الجبهات الثلاث، الحربية والدبلوماسية والأمنية، التي فتحها الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، في خطابه أما مجلسي النواب والشيوخ عصر أول من أمس، من أجل «تدمير» تنظيم داعش الإرهابي الذي وصفه بأنه «أكبر مصنع في العالم لتخريج الإرهابيين»، بدأت تتحرك سريعا. ويبدو أن باريس عازمة فعلا على خوض هذه الحرب بكل الوسائل التي تستطيع توفيرها، بما فيها الإمكانيات المادية، رغم الوضع الهش للميزانية الفرنسية. وقد لخص هولاند «الفلسفة» الجدية لحكومته بالقول إن «الاستقرار الأمني يتقدم على الاستقرار الاقتصادي».
وبالتوازي، فإن التحقيقات التي تقوم بها الأجهزة الأمنية الفرنسية والتعاون القائم بينها وبين الأجهزة البلجيكية والألمانية والتركية بدأ يعطي ثماره، والتحقيق، وفق ما قاله وزير الداخلية برنار كازنوف «حقق الكثير من التقدم»، حيث تم التعرف على خمس من هويات الإرهابيين، واكتشاف أماكن سكنهم في العاصمة الفرنسية في الفترة التي سبقت مباشرة الهجمات الست المتزامنة التي قاموا بها ليل الجمعة – السبت، والتي أفضت إلى مقتل 129 شخصا وجرح 350 آخرين. وما زالت مواقع الهجوم، سواء أكان ذلك صالة الباتاكلان حيث سقط 89 قتيلا رميا بالرصاص أو المطعمين القريبين أو الاستاد الوطني القائم على مدخل باريس الشمالي، تعج بالمواطنين الذين يواصلون إشعال الشموع ورمي الأزهار، فيما سيارات النقل التلفزيوني وكاميرات المصورين والصحافيين توجد بالعشرات إن في ساحة «لا ريبوبليك» أو في مواجهة قاعة الباتاكلان وقريبا من المطعمين المستهدفين. أما الانتشار الأمني فأصبح ملموسا في باريس وضواحيها، حيث اكتملت الطواقم التي نشرتها وزارتا الداخلية والدفاع وفق خطة لم يسبق لفرنسا أن عرفت مثلها في زمن السلم.
وحربيا، تنتظر باريس إقلاع حاملة الطائرات شارل ديغول من مرفأ طولون باتجاه الشواطئ الشرقية للبحر الأبيض المتوسط من أجل تعزيز القوة الجوية الفرنسية الضاربة. وتحمل شارل ديغول، التي ستبحر الخميس مع مجموعة المرافقة التابعة لها «وهي حاملة الطائرات الوحيدة التي تملكها البحرية الفرنسية وتعمل بالدفع النووي» ستا وعشرين طائرة قاذفة مقاتلة. وفائدة إرسالها مزدوجة: فهي من جهة، تقصر المسافة بين نقطة الانطلاق ومواقع القصف لأن نصف الطائرات الفرنسية المستخدمة حتى الآن تنطلق من القاعدة الفرنسية في أبوظبي، وهي تحتاج لقطع مسافة طويلة قبل الوصول إلى أهدافها. وبالمقابل، فإن طائرات شارل ديغول ستكون قريبة منها، وبالتالي لا تحتاج إلى تزود بالوقود في الأجواء. أما من ناحية ثانية فإنها تضاعف القوة النارية وتوفر للقيادة العسكرية الإمكانيات الضرورية للقيام بعدة عمليات في وقت واحد وبعدة طلعات في اليوم نفسه.
بيد أن وزارة الدفاع الفرنسية لم تقف مكتوفة الأيدي حتى وصول الحاملة إلى شرق المتوسط لتكثيف غاراتها على مواقع «داعش» في منطقة الرقة، إذ إن طائراتها قامت لليلة الثانية على التوالي بهجوم مكثف لتدمير موقعين أساسيين لـ«داعش»: مركز قيادة وتحكم ومعسكر للتدريب. وتأمل باريس أن تنجح طائراتها في قتل عبد الحميد أباعود، المواطن البلجيكي من أصل مغربي والذي يعد «العقل المدبر» للعمليات الإرهابية الأخيرة في شوارع باريس. وترافق هذا التكثيف مع بداية تعاون ميداني بين باريس وموسكو اللتين جمعتهما مصيبة، إذ إن كليهما كانا ضحية لأعمال «داعش» الإرهابية. وبحسب الكرملين، فإن الرئيس بوتين أمر قطعه الحربية في المتوسط بـ«التعاون مع القطع الفرنسية والتعامل معها كأنها من الحلفاء».
بانتظار اللقاء المنتظر بين الرئيسين هولاند وبوتين في موسكو يوم 26 الحالي، يمكن القول إن التنسيق العسكري بين البلدين سيقوى ويتعزز، وهو يشكل أحد الأهداف التي تسعى إليها فرنسا الساعية إلى دفع الولايات المتحدة الأميركية وروسيا إلى العمل معا. وأمس، حصلت فرنسا على دعم «إجماعي» من وزراء دفاع الاتحاد الأوروبي بمناسبة اجتماعهم في بروكسل بطلب من وزير الدفاع جان إيف لودريان. وأعلنت فيديريكا موغيريني «وزيرة» الشؤون الخارجية والدفاع الأوروبية أن دول الاتحاد «عبرت بالإجماع عن استعدادها لتوفير دعم قوي» لفرنسا، مما يعني أن دول الاتحاد قبلت طلب المساعدة الذي قدمه الرئيس هولاند مستندا إلى البند 47 الفقرة 2 من معاهدة الاتحاد الأوروبي التي تنص على أن أي اعتداء على أي بلد من بلدان الاتحاد يعد اعتداء على كل دوله. ورد الوزير الفرنسي على ذلك بالقول إن الإجماع على الدعم «يعد عملا سياسيا ذا أهمية بالغة».
