شرم الشيخ.. المنتجع المهجور

انفجار الطائرة الروسية أربك المدينة المصرية

شرم الشيخ.. المنتجع المهجور
TT

شرم الشيخ.. المنتجع المهجور

شرم الشيخ.. المنتجع المهجور

بعد ساعات من انفجار طائرة الركاب الروسية المنكوبة فوق شبه جزيرة سيناء، ومقتل جميع ركابها الذين كانوا متجهين من مطار مدينة شرم الشيخ المصرية إلى روسيا، أصيبت المدينة بالارتباك وهجرها الألوف من السياح الأجانب، وبدأت - من خلال مسؤوليها وأصحاب المنتجعات والمشاريع السياحية فيها - تبحث عن المتغيرات التي ضربتها في غفلة من الزمن، وأدت إلى تدهور أحوالها، إلى أن انتهى بها المطاف إلى مجرد شوارع فارغة وفنادق خاوية وأسواق مغلقة.
ومن الأسئلة المعلقة التي تبحث عن إجابة: هل تمكن بعض المتطرفين من شمال سيناء من التسلل إلى المنتجع الذي يعد أحد المقاصد السياحية المشهورة في العالم منذ تأسيسه قبل ثلاثة عقود من الزمان. وما دور العلاقة بين أبناء قبائل الشمال الملتهب والجنوب الهادئ في إمكانية تسهيل اختراق أحد المتشددين للإجراءات الأمنية والوصول إلى أمتعة الركاب لزرع قنبلة فيها.
في مدينة الطور، التي تقع على بعد مائة كيلومتر شمال غربي منتجع شرم الشيخ، في الجنوب الغربي من شبه جزيرة سيناء المصرية، وقف أحد أصحاب الكافتيريات التي يستريح فيها المسافرون، وأخذ يعرض خدماته على زبون في طريقه إلى شرم الشيخ، بعدما تبادلا أطراف الحديث.
لقد شرب المسافر فنجان قهوة لا تزيد قيمته عن سبعة جنيهات، لكنه دس في يد صاحب الكافتيريا خمسين جنيها حين ألمح له بأنه يمكن أن يسهل دخوله للمدينة. قال له «ابن أختي يعمل على الحاجز الأمني الفلاني، إنه أصلع قليلا واسمه كذا. اسأل عنه وقل له أنا من طرف خالك. وأنا سأتصل به الآن. مع السلامة». ولم يكن مع المسافر، وهو تاجر مصري من السويس، البطاقة الأمنية الخاصة بالدخول إلى شرم الشيخ، وهي بطاقة تصدر فقط للعاملين والموظفين في المدينة بعد خضوعهم لتحريات أمنية معقدة.
كثير من المسؤولين عن العمل السياحي في شرم الشيخ يتحدث عن «الفهلوة» المصرية في التعامل مع زوار المدينة والمترددين على مطارها. مثلاً، مسؤول أمني يأخذ إكرامية عشرة يوروات أو عشرة دولارات حتى يتغاضى عن التفتيش. لكن هل لهذا علاقة بضعف الرواتب التي يحصل عليها العاملون في المطار وقطاع السياحة؟ يجيب صفوت يوسف رزق الله، المدير العام لأحد فنادق شرم الشيخ، قائلا إن موضوع ضعف المرتبات كان حجة قديمة ولم يعد لها وجود الآن.
أساليب مصرية في التعامل بين الناس، حتى لو كانوا غرباء، تبدو ساذجة ومثيرة لانتباه ألوف السياح الذين كانوا يفدون إلى منتجع شرم الشيخ، وهي منطقة تعاني من وجود المتطرفين و«الدواعش» فيها. ومع ذلك يبدو الأمر أشبه بالمزحة التي تثير الضحك لدى كثير من السياح. مجرد نكتة عابرة، رغم أن لها تداعيات خطيرة قد تصل إلى استغلال الإرهابيين لمثل هذا التساهل، والنفاذ إلى أماكن حساسة بما معهم من قنابل وأدوات للقتل.
