فرويد.. فاتح قارة اللاوعي

4 صفعات تلقتها البشرية هزّت أركانها وغيرت مفاهيمها

فرويد.. فاتح قارة اللاوعي
TT

فرويد.. فاتح قارة اللاوعي

فرويد.. فاتح قارة اللاوعي

يعد فرويد (1856 / 1939) أحد الأربعة الذين صفعوا البشرية وهزوا أركان فكرها، خلال القرون الأربعة السابقة.
الصفعة الأولى جاءت من نيكولاس كوبيرنيكوس (1473 / 1543) الذي قلب الفلك القديم رأسا على عقب، وجعل الأرض تغادر مركزها وتدور متخذة لها مكانا في السماء، واهبة إياه للشمس التي أصبحت ثابتة، والتي كانت من قبل تظهر للعيان متحركة شروقا وغروبا. وهو ما خلق للبشرية رجات متعددة الجوانب، أهمها أن الإنسان فقد مركزه في الكون.، كما جعلته يعيش أزمة إدراك حسي رهيب، أدت إلى موجة شك عارمة في الأدوات المعرفية للإنسان، إذ إن ما نراه لم يعد هو الحقيقة.
أما الصفعة الثانية فكانت من إسحاق نيوتن (1642 / 1727)، الذي دمج الأرض بالسماء في قوانين واحدة، فأصبح ما ينطبق على سقوط التفاحة ينطبق على دوران القمر. فالتفاحة يمكنها أن تدور إذا تحققت الشروط المناسبة، وهي المسافة والكتلة، وهذا ما يحدث للقمر الاصطناعي مثلا وهو يدور حول الأرض. وبالمثل نتحدث عن القمر، إذ يمكنه أن يسقط لو توفرت الشروط.، فالسقوط دوران والدوران سقوط. وبهذا المنجز العظيم يكون نيوتن قد ضرب فكرة الكمال العلوي في مقابل الانحطاط السفلي، التي كان يؤمن بها القدماء، فالعالم بنية واحدة لا انشطار فيها.
وأما الصفعة الثالثة فكانت من طرف تشارلز داروين (1809 / 1882)، الذي سعى إلى تذكير الإنسان بجذوره الحيوانية، وهو ما يضرب كبرياء الإنسان في الصميم.
وأما الصفعة الرابعة، وهي التي تهمنا هنا، فكانت من نصيب سيغموند فرويد، المحلل النفسي ذائع الصيت، وذلك باكتشافه قارة جديدة في النفس البشرية هي اللاشعور، ستجعل الإنسان كائنا غريزيا قبل أن يكون كائنا عاقلا، كائنا مفعولا به وليس فاعلا. فما المقصود باللاشعور؟