وستعقد قريبا جدا، وفق لودريان، اجتماعات ثنائية لتحديد ما تستطيع كل دولة أن تقدمه عمليا، مضيفا أن بلاده لن تستطيع أن «توجد في كل مسارح القتال دفعة واحدة»، مما يعني أنها بحاجة لمساعدة. ويعد الطلب الفرنسي الأول من نوعه الذي يعرفه الاتحاد منذ إنشائه. وكان رئيس الحكومة قد أعلن صباحا أن باريس عندما تحارب الإرهاب فإنها «تحارب عن كل البلدان الأوروبية». وتريد باريس، وفق المصادر الفرنسية، الحصول على مساعدة أوروبية في الحرب على «داعش» بحيث يتم «تقاسم عبء» الحرب.
أما على الصعيد الدبلوماسي، فإن الرئيس هولاند، الذي طالب مجلس الأمن باجتماع سريع للدفع باتجاه توحيد الجهود من أجل محاربة «داعش»، بدأ في التحرك باتجاه الولايات المتحدة الأميركية وروسيا وباتجاه بلدان مجموعة العشرين والأطراف الأخرى، مستفيدا من علامات التضامن التي انصبت على باريس من كل جانب. ويبدو أن خطة هولاند في الدفع باتجاه إيجاد صيغة لتعاون التحالف الذي تقوده أميركا والآخر الذي يعمل بإمرة روسيا، بدأت تجد أصداء إيجابية لدى موسكو التي اعتبر رئيسها أن ما يدعو إليه هولاند هو في الأساس أفكار روسية سبق لبوتين أن عرضها في خطابه أمام الأمم المتحدة في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي. وأمس، تحادث الرئيسان هاتفيا بانتظار اللقاء المنتظر بينهما في السادس والعشرين من الشهر الحالي، أي بعد يومين من اجتماع هولاند بالرئيس أوباما.
وأمس، كان الوزير كيري في باريس حيث أجرى محادثات مع هولاند ومع نظيره فابيوس. وبحسب المصادر الفرنسية، فإن الملف السوري شكل الطبق الأساسي لهذه المحادثات. وبعد الانتقادات الضمنية التي كانت باريس توجهها لإدارة الرئيس أوباما للملف السوري، يبدو أن الاتجاهات الجديدة التي اتخذتها الدبلوماسية الفرنسية سوف تقرب بين العاصمتين.
أمنيا، استمرت الأجهزة الفرنسية في عملياتها الهادفة إلى ضرب ما تعتبره خلايا وشبكات ذات توجهات راديكالية. وأمس، أعلن رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس، في حديث إذاعي، أن بلاده «في حالة حرب مع عدو داخلي اسمه التطرف»، وأن محاربته «تتطلب وسائل تكون (متوائمة) مع القوانين الفرنسية المرعية الإجراء». وحث فالس المسلمين في فرنسا على التعبير عن رفضهم لهذا الفكر المتطرف. وفي رأيه، فإن التعديلات الدستورية التي طلبها الرئيس هولاند «ستوفر كل الوسائل المطلوبة لمحاربة الإرهاب».
وحذر رئيس الوزراء الفرنسي، أمس، من أن فرنسا يمكن أن تتعرض لهجوم إرهابي آخر. وخلال ليلة الاثنين - الثلاثاء، قامت الأجهزة الأمنية بـ128 عملية دهم على كل الأراضي الفرنسية، فيما استمرت الجهود الأمنية في الداخل الفرنسي وفي أوروبا لكشف هويات كل الذين ارتكبوا العمليات الإرهابية، حيث تم التعرف على خمسة منهم. وبعد أن كانت الأجهزة تعتقد بوجود سبعة منفذين بينهم أربعة فرنسيين، أعلن فالس أنه ليست هناك «رؤية» واضحة لعدد هؤلاء. وفي الوقت عينه، لم تثمر حتى الآن عمليات البحث لتوقيف صلاح عبد السلام الذي يظن أنه شارك في المجزرة قبل أن يهرب إلى بلجيكا بمساعدة معارف له. وتوصلت الأجهزة الأمنية إلى اكتشاف مخابئ ستة من الإرهابيين شمال باريس وفي ضاحية تقع شرقها، كما اكتشفت سيارة أخرى استخدمها هؤلاء في عمليتهم. فيما ذكرت الشرطة الألمانية أمس أنه تم إلقاء القبض على ثلاثة أشخاص مشتبه بهم في بلدة ألسدورف بالقرب من مدينة آخن الألمانية على صلة بالهجمات الإرهابية التي حدثت في العاصمة الفرنسية باريس.
وقال متحدث باسم الشرطة: «تلقينا معلومات مفادها أن أحد الهاربين الذين على صلة بهجمات باريس قد يكون مقيما في منطقتنا». وأضاف المتحدث أن قيادة العمليات الخاصة ألقت القبض على ثلاثة أشخاص.
التحقيقات في هجمات باريس تتقدم.. وصلاح عبد السلام ما زال متواريًا عن الأنظار
فرنسا تعمل على الجبهات العسكرية والدبلوماسية والأمنية في حربها على «داعش» في الداخل والخارج
قوات الأمن الألمانية تلقي القبض على أحد المشتبه بهم في هجمومات باريس في مدينة آخن الألمانية أمس (إ.ب.أ)
التحقيقات في هجمات باريس تتقدم.. وصلاح عبد السلام ما زال متواريًا عن الأنظار
قوات الأمن الألمانية تلقي القبض على أحد المشتبه بهم في هجمومات باريس في مدينة آخن الألمانية أمس (إ.ب.أ)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة


