محققو شرم الشيخ يقتفون آثار رحلات السفاري ويراجعون ملفات العاملين في 12 فندقًا

محققو شرم الشيخ يقتفون آثار رحلات السفاري ويراجعون ملفات العاملين في 12 فندقًا

استمرار إجلاء آلاف الروس والإنجليز.. والمدينة تفقد 70 % من السياحة الأجنبية
الأربعاء - 29 محرم 1437 هـ - 11 نوفمبر 2015 مـ رقم العدد [ 13497]
شرطي مصري أمام بوابة المغادرة في مطار شرم الشيخ.. والسياح الأجانب يواصلون الرحيل («الشرق الأوسط»).

بدأ محققون من أربع جهات أمنية مصرية في اقتفاء آثار رحلات السفاري التي ينظمها بدو سيناء للسياح الأجانب في شرم الشيخ، بناء على فرضيات عن وجود علاقة ما بين تحطم الطائرة الروسية الأسبوع الماضي، وتنظيم داعش الذي ينشط في شمال شبه الجزيرة المطلة على البحر الأحمر. وواصل المحققون الذين ينتمون لكل من جهاز «المخابرات» و«الأمن العام» و«الأمن الوطني» و«المباحث الجنائية»، مراجعة ملفات العاملين فيما يزيد عن 12 فندقا كان يقيم فيها ضحايا الطائرة المنكوبة البالغ عددهم أكثر من مائتي سائح. ويأتي هذا مع استمرار إجلاء آلاف الروس والإنجليز. وقال مسؤولون في المدينة إنها فقدت نحو سبعين في المائة من السياحة الأجنبية بسبب قرار الدولة الأجنبية إجلاء رعاياها السياح من جنوب سيناء.

وفي منتجع كان يقيم فيه 13 من ضحايا الطائرة الروسية التي تحطمت يوم 31 الشهر الماضي في ظروف غامضة، تردد محققون من الجهات الأربع المشار إليها على المبنى المطل على البحر، طوال الأيام السبعة الأخيرة، في محاولة لإيجاد أي خيط يؤدي إلى كشف غموض الانفجار الذي أصبحت له تداعيات مخيفة على السياحة في شرم الشيخ. وقال أحد العناصر المشاركة في التحقيق إن ركاب الطائرة «لم يكونوا يقيمون في فندق واحد. لقد توزعوا على أكثر من 12 فندقا، ولهذا يتطلب فحص كل ما كانوا يقومون به وفحص تحركاتهم مزيدا الوقت حيث لا بد أن نعرف ما إذا كان أي منهم قد اختلط مع البدو في خارج المدينة من خلال رحلات السفاري التي ينظمها بعض أبناء سيناء في الجبال والصحراء للسياح».

وأضاف مصدر من بين المحققين أن ضحايا الطائرة المنكوبة أتت بهم شركة سياحية روسية، واتفقت مع وكيل محلي في شرم الشيخ لتوزيعهم على الفنادق، ولهذا «نحن ما زلنا نفحص كل صغيرة وكبيرة في هذه الفنادق للعثور على أي خيط للسير خلفه، بما فيها تحركات الضحايا منذ وصولهم للمطار حتى مغادرته»، مشيرًا إلى أن جهات التحقيق المصرية تضع أمامها «الكثير من الافتراضات، من بينها أن يكون مفجر الطائرة من بين السياح أنفسهم. لقد جرى التحقيق فيما إذا كان أحد من السياح قد خرج في رحلة سفاري من تلك التي يقوم بها السياح عادة في الجبال المحيطة، وهي رحلات ينظمها عدد من بدو سيناء، خارج شرم الشيخ، واحتمال أن يكون قد التقى مع أحد المتطرفين الذي مده بالمتفجرات».

وجرى حصر منظمي رحلات السفاري داخل شرم الشيخ والذين يبلغ عددهم بضع عشرات، خاصة في منطقة جنوب نبق وعلى طريق نويبع وفي منطقة الهضبة، لكن تبين حتى أمس أنه لم يكن هناك أي اسم مسجل من بين ضحايا الطائرة خرج بشكل رسمي في رحلة سفاري أو أي رحلة تخييم في الصحارى التي تمتد خلف الجبال السوداء لشرم الشيخ. وقال المحقق: «المشكلة التي تواجهنا في هذا الشأن أن غالبية السياح في الطائرة المنكوبة كانوا أسر وعائلات ولم يكن من بينهم فرد دون أسرة. بل كان بينهم أطفال أيضًا. مع ذلك نقوم باقتفاء آثار رحلات السفاري لأنه في بعض الأحيان يتم تنظيم هذا النوع من الرحلات بشكل غير رسمي، ولا يتم إخطار الجهات الأمنية به، وهو خطأ بطبيعة الحال».

وسأل المحققون أصحاب المنتجعات والفنادق التي كان يقيم فيها السياح، وواصلوا فحص العمال ونوع العمالة والمحافظات الأصلية التي ينتمون إليها. وقال أحد المحققين: «جرى فحص بيانات ما لا يقل عن 300 من هؤلاء العمال حتى الجد الثالث. وتبين أن غالبيتهم يحمل ترخيصا بالعمل والإقامة في شرم الشيخ من جهاز البحث الجنائي التابع لوزارة الداخلية».

وأضاف: «أعتقد أن العاملين في شرم الشيخ بعيدون عن ارتكاب مثل هذا الأمر. أعتقد لو كانت قنبلة فسيكون من ورائها أحد ركاب الطائرة.. الطائرة شارتر، وهذا يعني أنه لا يركب عليها مسافرون بشكل فردي، ولكن مجموعة متكاملة تأتي وتعود على نفس الطائرة دون إضافة أي مسافر آخر غير مسجل مسبقا ولا يسمح لمن لم يكن ضمن المجموعة من البداية أن يركب هذا النوع من الرحلات. أعتقد أنه لا أحد غريب، وأعتقد أنه شخص من بينهم قرر أن ينفذ العملية».

وعن عدد العاملين ممن ينتمون لسيناء في الفنادق التي كان يقيم فيها ضحايا الطائرة، قال المحقق نفسه: «العاملون في السياحة في شرم الشيخ لا يوجد أحد منهم من بدو سيناء، وكل الموجودين إما من الأقصر أو أسوان أو أسيوط، والمناطق المجاورة لتلك المحافظات في صعيد مصر، أو من محافظات الوجه البحري مثل محافظة الدقهلية والبحيرة في شمال القاهرة».

ورد مسؤول بمطار شرم الشيخ بحدة على أسئلة بشأن الوضع الأمني في المطار، وقال إنه «لا يوجد أي تقصير»، ونفى ما يقال من مزاعم عن أنه من الممكن أن تكون هناك ثغرة تسببت في قيام أحد الإرهابيين بالتسلل إلى داخل المطار وزرع قنبلة في الطائرة أو في إحدى حقائب المسافرين.

على الصعيد نفسه، وفي تصاعد درامي لتداعيات تحطم الطائرة قال أصحاب منتجعات وفنادق في شرم الشيخ أمس، إن حجوزات السياح انخفضت بنسبة تصل إلى 70 في المائة، وذلك قبل أسابيع من موسم أعياد الميلاد، وهو أمر غير مسبوق منذ ثورة 2011 التي أسقطت نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك.

وبدا واضحًا من خلال الشواطئ المهجورة والأسواق الفارغة وسيارات الأجرة المركونة، أن شرم الشيخ والعاملين فيها، وأصحاب المشروعات التي تعتمد على النشاط السياحي، مقبلون على أيام لم تكن في الحسبان. فقد أغلقت كثير من المحال أبوابها. وظلت مقاعد مطعم السمك الشهير الواقع في مركز «جنينة» التجاري في منطقة خليج نعمة، شاغرة لساعات، دون زبائن، بعد أن كان الحصول على مقعد وأكل وجبة فيه يتطلب الحجز المسبق. وأطفأ المسرح المكشوف المجاور له الأضواء، وبدأت مجموعة من العاملين فيه يبحثون عن خطط لمستقبلهم.

وفي المقابل بدأت الاتصالات تنهال على المدينة من شخصيات مصرية من الداخل والخارج، من أجل تنظيم رحلات في محاولة لإنقاذ شرم الشيخ من المصاعب الاقتصادية، وعزز مسؤولون في الحكومة هذا الاتجاه، لكن الخبيرة في إدارة الأزمات والمسؤولة السابقة في فنادق «ستاروود» العالمية في أفريقيا والشرق الأوسط، مها سعد، قالت إن الاعتماد في حل الأزمة على السياحة الداخلية فقط، غير مجد، لأن عائداته لا تمثل نسبة تذكر مقارنة بالأموال التي تأتي من السياحة الأجنبية.

