شرم الشيخ.. المنتجع المهجور

انفجار الطائرة الروسية أربك المدينة المصرية

شرم الشيخ.. المنتجع المهجور
TT

شرم الشيخ.. المنتجع المهجور

شرم الشيخ.. المنتجع المهجور

بعد ساعات من انفجار طائرة الركاب الروسية المنكوبة فوق شبه جزيرة سيناء، ومقتل جميع ركابها الذين كانوا متجهين من مطار مدينة شرم الشيخ المصرية إلى روسيا، أصيبت المدينة بالارتباك وهجرها الألوف من السياح الأجانب، وبدأت - من خلال مسؤوليها وأصحاب المنتجعات والمشاريع السياحية فيها - تبحث عن المتغيرات التي ضربتها في غفلة من الزمن، وأدت إلى تدهور أحوالها، إلى أن انتهى بها المطاف إلى مجرد شوارع فارغة وفنادق خاوية وأسواق مغلقة.
ومن الأسئلة المعلقة التي تبحث عن إجابة: هل تمكن بعض المتطرفين من شمال سيناء من التسلل إلى المنتجع الذي يعد أحد المقاصد السياحية المشهورة في العالم منذ تأسيسه قبل ثلاثة عقود من الزمان. وما دور العلاقة بين أبناء قبائل الشمال الملتهب والجنوب الهادئ في إمكانية تسهيل اختراق أحد المتشددين للإجراءات الأمنية والوصول إلى أمتعة الركاب لزرع قنبلة فيها.
في مدينة الطور، التي تقع على بعد مائة كيلومتر شمال غربي منتجع شرم الشيخ، في الجنوب الغربي من شبه جزيرة سيناء المصرية، وقف أحد أصحاب الكافتيريات التي يستريح فيها المسافرون، وأخذ يعرض خدماته على زبون في طريقه إلى شرم الشيخ، بعدما تبادلا أطراف الحديث.
لقد شرب المسافر فنجان قهوة لا تزيد قيمته عن سبعة جنيهات، لكنه دس في يد صاحب الكافتيريا خمسين جنيها حين ألمح له بأنه يمكن أن يسهل دخوله للمدينة. قال له «ابن أختي يعمل على الحاجز الأمني الفلاني، إنه أصلع قليلا واسمه كذا. اسأل عنه وقل له أنا من طرف خالك. وأنا سأتصل به الآن. مع السلامة». ولم يكن مع المسافر، وهو تاجر مصري من السويس، البطاقة الأمنية الخاصة بالدخول إلى شرم الشيخ، وهي بطاقة تصدر فقط للعاملين والموظفين في المدينة بعد خضوعهم لتحريات أمنية معقدة.
كثير من المسؤولين عن العمل السياحي في شرم الشيخ يتحدث عن «الفهلوة» المصرية في التعامل مع زوار المدينة والمترددين على مطارها. مثلاً، مسؤول أمني يأخذ إكرامية عشرة يوروات أو عشرة دولارات حتى يتغاضى عن التفتيش. لكن هل لهذا علاقة بضعف الرواتب التي يحصل عليها العاملون في المطار وقطاع السياحة؟ يجيب صفوت يوسف رزق الله، المدير العام لأحد فنادق شرم الشيخ، قائلا إن موضوع ضعف المرتبات كان حجة قديمة ولم يعد لها وجود الآن.
أساليب مصرية في التعامل بين الناس، حتى لو كانوا غرباء، تبدو ساذجة ومثيرة لانتباه ألوف السياح الذين كانوا يفدون إلى منتجع شرم الشيخ، وهي منطقة تعاني من وجود المتطرفين و«الدواعش» فيها. ومع ذلك يبدو الأمر أشبه بالمزحة التي تثير الضحك لدى كثير من السياح. مجرد نكتة عابرة، رغم أن لها تداعيات خطيرة قد تصل إلى استغلال الإرهابيين لمثل هذا التساهل، والنفاذ إلى أماكن حساسة بما معهم من قنابل وأدوات للقتل.
تظل فرضية تسلل «داعش» لمطار شرم الشيخ واحدة من أقوى النظريات التي تتبناها أجهزة استخبارات وحكومات غربية، قائلة إن التنظيم المتطرف قد تمكن من استغلال بعض الثغرات والتسلل منها إلى المطار وزرع قنبلة في حقيبة أحد الركاب، مما أدى إلى تفجير الطائرة الروسية بعد إقلاعها من المطار بنحو عشرين دقيقة. وتتبنى مصر فرضيات أخرى متعددة من بينها وجود خلل في محرك الطائرة، وتقول إنه لا توجد شائبة في تأمين المدينة ومطارها.
تشكل الجبال مانعًا طبيعيًا ضد تسلل الغرباء. من الصعب الدخول إلى شرم الشيخ بالسيارات من خارج البوابات الأمنية المنتشرة على الطرق الواصلة بين المنتجع وباقي مدن شمال سيناء التي ينشط فيها «داعش». نعم، من الصعب التسلل إليها إلا راجلا أو مستعينا بالجمال أو الخيول.
في الشوارع يحب السياح ركوب الجمال. يتراوح سعر الساعة ما بين خمسة دولارات وعشرة دولارات. ومثل رحلات «السفاري» والتخييم في الصحراء والجبال، فإن غالبية العاملين في هذا المجال من أبناء قبائل جنوب سيناء. ولهؤلاء امتدادات وارتباطات وعلاقات مُصاهرة مع باقي قبائل سيناء في الوسط والشمال.
* قبائل سيناء
تنقسم قبائل شبه جزيرة سيناء إلى ثلاث مجموعات رئيسية:
1- قبائل الشمال، وهي تتركز في شمال شرقي سيناء في مدن رفح والشيخ زويد والعريش، وهي مناطق تشهد مواجهات بين المتطرفين والجيش المصري. ويعتقد مسؤول أمني في شرم الشيخ أن نشاط المتشددين في شمال سيناء لم يكن ليستمر لعدة سنوات لو لم يكن هناك تستر وغطاء يسهل للعناصر الإرهابية الحياة والتنقل وتنفيذ الهجمات التي راح ضحيتها، منذ عام 2013، حتى الآن، نحو 600 من رجال الجيش والشرطة. ومع ذلك تبرأت قبائل سيناء من أبنائها المنضمين للتنظيمات المتطرفة بما فيها من أجانب وعرب، وشكلت ما يشبه «الصحوات» لعزلهم ومقاتلتهم. وفي المقابل، تعرضت بعض القيادات القبلية للانتقام من المتشددين بتهمة التعاون مع الأمن. وأهم قبائل شمال سيناء السواركة والمساعيد والرميلات والبياضية.
