إنجاز أونغ سان سو تشي الديمقراطي أمام اختبار الواقع

تحديات مهمة في مسيرة ميانمار السياسية

إنجاز أونغ سان سو تشي الديمقراطي أمام اختبار الواقع
TT

إنجاز أونغ سان سو تشي الديمقراطي أمام اختبار الواقع

إنجاز أونغ سان سو تشي الديمقراطي أمام اختبار الواقع

تعيش ميانمار (بورما)، الواقعة جنوب شرقي آسيا، أجواء احتفالية في أعقاب تحقيق زعيمة المعارضة أونغ سان سو تشي، الحائزة على جائزة نوبل للسلام، انتصارًا ساحقًا في أول محاولة تاريخية بالبلاد على الإطلاق للسير باتجاه الديمقراطية خلال السنوات الـ50 الأخيرة على الأقل، أي منذ تولى حكمها الجيش. هذه هي ثاني مرة يفوز فيها حزب سو تشي «الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية» بالانتخابات العامة. غير أن فوزها الأول عام 1990 ألغيت مفاعيله بواسطة الطغمة العسكرية الحاكمة.
سيستغرق الانتقال الفعلي للسلطة في ميانمار بعض الوقت، فهذا يتوقع أن يحدث مطلع العام المقبل. ولكن الأسابيع القليلة المقبلة ستشكل تحديًا حقيقيًا في ظل حاجة حزب «الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية» بزعامة أونغ سان سو تشي إلى التفكير في الكيفية التي سيحكم بها ليس فقط أتباعه، وإنما جميع شعب ميانمار. وحقًا، التحديات التي تواجه ميانمار كبيرة وخطيرة.
سو تشي وحزبها، من دون شك تظللهما تساؤلات بشأن قدرتهما على إدارة كل شيء، بدءًا من الاقتصاد، والعلاقات مع الجارتين العملاقتين الهند والصين، إلى التحاور مع الجماعات العرقية المسلحة داخل ميانمار، ووصولاً إلى محنة أقلية الروهينغيا المسلمة. ومعلوم أن معظم كبار أعضاء الحزب – بمن فيهم سو تشي نفسها – محدودو الخبرة في مجال الحكم، بعد أمضوا الجزء الأكبر من العقدين الماضيين سجناء في معتقلات تحت الحكم العسكري.
كذلك، بعدما كانت سو تشي ذات يوم شخصية بارزة مناهضة للعنف ومؤيدة للديمقراطية، فإن سمعتها على هذا الصعيد اهتزت وتعرضت للشك خلال السنوات الأخيرة بسبب موقفها من حقوق وحماية الأقلية المسلمة المضطهدة في البلاد.
* مسلمو الروهينغيا
في مطلق الأحوال، تكمن القضية الأكثر تعقيدًا في ميانمار الآن في أوضاع الروهينغيا، الأقلية العرقية المسلمة، التي تتعرض للاضطهاد الوحشي، بمشاركة نشطة من الرهبان البوذيين وقوات الأمن الحكومية. أضف إلى ذلك أنه لم يكن مسموحًا لأعداد كبيرة من الأقليات العرقية والدينية بالتصويت في الانتخابات التي أجريت أخيرًا، بينهم أكثر من مليون مسلم جرّدوا من جنسيتهم. وللعلم، يعيش نحو 140 ألف روهينغي في مخيمات بائسة، في حين فر آلاف آخرون من البلاد في قوارب، ما أدى إلى أزمة هجرة إقليمية.
ومما يثير تحفظات مريرة بشأن حزب «الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية» الفائز في الانتخابات، أنه لا يضم مسلمًا واحدًا ضمن مرشحيه الـ1051. كذلك جرى «تعليق» المشاركة الديمقراطية في أكثر من 400 قرية في ولايات تقطنها أقليات عرقية مثل الكارين والكاشين لأسباب تتعلق بالأمن. وبالتالي، لن يضم البرلمان الجديد نائبًا برلمانيًا واحدًا من المسلمين، رغم العدد المعقول نسبيًا للسكان المسلمين (4 في المائة من السكان).
* هل تستطيع سو تشي توحيد البلاد؟
ستضطر أونغ سان سو تشي، شاءت أو أبت، إلى التعامل مع قضية الصراع العنيف بين البوذيين والروهينغيا، وإن كان التنوع العرقي والديني في ميانمار لن يجعل هذه المهمة سهلة. ثم إن الحركة البوذية القومية المتطرفة «ما با ثا» (رابطة حماية العرق والدين) - بقيادة رهبان بوذيين – اكتسبت زخمًا لافتًا خلال السنوات الثلاث الماضية، وهي تدأب على تغذية الشعور المعادي للمسلمين في جميع أنحاء البلاد. وبالفعل أدى تأثير «ما با ثا» السلبي إلى تمرير أربعة قوانين لحماية العرق والدين خلال العام الماضي تمارس – من الناحية العملية – تمييزًا واضحًا ضد المسلمين، علاوة على أنها تسببت في حرمان المرشحين المسلمين من فرص المنافسة الواقعية على المقاعد في الانتخابات.
سو تشي التزمت صمتًا ملحوظًا حيال محنة الروهينغيا، وهذا أمر لا يغتفر لشخصية منحت جائزة نوبل للسلام، لكن هذا الموقف مفهوم جدًا – وإن كان يدعو للأسف البالغ – من شخصية سياسية تتنافس للحصول على الأصوات في بلاد ذات غالبية سكانية بوذية. وهنا، لا بد من الإشارة إلى أنه في مايو (أيار) من العام الحالي، في ظل اضطرار آلاف الروهينغيا إلى الفرار بحرًا من ميانمار، تضايق الزعيم الروحي البوذي العالمي الدالاي لاما من صمت سو تشي إزاء محنتهم، فناشدها علنًا اتخاذ موقف.
* العلاقات مع السلطة العسكرية
من ناحية أخرى، على الرغم من فوز سو تشي على رأس حزبها بنحو ثلثي مقاعد البرلمان، لن يكون من السهل عليها قيادة ميانمار ونقلها من وضعية «الحكم الجمهوري العسكري» إلى «الديمقراطية الكاملة». فلدى ميانمار أكبر جيش برّي في جنوب شرقي آسيا، وسيظل الجيش أحد الأطراف المؤثرة في النظام السياسي.
كذلك سيحتفظ الجيش بنفوذ هائل داخل الحكومة، خصوصا أنه بموجب الدستور يحتفظ الجيش بنسبة 25 في المائة من مقاعد البرلمان. وهو أيضًا يحتفظ بالسيطرة على ثلاث حقائب وزارية حاسمة هي التي تشرف على الشرطة والجيش وشؤون الحدود والبيروقراطية الواسعة في جميع أنحاء البلاد، ثم إن الجيش يتمتع بسلطات طوارئ خاصة منصوص عليها في الدستور، ما منحه الحق في السيطرة على البلاد لأسباب مبهمة وغير محددة تتعلق بـ«الأمن القومي» و«الوحدة الوطنية».
وبالتالي، سيتوجّب على حزب «الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية» العثور على طريق أو طريقة للتعاون مع رئيس أركان الجيش، فضلاً عن البرلمانيين العسكريين. وهنا، يرجح بأن يؤدي التزام الحزب بإجراء تغييرات على الدستور إلى الزج به في مواجهة مباشرة من القادة العسكريين.
* من هي سو تشي؟
تتمتع أونغ سان سو تشي، البالغة من العمر 70 سنة، بنسب سياسي قوي، باعتبارها ابنة أونغ سان، بطل الاستقلال والزعيم الثوري السابق الذي يُعتبر الأب المؤسس لميانمار، الذي اغتيل عندما كانت سو تشي طفلة عمرها سنتان. ومن ثم، قضت سو تشي معظم سنواتها الأولى خارج ميانمار، أولاً في الهند، حيث كانت والدتها سفيرة، ولاحقا في بريطانيا حيث درست في جامعة أكسفورد الشهيرة، وفيها التقت بزوجها البريطاني.