فكرة اللاوعي والنظرة الجديدة للإنسان
في تسعينات القرن التاسع عشر، قال فرويد في إحدى رسائله: «أنا لست عالما ولا بحاثا، وإنما أنا فاتح». أجل، لقد فتح فرويد منطقة اللاوعي، وقلب بذلك فكرتنا عن الإنسان رأسا على عقب، فلم يعد الإنسان ذلك الكائن الذي لديه وعي صاف وإليه يعود كل سلوكنا. فهذا الأمر أصبح مع فرويد وهمًا، فالوعي ما هو إلا القشرة الخارجية لحياة عقلية لا واعية قوية. وبتشبيه أكثر دقة نقول، إن الوعي هو مثل رأس الجبل الجليدي الذي يظهر فوق سطح البحر، بينما تظل كتل كبيرة من الجليد غير مرئية تحت الماء، هي اللاوعي. والكتل غير المرئية هي التي تحدد مركز جاذبية الجبل الجليدي، وحركته، ومجراه. لذا فجوهر شخصيتنا هو اللاوعي. فكيف يمكن تعريف هذا اللاشعور؟
يمكن القول إن اللاشعور هو خزان أو مقبرة ندفن فيها كل الرغبات المقموعة والذكريات المؤلمة التي يصعب استحضارها إلا عن طريق التحليل النفسي. فكثير من الأحداث التي وقعت للإنسان في الطفولة المبكرة لا يتذكرها، فمن المؤكد أن يكون المرء قد سقط مرات كثيرة، وجرى تعنيفه، ورأى مشاهد مرعبة، ووضع في مواقف محرجة، لكنها نسيت كلها، فأين هي فعلا؟ هل يمكن القول إنها قد مسحت ولم يعد لها أثر؟ الجواب عند فرويد طبعا بالنفي. إنها قد سجلت في ذاكرة مختلفة عن الذاكرة الواعية. إنها الذاكرة اللاواعية. إذن نصل مع فرويد إلى أن للمرء ذاكرتين: ذاكرة واعية يمكن استرجاعها بيسر، إذ يكفي أن يعود المرء إلى أرشيفه ويجد ما يريد. وذاكرة أخرى لا واعية، أي منسية وغائرة في غياهب النفس، يصعب استحضارها. فإذا ما سألت شخصا يعاني من فوبيا (رهاب) الأماكن العالية عن السر وراء ذلك، فسيكون جوابه: لا أدري. بمعنى أن الحدث المسبب لهذا الرهاب غائر ومنسي، لكنه يفعل أفاعيله في الشخص وهو في غفلة عن ذلك.
وقصد توضيح عالم اللاوعي وأدغاله، سنحكي قصة ذلك الطبيب العسكري الذي يعاني من فوبيا الأماكن المغلقة. كان الرجل يشعر بفزع شديد عندما يركب القطار، خصوصا إذا مر من نفق أو توقف في داخله. أما إذا كان مدعوا إلى حفل أو اجتماع فقد كان يحرص كل الحرص على البقاء قرب الباب، استعدادا للمغادرة في أي لحظة، ناهيك بأنه كان مهتما بقراءة قصص المحبوسين وقصص الذين يدفنون أحياء. وذات يوم، سينادى على الطبيب للالتحاق بساحة المعركة، قصد تقديم العلاجات الأساسية لجرحى الحرب. وبمجرد وصوله وجد الجنود مكدسين في الخندق، فبدأت مخاوفه، ومما عقد الأمر أكثر أنه أعطي فأسا لكي ينقذ نفسه في حال ردم عليه الخندق. فازداد قلقه، ولم يعد يحتمل الوضع، إلى درجة أنه سقط بشلل هيستيري هربا من المسؤولية. وجرى نقله إلى المستشفى، فاكتشف أن شلله ليس عضويا، بل نفسي. وخضع لعلاج عند محلل نفسي ولمدة طويلة. وتمكن الطبيب من جعله يتذكر مجموعة من الأحداث المنسية، انطلاقا من التداعي الحر، وتفكيك بعض الأحلام التي كان يقصها أثناء العلاج. وفي النهاية، وبعد طول عناء من الطبيب والمريض نفسه، جرى التوصل إلى الحدث الأساسي الذي هو الأصل في مخاوفه، والذي نذكره كالآتي: كان في بلد المريض متجر لشيخ عجوز يشتري فيه صاحبه الأغراض القديمة والمستعملة. وكان الأطفال، بمن فيهم صاحب الحالة، يأخذون إليه كل شيء قديم حصلوا عليه مقابل دراهم معدودة تمكنهم من شراء الحلوى. يقول المريض بعد تذكر شاق إنه حين كان في الرابعة من عمره ذهب إلى المتجر لبيع بعض الأغراض، وعندما همّ بالعودة وجد باب الممر المؤدي إلى البيت مغلقا. التفت إلى الجهة الأخرى فرأى كلبا ينبح. ويؤكد صاحب الحالة أنه نسي هذا الحدث تماما. ومع استمرار العلاج، حلم بأنه حصل على منحة للدراسة في اسكوتلندا. وعندما استيقظ تذكر اسما اسكوتلنديا هو اسم صاحب المتجر. وبهذا يكون المريض قد استعاد الحدث المؤلم بجميع تفاصيله، وتمكن من الشفاء من فوبيا الأماكن المغلقة. ومن ثم فالعلاج في التحليل النفسي ما هو إلا استخراج للحدث المؤلم من مستوى اللاشعور إلى مستوى الشعور.