وفي سماء المدينة كان صوت الطائرات يدوي بين حين وآخر، وهي تقترب لكي تحط في المطار، لكن غالبية هذه الطائرات، ومنها 15 طائرة روسية و9 بريطانية، كانت خاوية، وهي، مثل غيرها، تأتي خصيصا لنقل السياح الذين صدرت أوامر بإجلائهم إلى بلادهم. وتمكن نحو ألفي سائح إنجليزي من المغادرة بعد ثلاثة أيام من الانتظار والقلق. كما ودع نحو خمسة آلاف روسي المدينة قبل انتهاء المدة التي كان يفترض تمضيتها على الشواطئ.

وقالت الخبيرة مها سعد، التي كان لها دور في إدارة الأزمة التي واجهتها السياحة في مصر حين تعرضت البلاد لتفجيرات إرهابية في تسعينات القرن الماضي: «إنه من المنطقي أن نتوقع أن يكون لدى الدولة خبرة مكتسبة في التعامل مع الأزمات في القطاع السياحي، لكن للأسف ما زال هناك قصور في التعامل بشكل حرفي مع الأزمات بصفة عامة في معظم القطاعات، مما يعطي للدول أو الجهات التي تتربص بمصر فرصًا على طبق من ذهب لاستغلالها لأسباب أو أجندات سياسية، وغيرها.. ونحن نلام في هذا».

وأضافت أن هذه ليست المرة الأولى التي تواجه فيها مصر أزمة في قطاع السياحة، حيث كانت أول مواجهات الدولة مع الإرهاب في بداية التسعينات، ثم حادثة الأقصر التي أثرت بشكل قاسي على السياحة.. إلى أن طالت القطاع السياحي نار الفوضى والدمار التي نالت من الاقتصاد ككل في أعقاب ثورتي 2011 و2013. وأوضحت أنه بعد كارثة تحطم الطائرة الروسية «كان يجب أن تشكل غرفة عمليات بالاشتراك مع مؤسسات الدولة الإعلامية لقيادة التواصل الإعلامي حول هذه الحادثة، بحيث لا نترك مجالاً للتكهنات، والأهم من هذا وذاك ألا نترك مجالاً لأي جهة (غير مصرية) أن تقود التصريحات الإعلامية حول الحادث».

وفي جميع الأحوال، كما قالت مها سعد، ومهما تكن النتيجة، يجب الإعلان بشفافية عن نتائج التحقيقات وأن «نتحمل المسؤولية ونتعامل لتصحيح أي قصور إن وجد.. فلسنا أول أو آخر دولة تتعرض للإرهاب»، لكنها أضافت أنه كان يجب على أجهزة الدولة، بالتنسيق مع وزارة الخارجية، الرد، وعدم السكوت على أية تصريحات تقوم بها أية جهات أو دول ليست منوطة بهذه التحقيقات.

وعما ينبغي أن تقوم به السلطات المسؤولة للخروج بأقل الخسائر من الأزمة، قالت إنه ينبغي على وزارة مثل وزارة السياحة أن «تتحرك بسرعة في الدول التي تأثرت رحلاتها إلى شرم الشيخ سلبًا بعد هذه الحادثة، وذلك من خلال التواصل مع شركات علاقات عامة محترفة في تلك البلاد للتعامل مع الآثار السلبية».

ووفقًا لمقابلات مع ملاك منتجعات وفنادق ومديرين لمشروعات سياحية في شرم الشيخ فلم توضع أي خطة مع المسؤولين التنفيذيين بالمدينة بعد للتعامل مع الأزمة التي بدأت تظهر ملامحها على وجوه العاملين في القطاع السياحي وعلى مقاعد المقاهي الشاغرة والمطاعم المهجورة. ويتحدث كثير من مسؤولي القطاع السياحي الخاص في شرم الشيخ بإحباط كبير حين تسأل عن فرص انتعاش السياحة في أعياد الميلاد الشهر المقبل، ويرون أن معالجة كارثة الطائرة الروسية ما زالت غير واضحة، وإن كان البعض يرى سرعة العمل لتدارك الموقف وعدم الشعور بالضعف أو الاهتزاز، لأن «شرم الشيخ باقية، ولن يستطيع السياح الذين يعرفونها أن يتخلوا عنها أو يقاطعونها، مهما كانت الظروف والأحداث».