2- قبائل الوسط، إذا توجه الزائر ناحية وسط سيناء، ومنها منطقة «التيه» التاريخية، حيث تكثر التضاريس الوعرة وتختفي دروب الطرق الترابية، ويقل نشاط المتطرفين بشكل ملحوظ، فسيجد أن أهم القبائل هي الأحيوات (اللحيوات) والحويطات والتياها (التياهة) والترابين.
3- قبائل الجنوب، منطقة جنوب سيناء التي تنسب تاريخيًا لجبالها العالية وتعرف بـ«الطور» يشرح عنها طارق عبد اللطيف الألفي، المرشح المستقل لانتخابات مجلس النواب في شرم الشيخ، فيقول إن أهم القبائل هنا هي مُزينة والعليقات والصوالحة، بالإضافة لامتداد قبيلة الترابين حتى مدينة الطور بجنوب غربي شبه الجزيرة.
لكن لماذا توجد مشكلات أمنية كبيرة في شمال سيناء، بعكس الوضع في جنوبها، حيث يوجد كثير من المنتجعات؟ يقول الألفي: سبب المشكلات في شمال سيناء هو أنها ملاصقة لكل من الحدود مع إسرائيل ومع قطاع غزة، أما هنا، فجنوب سيناء محكومة أمنيًا، وتعد من المدن التي يمكن أن تسير في شوارعها على مدار 24 ساعة من دون أدنى خوف أو مشكلات.
قبائل الشمال مختلفة إلى حد ما عن قبائل الجنوب، لكن، وفقًا للألفي، هناك روابط قوية بين عموم قبائل شبه جزيرة سيناء. فقبائل مدينة الطور، مثلا، لها امتداد في شمال سيناء، لكن الفارق هو أن أبناء القبائل الذين يعيشون بالقرب من شرم الشيخ يعتمدون عليها في العمل.. «إنهم يعملون في مجال رحلات (السفاري) وتنظيم حفلات الجبل والتخييم في الصحراء، وبعضهم لديه منشآت سياحية ومراكز غطس ويؤجرون الجمال والخيول».
ويضيف الألفي «لهذا أبناء جنوب سيناء يحافظون على السائح لأنه مصدر لأكل العيش وكسب الرزق»، مشيرًا إلى أنه، في الماضي، كانت تقع بعض المشكلات بين أبناء جنوب سيناء والقائمين على المشاريع السياحية من أجل تنظيم العمل في ما بينهم، لكن الأمور تغيرت منذ سنوات، وأصبح الكل يعمل في منظومة والكل يعرف حدوده. وبحكم أن أبناء جنوب سيناء أصبح لديهم منشآت اقتصادية فمن مصلحتهم عدم تعرض المدينة لأي مشكلات أمنية. غير أن المواجهات الحالية بين قوات الأمن وتنظيم داعش في مدن شمال سيناء تؤثر بالطبع على سير العمل في الجنوب سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. هناك اقتتال شبه يومي وتفجيرات بين أسبوع وآخر في العريش والشيخ زويد ورفح. هي بعيدة جدا عن مدن جنوب سيناء.. «نعم. نعم. هذا صحيح»، كما يؤكد محمود صالح، الذي يدير سلسلة مطاعم في المدينة، إلا أنه يضيف «أحداث العنف في شمال سيناء تؤثر علينا. فحين وقعت كارثة الطائرة الروسية فكرنا للوهلة الأولى في أن مصدر هذه المشكلة هم متطرفو شمال سيناء».
وتجنبًا لامتداد أعمال العنف من الشمال إلى منتجعات الجنوب، خاصة بعد التفجيرات الإرهابية التي ضربت شرم الشيخ في عام 2005، وضعت السلطات الأمنية المصرية منظومة للحيلولة دون تسلل أي عناصر غير مرغوب فيها إلى مدن جنوب سيناء. وكلما أوغلت في السفر جنوبًا في اتجاه شرم الشيخ بالسيارة كلما أحاطت بك الجبال السوداء والمنحدرات الوعرة من كل جانب.
* حادثة الطائرة الروسية
بعد تفجير الطائرة الروسية يوم 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي زاد عدد الأكمنة الأمنية والدوريات المتحركة والثابتة. لكن هذا لا ينفي أن شرم الشيخ كانت واحدة من ضحايا ما يعرف بثورات «الربيع العربي» التي ضربت منطقة الشرق الأوسط منذ 2011.
يقول رمضان الجارحي، وهو من الشخصيات الشهيرة في شرم الشيخ، ولديه مشاريع سياحية فيها: «بعد الثورة، المستوى السياحي تدنى وهذا أثر بالسلب على الجميع. بعد أحداث 2011 الوضع تدهور وقللت الفنادق الأسعار أمام السياح الأجانب، وأصبح السائح يأكل ويشرب وينام بمقابل زهيد في الفندق، ولا يستفيد منه أحد من أصحاب المطاعم والمحال الأخرى».
ويضيف: «أنا أعمل في السياحة منذ 20 سنة، وأدير هذا المطعم منذ 15 سنة، ولم أر مثل هذا الوضع الغريب.. حتى أحداث 2005 وما كان فيها من تفجيرات تجاوزناها سريعًا. كذلك تجاوزنا تأثيرات الأزمة الاقتصادية في 2008، لكن بعد 2011 ارتكبنا خطأ كبيرا حين ارتضينا بجلب السياح ذوي القدرة المتدنية على الإنفاق، لمجرد ملء المدينة وحشو الفنادق. لهذا أنا أرى، من خلال تجربتي، أن عددًا قليلاً من السياح الأثرياء أفضل من عدد كبير من السياح الفقراء».
ما قصده الجارحي أنه بعد أحداث 2011 أصبح بإمكان النجار أو الحداد أو الممرض الروسي أو البولندي أو البريطاني أن يمضي هو وأسرته أسبوعًا كاملاً في أفخم فنادق ومنتجعات شرم الشيخ بمبلغ لا يزيد عن خمسمائة دولار. ويشمل ذلك تذكرة الطائرة والطعام والشرب (نظام المطعم المفتوح والمشرب المفتوح)، ويشمل أيضًا الاستمتاع بباقي الخدمات الترفيهية، من النوم تحت الشمس على الشاطئ وحتى الغوص والتدليك والغناء مع الفرق الموسيقية ذات العروض المجانية. وهذه خدمات تقدم للسائح المصري بأضعاف الثمن. لقد كان الهدف من هذه التسهيلات المغرية تشجيع السياحة الأجنبية.
يتكون الفندق الذي يديره رزق الله في خليج نبق، من 800 غرفة، ويعمل فيه نحو 550 موظفًا. وكان عدد الغرف المشغولة بالسياح أثناء وقوع حادث الطائرة 650 غرفة من بينها نحو 70 في المائة أو أكثر يسكنها روس، وبعدهم بريطانيون ثم جنسيات أخرى من الألمان ومنطقة الشرق الأوسط.
ويقول رزق الله إنه عقب الحادث الذي قتل فيها 224 هم كل ركاب الطائرة، وبعد صدور أوامر الإخلاء من حكومات هؤلاء السياح، قرر الجميع أن يغادر «هذا يعني أن النشاط توقف بنسبة تتراوح بين 80 إلى 90 في المائة، مع أن أصدقاءنا من السياح العرب لم يتأثروا بتداعيات الحادث».
ويضيف عبد الله أحمد، أحد أصحاب الفنادق الكبرى المطلة على الخليج في قلب شرم الشيخ أن جلب أعداد كبيرة من السياح بأسعار زهيدة كان محاولة لتجاوز الخسائر التي أصابت المدينة بسبب الثورة. لكن ضعف الإنفاق وحالة الفقر العام للسياح أثرت على عموم المدينة بالسلب. وجعلت الأمور فيها «رخوة.. وفقدنا حالة الانضباط الأمني التي اعتدنا عليها قبل الثورة حين كانت طبقة السياح ثرية ولديها قدرة على الإنفاق».
* حقائق اقتصادية
الضائقة الاقتصادية تولد المشكلات، كما يؤكد أحد المسؤولين في شرم الشيخ. حين اعتمدت المدينة على السياح الفقراء، كما يقول، فقدت المدينة الزخم الذي ارتبط بها حتى عام 2010 كمدينة محكومة أمنيا «بحيث لا يمكن للنملة أن تمر دون إذن»، وكان يمكن للعاملين فيها الحصول على رواتب مرتفعة. بعد الثورة بدأت المحال تغلق أبوابها. والفنادق تقول للعامل والموظف: هذا هو الراتب. اقبل به، أو عد من حيث جئت.
أو كما يوضح الألفي قائلا إن «شرم الشيخ كانت جاذبة للعمالة، والآن أصبحت طاردة للعمالة.. العامل كان يعتقد أنه حين يأتي إلى هنا سيحصل على راتب مرتفع، لكنه حين يأتي في ظل الظروف الجديدة (ما بعد الثورة) يصطدم بالواقع الفعلي. يتم التأمين عليه من رب العمل بمرتب بسيط، أما نسبة الـ12 في المائة خدمة التي يحصل عليها من خدمته للزبائن فأصبحت محدودة لعدة أسباب منها تأجير غرف الفنادق بأسعار متدنية ومنها نوعية السياح الفقراء».
وعلى عكس الأحوال الاقتصادية المتدهورة للعاملين المدنيين في شرم الشيخ، تحسنت رواتب رجال الأمن فيها بشكل كبير في السنوات الأخيرة من أجل تأمين المدينة والترفع عن طلب الإكراميات أو البقشيش من السياح، كما يقول أحد المسؤولين في جهاز الشرطة.
ويضيف: «في وقت من الأوقات الماضية كانت رواتب رجال الأمن متدنية، لكن اليوم المرتبات زادت بشكل كبير، وتحسنت أوضاعهم. قطاع الشرطة من العاملين في مجال السياحة يأخذون دعما من الفنادق أيضا وبنسب معترف بها رسميًا».
لكن رزق الله يقول: «دعنا نتحدث بصراحة قليلاً. لماذا يمكن أن نستثني قطاعًا من القطاعات من المشكلات؟ أين هو القطاع الموجود في مصر من دون أن يكون مصابا بشكل أو بآخر، إن لم تكن المشكلات متغلغلة فيه حتى النخاع؟ أي فساد في قطاع شرطة السياحة أو المطار يكون تأثيره أكبر بسبب حساسية المكان والمهمة التي يقوم بها رجل الأمن».
وعما إذا كان قد شعر من خلال عمله بضيق السياح الذين يتعرضون لطلب البقشيش، يقول رزق الله إن كثيرا من السياح «يأخذون الأمر كمزحة.. أي كأنه موقف كاريكاتوري. يقولون هل يعقل أن شيئًا مثل هذا يحدث.. أنا شخصيًا لم أعش هذه التجربة لكن هناك سياحا يتحدثون عن موضوع البقشيش».
الموضوع لا يقتصر على بعض رجال الشرطة، لكنه، وبسبب ضعف إنفاق السياح، كانت تعاني منه كثير من الجهات الأخرى في شرم الشيخ. سائقو سيارات الأجرة (التاكسي) يبحثون أيضًا عن مكسب سريع بالعملة الصعبة. إحدى السائحات الإيطاليات تجيد التحدث باللغة العربية وكيفية التصدي لمحاولات الابتزاز لها قصة طريفة. قال لها سائق التاكسي إن قيمة الأجرة من المطار إلى الفندق خمسون يورو، بينما الأجرة الحقيقية لا تزيد عن خمسة يوروات، فقالت له «أنا من شبرا يا حبيبي!». بكل بساطة كانت تريد بذلك أن تبلغ السائق أنها من قلب ضواحي القاهرة ولا يمكن أن تتعرض للخداع.
سواءً قبل 2011 أو بعدها.. «الحكومة المصرية تتعامل مع قطاع السياحة فقط حين تحتاج إليه اقتصاديا»، كما يقول رزق الله، ويضيف «قبل 2011 كانت شرم الشيخ أكثر تأمينا، وحتى على المستوى العام، كانت العمالة منتقاة نسبيًا، ولا أحد يدخل شرم الشيخ أو يتسبب في مضايقة السياح أو غيره. وبعد أحداث 2011، وكالعادة كل أصحاب الفنادق، سواء الملاك أو المديرون العموميون، أول شيء يقومون به من أجل جذب السياح، هو تخفيض الأسعار من أجل ملء الفندق. النزول بالأسعار يعني النزول بالجودة المقدمة للسائح».
في هذه الأثناء، حقائب السفر مكدسة في زوايا مطار شرم الشيخ بانتظار وصول الطائرات الروسية والبريطانية وغيرها لنقلها إلى أصحابها الذين سبقوها عائدين إلى بلادهم. فبعد تفجير الطائرة المنكوبة، دعت حكومات عدة دول غربية رعاياها لترك شرم الشيخ والإخلاء الفوري. وهذا رد فعل، كما يقول رزق الله، «مبالغ فيه»، مشيرًا إلى أنه كان ينبغي انتظار التحقيقات لمعرفة سبب المشكلة، وما إذا كان هناك نقطة ضعف في التفتيش الأمني أم حادث قضاء وقدر، أم مشكلة في الطائرة.



أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)

تعد العملية الدراماتيكية التي نفّذتها الولايات المتحدة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس، وإزاحتهما من السلطة على يد قوات عسكرية أميركية خاصة، واحدة من أهم الأحداث الجيوسياسية في حقبة ما بعد «الحرب الباردة». ومع أن «مسرح» العملية كان في أميركا اللاتينية، فإن تداعياتها تمتد إلى ما هو أبعد من المنطقة. أيضاً يشير الواقع إلى أن الهدف من العملية لم يكن مجرد إسقاط نظام مادورو، بل أيضاً العرض المتعمد للقوة الأميركية، من أجل تعطيل الشبكات الاستراتيجية لأبرز منافسي واشنطن على الساحة العالمية.

يرى مراقبون استراتيجيون أن الولايات المتحدة، عبر عملية اختطاف نيكولاس مادورو واعتقاله، لم تكتفِ بتحييد نظام معادٍ، بل أظهرت كذلك قدرتها على اختراق قيادة حاكمة، وإسقاطها من السلطة، داخل دولة لطالما حظيت بحماية دبلوماسية واقتصادية وعسكرية من منافسي واشنطن الكبار. وبذا، لم تتحدَّ واشنطن حكومة مادورو فحسب، بل تحدّت أيضاً الفرضيات التي يقوم عليها التخطيط الاستراتيجي الصيني والروسي والكوري الشمالي.

في هذا السياق، يعرب المحلل الجيوسياسي الهندي مانيش تشيبر عن اعتقاده بأن العملية الأميركية «ما كانت تهدف إلى تغيير النظام في كاراكاس، بقدر ما كانت تهدف إلى إعادة تأكيد الهيمنة الأميركية... وعموماً سعت العملية إلى تعطيل قدرة الدول المنافسة على بسط نفوذها وتعزيز التسلسل الهرمي في النظام الدولي. وجاءت الرسالة واضحة لا لبس فيها: التحالف مع خصوم الولايات المتحدة لا يضمن الحماية». ويضيف تشيبر: «من وجهة نظر واشنطن، مثّلت فنزويلا نقطة ضغط مثالية؛ إذ كانت متجذّرة بعمق في البنية الاستراتيجية لكل من الصين وروسيا، وتعتمد بشدة على دعمهما الاقتصادي والعسكري، ناهيك من أنها تقع جغرافياً في منطقة تُعتبر تاريخياً حيوية للأمن الوطني الأميركي. وبالتالي، فالضربة في فنزويلا مكّنت واشنطن في آن معاً من تعطيل شبكات منافسة متعددة». وحقاً، كان كل من الصين وروسيا قد استثمرتا بكثافة في فنزويلا ضمن مساعيهما لتحدي النفوذ الأميركي في ما تعتبره واشنطن منذ فترة طويلة «فناءها الخلفي» الاستراتيجي.

انتكاسة استراتيجية لبكين

بالنسبة للصين، يأتي إسقاط مادورو بمثابة ضربة قاسية. إذ إن فنزويلا لم تكُن مجرد شريك آخر في جهود بكين المتنامية للانخراط داخل دول «الجنوب»، بل كانت محوراً استراتيجياً لها في أميركا اللاتينية، واختباراً حاسماً لقدرتها على حماية مصالحها وتحدّي هيمنة واشنطن خارج شرق آسيا.

وحقاً، طيلة عقدين، رسّخت بكين مكانتها كشريك لا غنى عنه لفنزويلا - بلداً وسلطةً - بفضل القروض المدعومة بالنفط، والتعاون في مجال الطاقة، وتمويل البنية التحتية، والدعم الدبلوماسي. وكثيراً ما وصف المحلّلون الصينيون هذه الشراكة بأنها تقوم على «المنفعة المتبادلة»، إذ تلقت كاراكاس دعماً مالياً ودعماً سياسياً. وفي المقابل، أمّنت بكين إمدادات الطاقة ونفوذاً إقليمياً.

أيضاً، برزت الصين كأكبر مستورد للنفط الخام الفنزويلي، وتكشف الأرقام أنها استوردت ما يقارب 400 ألف برميل يومياً عام 2025، أي أكثر من نصف إجمالي صادرات فنزويلا. وكانت هذه التدفّقات النفطية «شريان حياة» لحكومة مادورو، إذ حافظت على إيرادات الدولة تحت وطأة عقوبات وانهيار اقتصادي واضطرابات داخلية مستمرة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن فنزويلا تهدّدت بأزمات مالية هائلة. ومنذ مطلع العقد الأول من الألفية الثانية، قدّمت لها بكين قروضاً تجاوزت قيمتها 100 مليار دولار، أي ما يقارب 39 في المائة من إجمالي القروض الصينية المقدمة لمجمل دول أميركا اللاتينية. ومع أنها سددت جزءاً من هذه الديون، لا تزال فنزويلا مدينة للصين بما يُقدّر بما بين 10 و12 مليار دولار، معظمها مُرتبط بترتيبات تتعلق بالسلع الأساسية. وبجانب النفط، استثمرت الشركات الصينية بكثافة في التعدين، (بالذات) الذهب والاتصالات والبنية التحتية.

نقاط الضعف الصينية

بالتوازي، وبينما ركّزت التحركات الأميركية الأخيرة في فنزويلا علناً على النفط والنفوذ السياسي، يرى محللون أن «تقييد» المصالح الصينية شكّل هدفاً رئيسياً. إذ لطالما كانت الصين مشترياً أساسياً للنفط الخام الفنزويلي، واستثمرت بكثافة عبر صفقات «قروض مقابل النفط»، التي ربطت التمويل بضمانات إمدادات النفط. ويُبرز تعطيل هذا الترتيب هشاشة أصول الطاقة الصينية في الخارج، ولا سيما المناطق الهشّة سياسياً، وتلك التي تقع خارج نطاق سيطرتها العسكرية. وربما يدفع هذا الانكشاف بكين إلى إعادة تقييم استثماراتها في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا الوسطى.

الواقع أن فنزويلا تمثّل معضلة في الاستراتيجية الصينية تجاه الموارد الخارجية. فغالباً ما يؤدي تأمين أصول الطاقة والمعادن البعيدة من دون التزامات أمنية مقابلة إلى انكشافها، بدلاً من تعزيز قدرتها على الصمود. وقد تتحوّل الأصول التي كانت تُعدّ في السابق حواجز استراتيجية إلى أعباء في المناطق المتنازع عليها، خاصةً في ظل اشتداد المنافسة الجيوسياسية وقدرة الخصوم على إعادة رسم النتائج بالقوة أو الدبلوماسية.

الثروات الأرضية النادرة

وهنا يتناقض ضعف الصين بشكل حادّ مع موقعها في مجال الثروات الأرضية النادرة والمعادن الحيوية. ولقد وصف مسؤولون ومحللون أميركيون المتطلبات الصينية المتعلقة بتراخيص التصدير التي أقرّت أواخر عام 2025 بأنها محاولات «لاستغلال» قدرتها التصنيعية شبه المهيمنة، خاصة في مجال المعادن النادرة المتوسطة والثقيلة التي تتسم بأهمية بالغة لأنظمة الدفاع والإلكترونيات المتقدمة والمركبات الكهربائية وتقنيات الطاقة المتجددة. وجاءت هذه الإجراءات عقب فرض واشنطن قيوداً على أشباه الموصلات وغيرها من التقنيات ذات الاستخدام المزدوج للشركات الصينية. ومع أن بكين حافظت لاحقاً على الصادرات بموجب ترتيبات محدودة ومؤقتة، عزّزت هذه العملية المخاوف من جاهزيتها لتحويل هيمنتها التصنيعية إلى نفوذ جيوسياسي.

في هذا الإطار، يرى المحلل الهندي راجا موهان أن الضغط الأميركي على فنزويلا «قد يُستخدم كورقة ضغط مضادة غير مباشرة في مواجهة السيطرة الصينية على المعادن النادرة وغيرها من المواد الاستراتيجية». وعبر تهديد مصدر طاقة رئيس واحتياطيات معدنية محتملة، «تضغط واشنطن على بكين في مجالات استراتيجية متعدّدة»... وبالتالي، يمكن اعتبار تشديد بكين اللاحق على «ضوابط» تصدير المعادن النادرة خطوة دفاعية أو انتقامية في خضم صراع جيوسياسي متصاعد، لا مجرّد إجراء اقتصادي معزول.

من جهة ثانية، لا تقتصر الأهمية الاستراتيجية لفنزويلا على النفط وحده، إذ تختزن أرضها أيضاً احتياطيات غير مستغلة من المعادن النادرة البالغة الأهمية للتخطيط الصناعي والتكنولوجي والدفاعي الطويل الأجل. وفي هذا الإطار، رأى المحلل الهندي سوشانت سارين أن قضية المعادن النادرة «تُسلط الضوء على حدود جهود الإكراه الاقتصادي من دون وجود نفوذ أمني مُكمّل. فالهيمنة على سلاسل التوريد قد تُوفر قوة تفاوضية قصيرة الأجل، لكنها لا تستطيع منع الخصوم من إعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي بالوسائل السياسية أو العسكرية». وهكذا، تحمل فنزويلا درساً مهماً لبكين: فالسيطرة على نقاط الاختناق في عمليات المعالجة لا تعني بالضرورة السيطرة على نتائجها داخل المساحات الجيوسياسية، التي تحركها الأزمات.

انكشاف فجوة الصدقية

وللعلم، في أعقاب العملية مباشرة، أصدرت بكين إدانة دبلوماسية شديدة اللهجة، متهمة واشنطن بانتهاك القانون الدولي وتهديد الاستقرار الإقليمي. واستنكر المسؤولون الصينيون ما وصفوه بـ«السلوك الساعي لفرض الهيمنة»، وحذّروا من الإجراءات أحادية الجانب. لكن، بخلاف الخطابات والتصريحات، لم تُقدّم القيادة الصينية أي ردّ ملموس. إذ لم تكن هناك أي إشارة عسكرية، ولا أي نشر وقائي، ولا أي إجراء مضاد لحماية مصالحها أو أفرادها على الأرض. وأكثر من هذا، تشير تقارير إلى أن الاستخبارات الصينية بوغتت بالعملية الأميركية، في حين أثبتت أنظمة الدفاع الجوي الصينية في فنزويلا انعدام فاعليتها خلال العملية.

بخلاف التداعيات الدبلوماسية المباشرة، قد تجبر الأزمة الفنزويلية بكين على مواجهة تناقضات هيكلية أعمق في استراتيجيتها العالمية؛ فقد بنت الصين نفوذها الخارجي أصلاً على المهارة الاقتصادية للدولة كالقروض، والبنية التحتية، وشراكات الطاقة، والإحجام عن فرض شروط سياسية. لكن أزمة فنزويلا الأخيرة كشفت أن العمق الاقتصادي لا يُترجم تلقائياً إلى قدرة على الصمود في وجه الأزمات. وهنا يحلّل راجا موهان المسألة على النحو الآتي: «تكشف هذه الحادثة عن فجوة في مصداقية الاستراتيجية الصينية العالمية. إذ بمقدور بكين تقديم الاستثمار والتجارة والدعم السياسي، لكنها عاجزة حتى الآن عن تقديم ضمانات أمنية قاطعة بمواجهة قوة أحادية حاسمة».

ويتابع المحلل الهندي: «بما يخص حكومات أميركا اللاتينية، تثير التداعيات القلق، فالتقارب مع الصين يُحقق فوائد اقتصادية، لكنه لا يُترجم بالضرورة إلى حماية عند مواجهة ضغوط واشنطن. بل قد يتبع ذلك إعادة تقييم هادئة للتوجّه نحو واشنطن للحصول على ضمانات أمنية... ما يُبطئ وتيرة التوسع الصيني إقليمياً».

أما المحلل الاستراتيجي الهندي أماليندو ميسرا، فيوضح: «إن أمام صانعي السياسة الصينيين الآن مراجعة صعبة. فحماية الاستثمارات الخارجية بالوسائل العسكرية تتطلب تمركزاً متقدماً، واختراقاً استخباراتياً، وتأهباً للتصعيد... وهذه خطوات تتناقض في مجملها مع تركيز بكين المُستمر على تجنّب التدخل. ومع ذلك، فإن استمرار ضبط النفس يُهدد بمزيد من تآكل المصداقية بين الدول الشريكة».

هذه الفجوة في الصدقية لا تنطبق على فنزويلا وحدها، بل يتردد صداها في جميع أنحاء منطقة «مبادرة الحزام والطريق» الصينية الأوسع، حيث يجري عدد من الدول المستفيدة من «المبادرة» تقييماً هادئاً لمدى ضمان الشراكات الاقتصادية مع الصين، أي حماية أمنية فعّالة خلال فترات الأزمات الحادة. وعليه، فمثال انعدام الحماية الصينية في فنزويلا قد يؤثر على المفاوضات المستقبلية، وتقييمات المخاطر، والتوقعات السياسية في مناطق بعيدة عن أميركا اللاتينية.

هل تُشكّل فنزويلا نموذجاً لتايوان؟

على صعيد آخر، بين القراءات الأكثر جدية لعواقب العملية الأميركية القراءة الخاصة بمصير تايوان. فهل تعتبر بكين العملية نموذجاً لمعاملة تايوان؟

ظاهرياً، استغلّ المسؤولون الصينيون العملية للتشكيك في صدقية الولايات المتحدة حيال الالتزام بمبادئ السيادة والقانون الدولي. لكن ثمة محللين عقدوا مقارنات مباشرة بين فنزويلا وتايوان. وكمثال، وصف ستيف تسانغ، مدير معهد الدراسات الصينية في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية (سواس) بجامعة لندن، هذا بأنه «فخّ نفاق» يسمح لبكين بالزعم أن المعايير الدولية تُطبّق بشكل انتقائي، وبالتالي فهي قابلة للتفاوض.

وفي المقابل، يرفض آخرون فكرة أن فنزويلا تُقدّم نموذجاً تكتيكياً لتايوان. ووفق واي كيه سينها، السفير الهندي السابق لدى فنزويلا: «ثمة فوارق واضحة... فنزويلا تفتقر إلى حلفاء موثوقين مستعدين للقتال، ولم تكن لديها ضمانات أمنية مُلزمة، كما كانت قدراتها الردعية ضئيلة. أما تايوان فتشكل النقيض تماماً، إذ تتميّز بدعم أميركي عميق، وتكامل عسكري كثيف، ومخاطر تصعيد عالية للغاية، الأمر الذي تدركه بكين بوضوح».

ولكن رغم استبعاد أن تُشكّل فنزويلا نموذجاً عسكرياً لتايوان، فإنها تُزوّد بكين بذخيرة خطابية في بحر الصين الجنوبي. وعبر تسليط الضوء على الأحادية الأميركية، تستطيع بكين أن تُجادل بأن الأعراف السائدة تتبع القوة، بدلاً من أن تُقيّدها. ويدعم هذا التأطير ادعاء بكين القديم بأن أفعالها في المياه المتنازع عليها لا تختلف عن التدخلات الأميركية في أماكن أخرى.

كوريا الشمالية...وتعزيز خطاب الردع

في اتجاه آخر، إلى جانب الصين، وجّهت عملية فنزويلا رسالة ردع إلى كوريا الشمالية. وجاء ردّ فعل قيادتها أقوى وأكثر حدة من كثير من الردود الدولية الأخرى. وبعكس بعض حلفاء واشنطن، الذين أعربوا عن قلقهم، لكنهم لم يصلوا إلى حد الإدانة الصريحة، كان ردّ بيونغ يانغ قاسياً وذا طابع آيديولوجي، متسقاً مع معارضتها التاريخية للعمليات العسكرية الأميركية.

إذ أدانت وزارة خارجية بيونغ يانغ، عبر وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية، العملية، ووصفتها بأنها «أخطر شكل من أشكال التعدي على السيادة»، واصفةً الولايات المتحدة بأنها «مارقة ووحشية». وأعقب هذه الإدانة إطلاق صواريخ باليستية - الأولى منذ عدة أسابيع – ما فُسِّر على نطاق واسع بأنه إشارة متعمدة.

ومن ثم، يرى محللون أن العملية الفنزويلية تعزز الاعتقاد الاستراتيجي الأساسي لدى كوريا الشمالية بأن الأسلحة النووية لا تزال الضمانة النهائية لبقاء النظام. ووفق المحلل الهندي سوشانت سارين: «فيما يخص يونغ يانغ، تُعزز فنزويلا قناعة راسخة مفادها أن الأنظمة التي تفتقر إلى رادع موثوق، تظل عرضة للخطر بغضّ النظر عن التحالفات الدبلوماسية. وتُعزز هذه الحادثة مبررات كوريا الشمالية للاحتفاظ بترسانتها النووية وتوسيعها، وتُصعّد مقاومتها لنزع السلاح النووي، وتُرسّخ فكرة أن القوة العسكرية الضمانة الوحيدة ضد التدخل الخارجي».

نمط استراتيجي أوسع

في نهاية المطاف، تُبرز عملية فنزويلا سمة أساسية للجغرافيا السياسية المعاصرة: أن القوة تُمارس بشكل متزايد من خلال السرعة والدقة والتأثير النفسي، بدلاً من المواجهة المطولة. وفي ما يخص الصين وكوريا الشمالية، بل روسيا أيضاً، تُذكّر هذه الحادثة بأن النفوذ دون حماية قابلة للتنفيذ يبقى مشروطاً. وفي نظام تكون فيه مصداقية الردع أهم من التحالفات القائمة على التصريحات والبيانات، من المرجح أن يشكل التوازن بين النطاق الاقتصادي والقدرة الأمنية النتائج الاستراتيجية في السنوات المقبلة.


مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
TT

مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع

في قلب غرب أفريقيا، تبرز قصة الرئيس الغيني مامادي دومبويا، كواحدة من أكثر التحولات السياسية دراماتيكية، المشحونة بالتناقضات خلال العقد الأخير. إذ نجح العسكري الذي أمضى معظم حياته برتبة عريف أوَّل في الجيش الفرنسي، خلال 4 سنوات فقط في التدرّج من قائد انقلاب عسكري إلى رئيس منتخب أخيراً، في مشهد يعكس تعقيدات السلطة والسياسة في «القارة السمراء». ما يجعل رحلة دومبويا أكثر إثارة للجدل هو التناقض العميق في شخصيته وسياساته، فهو يحكم بلداً غنياً بالثروات المعدنية، لكن البلاد تعاني تحت وطأة الفقر. ثم إن دومبويا، الذي تلقى إعداداً عسكرياً مبكّراً في إسرائيل، يقف في قلب مفارقة تاريخية وسياسية، فقيادته جاءت في بلد عرف بدعمه لحركات التحرّر الوطني الأفريقي وبتوتراته مع إسرائيل، لكنه اليوم يسعى لإعادة تشكيل الدولة وفق رؤيته الخاصة.

مامادي دومبويا، البالغ من العمر 42 سنة، لم يتردّد في استخدام سرعته العسكرية لتحقيق السلطة، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل مضى نحو كسب شرعية انتخابية لإعادة إنتاج قيادته وإضفاء طابع قانوني على حكمه، في قارة شهدت عشر انقلابات خلال 5 سنوات.

تحيط أستار السرّية بنشأة دومبويا، المولود يوم 5 ديسمبر (كانون الأول) 1984 في مدينة كانكان بشرق غينيا، لكن المعروف أنه ينتمي إلى شعب «المالينكي»، وهو مجتمع تاريخياً محافظ، وقيادي، ومتماسك اجتماعياً، له تأثير سياسي واضح، ما يفسّر حضور شخصيات مثل دومبويا في المشهد العسكري والسياسي لغينيا وأفريقيا الغربية.

زوجة فرنسية

هذا الانتماء العرقي الأصيل لم يمنع دومبويا من الزواج من سيدة فرنسية بيضاء، اسمها لوريان داربو، وسط شحِ في المعلومات عن «سيدة غينيا الأولى» المرتقبة. ومن ناحية ثانية، يُنظر إلى الرئيس الغيني كقائد عسكري استثنائي، تميَّز عن نظرائه من قادة الانقلابات في القارة الأفريقية، إذ جمع بين التدريب التكتيكي التقليدي والخبرة في الأمن السيبراني والإدارة الاستراتيجية. ولقد صُقلت هذه المهارات عبر مسار مهني طويل، تميّز بالتدريب الدولي والعمل الميداني في عدة دول، أبرزها فرنسا حيث أمضى 15 سنة ضمن صفوف الجيش و«الفيلق الأجنبي» الفرنسي، مكتسباً خبرة لا تقتصر على التكتيكات العسكرية التقليدية فحسب، بل شملت أيضاً مهارات القيادة في بيئات معقّدة ومتعدِّدة الأبعاد.

خلال مسيرته، شارك دومبويا في عدة مهام عملياتية في مناطق النزاعات حول العالم، من أفغانستان وكوت ديفوار إلى جيبوتي وجمهورية أفريقيا الوسطى، كما تولّى حماية شخصيات دولية في إسرائيل وقبرص وبريطانيا وغينيا، وفق تقارير «إنتليجنس أونلاين». كلّ هذه التجارب أكسبته رؤية شاملة لمفاهيم الأمن وإدارة الأزمات، جعلته قادراً على التحرّك بسرعة وكفاءة في مواجهة التحدّيات السياسية والعسكرية على حد سواء.

وبدت مفارقة الأقدار متجسّدة بوضوح في المسار الذي أوصل دومبويا إلى قمة السلطة، بتناغم لافت مع مقولة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه «مَن يرفعكَ إلى القمة قد يكون أول مَن يدفعك منها». إذ في عام 2018، لم يكُن الرئيس السابق ألفا كوندي يتوقّع أن قراره بتكليف دومبويا بقيادة مجموعة «القوات الخاصة» النخبوية (GFS) سيؤسس، بعد ثلاث سنوات فقط، لانقلاب عسكري أطاح به في سبتمبر (أيلول) 2021 على يد «الوحدة» ذاتها التي أوكل إليها حمايته وترسيخ نفوذه.

نموذج معقّد للقادة الانتقاليين

بعد هذا الانقلاب، الذي لحق بموجة انقلابات اجتاحت «القارة السمراء» منذ مطلع هذا العقد، جسَّد مامادي دومبويا نموذجاً معقداً لقائد انتقالي يجمع بين خطاب الاستقرار والتنمية وطموح تثبيت السلطة، في ظل مسار سياسي يثير جدلاً واسعاً حول الالتزام بالديمقراطية والحرّيات.

ذلك أنه بينما قدّم نفسه منقذاً للدولة من «حكم الفرد» التسلّطي في أول ظهور تليفزيوني له عقب الانقلاب، تلازمت سلطته مع تضييق غير مسبوق على المعارضة، شمل حلّ عشرات الأحزاب وإقصاء المنافسين المحتملين، ما أفرغ الانتخابات الرئاسية من مضمون التعدّدية.

وفي الاتجاه نفسه، حمل تحوّل الرجل من «قائد انقلاب» إلى «رئيس منتخب» تناقضات صارخة، أبرزها تراجعه عن تعهدات سابقة بالامتناع عن الترشح، عقب تعديل دستوري أزال القيود المفروضة على أعضاء المجلس العسكري. وفي مقابل خطابه الذي بشّر بإنهاء الحكم الفردي، تتهمه تقارير دولية ومحلية اليوم بتقييد الحرّيات وقمع الاحتجاجات وتهميش الخصوم السياسيين.

وحقاً، بين تثبيت الشرعية والتضييق على المعارضين داخلياً، يخضع مسار مامادي دومبويا لاختبار دقيق بين السلطة والحقوق. ففوزه الرئاسي بنسبة 86.72 في المائة بيَّن دعماً شعبياً شكلياً، خاصة بين الشباب والعمال، وهو ما كشفته شهادات بثتها وكالات أنباء عالمية. وفي المقابل، حاول ترسيخ صورة انتقاله من قائد عسكري إلى صاحب شرعية انتخابية مدنية وسياسية جديدة كاملة، بكلامه عن «غينيا للجميع».

من جهة أخرى، ركَّز دومبويا اقتصادياً، على قطاع التعدين ومشروع «سيماندو» للحديد، الذي تملك الصين 75 في المائة منه، مع استثمارات البوكسيت والبنية التحتية. وهنا نشير إلى أنه، على الرغم من برامج تدريب الشباب الرقمية، يواجه نصف سكان غينيا فقراً، وأمناً غذائياً هشّاً، وسط انتقادات ترى الإصلاحات تكريساً للسلطة واستمرار التحديات الاجتماعية الكبرى.

اختبار السياسة... إقليمياً ودولياً

على الصعيد السياسي، يأتي الاختبار التقليدي لمسار دومبويا على المستوى القاري الأفريقي، ضمن موجة الانقلابات التي وقعت منذ عام 2020 في غرب أفريقيا والساحل. وهذه الانقلابات تجسّد توتر علاقة الجيوش بالسلطة المدنية، مع سعي قادتها «إنتاج» شرعيتهم انتخابياً. وكما هو معروف، تشهد أفريقيا جنوبي الصحراء عدة حالات لقادة عسكريين شرعنوا بقاءهم حتى 2029 تقريباً، مع إمكانية إجراء انتخابات فقط إذا تحسّنت الظروف الأمنية.

أما لجهة السياسة الدولية العليا، فلم توضع علاقات دومبويا مع واشنطن على محك التجربة بعد بشكل مباشر ومعلن. إلا أن فوزه حظي بلهجة معتدلة من جانب واشنطن، عبر سفارتها، التي أعربت عن دعمها الرسمي للرئيس المنتخب، مع التركيز على العلاقات الاقتصادية والاستقرار. واللافت أن الصين، الشريك الاقتصادي الرئيسي لدومبويا، لم تكن بمنأى عن المشهد، إذ سارع رئيسها شي جينبينغ برسالة تهنئة، مشدّداً على تطوير الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين.

دور إسرائيل الموعود... والمتعاظم مستقبلاً

ولكن بجانب هذه المفارقة، ثمة مفارقة مهمة أخرى لا تبدو اليوم لافتة بقدر ما هي دالة تاريخياً. ففي بلدٍ، كغينيا ارتبط اسمه طويلاً بموقف عدائي صريح من إسرائيل إبان عهد زعيمه الاستقلالي التاريخي أحمد سيكوتوري، تبدو الأمور إلى تغيّر جذري.

سيكوتوري كان قد قطع العلاقات مع الدولة العبرية تضامناً مع الدول العربية عقب نكسة الخامس من يونيو (حزيران) 1967، إلا أن المشهد السياسي الراهن يسير في مسار مغاير تماماً، ولعل الترحيب الأميركي بانتخاب دومبويا ينمّ عن التغيّر المرجح. ذلك أنه سبق لدومبويا، أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع، بعدما أوفدته فرنسا ضمن برامج ذات طابع أمني، فيما يوحي بوجود تحوّل عميق في بوصلة العلاقات الخارجية لكوناكري.

أيضاً، إبان عهد دومبويا، أبدت إسرائيل اهتماماً خاصاً بتعزيز حضورها في قطاع الأمن السيبراني الغيني، وفق ما أورده موقع «إنتليجنس أونلاين» الاستخباراتي، وهذه خطوة تعكس استمرارية العلاقات الدبلوماسية التي أُعيد إحياؤها عام 2016 بعد قطيعة دامت قرابة خمسة عقود. وكذلك يشير هذا التطور إلى فتح صفحة جديدة من التعاون تتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي إلى شراكات أمنية وتقنية أكثر عمقاً. ويرى خبراء أن هذا المسار مرشّح لمزيد من التوسّع.

