكله النهائي».

تم تغيير الياقة بحيث جاءت عالية ومقفلة تماماً مقارنة بالتصميم الأصلي لتناسب طقس نيويورك البارد (أ.ف.ب)

شمل التعديل الياقة التي جاءت عالية ومقفلة تماماً لصدّ برودة طقس شهر يناير، مقارنة بالتصميم الأصلي، كما جرى التخفيف من التفاصيل التي كانت تظهر فيه على شكل صفوف من الفرو الاصطناعي، تمتد من منطقة الخصر إلى الأسفل. فبدلاً من 10 صفوف، تم الاكتفاء بـ3 فقط، ما أكسب التصميم بساطة وأناقة كبيرين.

نُسّق المعطف مع أقراط متدلية استعارتها من متجر نيويوركي مشهور بقطع «الفينتاج». والنتيجة كانت إطلالة تمزج بين الخصوصية والاستدامة، تعكس ميل راما إلى القطع المعاد تدويرها أو التي تحمل تاريخاً. بأسلوبها الخاص، تنجح راما في منح هذه القطع روحاً شبابية تتناسب مع سنها وطموحات جيلها من فتيات نيويورك تحديداً.

الموضة بوصفها فناً وتعبيراً شخصياً

في لحظة التنصيب التاريخية، التي كانت أعين العالم كلها مصوبة نحو نيويورك، بدت خيارات راما متسقة مع سياسات زوجها، من حيث إنسانيتها وشموليتها وابتعادها عن أي استعراض. كما ظهرت بعيدة كل البُعد عن الصورة التقليدية للسيدة الأولى، التي كانت حتى الأمس القريب تخضع لتوقعات مسبقة، سواء من خلال اختيار أزياء لمصممين نادرين جداً، أو الالتزام بلقطات تقليدية مكررة. أما راما، فاختارت أن تُعانق اختلافها بشجاعة، وكل تفاصيل حضورها كانت تصرخ بتميزها دون أن تنطق بكلمة.

قبل حفل التنصيب بأسابيع قليلة، ضجت مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام بصور نُشرت لها في مجلة «ذي كات» (The Cut). لم تظهر فيها مجرد امرأة تستعرض أزياء أنيقة، بل أقرب إلى عمل فني يعتمد على التكوين وتلك العلاقة الحميمة بين الجسد والأزياء. كل هذا من دون أي شعارات أو خطاب مباشر. في كل صورة نجحت في شد الأنفاس وإثارة الإعجاب، لأنها تُذكِّر بأن الموضة في الأساس كانت وسيلة تعبير فني قبل أن تتحول إلى استهلاك.

سينثيا مرهج... المصممة

تصاميم من مجموعة سينثيا مرهج لربيع وصيف 2026 (رينسانس رينسانس)

حصلت على شهادة في عالم التواصل البصري من معهد «سنترال سانت مارتنز» لتصميم الأزياء، ومن لبنان أطلقت علامة «رينسانس رينسانس» عام 2016، رافعة شعار «طرح أزياء تخاطب امرأة معاصرة بنوعية جيدة وتصاميم أنيقة بكميات أقل»، مفضلة طرح أزياء بسيطة تناسب إيقاع المرأة العصرية على تصميم أزياء فخمة غنية بالتطريزات.

لكن تبقى ميزة العلامة ارتباطها العميق بالإرث وحب العائلة، إذ إن سينثيا تُمثل الجيل الثالث من عائلة امتهنت صناعة الأزياء منذ عقود. بدأت من جدتها لوريس سروجي، التي اشتهرت منذ أكثر من نصف قرن في حيفا، بتصميمها أزياء نساء المجتمع الفلسطيني. الجدة نقلت حب هذه المهنة لابنتها لوار ثم إلى حفيدتها سينثيا.

منذ عام 2016 إلى اليوم، حصدت المصممة الكثير من الجوائز، منها جائزة «فاشن ترست أرابيا» لعام 2023، كما أدرجت مؤخراً ضمن نصف نهائي جائزة «LVMH». كما صممت أزياء النجمة كلوي سيفيني، في فيلم مقتبس من الرواية الفرنسية «صباح الخير أيها الحزن» (Bonjour Tristesse) للكاتبة الفرنسية فرانسواز ساغان.


نظارات الخريف والشتاء... الحماية والأناقة وجهان لعملة واحدة

الشركات العريقة والمتخصصة اتفقت على القوة الناعمة والأشكال الهندسية (آيوير فينتاج - ماوي جيم)
الشركات العريقة والمتخصصة اتفقت على القوة الناعمة والأشكال الهندسية (آيوير فينتاج - ماوي جيم)
TT

نظارات الخريف والشتاء... الحماية والأناقة وجهان لعملة واحدة

الشركات العريقة والمتخصصة اتفقت على القوة الناعمة والأشكال الهندسية (آيوير فينتاج - ماوي جيم)
الشركات العريقة والمتخصصة اتفقت على القوة الناعمة والأشكال الهندسية (آيوير فينتاج - ماوي جيم)