ويسمي فرويد عملية قذف المقموعات في اللاشعور بالكبت الذي هو بمثابة الجدار الفاصل بين عالم الوعي وعالم اللاوعي، الذي يشتغل كآلية وقائية تحمي الإنسان من الألم. لكن المكبوتات بحسب فرويد تحاول الخروج نحو الوعي، وأحيانا بشكل جارف قد يؤدي إلى انفجار جدار الكبت. ولكي لا يحدث هذا الأمر الخطير، يقوم الكبت بمحاولة تنفيس للمكبوت، وكأنه ينشئ فجوات في جداره، تسمح بتدفق المكبوت بالتسلل إلى الوعي لكن بطريقة منضغطة، أي مشوهة. بعبارة أخرى نقول إن عودة المكبوت تكون بطرق ملتوية وبشكل مقنع، وكأنها تلبس زيا تنكريا، وتكون بمثابة طرق للتفريغ. هذه الطرق كثيرة، وقد توقف عندها فرويد، وهي كالآتي:
الحلم: لقد جعل فرويد الحلم طريقا ملكيا للتحليل النفسي. إنه الأرض الصلبة لإثبات اللاوعي، وهو سبيل من سبل العلاج أيضا. فالحلم شيء له معنى وإن بدا غامضا وملغزا. إنه تعبير عن رغبات اللاوعي التي تظهر في وعينا بشكل مشوه ومحرف. فإذا كان الأطفال يحلمون برغباتهم وملذاتهم التي حصلت في يومهم الماضي ولم تتحقق، فإن أحلام الراشد تحتوي على بقايا يوم الحلم، لكن ليس بوضوح كما لدى الأطفال. فهي تكون مشفرة ورمزية صعبة الفهم. ولمزيد من التوضيح، نضرب مثالا بالمراهق الذي يعنفه والده إلى درجة إهدار الكرامة. فالتعنيف يولد كرها، لكن الأمر في هذه الحالة يتمثل في الوالد الذي يجب أن نكنّ له الحب كمطلب اجتماعي. وحسب فرويد، فإن هذا الشاب سيظهر الحب ظاهريا، وسيخفي الكره في اللاشعور. وقد يحلم بأن ملكا قد مات، أو أنه يصارع أسدا، وهذه كلها رموز للسلطة. أو قد يكون الحلم أكثر صراحة، بحيث سيرى أنه يحمل والده إلى القبر، كل ذلك يعني أن الأحلام هي تنفيس للرغبات وبطرق ملتوية.
الحلم ما هو إلا طريقة من طرق أخرى للتفريغ. فهناك مثلا أحلام اليقظة. كأن يحلم طفل يعيش الحرمان أن الصنبور سيفتح فتخرج منه الشوكولاته والحلوى. أو يتيه الشاب في استيهامات ورغبات خيالية، ويرى نفسه راكبا دراجة نارية فاخرة، ويحمل معه فتاة جميلة بشعر يتطاير من شدة السرعة. إن كل هذا يحقق الرغبة غير المتحققة في أرض الواقع. كما أن هناك أيضا طريق الإبدال في التفريغ، المتمثل في العنف والمخدرات والشغب. وهي طرق سلبية مدمرة، لأنها تضر الشخص ومن حوله. وعلى عكس الإبدال توجد طريقة الإعلاء. وهي نوع من السمو بالرغبة المقموعة في اتجاه إيجابي غير مضر، كالصلاة، والرياضة، والفن، والموسيقى، والرقص، والدراسة، والرسم، والتطوع للأعمال الخيرية وغير ذلك. ناهيك بأن المرء قد يفرغ مكبوتاته عن طريق الكتابة على الجدران، وزلات اللسان، وزلات القلم. فهب أن لدينا رجلا جالسا في بيته يتفرج على التلفاز، بينما تقوم زوجته بأعمال البيت على إيقاع موسيقى عالية. همّ الرجل بإشعال سيجارة، لكنه سمع طرقا على الباب في اللحظة نفسها، فقام ليجد أن الطارق هو والده. أخفى السيجارة سريعا احتراما لوالده. وبينما هو يرحب به قال لزوجته: «أغلقي السيجارة»، عوضا عن «أغلقي المذياع أو المسجل». فهذه زلّة لسان، لأن الرغبة في التدخين قد قمعت، فوجدت لنفسها سبيلا ملتويا للتفريغ.
إن أطروحة فرويد متعددة الجوانب وجهازها المفاهيمي متشابك، اقتصرت فيه على المفهوم الجوهري وهو اللاوعي. وإذا ما سلمنا باللاوعي عند فرويد، فسيكون للأمر انعكاسات فلسفية خطيرة تمس قضية الحرية الإنسانية. فالقول بخضوع المرء لمؤثرات لاشعورية تصنع له قراراته، يؤدي إلى ضرب المسؤولية الأخلاقية والقانونية والدينية، إذ كيف يمكن تصور شخص يتحمل تبعات فعل يكون محركه غير مدرك وغير واع؟



أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟


أفروديتي
أفروديتي
TT

أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟


أفروديتي
أفروديتي

إذا كان الحب يستند من بعض وجوهه إلى العناصر المادية التي يتيحها الواقع الملموس، كما هو الحال مع الشعر، إلا أنه يغادر ملموسيته من وجوه أخرى، ليقيم في عالم التخيل وسماء التهيؤات، كما لو أن «أسطرة» الآخر هي الممر الإلزامي لتتيُّمنا به. وإذا كان الجسد العاشق هو جسد طفولي بامتياز، وفق رولان بارت، فإن ما ينطبق على الأفراد ينطبق على الجماعات، حيث كانت الأساطير هي سبيل الشعوب القديمة، إلى فهم الظواهر الكونية أو النوازع الإنسانية. وتكفي معاينة ذلك الإرث الهائل من السرديات الملحمية والميثولوجية المتعلقة بالحب، لكي نتحقق من دوره في رفد الأساطير بنماذجها الأولية، والعكس بالعكس أيضاً.

ومع أننا نلاحظ غياباً للحدود الواضحة بين الحب الروحي، الذي يقيم مملكته في سماء التصورات، وبين العشق الملفوح بنيران الرغبات الجسدية، إلا أن أي نظرة متأنية إلى الميثولوجيات القديمة، لا بد أن تكشف عن تباين ملحوظ في الرؤية إلى الحب، بين حضارات تُطابق على نحو كلّي بين الحب والشغف الشهواني، وبين حضارات أخرى تفرد هامشاً واسعاً لزفرات القلب وانخطافات الروح. إضافةً إلى ما نلحظه داخل الحضارة نفسها من تبدل في الرؤى والمفاهيم.

ولا بد لمن يتأمل في آلهة الخلق الأربعة لدى السومريين (إن، وكي، وإنليل، وأنكي) أن يلاحظ أنهم لم يكونوا سوى المعادل الميثولوجي للعناصر الأربعة، الهواء والماء والنار والتراب. ولما كانت وظيفة الإنسان تتمثل بالدرجة الأولى في خدمة الآلهة، والتوفير لها كل ما تحتاج إليه من طعام وشراب ومأوى، لكي يتسنى لها التفرغ لشؤونها الإلهية، فقد استتبع ذلك إنشاء المعابد التي تقام فيها الصلوات. فضلاً عن القرابين والشعائر والطقوس التي كانت تقدّم لاسترضائها، والتي كان يتولى القيام بها كهان وكاهنات ومنشدون وخصيان وبغايا مقدسات. وفي أعياد القمر الجديد، التي كانت تُختتم في العادة بطقوس الزواج المقدس، كان ملك سومر يتزوج من إنانا، إلهة الخصب والتناسل، أو من إحدى الكاهنات التي تنوب عنها.

ولم تكن أسطورة أدونيس وعشتروت لدى الفينيقيين والكنعانيين، سوى نسخة معدلة عن مثيلتها في بلاد الرافدين. فعشتروت إلهة الحب والخصب، التي التقت أدونيس، الشاب الوسيم وعاشق الصيد، في مكان قريب من مغارة أفقا اللبنانية، سرعان ما وقعت في غرامه وهامت به حباً. ومع أنها نهته بإلحاح عن التجول وحيداً في الغابات المكتظة بالوحوش المفترسة، فإن عشقه للمغامرة جعله غير مكترث بتحذيراتها، إلى أن قتله خنزير بري على ضفة نهر إبراهيم المنحدر من الذرى الشاهقة عبر وادٍ سحيق، ما لبث أن سُمي باسمه.

وكما هو حال الأساطير المماثلة في الشرق القديم وبلاد اليونان، فإن عشتروت تهبط إلى العالم السفلي متضرعةً للآلهة بأن تعيد حبيبها القتيل من عالم الأموات، ثم تتم تسوية المعضلة على نحو جزئي، بحيث يعود أدونيس إلى الحياة في فصلي الربيع والصيف، مترافقاً مع قيامة الزرع والخصب، ثم يعود إلى عالم الأموات في الخريف والشتاء. ويرى جيمس فريزر أن ملوك بيبلوس، كانوا يتسمّون جميعاً باسم أدونيس ويتزوجون من عشتروت. وفي السنوات التي أعقبت موته وقيامته، ظل سكان تلك النواحي يحتفلون بالمناسبتين، نواحاً حدادياً في الأولى، وفرحاً عارماً في الثانية.