تظل فرضية تسلل «داعش» لمطار شرم الشيخ واحدة من أقوى النظريات التي تتبناها أجهزة استخبارات وحكومات غربية، قائلة إن التنظيم المتطرف قد تمكن من استغلال بعض الثغرات والتسلل منها إلى المطار وزرع قنبلة في حقيبة أحد الركاب، مما أدى إلى تفجير الطائرة الروسية بعد إقلاعها من المطار بنحو عشرين دقيقة. وتتبنى مصر فرضيات أخرى متعددة من بينها وجود خلل في محرك الطائرة، وتقول إنه لا توجد شائبة في تأمين المدينة ومطارها.
تشكل الجبال مانعًا طبيعيًا ضد تسلل الغرباء. من الصعب الدخول إلى شرم الشيخ بالسيارات من خارج البوابات الأمنية المنتشرة على الطرق الواصلة بين المنتجع وباقي مدن شمال سيناء التي ينشط فيها «داعش». نعم، من الصعب التسلل إليها إلا راجلا أو مستعينا بالجمال أو الخيول.
في الشوارع يحب السياح ركوب الجمال. يتراوح سعر الساعة ما بين خمسة دولارات وعشرة دولارات. ومثل رحلات «السفاري» والتخييم في الصحراء والجبال، فإن غالبية العاملين في هذا المجال من أبناء قبائل جنوب سيناء. ولهؤلاء امتدادات وارتباطات وعلاقات مُصاهرة مع باقي قبائل سيناء في الوسط والشمال.
* قبائل سيناء
تنقسم قبائل شبه جزيرة سيناء إلى ثلاث مجموعات رئيسية:
1- قبائل الشمال، وهي تتركز في شمال شرقي سيناء في مدن رفح والشيخ زويد والعريش، وهي مناطق تشهد مواجهات بين المتطرفين والجيش المصري. ويعتقد مسؤول أمني في شرم الشيخ أن نشاط المتشددين في شمال سيناء لم يكن ليستمر لعدة سنوات لو لم يكن هناك تستر وغطاء يسهل للعناصر الإرهابية الحياة والتنقل وتنفيذ الهجمات التي راح ضحيتها، منذ عام 2013، حتى الآن، نحو 600 من رجال الجيش والشرطة. ومع ذلك تبرأت قبائل سيناء من أبنائها المنضمين للتنظيمات المتطرفة بما فيها من أجانب وعرب، وشكلت ما يشبه «الصحوات» لعزلهم ومقاتلتهم. وفي المقابل، تعرضت بعض القيادات القبلية للانتقام من المتشددين بتهمة التعاون مع الأمن. وأهم قبائل شمال سيناء السواركة والمساعيد والرميلات والبياضية.
2- قبائل الوسط، إذا توجه الزائر ناحية وسط سيناء، ومنها منطقة «التيه» التاريخية، حيث تكثر التضاريس الوعرة وتختفي دروب الطرق الترابية، ويقل نشاط المتطرفين بشكل ملحوظ، فسيجد أن أهم القبائل هي الأحيوات (اللحيوات) والحويطات والتياها (التياهة) والترابين.
3- قبائل الجنوب، منطقة جنوب سيناء التي تنسب تاريخيًا لجبالها العالية وتعرف بـ«الطور» يشرح عنها طارق عبد اللطيف الألفي، المرشح المستقل لانتخابات مجلس النواب في شرم الشيخ، فيقول إن أهم القبائل هنا هي مُزينة والعليقات والصوالحة، بالإضافة لامتداد قبيلة الترابين حتى مدينة الطور بجنوب غربي شبه الجزيرة.
لكن لماذا توجد مشكلات أمنية كبيرة في شمال سيناء، بعكس الوضع في جنوبها، حيث يوجد كثير من المنتجعات؟ يقول الألفي: سبب المشكلات في شمال سيناء هو أنها ملاصقة لكل من الحدود مع إسرائيل ومع قطاع غزة، أما هنا، فجنوب سيناء محكومة أمنيًا، وتعد من المدن التي يمكن أن تسير في شوارعها على مدار 24 ساعة من دون أدنى خوف أو مشكلات.
قبائل الشمال مختلفة إلى حد ما عن قبائل الجنوب، لكن، وفقًا للألفي، هناك روابط قوية بين عموم قبائل شبه جزيرة سيناء. فقبائل مدينة الطور، مثلا، لها امتداد في شمال سيناء، لكن الفارق هو أن أبناء القبائل الذين يعيشون بالقرب من شرم الشيخ يعتمدون عليها في العمل.. «إنهم يعملون في مجال رحلات (السفاري) وتنظيم حفلات الجبل والتخييم في الصحراء، وبعضهم لديه منشآت سياحية ومراكز غطس ويؤجرون الجمال والخيول».
ويضيف الألفي «لهذا أبناء جنوب سيناء يحافظون على السائح لأنه مصدر لأكل العيش وكسب الرزق»، مشيرًا إلى أنه، في الماضي، كانت تقع بعض المشكلات بين أبناء جنوب سيناء والقائمين على المشاريع السياحية من أجل تنظيم العمل في ما بينهم، لكن الأمور تغيرت منذ سنوات، وأصبح الكل يعمل في منظومة والكل يعرف حدوده. وبحكم أن أبناء جنوب سيناء أصبح لديهم منشآت اقتصادية فمن مصلحتهم عدم تعرض المدينة لأي مشكلات أمنية. غير أن المواجهات الحالية بين قوات الأمن وتنظيم داعش في مدن شمال سيناء تؤثر بالطبع على سير العمل في الجنوب سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. هناك اقتتال شبه يومي وتفجيرات بين أسبوع وآخر في العريش والشيخ زويد ورفح. هي بعيدة جدا عن مدن جنوب سيناء.. «نعم. نعم. هذا صحيح»، كما يؤكد محمود صالح، الذي يدير سلسلة مطاعم في المدينة، إلا أنه يضيف «أحداث العنف في شمال سيناء تؤثر علينا. فحين وقعت كارثة الطائرة الروسية فكرنا للوهلة الأولى في أن مصدر هذه المشكلة هم متطرفو شمال سيناء».
وتجنبًا لامتداد أعمال العنف من الشمال إلى منتجعات الجنوب، خاصة بعد التفجيرات الإرهابية التي ضربت شرم الشيخ في عام 2005، وضعت السلطات الأمنية المصرية منظومة للحيلولة دون تسلل أي عناصر غير مرغوب فيها إلى مدن جنوب سيناء. وكلما أوغلت في السفر جنوبًا في اتجاه شرم الشيخ بالسيارة كلما أحاطت بك الجبال السوداء والمنحدرات الوعرة من كل جانب.
* حادثة الطائرة الروسية
بعد تفجير الطائرة الروسية يوم 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي زاد عدد الأكمنة الأمنية والدوريات المتحركة والثابتة. لكن هذا لا ينفي أن شرم الشيخ كانت واحدة من ضحايا ما يعرف بثورات «الربيع العربي» التي ضربت منطقة الشرق الأوسط منذ 2011.
يقول رمضان الجارحي، وهو من الشخصيات الشهيرة في شرم الشيخ، ولديه مشاريع سياحية فيها: «بعد الثورة، المستوى السياحي تدنى وهذا أثر بالسلب على الجميع. بعد أحداث 2011 الوضع تدهور وقللت الفنادق الأسعار أمام السياح الأجانب، وأصبح السائح يأكل ويشرب وينام بمقابل زهيد في الفندق، ولا يستفيد منه أحد من أصحاب المطاعم والمحال الأخرى».
ويضيف: «أنا أعمل في السياحة منذ 20 سنة، وأدير هذا المطعم منذ 15 سنة، ولم أر مثل هذا الوضع الغريب.. حتى أحداث 2005 وما كان فيها من تفجيرات تجاوزناها سريعًا. كذلك تجاوزنا تأثيرات الأزمة الاقتصادية في 2008، لكن بعد 2011 ارتكبنا خطأ كبيرا حين ارتضينا بجلب السياح ذوي القدرة المتدنية على الإنفاق، لمجرد ملء المدينة وحشو الفنادق. لهذا أنا أرى، من خلال تجربتي، أن عددًا قليلاً من السياح الأثرياء أفضل من عدد كبير من السياح الفقراء».
ما قصده الجارحي أنه بعد أحداث 2011 أصبح بإمكان النجار أو الحداد أو الممرض الروسي أو البولندي أو البريطاني أن يمضي هو وأسرته أسبوعًا كاملاً في أفخم فنادق ومنتجعات شرم الشيخ بمبلغ لا يزيد عن خمسمائة دولار. ويشمل ذلك تذكرة الطائرة والطعام والشرب (نظام المطعم المفتوح والمشرب المفتوح)، ويشمل أيضًا الاستمتاع بباقي الخدمات الترفيهية، من النوم تحت الشمس على الشاطئ وحتى الغوص والتدليك والغناء مع الفرق الموسيقية ذات العروض المجانية. وهذه خدمات تقدم للسائح المصري بأضعاف الثمن. لقد كان الهدف من هذه التسهيلات المغرية تشجيع السياحة الأجنبية.
يتكون الفندق الذي يديره رزق الله في خليج نبق، من 800 غرفة، ويعمل فيه نحو 550 موظفًا. وكان عدد الغرف المشغولة بالسياح أثناء وقوع حادث الطائرة 650 غرفة من بينها نحو 70 في المائة أو أكثر يسكنها روس، وبعدهم بريطانيون ثم جنسيات أخرى من الألمان ومنطقة الشرق الأوسط.
ويقول رزق الله إنه عقب الحادث الذي قتل فيها 224 هم كل ركاب الطائرة، وبعد صدور أوامر الإخلاء من حكومات هؤلاء السياح، قرر الجميع أن يغادر «هذا يعني أن النشاط توقف بنسبة تتراوح بين 80 إلى 90 في المائة، مع أن أصدقاءنا من السياح العرب لم يتأثروا بتداعيات الحادث».
ويضيف عبد الله أحمد، أحد أصحاب الفنادق الكبرى المطلة على الخليج في قلب شرم الشيخ أن جلب أعداد كبيرة من السياح بأسعار زهيدة كان محاولة لتجاوز الخسائر التي أصابت المدينة بسبب الثورة. لكن ضعف الإنفاق وحالة الفقر العام للسياح أثرت على عموم المدينة بالسلب. وجعلت الأمور فيها «رخوة.. وفقدنا حالة الانضباط الأمني التي اعتدنا عليها قبل الثورة حين كانت طبقة السياح ثرية ولديها قدرة على الإنفاق».
* حقائق اقتصادية
الضائقة الاقتصادية تولد المشكلات، كما يؤكد أحد المسؤولين في شرم الشيخ. حين اعتمدت المدينة على السياح الفقراء، كما يقول، فقدت المدينة الزخم الذي ارتبط بها حتى عام 2010 كمدينة محكومة أمنيا «بحيث لا يمكن للنملة أن تمر دون إذن»، وكان يمكن للعاملين فيها الحصول على رواتب مرتفعة. بعد الثورة بدأت المحال تغلق أبوابها. والفنادق تقول للعامل والموظف: هذا هو الراتب. اقبل به، أو عد من حيث جئت.
أو كما يوضح الألفي قائلا إن «شرم الشيخ كانت جاذبة للعمالة، والآن أصبحت طاردة للعمالة.. العامل كان يعتقد أنه حين يأتي إلى هنا سيحصل على راتب مرتفع، لكنه حين يأتي في ظل الظروف الجديدة (ما بعد الثورة) يصطدم بالواقع الفعلي. يتم التأمين عليه من رب العمل بمرتب بسيط، أما نسبة الـ12 في المائة خدمة التي يحصل عليها من خدمته للزبائن فأصبحت محدودة لعدة أسباب منها تأجير غرف الفنادق بأسعار متدنية ومنها نوعية السياح الفقراء».
وعلى عكس الأحوال الاقتصادية المتدهورة للعاملين المدنيين في شرم الشيخ، تحسنت رواتب رجال الأمن فيها بشكل كبير في السنوات الأخيرة من أجل تأمين المدينة والترفع عن طلب الإكراميات أو البقشيش من السياح، كما يقول أحد المسؤولين في جهاز الشرطة.
ويضيف: «في وقت من الأوقات الماضية كانت رواتب رجال الأمن متدنية، لكن اليوم المرتبات زادت بشكل كبير، وتحسنت أوضاعهم. قطاع الشرطة من العاملين في مجال السياحة يأخذون دعما من الفنادق أيضا وبنسب معترف بها رسميًا».
لكن رزق الله يقول: «دعنا نتحدث بصراحة قليلاً. لماذا يمكن أن نستثني قطاعًا من القطاعات من المشكلات؟ أين هو القطاع الموجود في مصر من دون أن يكون مصابا بشكل أو بآخر، إن لم تكن المشكلات متغلغلة فيه حتى النخاع؟ أي فساد في قطاع شرطة السياحة أو المطار يكون تأثيره أكبر بسبب حساسية المكان والمهمة التي يقوم بها رجل الأمن».
وعما إذا كان قد شعر من خلال عمله بضيق السياح الذين يتعرضون لطلب البقشيش، يقول رزق الله إن كثيرا من السياح «يأخذون الأمر كمزحة.. أي كأنه موقف كاريكاتوري. يقولون هل يعقل أن شيئًا مثل هذا يحدث.. أنا شخصيًا لم أعش هذه التجربة لكن هناك سياحا يتحدثون عن موضوع البقشيش».
الموضوع لا يقتصر على بعض رجال الشرطة، لكنه، وبسبب ضعف إنفاق السياح، كانت تعاني منه كثير من الجهات الأخرى في شرم الشيخ. سائقو سيارات الأجرة (التاكسي) يبحثون أيضًا عن مكسب سريع بالعملة الصعبة. إحدى السائحات الإيطاليات تجيد التحدث باللغة العربية وكيفية التصدي لمحاولات الابتزاز لها قصة طريفة. قال لها سائق التاكسي إن قيمة الأجرة من المطار إلى الفندق خمسون يورو، بينما الأجرة الحقيقية لا تزيد عن خمسة يوروات، فقالت له «أنا من شبرا يا حبيبي!». بكل بساطة كانت تريد بذلك أن تبلغ السائق أنها من قلب ضواحي القاهرة ولا يمكن أن تتعرض للخداع.
سواءً قبل 2011 أو بعدها.. «الحكومة المصرية تتعامل مع قطاع السياحة فقط حين تحتاج إليه اقتصاديا»، كما يقول رزق الله، ويضيف «قبل 2011 كانت شرم الشيخ أكثر تأمينا، وحتى على المستوى العام، كانت العمالة منتقاة نسبيًا، ولا أحد يدخل شرم الشيخ أو يتسبب في مضايقة السياح أو غيره. وبعد أحداث 2011، وكالعادة كل أصحاب الفنادق، سواء الملاك أو المديرون العموميون، أول شيء يقومون به من أجل جذب السياح، هو تخفيض الأسعار من أجل ملء الفندق. النزول بالأسعار يعني النزول بالجودة المقدمة للسائح».
في هذه الأثناء، حقائب السفر مكدسة في زوايا مطار شرم الشيخ بانتظار وصول الطائرات الروسية والبريطانية وغيرها لنقلها إلى أصحابها الذين سبقوها عائدين إلى بلادهم. فبعد تفجير الطائرة المنكوبة، دعت حكومات عدة دول غربية رعاياها لترك شرم الشيخ والإخلاء الفوري. وهذا رد فعل، كما يقول رزق الله، «مبالغ فيه»، مشيرًا إلى أنه كان ينبغي انتظار التحقيقات لمعرفة سبب المشكلة، وما إذا كان هناك نقطة ضعف في التفتيش الأمني أم حادث قضاء وقدر، أم مشكلة في الطائرة.



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.