بعد ذلك دخلت سو تشي معركة بلادها من أجل الديمقراطية عن طريق المصادفة تقريبًا، عندما عادت في عام 1988 إلى ميانمار للاعتناء بوالدتها المحتضرة. وبعد ذلك بوقت قصير، قُتل ما لا يقل عن 3000 شخص إثر سحق الجيش الاحتجاجات المناهضة لحكمه الاستبدادي.
أثار سفك الدماء حفيظة سو تشي، الخطيبة المفوهة والشخصية الكاريزمية. وفجأة وجدت نفسها تتبوأ دورًا قياديًا في الحركة المؤيدة للديمقراطية، عن طريق إلقاء الخطابات أمام حشود من مئات الآلاف من المواطنين، أثناء زعامتها حزب «الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية» للفوز في انتخابات عام 1990. بيد أن الجيش، وعلى رأسه طغمته الحاكمة، ما كان مستعدًا للتخلي عن السلطة، فتجاهل النتيجة وأبطل الانتخابات، واحتجزها في منزلها بالعاصمة في رانغون، حيث أمضت 16 سنة من السنوات الـ20 الأخيرة.
خلال هذه المدة عرض المجلس العسكري عليها إنهاء سجنها في أي وقت شريطة مغادرتها البلاد إلى الأبد، لكن سو تشي رفضت ذلك. ونتج عن هذا القرار أنها حرمت من رؤية زوجها قبل موته بداء السرطان في عام 1999، والابتعاد عن طفليها وهما يشبّان.
لقد كانت مسألة أن ميانمار هي إحدى ساحات المعركة المهمة بين الهند والصين من المسائل الجدلية منذ عهد بعيد ولفترة طويلة. وبعد الانقلاب العسكري في ميانمار عام 1962، قطعت الهند علاقاتها مع ميانمار، لتعود العلاقات مرة ثانية في تسعينات القرن الماضي. وحسب كلام المحلل السياسي تريديفيش سينغ مايني، «تتمتع الدولتان بعلاقات أفضل منذ ذلك الحين، والآن تعيد سو تشي علاقات بلادها مع الهند مثلما كانت أيام شبابها، وفعلاً شهدت الدولتان إنجازات مهمة على صعيد الصداقة المتبادلة، منها افتتاح الطريق السريع الذي يربط الهند – ميانمار – تايلاند خلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، لربط شمال شرقي الهند مع تايلاند عبر ميانمار، وهو ما يبشر بعهد جديد من الصداقة بين الدولتين».
ولقد هنأ ناريندرا مودي رئيس الوزراء الهندي بالفعل سو تشي ودعاها إلى زيارة الهند التي تتشارك مسافة 1640 كيلومترا مع ميانمار. وعلى النقيض من ذلك، قللت الوسائل الإعلامية الرسمية الصينية من أهمية الديمقراطية في ميانمار، قائلة إنه ينبغي على الصين تطوير أسلوبها الخاص للديمقراطية. وحذرت صحيفة «بيجينغ (بكين) تايمز» الصينية - التي تديرها الدولة – من أن ميانمار ما زالت «في مرحلة الديمقراطية الطفلة»، مضيفة أن قادتها الجدد والعديمي الخبرة سيواجهون مشكلات عويصة في جل الأزمات الاقتصادية والعرقية التي تعاني منها البلاد.
ولكن، ربما من خلال رصد القيادة الصينية تزايد شعبية حزب «الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية» وقبوله العام دعت بكين، بدورها، سو تشي لزيارتها في وقت سابق من هذا العام، واستقبلتها بكين استقبالاً حافلاً وخياليًا. إم كيه بهادراكومار، السفير الهندي السابق، علّق على تلك الزيارة قائلاً: «وصلت أونغ سان سو تشي إلى بكين في أول زيارة لها للصين، استغرقت خمسة أيام. وفي اليوم الثاني استقبلها الرئيس الصيني تشي جين بينغ في قاعة الشعب الكبرى. وهذا استقبال رسمي عادة ما تفعله بكين مع القيادات الوطنية الكبرى، وليس الشخصيات الحزبية المعارضة». هناك الآن نوع من المنافسة لكسب محاباة ميانمار.