وفي الأساطير الإغريقية يظهر هذا الإله على شكل شاب جميل أغرمت به أفروديت. وبعد أن خبأته الآلهة الكبرى، حمايةً له، في صندوق ووضعته في عهدة برسيفوني إلهة العالم السفلي، رفضت الأخيرة إعادته إلى أفروديت، بعد أن فتحت الصندوق ورأت ما هو عليه من جمال. وبعد إخفاق أفروديت في استعادته، قرر زيوس حسماً للنزاع بين آلهة الحب وآلهة الموت، أن يُبقي أدونيس ستة أشهر فوق الأرض برفقة الأولى، وستة تحتها برفقة الثانية.

أما الأساطير الرومانية فتربط على نحو وثيق بين الحب بالجمال، جاعلةً من فينوس إلهة لكليهما معاً. غير أنها لا تكتفي بالتركيز على رمزية الأم، بل تصوِّر ابنها كيوبيد، على شكل طفل مجنح، يحمل قوسه ونشابه ويرمي من يشاء بالسهام الذي لا تخطئ هدفها إلى قلوب البشر. وإذ تظهر على مسرح الجمال منافسة بشرية لفينوس تسمى سايكي، تغضب الأولى وتطلب من ابنها معاقبتها على طريقته. لكن الابن العابث يجرح نفسه عن طريق الخطأ، ليقع في غرام سايكي، ويصاب بالسهم إياه الذي ظل يسدده باتجاه الآخرين. وبعد أن تمر قصة الحب تلك بتعقيدات كثيرة، يتدخل كبير الآلهة جوبيتير ليمنح سايكي الخلود ويسمح للحبيبين بالزواج.

على أن المماهاة التامة بين وجهي الحب والخصب، كما بين صورتي الموت والانبعاث، لم تنحصر في ثقافة بعينها، أو حيز جغرافي واحد، بل اتسعت دائرتها في الألفية الثالثة قبل الميلاد، والألفيتين اللاحقتين، لتطول الحضارة الفرعونية وحوض النيل، إلى جانب الحضارات العديدة الأخرى. فحيث لم ترُق علاقة الحب التي ربطت بين إيزيس إلهة الخصب عند المصريين، وزوجها أوزيريس، للإله ست أخي أوزيريس، عمد ست بفعل الغيرة العمياء، إلى قتل أخيه وتقطيع جثته أربع عشرة قطعة، قبل أن يرميها جميعاً في مياه النيل. وبعد أن تمكنت إيزيس من جمع الأجزاء وإعادتها إلى الحياة، توصل ست إلى معرفة مكان أخيه، حيث قام بقتله مرة أخرى وتقطيع جسده إلى اثنتين وأربعين قطعة.

لكن الزوجة الوفية رفضت الاستسلام للأمر الواقع، فقامت بجمع أجزاء الزوج المتناثرة من جديد، وأعادت إليه الحياة بما تملكه من طاقة السحر، «ثم ما لبثت أن استنجدت بالإله رع، متوسلةً إليه أن يخصبها، كي تلد ولداً ينتقم. فنزل عليها رع ونفخ فيها من أنفه، فخصّبها بالفعل وولدت بعد ذلك طفلها حورس الذي لم يتأخر في الانتقام لموت أبيه». وإذ تتقاطع قصة التخصيب عن طريق النفخ الإلهي في الأنف، مع سرديات دينية أحدث عهداً، ولو على نحو معدل، تتقاطع مراثي إيزيس لأوزيريس، من جهة ثانية مع مراثي إينانا لديموزي، وعشتار لتموز، ومن بينها قول إيزيس مخاطبةً حبيبها القتيل:

أنا زوجتك وأختك وأمك

عدْ إليّ على جناح السرعة

إن السماء والأرض متحدتان في الظلام

وقلبي يحترق لانفصاله عنك

إنني أطأ الأرض ولا أكلُّ أبداً عن البحث

وفي داخلي حرارةٌ متأتية عن حبي لك

المماهاة التامة بين وجهي الحب والخصب كما بين صورتي الموت والانبعاث لم تنحصر في ثقافة بعينها أو حيز جغرافي واحد