تطبيع واستخبارات

وفي تقدير للدكتور يسري العزباوي، الباحث السياسي في «مركز تريندز للبحوث والاستشارات» في أبوظبي، فإن دومبويا، سواءً استمر في السلطة أو خلفه غيره، «سيمضي بخطوات أوسع على طريق التطبيع مع إسرائيل، لا سيما في مجالي التعاون العسكري والتسليح». ويضيف العزباوي أن مجموعة كبيرة من الدول الأفريقية التي تشهد انقلابات عسكرية تبقى عملياً رهينة للرضى الأميركي، مذكّراً بأن «المدخل إلى هذا الرضى يمر غالباً عبر إسرائيل».

ويستند العزباوي في تحليله، إلى ما يصفه بـ«التوغّل الإسرائيلي المتنامي في أفريقيا طيلة السنوات الأخيرة، في مقابل غياب تنسيق عربي فاعل». ويلفت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن السلاح الإسرائيلي لم يعُد حاضراً في دول أفريقيا جنوبي الصحراء ووسطها فحسب، بل امتد أيضاً إلى شمال القارة.

ووفق العزباوي، يكتسب هذا التوجّه زخماً إضافياً، من «التأييد الكامل الذي وفّرته إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب لإسرائيل»، ما يمنحها هامش حركة أوسع في الساحة الأفريقية.وإجمالاً، فإن نجاح دومبويا في الانتقال من قائد انقلاب إلى رئيس منتخب يمثل اختباراً نادراً في أفريقيا، حيث لا تتيح الانقلابات العسكرية عادةً فرصة للتحوّل إلى قيادة مدنية شرعية، بما يفتح باب التساؤل... هل تكون تناقضات دومبويا هي «كلمة السرّ» التي ستجعله استثناءً في «القارة السمراء»؟


في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
TT

في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo

تقف غينيا، الواقعة في قلب غرب أفريقيا، عند مفترق طرق اقتصادي وسياسي حاسم وبالغ الحساسية. فالبلد الذي يزخر بواحدة من أغنى الثروات الطبيعية في القارة، يجد نفسه أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في تحويل هذه الموارد الهائلة إلى نمو اقتصادي شامل ومستدام، بالتوازي مع مساعٍ لتحقيق استقرار سياسي بعد عقود من الاضطرابات والانقلابات العسكرية التي ألقت بظلالها الثقيلة على مسار التنمية.

منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1958، شهدت غينيا ثلاثة انقلابات عسكرية بارزة أعوام 1984 و2008 و2021، أطاحت برؤساء مدنيين أو عسكريين، ورسّخت صورة بلد يعاني من هشاشة سياسية مزمنة.

هذا الإرث الانقلابي أسهم في إضعاف ثقة المستثمرين، وعرقل في فترات كثيرة الاستفادة الكاملة من الثروات الطبيعية، وبالتالي الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي تمتلكها غينيا.

وأيضاً رغم هذا السياق السياسي المعقَّد، شهد الاقتصاد الغيني خلال السنوات الأخيرة نمواً ملحوظاً، مدفوعاً أساساً بقطاع التعدين. إذ أعادت الطفرة في صادرات المعادن غينيا إلى واجهة الاهتمام الدولي، لا سيما مع امتلاكها أكثر من 25 في المائة من احتياطيات البوكسيت العالمية، ما يجعل منها واحدة من أكبر مصدّري هذه المادة الخام الأساسية لصناعة الألمنيوم. وبالإضافة إلى البوكسيت، تزخر البلاد باحتياطيات معتبرة من الذهب والألماس ومعادن أخرى، ما يمنحها موقعاً استراتيجياً في خريطة الموارد الطبيعية الأفريقية.

في نهاية عام 2025، خطت الحكومة الغينية خطوة وُصفت بالتاريخية عبر تدشينها استغلال منجم سيماندو العملاق للحديد في جنوب البلاد، وهو أحد أكبر مكامن الحديد غير المستغلة في العالم. ولقد رُوّج للمشروع رسمياً بأنه «حلم أجيال»، نظراً لما يُنتظر أن يوفره من عائدات مالية وفرص عمل، إضافة إلى دوره في تعزيز البنية التحتية عبر إنشاء خطوط سكك حديدية وموانئ مرتبطة به. بيد أن المشروع، على ضخامته، يضع غينيا قبالة تحديات كبيرة تتعلق بالحوكمة والشفافية، بالذات في قطاع التعدين الذي لطالما كان بؤرة نزاعات سياسية وقانونية.

بيانات البنك الدولي تفيد بأن الناتج المحلي الإجمالي لغينيا سجل نمواً ثابتاً في السنوات الأخيرة، مستفيداً من توسع أنشطة التعدين وارتفاع الإنتاج الزراعي. ومع هذا، لا يزال الاقتصاد الغيني يعاني من اختلالات هيكلية، في مقدمتها الاعتماد المُفرط على الموارد الطبيعية وضعف تنويع القطاعات الاقتصادية، إلى جانب محدودية الإيرادات الضريبية، ما يقيّد قدرة الدولة على تمويل الخدمات الاجتماعية الأساسية.

من ناحية أخرى، تظل الزراعة، التي تشغّل أكثر من نصف القوى العاملة، قطاعاً حيوياً، لكنه يعاني من ضعف الإنتاجية واعتماد أساليب تقليدية، الأمر الذي يقلص مساهمته في الصادرات والنمو الاقتصادي. ويرى خبراء أن تحديث هذا القطاع يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للتنمية، خصوصاً في المناطق الريفية الأكثر فقراً.

إلى جانب التعدين والزراعة، تمتلك غينيا إمكانات هيدروليكية كبيرة تؤهلها لأن تغدو مصدراً رئيساً للطاقة في غرب أفريقيا. وراهناً تسعى السلطات إلى استثمار هذه الموارد عبر مشاريع لتوسيع إنتاج الكهرباء، وتحديث الموانئ، وتطوير شبكات السكك الحديدية، من بينها خط سيماندو – موريبايا الذي يمتد لأكثر من 650 كيلومتراً، بما يعزّز ربط البلاد بالأسواق العالمية ويسهل حركة التجارة.

ولكن، رغم هذه الآفاق الواعدة، تبقى التحديات الاجتماعية والاقتصادية حاضرة بقوة. فالفقر ما زال واسع الانتشار، وإمكانات الدولة المالية محدودة، في حين يواصل ضعف الشفافية في قطاع التعدين إثارة مخاوف المستثمرين الدوليين. وبالطبع يبقى الاستقرار السياسي عاملاً حاسماً وضرورياً في مستقبل البلاد، في ظل تاريخ طويل من الانقلابات والحكم المدني المتعثر.

وبالتالي، يرجّح مراقبون أن نجاح غينيا في تحويل ثرواتها الطبيعية إلى تنمية حقيقية يتوقف على تنفيذ تغييرات بنيوية عميقة، تشمل تعزيز الإدارة المالية والاستثمار في رأس المال البشري وتنويع الاقتصاد بدلاً من الاعتماد الأحادي على التعدين، وقبل كل ذلك بيئة سياسية دون انقلابات عسكرية أو توترات سياسية.