وقال مدير أحد المنتجعات في منطقة نبق على الطرف الآخر من شرم الشيخ إن «إلغاء الحجوزات مستمر. كل يوم إيميل (بريد إلكتروني) يأتي وفيه طلب الإلغاء.. مرة من إنجلترا ومرة من إيطاليا ومرة من ألمانيا ومرة من روسيا. تراجعت نسبة الحجوزات بنسبة سبعين في المائة، وقد تتزايد إذا لم تتم معالجة المشكلة. نحن مقبلون على موسم رأس السنة بعد منتصف الشهر المقبل. وما نحن فيه اليوم أمر يحدث للمرة الأولى منذ الركود الكبير الذي تعرضنا له وقت الثورة في 2011».

وبعيدًا عن الجلسات الرسمية والاجتماعات البيروقراطية، يعقد بعض رجال الأعمال ممن لهم مشروعات سياحية كبيرة في شرم الشيخ لقاءات للتشاور عما يجب القيام به في الفترة المقبلة لإنقاذ استثمارات تبلغ قيمتها مليارات الدولارات. وقالت مها سعد إنه حان الوقت لاقتناص الفرص المتاحة، ومن الممكن، من الآن التجهيز بحرفية للبورصات السياحية الدولية القادمة، والتي يتم فيها إنجاز تعاقدات سياحية هامة، مشيرة إلى أن بورصة «ميلانو» ستعقد في فبراير (شباط) يليها بورصة برلين في مارس (آذار).

وهيمنت قضية تحطم الطائرة وتداعياتها على حياة المصريين اليومية، خاصة بعد أن أمرت بريطانيا وروسيا السياح بالعودة. وفي منتديات ومقاهي شرم الشيخ يمضي الشبان الوقت وهم يقلبون صفحات الإنترنت لمتابعة كل ما ينشر ويبث حول الموضوع. فالأمر يمس حياتهم بشكل مباشر. وبعد أن فقد زبائنه من السياح الأجانب، عكف جمعة محمود، صاحب متجر للمنسوجات اليدوية في شارع السلطان قابوس في منطقة خليج نعمة، على قراءة أخبار تتحدث عن رغبة كثير من المصريين في القاهرة والمحافظات الأخرى زيارة شرم الشيخ كسياح للمساهمة في تعويض خسائرها.

ومثل غالبية المصريين، يشعر صاحب المتجر بالامتعاض من قرارات الحكومات الأجنبية بإجلاء رعاياها من شرم الشيخ.. والامتعاض من بعض الناشطين المصريين المعارضين للسلطات المحلية، والذين أبدوا نوعا من الشماتة في التأثيرات السلبية لكارثة الطائرة الروسية. حتى السيدة مها سعد لم تنس أن تعبر عن حزنها في نهاية اللقاء معها، قائلة: «يحزنني في هذه الفترة العصيبة أن أرى شماتة البعض. ما علاقة المعارضة بخراب الديار. وماذا حدث لنا. وهل أنتجت الثورتان (2011 و2013) أحلى، أم أسوأ، ما فينا».

لم يتوقف رنين الهواتف بين أركان شرم الشيخ الواقعة بين البحر والجبال على بعد 550 كيلومترا جنوب شرقي القاهرة. متصلون من أحزاب ومؤسسات من العاصمة ومن خارج البلاد، يتحدثون لمعارف ومسؤولين هنا في هذه المدينة الجريحة. يُبدون التعاطف معها ويعرضون خططًا لتنظيم رحلات سياحية لوفود مصرية، في محاولة لملء الفراغ الذي تركه السياح الأجانب. ومن الطرف الآخر قالت حياة الشيمي، عضو الجبهة الوطنية لنساء مصر، عبر الهاتف: «نحن بصدد تكوين لجنة لتنظيم رحلات طوال الفترة القادمة إلى شرم الشيخ والأقصر وأسوان والغردقة لتنشيط السياحة الداخلية»، مشيرة إلى أن مثل هذه البرامج «سبق وأن جرى تنفيذها بالفعل عام 1997 حين تعرضت مدينة الأقصر (جنوب البلاد) لضربة إرهابية، وتوقفت السياحة وقتها، فقامت الشركات بتخفيض أسعارها مما شجع المواطنين على قضاء إجازاتهم في الأماكن السياحية المصرية».

وتأتي حادثة الطائرة الروسية وما تبعها من تداعيات، في وقت يعاني فيه الاقتصاد المصري من مصاعب كبيرة، بعد نحو 16 شهرا من انتخاب الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيسا للبلاد. وتعد السياحة في مصر، في الوقت الراهن، ثاني أهم مورد للعملات الأجنبية، بعد قناة السويس.


اختيارات المحرر

فيديو