وقد تكون أسطورة أورفيوس ويوريديس اليونانية، واحدة من الأساطير القليلة التي لا تماهي على نحو تام بين الحب والفعل الجنسي، كما يشير الفيلسوف الألماني هيغل، بل تضع العلاقة بين الحبيبين في إطارٍ من انخطافات الروح وحمّى المشاعر الملتهبة. إلا أن صورة الموت المتربص بالحبيبين، لا تتأخر عن إعطاء مشهد العشق طابعه التراجيدي، حيث تقضي يوريديس نحبها بلدغة أفعى قاتلة. وإذ قرر أورفيوس الطلب من هاديس، إله الموتى، إعادة زوجته إلى الحياة، راح يستعين بموهبته النادرة في العزف والغناء، ليشق طريقه إلى العالم السفلي. وبعد أن وافق هاديس على إعادة المرأة المتوفاة إلى الحياة، اشترط على أورفيوس ألا يلتفت إلى الوراء، حيث قُضي على زوجته بأن تمشي خلفه إلى ما لا نهاية. لكنّ عاصفةً من الحنين لرؤية الحبيبة العائدة سرعان ما تهب على الزوج العاشق، حتى إذا التفت إلى الخلف، اختفت يوريديس عن ناظريه إلى الأبد.

ومع أن النقاد والباحثين كانت لهم اجتهادات متباينة في تأويل أسطورة الحب المؤثرة تلك، إلا أنها تشير من بعض وجوهها إلى أن صراع الحب والموت، ليس بالضرورة أن ينتهي دائماً لمصلحة الأول، بقدر ما تشير إلى العواقب الوخيمة، التي تترتب على كل مَن يعصى الآلهة ويخالف مشيئتها. وقد تكون المقايضة الجائرة بين عودة المرأة المعشوقة إلى الحياة، وبين تعذر النظر إليها، نوعاً من الاختبار القاسي لالتزام الزوج بطاعة الآلهة والوثوق بها، من جهة، والاختبار المماثل لتغليب الروح على الجسد، من جهة أخرى. ومن دلالات تلك السردية الأسطورية، أنه ليس بمستطاع أحد خرق قوانين الطبيعة، وقطع الحاجز الفاصل بين الحياة والموت، حتى لو استعان البشر بالحب والفن لتحقيق هذه الأمنية.


أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
TT

أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا

كشفت أعمال التنقيب في البادية الفلسطينية عن منشآت عمرانية تعود إلى الحقبة الأموية، أهمها قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم «قصر هشام»، نسبة إلى عاشر خلفاء الدولة الأموية الذي أمر بتشييده خلال عهده الذي استمر من عام 724 إلى عام 743.

تطور بناء هذا القصر في عهد الوليد بن يزيد الذي خلف عمه هشام مدة قصيرة لم تتجاوز سنتين، وخرب حين تعرَّض موقعه لزلزال ضخم في سنة 746، وأعيد اكتشافه في الأزمنة المعاصرة.

خرجت من هذا القصر مجموعة هائلة من القطع النحتية، تشهد لتنوُّع كبير في الأطرزة المتبعة، وتحوي كثيراً من القطع التصويرية التي تستمد مواضيعها من العالم الحيواني، منها ما تمثل أحصنة مسرجة، وصلت كلُّها بشكل مهشَّم.

بدأ استكشاف قصر خربة المفجر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، في ظل حكم الدولة العثمانية، وتواصل في عهد الانتداب البريطاني؛ حيث شرعت دائرة الآثار البريطانية في مسح الموقع خلال عام 1934، ونقلت اكتشافاتها الأثرية إلى متحف بدأت تشييده عام 1930 في القدس الشرقية، وافتتحته عام 1938 تحت اسم «متحف فلسطين للآثار».

استمرت أعمال المسح في الموقع اثني عشر عاماً، وخرجت بمجموعة هائلة من القطع الحجرية المنقوشة، تبيَّن أنها أجزاء مهشَّمة من حُلَّة الموقع الأصلية. وتمَّ حفظ هذه القطع في «متحف فلسطين للآثار» الذي تحوَّل اسمه إلى «متحف روكفلر» إثر هزيمة 1967، نسبة إلى الثري الأميركي جون ديفيد روكفلر الابن الذي تبرَّع بمبلغ مليوني دولار لبنائه في العشرينات. وبات هذا المتحف مقراً لرئيس دائرة الآثار الحكومية.

تحضر في هذا المتحف مجموعة كبيرة من نقوش وتماثيل «قصر هشام»، وتُعتبر من أهمِّ وأجمل شواهد الفن الأُموي. وفقاً للتقليد الذي تبنَّاه هذا الفن بشكل كبير. اعتمدت هذه الحُلل في الدرجة الأولى تقنية الجص المنقوش، على شكل شبكات هندسية زخرفية تجمع بين المفردات الهندسية المجرَّدة والعناصر التصويرية المتعدَّدة. وأخذت بأساليب عدة مستمدَّة من فنون العالم المتوسطي والعالم الفارسي والعالم الآسيوي الأوسط، غير أنها عكست قدرة مثيرة في الابتكار والقولبة والتجديد. من هنا بدت متأصلة في تقاليد قديمة، ومطبوعة بطابع محلِّي خاص يُعرف اليوم بالطابع الأُموي.

برز النقش التصويري بقوَّة في هذا الميدان، واعتمد في تشكيلاته مختلف العناصر الحيوانية، ومنها الطيور والزواحف المتعدِّدة الأنواع والأشكال. ظهر الحصان في عدد من هذه القطع المهشَّمة، واتَّضح تكوينه الفني بشكل كامل من خلال الدراسة المتأنية لهذه القطع الجزئية. حضر رأس هذا الحصان في قطعتين مستقلتين، وحضر الجزء الأعلى من بدنه كذلك في قطعتين، وبدا من خلال هذه القطع أنه حصان مسرَّج ومروَّض. في المقابل، ظهر في قطع أخرى حصان من نوع آخر، تميَّز بجناحين كبيرين يعلوان وسطه. وحضر هذا الحصان بشكل كامل في قطعة أُعيد جمع أجزائها وفقاً للتقنيات العلمية المتبعة، كما حضر بشكل جزئي في قطعةٍ سقط قسم كبير من تكوينها الأصلي.

وصل رأس الحصان بشكل شبه كامل في هاتين القطعتين المستقلتين، اللتين جاءتا على شكل كتلتين حجريتين اعتمدتا النقش الناتئ، وقاربتا في صياغتهما النحت الكامل. يبدو الرأس منحنياً في إحدى هاتين المنحوتتين، وتظهر ملامحه المجسَّمة بشكل متين، وتتكوَّن من منخرين واسعين، وفم مطبق عريض، وأذنين طويلتين منتصبتين، وعينين لوزيَّتين ضاعت إحداهما، وحافظت الأخرى على تكوينها. يعلو الرأس شعر وثير، يأخذ شكل شبكة من الخصل المتناغمة والمتوازية، التي تنسدل على رقبة طويلة مقوَّسة، وتنقسم كتلتين معاكستين تستقرَّان على جبين مسطَّح. يعلو هذا الرأس لجام عريض، مصنوع من الجلد، يُثبَّت على رأس الحصان للتحكم في اتجاهه وسرعته أثناء الركوب. يتكوَّن من شريط عمودي يستقر وسط العينين، وشريط مشابه ينعقد حول الوجه، وتُزيِّن هذين الشريطين سلسلة من الحلقات الدائرية المترابطة. كذلك يظهر شريط حول أعلى الرقبة، وآخر حول أسفلها، وتزيِّنهما شبكة من الخيوط المجدولة. يبدو الفم مكبَّلاً بحلقة، تُعرف باسم «الأنفة»، وتحيط بالخطم وفك الحصان لتمنعه من فتح فمه بشكل واسع.

يظهر الرأس الثاني في حركة المواجهة، وصياغته مشابهة إلى حدِّ التماثل. هنا وهناك، يحضر النقش الأنيق ويأخذ طابعاً زخرفياً، يتجلَّى في تجسيم حدود الملامح، كما في تشكيل خصل الشعر المنسدلة، وتزيين شرائط اللجام. يخرج هذا الحصان عن النسق الروماني الكلاسيكي، ويتبنَّى أسلوباً يعكس أثر الفن الساساني، ويظهر كذلك في القطعتين المستقلتين اللتين تجسَّدان الجزء الأوسط من بدن الحصان. يظهر طرف الكاهل، وهو الجزء الذي يعلو الكتفين مباشرة، ويُعد أعلى نقطة في جسم الحصان. تحضر مكوِّنات الجزء الأعلى من البدن بشكل كامل، وقوامها الصدر والظهر والبطن والكِفَل والمؤخرة. أما القوائم فغائبة، ولم يبقَ منها أي أثر للأسف. يعلو الظهر سراج عريض ضاع الجزء الأكبر منه، تزيِّنه حلَّة زخرفية، أنيقة ومرهفة.

يحضر الحصان المجنَّح داخل إطار دائري على شكل إكليل تحدّه سلسلة من الحلقات المتجانسة، ويظهر بدنه هنا بشكل كامل، في حركة حية. تتقدّم القائمتان الأماميتان نحو الأعلى، وتتقدّم القائمتان الخلفيتان بشكل معاكس. يتكرّر هذا التأليف في القطعة الأخرى التي ضاع جزء كبير منها، مما يوحي بأنّ القطعتين تتبعان طرازاً واحداً جامعاً.

للوهلة الأولى، يعيد هذا الكائن إلى الذاكرة الحصان اليوناني الذي يُعرف في قاموس الميثولوجيا اليونانية باسم «بيغاسوس»، غير أنه في الواقع حصان آخر، يعود إلى الفن الإيراني، وشواهده الفنية كثيرة، منها قطع من النسيج تعود إلى العهد البيزنطي.

يتبنّى النقش الأموي هذا النموذج التشكيلي، ويعيد صياغته بشكل مبتكر في تكوين يغلب عليه طابع النحت.


تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»
TT

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

صدر أخيراً عن «دار روافد للنشر والتوزيع» بالقاهرة، رواية «أيام حي البوسطة»، للروائي السوداني مصطفى خالد مصطفى. الرواية سبق أن فازت وهي مخطوطة بالمركز الأول في «جائزة الطيب صالح» للإبداع الروائي. وتعتمد على تداخل الحكاية الشخصية بالذاكرة الجماعية؛ إذ يستلهم الكاتب بعض شخصياتها وحكاياتها من وقائع وأشخاص عرفهم، قبل أن يعيد تشكيلها داخل العمل الروائي.

تدور «أيام حي البوسطة» في أحد الأحياء القديمة بمدينة أم درمان، حيث تتقاطع حكايات سكانه مع تحولات المجتمع السوداني وتفاصيل الحياة اليومية. ومن خلال مجموعة من الشخصيات، خصوصاً النساء، تستعيد الرواية ذاكرة المكان والعلاقات العائلية والاجتماعية، وتكشف عما تخفيه البيوت من صراعات وآلام وأحلام مؤجلة.

تتحرك الرواية بين أجيال مختلفة، وتتناول موضوعات مثل العنف الأبوي، والزواج، والمرض النفسي، وتفكك العلاقات الأسرية، في محاولة لفهم أثر البيئة الاجتماعية في مصائر أفرادها. ولا يظل حي البوسطة مجرد خلفية للأحداث، بل يتحول إلى فضاء يحمل ذاكرة شخصياته ويعكس التحولات التي مر بها المجتمع من حولهم.

يذكر أن المؤلف مصطفى خالد مصطفى، طبيب وروائي سوداني، مواليد أم درمان 1998م، صدرت له ثلاثة أعمال أدبية؛ «غول سليمة» (رواية 2020م)، و«تكيّة البِجاوي» (رواية 2022م)، و«السقف النبيل للأحلام» (مجموعة قصصية 2023م). وفاز بجائزة الطيب صالح للإبداع الروائي 2022م عن رواية «أيام حي البوسطة»، كما فاز بجائزة «بيت الغشّام» - دار عرب للترجمة الدولية- عن رواية «هاه هاه... كُح كُح... نجوتُ بأعجوبة» 2025م. وجائزة «نيرفانا» الأدبية عن قصّة «حرب شارع البهلوان» 2020م. وحصل على منحة الصندوق العربي للثقافة والفنون 2023 عن المجموعة القصصية «السقف النبيل للأحلام».

ومن أجواء الرواية، نقرأ: «فور دخولكِ مع شادية بوَّابة هذا المشفى يتغيَّر وجهُك وتحسين بثقلٍ رهيب على صدرك، كثيرون قالوا لأمك إنّ المريضة فيكما هي أنتِ، أصحاءُ ومرضى قالوا هذا الكلام، لا تحبين قضاء الكثير من الوقت في ردهات هذا المشفى. أحلك أيام حياتك هي تلك الأيام التي تسوء فيها حالة أمك كثيراً فترينها مبتهجةً كثيرة الحركة ثرثارةً فتضطرين لترقيدها والبقاء معها لأيام خصوصاً إذا لم ترافقكما جدتك. لا مشكلة إذا تدهورت حالتك النفسيّة ليومٍ أو اثنين، المهم عندك أن تتلقى أمك العلاج وتبقى صموتةً هادئة راقدةً على الدوام. تعرفتِ على حالاتٍ كثيرة مشابهة وغير مشابهة لحالتها، كوّنتِ صداقاتٍ مع المرضى كثيري التردد للمتابعة، أحسستِ أنكِ قريبةٌ منهم وتفهمينهم جيِّداً كما تفهمين طبيعة شادية، تعرفين أمراضهم جيِّداً وقصصهم الخلفيَّة لها، كلها محزنة مشرّبة بالألم، كقصَّة أمك تماماً».