* الدستور يحظر توليها الرئاسة
في هذه الأثناء، ينبغي التذكير بأنه حتى مع فوز حزب سو تشي في الانتخابات بأغلبية ساحقة فإنها لا تستطيع تولي منصب الرئاسة لأنه تزوجت بأجنبي. فلقد أقلقت شعبية سو تشي الحكم العسكري السابق - الذي تخلى عن السلطة في عام 2011 – لفترة طويلة، ولذلك ضمن دستور عام 2008 بندًا بهذا المعنى للحد من سلطتها السياسية. وينص البند صراحة على أن أي شخص متزوج بمواطن أجنبي أو يحمل أطفاله جنسية أجنبية لا يمكن أن يصبح رئيسًا. ويبدو واضحًا أن هذا البند صيغ خصيصًا لحرمان الزعيمة المعارضة، التي يحمل زوجها الراحل وولداها الجنسية البريطانية، من تولي الحكم. مع هذا، تقول سو تشكي إنها ستحكم من «فوق الرئاسة»، من خلال استخدام نفوذها المستمد من شعبيتها الهائلة كـ«أم ميانمار».
* تعديل الدستور
الجدير بالإشارة أن تعديل الدستور جرى في ظل النظام العسكري الذي حكم البلاد من عام 1988 حتى عام 2006 من دون مشاركة الأحزاب السياسية. وتم «التصديق» على التعديل في استفتاء مشكوك في نزاهته في عام 2008. ولقد منح هذا الدستور الجيش سلطات هائلة و«منطقة أمان» سياسية مهمة، لضمان ألا يحدث أي اعتراض على مصالحه المؤسساتية وتصرفاته غير اللائقة.
وعلى الرغم من أن النظام العسكري انتهى رسميًا مطلع عام 2011، في أعقاب انتخابات عام 2010، فإنه لم يكن من الممكن سياسيًا - في ظل الحكومة المنتخبة للرئيس ثين سين - إجراء مراجعة كاملة للدستور. ولكن نوقشت بعض البنود الدستورية الصارخة في مخالفتها الديمقراطية داخل البرلمان.
ومع ذلك، تعذّر تعديل أي من البنود التي تمنع زعيمة حزب «الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية» من أن تصبح رئيسة، والتي تستلزم موافقة 75 في المائة من الأصوات في البرلمان، بواسطة قوات ميانمار المسلحة المعروفة باسم «تاتماداو» (التي تحتفظ بنسبة 25 في المائة من مقاعد البرلمان لنفسها) في يوليو (تموز) 2015.
وحول هذا الجانب يقول الصحافي الهندي البارز راجا موهان: «تعتبر مراجعة الدستور – بشكل لا يثير الدهشة – أولوية قصوى لحزب الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية»، لكنها ستحتاج إلى مفاوضات مكثفة داخل البرلمان. وبكل المقاييس، لا يمكن لأي شخص أن يعتبر ميانمار «ديمقراطية» إلى أن يتغير الدستور. ويتمثل التحدّي في إنجاز ذلك بطريقة لا تستفز الجيش القوي لتنظيم انقلاب، كما حدث مرارًا وتكرارًا مع «الجارة» تايلاند. ولكن إذا شارك الجيش بشكل كامل في العملية البرلمانية، فينبغي أن يكون ذلك ممكنًا. ويعتبر إنهاء حالة الإفلات من العقاب التي يتمتع بها الجيش بفعالية منذ استقلال البلاد خطوة حيوية نحو الديمقراطية الدائمة».
ولن تحل انتخابات ميانمار 2015 كل المشكلات العميقة والنظامية بالبلاد، ولن يكون من المعقول توقع حدوث ذلك. ومع ذلك قد يفقد شعب ميانمار الثقة في الإصلاحات ما لم تحتل تلك المسائل أولوية قصوى خلال البرلمان المقبل.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».