في الشتاء عندما يصبح الضوء أكثر حدةً وتبايناً، تكتسب النظارات أدواراً وظيفية وجمالية في الوقت ذاته. فهنا تصبح الرؤية الواضحة جزءاً من التجربة اليومية، سواء في المدن أو الوجهات الجبلية، وبالتالي تتنوع وظائف النظارات بين حماية العين من الأشعة فوق البنفسجية واعتماد عدسات قادرة على التعامل مع التباين العالي في الإضاءة والوجهة وبين توفير الراحة وضمان ثباتها، بمعنى أصح جلوسها على الأنف بشكل مريح. الشركات المتخصصة وبيوت الأزياء باتت تهتم بكل هذه التفاصيل وتراعي توافرها في إصداراتها من دون أن تتجاهل ضرورة توفير إطلالة أنيقة من خلال ابتكار أشكال جديدة توفر على المتسوق عناء البحث الطويل.

طرحت «ماوي جيم» اقتراحات أنيقة وعملية لعشّاق الهواء الطلق والوجهات الشتوية (ماوي جيم)

من الناحية الجمالية، ما جرى طرحه من عدة بيوت وشركات عالمية مؤخراً يشير إلى توجه واضح نحو فنون العمارة والأشكال الهندسية. أي التصاميم ذات الشخصية القوية واللافتة بغض النظر عن أحجامها. وبينما يتسم بعضها بالصرامة يتسم بعضها الآخر بقوة متوازنة، إن لم نقل ناعمة.

أكثر ما يُحسب لهذه الإصدارات أنها لا تلاحق الاتجاهات العابرة بل تركز على الحرفية والتفاصيل التي تصنع الفارق على المدى البعيد، وبالتالي فإن السمة الغالبة فيها فخامة هادئة، تغيب فيها الشعارات لصالح جودة الخامات ودقة التنفيذ. ورغم أن أشكالها المعمارية وأحجامها مثيرة، فإن الدور العريقة تحرص فيها على استحضار إرثها، مما يضفي عليها كلاسيكية مستدامة تتكلم لغة الجيل الجديد. لوحات الألوان أيضاً تعكس مزاج الشتاء، حيث تبرز درجات داكنة مثل الأسود. يتم التخفيف من عمقها بإضافة لمسات معدنية دافئة.

«فينتاج آيوير»

نظارات متنوعة من مجموعة «كازومي» بحرفية وتوازن يجمع القوة بالنعومة (آيوير فينتاج)

شركة «فينتاج آيوير» مثلاً طرحت مؤخراً مجموعتين. الأولى باسم «كازومي» وهو عنوان يدل في اللغة اليابانية على الجمال والانسجام. تتميز بعدسات بيضاوية يحيط بها إطار وأذرع مزخرفة مطلية بالذهب.

أما الثانية فبعنوان «تاكومي»، وتعني في اليابانية «الحرفي» لتدل على خضوعها لتعديلات مهمة على يد حرفيين متمرسين. وتأتي هي الأخرى بعدسات بيضاوية وإطار مطلي بالذهب مزدان بنقوش مضفرة وجسر معدني.

«كيرينغ»

مجموعة «كيرينغ» المالكة لعدة بيوت أزياء أصبح لها باع في تصميم النظارات الشمسية للشتاء والصيف، مثل «سان لوران» و«ألكسندر ماكوين» و«بالنسياغا» و«بوتيغا فينيتا» وغيرها. هذا الموسم ركزت على خطوط نحتية وتشطيبات جريئة.

أشكال معمارية وأخرى تحترم التراث والنِّسَب المعاصرة في نظارات «ألكسندر ماكوين» و«سان لوران» و«غوتشي» (كيرينغ)

في تصاميم «بالنسياغا» و«ألكسندر ماكوين» مثلاً تتجلى الأشكال المعمارية، فيما تعتمد «بوتيغا فينيتا» على فخامة هادئة خالية من الشعارات. «غوتشي» في المقابل، جمعت بين التراث والنسب المعاصرة حتى تحافظ على شريحة الشباب التوَّاق إلى التميز، ودار «كارتييه» ارتقت بتصاميمها عبر إطارات معدنية تعكس تمرسها في صياغة المعادن الثمينة والمجوهرات الفاخرة من خلال الخامات والتفاصيل الدقيقة.

من جهتها، تعكس نظارات «سان لوران» للخريف والشتاء رؤية مصمم الدار أنطوني فاكاريلو، التي تمزج بين الكلاسيكية والتصميم المعاصر. أعاد فيها نماذج تصاميم أيقونية بلغة جديدة مع حضور واضح لإطارات الأسيتات والهياكل المعدنية كعنصر أساسي.

تجمع تصاميم «ماوي جيم» بين خفّة الأداء والحضور الجمالي (ماوي جيم)

«ماوي جيم»

ولعشاق النظارات الخاصة بعشاق التزلج والوجهات الشتوية عموماً، طرحت شركة «ماوي جيم» مجموعة مناسبة تركز فيها على الأداء والراحة. تتوفر على عدسات حماية كاملة من الأشعة فوق البنفسجية بتصميم انسيابي وحافة علوية مخفية مع إطار نايلون خفيف ووسادات أنفية قابلة للتعديل.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended