وكالة الطاقة تتوقع ارتفاع النفط تدريجيًا إلى 80 دولارًا بحلول 2020

الأمين العام لـ«أوبك» يتطلع إلى نتائج إيجابية في 2016

وكالة الطاقة تتوقع ارتفاع النفط تدريجيًا إلى 80 دولارًا بحلول 2020
TT

وكالة الطاقة تتوقع ارتفاع النفط تدريجيًا إلى 80 دولارًا بحلول 2020

وكالة الطاقة تتوقع ارتفاع النفط تدريجيًا إلى 80 دولارًا بحلول 2020

قالت وكالة الطاقة الدولية، أمس الثلاثاء، إنه من المستبعد أن يعود النفط إلى 80 دولارا للبرميل قبل نهاية 2020 رغم تراجعات الاستثمار غير المسبوقة، وذلك في ظل صعوبة أن يزيد نمو الطلب سنويا على مليون برميل يوميا.
وتوقعت الوكالة في تقرير ارتفاع الطلب نحو 900 ألف برميل يوميا في السنة حتى عام 2020 وذلك وفقا لتصور وصفته بالمركزي.
وأدى تراجع الخام إلى نحو 50 دولارا للبرميل هذا العام إلى تخفيضات عميقة في إنتاج النفط الصخري الأميركي الذي كان مساهما رئيسيا في تخمة المعروض التي سلبت السعر 50 في المائة في الاثني عشر شهرا الأخيرة.
وقال فاتح بيرول المدير التنفيذي لوكالة الطاقة متحدثا إلى «رويترز» قبيل صدور التقرير المسمى توقعات الطاقة العالمية «نتوقع ارتفاع الأسعار تدريجيا إلى 80 دولارا قرب 2020. تفيد تقديراتنا أن استثمارات النفط هذا العام ستتراجع أكثر من 20 في المائة. لكن هذا التراجع سيستمر في العام القادم أيضا، ولعل هذا هو الأهم. في الخمسة والعشرين عاما الماضية لم نر قط عامين متتاليين من تراجع الاستثمارات، وقد يكون لهذا تداعياته على سوق النفط في الأعوام المقبلة». وتكابد شركات النفط في ظل تراجع الأسعار وتوقعات انخفاضها لفترة أطول وهو ما اضطرها لتقليص الإنفاق والاستغناء عن آلاف الوظائف وتأجيل مشاريع عملاقة بنحو 200 مليار دولار في أنحاء العالم.
وتقول تقديرات وكالة الطاقة: إن الاستثمارات تراجعت 20 في المائة بالفعل هذا العام. وأبلغ بيرول مؤتمرا صحافيا «في الأعوام العشرة القادمة حتى إذا كان نمو الطلب على النفط صفرا.. فإن مجرد زيادة الإنتاج لتعويض تراجع الحقول القائمة سيتطلب منا استثمارات عند مستوى 650 مليار دولار».
ومن المرجح أن يتأثر منتجو النفط العالي التكلفة مثل كندا والبرازيل والولايات المتحدة بتدني أسعار الخام بشكل أسرع من معظم المصدرين، لكن تلك التراجعات قد يعوضها نمو المعروض في العراق وإيران.
وقال بيرول إن صادرات منطقة الشرق الأوسط - التي تضخ بالفعل نحو ثلث النفط في العالم - قد تعادل ما يربو على ثلثي إجمالي المعروض خاصة في ظل بقاء السعر قرب 50 دولارا للبرميل.
وقال «يجب علينا أن نفكر جيدا في التداعيات الواقعة على أمن النفط حينما يصدر عدد قليل جدا من البلدان كمية كبيرة إلى السوق العالمية بمفردها».
غير أن الاضطرابات في العراق الذي أصبح ثاني أكبر منتج للخام في «أوبك» وتقادم بنيته التحتية قد يعيقان إنتاجه المتزايد. وتحتاج إيران المتوقع رفع عقوبات غربية عنها هذا العام إلى استثمارات ضخمة كي تعود إلى مستوى إنتاجها البالغ 5.‏2 مليون برميل الذي سجلته قبل 2012.
وعلى صعيد الطلب توقعت وكالة الطاقة أن يرتفع إجمالي استهلاك الطاقة في الصين، أكبر مستهلك للسلع الأولية في العالم، ليبلغ مثلي استهلاك الولايات المتحدة بحلول 2040.
لكن زيادة الكفاءة والتحول عن الاعتماد على الصناعات الثقيلة في تحقيق النمو الاقتصادي سيعني أن الصين ستحتاج إلى موارد طاقة أقل بنسبة 85 في المائة مقارنة بما احتاجته في الأعوام الخمسة والعشرين الماضية. وتوقعت الوكالة أن تصبح الهند المحرك الرئيسي لزيادة الطلب مع ارتفاع استهلاكها بوتيرة أكبر منها في أي منطقة أخرى ليصل إلى عشرة ملايين برميل يوميا بحلول 2040.
وقال بيرول إنه رغم أن الوكالة لا تتوقع في السيناريو الأساسي استمرار تحليق الأسعار حول 50 دولارا للبرميل في العقد المقبل فإنها لا تستبعد بقاء الأسعار منخفضة لفترة طويلة. وقد تظل أسعار النفط منخفضة لفترة أطول بفعل النمو الاقتصادي العالمي المنخفض في الأجل القصير واستمرار تبني منظمة أوبك سياسة ضخ كميات قياسية من الخام لزيادة حصتها السوقية فضلا عن زيادة مرونة الإمدادات من خارج «أوبك».
وفي أبوظبي قال الأمين العام لمنظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) عبد الله البدري أمس الثلاثاء، إن «أسواق النفط ستشهد نتائج إيجابية في 2016»، ودعا مجددا المنتجين المستقلين من خارج المنظمة إلى تقاسم العبء مع «أوبك» لكي ترتفع الأسعار من خلال خفض الإنتاج.
وقال البدري خلال معرض ومؤتمر أبوظبي الدولي للبترول «أديبك» في أبوظبي إنه التقى الدول غير الأعضاء في «أوبك» مرتين العام الماضي وهذا العام، وقال لهم: إنه يتعين على الجميع تحمل العبء، بينما قالوا هم إن على «أوبك» أن تخفض الإنتاج.
وتعقد «أوبك» التي قررت في نوفمبر (تشرين الثاني) العام الماضي التركيز على الحفاظ على الحصة السوقية بدلا من دعم أسعار الخام اجتماع تحديد السياسات المقبل في مقرها في فيينا في الرابع من ديسمبر (كانون الأول) . ومن المتوقع على نطاق واسع أن تستمر «أوبك» في سياسة عدم خفض الإنتاج.
من جهة أخرى قال مسؤولون تنفيذيون بكبرى شركات النفط أمس إنهم يتوقعون استمرار تخمة المعروض من الخام وضغطها على أسعار النفط لشهور كثيرة قادمة إن لم يكن لسنوات رغم التخفيضات الحادة في استثماراتها وإلغاء مشروعات في أنحاء العالم.
عرض وجهة النظر هذه كبار مسؤولي «أكسون موبيل» و«توتال» خلال مؤتمر أبوظبي، بينما قال مسؤولون كبار في منظمة أوبك: إنهم يتوقعون تحسن الأسعار في 2016.
ويأتي اختلاف وجهات النظر في وقت تقلص فيه كبرى الشركات العاملة بالقطاع ميزانياتها واستثماراتها لتوفير الأموال في ظل تراجع سعر برميل النفط إلى ما دون 60 دولارا للبرميل.
وقال باتريك بويان الرئيس التنفيذي لشركة «توتال»: «لست متأكدا من أننا سنتخلص من الأسعار المتدنية قبل أشهر كثيرة».
وانخفضت أسعار النفط أكثر من النصف في 18 شهرا بسبب تخمة المعروض العالمي في ظل ازدهار إنتاج النفط الصخري بالولايات المتحدة وقرار منظمة أوبك عدم خفض الإنتاج للحفاظ على حصتها السوقية. وقال لامار ميكاي وجاك ويليامز رئيسا التنقيب والإنتاج في «بي بي» و«أكسون موبيل»: إن الأسعار المنخفضة ستستمر بعض الوقت. وقال مايكل تاونسند رئيس عمليات الشرق الأوسط في «بي بي» إن المجموعة البريطانية ترى أن أسعار النفط ستتأرجح حول 60 دولارا للبرميل في الأعوام الثلاثة المقبلة.
وقال ميكاي: إن تخمة المعروض مستمرة حتى بعد قيام كبرى شركات النفط بتقليص استثماراتها 22 مليار دولار هذا العام وإلغاء نحو 80 مشروعا وهو ضعف عدد المشروعات الملغاة في 2014.
وقال تاونسند: إنه يعتقد أن العراق وهو مصدر كبير للمعروض الإضافي خلال العامين الماضيين لن يزيد حصته في العام المقبل.
وقال «من الصعب رؤية زيادة في الإنتاج العام المقبل بسبب هيكل العقود» في إشارة إلى المحادثات الجارية حاليا مع الحكومة العراقية بشأن تقليص الاستثمارات العام المقبل لتقليل الالتزامات المالية على شركات النفط وتوفير المزيد من السيولة للميزانية العراقية.
من جهته قال رئيس «توتال» الفرنسية إنه يعتقد أن شركات النفط الكبرى في وضع يؤهلها للنمو في خضم تراجع سعر النفط، لكن عليها أن تتحلى بالصبر فيما يتعلق بالدمج والاستحواذ لأن القيم لم تتراجع بما يكفي بعد. وأبلغ باتريك بويان مؤتمرا صحافيا: «أوصي بالصبر في الدمج والاستحواذ».
يأتي ذلك بعد يوم من صعود أسهم «أباتشي» الأميركية 13 في المائة إثر تقارير بأنها رفضت عرض استحواذ من شركة ما.
كانت «بلومبرغ نيوز» أفادت يوم الأحد أن «أباتشي» التي تعمل في مصر وبحر الشمال وتكساس قد رفضت عرض شراء وعينت مصرفيي استثمار من «غولدمان ساكس» لمساعدتها على التصدي للعرض الذي لم تفتح الباب أمامه.
من ناحيتها اعتبرت مديرة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد في الدوحة أمس أن انخفاض أسعار النفط يمثل تنبيها للدول المنتجة لإعادة هيكلة اقتصاداتها.
وقالت لاغارد أمام طلاب وأكاديميين في جامعة جورج تاون في العاصمة القطرية «الوضع الحالي هو تنبيه مذهل لإعادة الهيكلة».
وأضافت «في مواجهة هذا الوضع الجديد بسبب سعر النفط الذي نرى أنه ظاهرة على المدى البعيد لا القريب (...) يجب اتخاذ إجراءات تشمل إيجاد مصادر بديلة للدخل وفرض ضرائب ورقابة على الإنفاق»، على حد قولها.
ولاغارد التي لم تحدد الدول التي تشملها هذه الرؤية، شجعت على إعطاء دور أكبر للقطاع الخاص.
وقالت «كيف ترحب بالقطاع الخاص، كيف تجعل المناخ أكثر ملاءمة للأعمال بحيث يشعر القطاع الخاص بأنه مرحب به ومشجع على حمل الراية من القطاع العام (...) إنها سلسلة خطوات يجب أخذها في الاعتبار».
وكانت لاغارد حضت دول الخليج إثر لقائها وزراء ومسؤولين في الدوحة الأحد، على إجراء «تعديلات مالية» لمواجهة انخفاض أسعار النفط، متوقعة بقاء الأسعار على مستوياتها المتدنية لسنوات.
وبحسب لاغارد، يتوقع صندوق النقد تراجع النمو في دول مجلس التعاون من 3.2 في المائة خلال 2015، إلى 2.7 في المائة في 2016، وانخفاض عائدات الصادرات بنحو 275 مليار دولار هذه السنة مقارنة بـ2014.



صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.


بين وعود ترمب وهواجس «هرمز»... الأسواق العالمية تعبر «مارس الأسود» بـ«انتعاش واسع»

متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
TT

بين وعود ترمب وهواجس «هرمز»... الأسواق العالمية تعبر «مارس الأسود» بـ«انتعاش واسع»

متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)

شهدت الأوساط المالية العالمية، يوم الأربعاء، تحولاً دراماتيكياً في المعنويات، حيث تحولت حمى البيع التي سيطرت على شهر مارس (آذار) إلى «طوفان من الشراء».

وجاء هذا التحول مدفوعاً بتصريحات متفائلة من البيت الأبيض تشير إلى قرب نهاية الصراع في إيران، مما أدى إلى موجة صعود جماعي في بورصات آسيا وأوروبا و«وول ستريت»، فيما سجلت أسعار الطاقة تراجعاً ملحوظاً، رغم بقاء حالة الحذر من تعقيدات «ما بعد الحرب».

فقد أشعل الرئيس الأميركي دونالد ترمب شرارة التفاؤل بتصريحاته من المكتب البيضاوي، مؤكداً أن العمليات العسكرية في إيران قد تنتهي «قريباً جداً»، ربما في غضون أسبوعين أو ثلاثة. ومع إعلان البيت الأبيض عن خطاب مرتقب لترمب للأمة فجر الخميس (01:00 بتوقيت غرينتش)، سارعت الأسواق إلى تسعير نهاية قريبة للأزمة.

ورغم أن الأسواق تفاعلت إيجاباً، فإن تصريح ترمب بأن القوات الأميركية لن تعمل على «فتح مضيق هرمز» وترك المهمة لدول أخرى، أثار تساؤلات حول أمن الملاحة المستقبلي، خاصة أن خُمس تجارة النفط العالمية يمر عبر هذا الشريان الحيوي.

متداول يقدم عرضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)

آسيا وأوروبا... انتفاضة خضراء

في آسيا، كان المشهد احتفالياً بامتياز؛ حيث قاد مؤشر «كوسبي» في سيول الارتفاعات بقفزة تجاوزت 8 في المائة، مدعوماً بصعود صاروخي لأسهم «سامسونغ» (13 في المائة) و«إس كيه هاينكس» (11 في المائة)، فيما أغلق مؤشر «نيكي» الياباني مرتفعاً بنسبة 5.2 في المائة.

وانتقلت العدوى الإيجابية إلى أوروبا، حيث ارتفع مؤشر «ستوكس 600» بنحو 2.1 في المائة. وكان قطاع الطيران والمصارف الرابح الأكبر؛ فقفزت أسهم «إير فرانس» بنسبة 7.9 في المائة و«لوفتهانزا» بنسبة 6.7 في المائة، مستفيدة من هبوط أسعار الوقود. كما شهدت الأسواق اليونانية خبراً إيجابياً بعودتها إلى مؤشر «إم إس سي آي» للأسواق المتقدمة بحلول مايو (أيار) 2027، مما دفع بورصة أثينا للصعود بنسبة 3.4 في المائة.

مؤشر «داكس» الألماني في بورصة فرانكفورت (رويترز)

كما ارتفعت السندات الحكومية في بريطانيا وأوروبا على نحو متسارع، ما دفع العوائد إلى التراجع. وانخفضت عوائد السندات البريطانية والألمانية لأجل 10 سنوات لليوم الثالث على التوالي، لتصل إلى أدنى مستوياتها في أسبوعين قبل أن تقلص بعض خسائرها، فيما تراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار أربع نقاط أساس إلى 4.27 في المائة.

تذبذب «برميل الحرب»

لم تكن أسعار النفط العالمية بمعزل عن ضجيج الطائرات وصداها في أروقة السياسة؛ فقد عاش الذهب الأسود يوماً عاصفاً من التداولات المتذبذبة، ليهبط خام برنت دون حاجز الـ100 دولار للبرميل متراجعاً بنسبة 5 في المائة للمرة الأولى منذ أكثر من أسبوع قبل أن يقلص خسائره ويسجل 102.88 دولار للبرميل، بانخفاض قدره 1.05 في المائة.

لكن رغم انخفاض عقود نفط برنت قرب 100 دولار للبرميل، فإن هذا التراجع لا يعكس نظرة مؤسسات مالية كبرى ومسؤولين إقليميين وعالميين لمسار أسعار النفط في 2026.

فالتقديرات الصادرة من عدة جهات ترجح سيناريوهات صعود حاد، قد تدفع الخام إلى مستويات غير مسبوقة تصل إلى 200 دولار للبرميل، في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز لبضعة أسابيع أخرى وغياب حل فوري للأزمة. فيما تتمسك إدارة ترمب وحدها بالتوقعات الهبوطية للخام هذا العام.

وكالة الطاقة تحذر

وحذرت وكالة الطاقة الدولية من أن اضطرابات إمدادات النفط من الشرق الأوسط تتصاعد وتطول أوروبا. وقال رئيس الوكالة فاتح بيرول إن اضطرابات إمدادات النفط من الشرق الأوسط سترتفع خلال أبريل (نيسان)، وستطول أوروبا مع تراجع الإمدادات نتيجة إغلاق مضيق هرمز.

وأضاف بيرول: «فاقد النفط في أبريل سيكون ضعف الخسارة في مارس، إلى جانب فقدان إمدادات الغاز الطبيعي المسال... المشكلة الأكبر حالياً هي نقص وقود الطائرات والديزل. نرى ذلك في آسيا، لكن قريباً، أعتقد في أبريل أو مايو، سيصل التأثير إلى أوروبا»، وفق «رويترز».

متداول عملات يتفاعل بالقرب من شاشة تعرض مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب (كوسبي) (أ.ب)

الذهب يتنفس الصعداء

لم تكن سوق المعادن النفيسة بعيدة عن موجة التفاؤل التي اجتاحت الأسواق؛ فقد قفزت أسعار الذهب بنسبة 2 في المائة لتلامس أعلى مستوياتها في أسبوعين عند 4755.50 دولار للأوقية، مستفيدة من تراجع مؤشر الدولار وهبوط عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات. يأتي هذا الارتفاع بمثابة رحلة استشفاء للمعدن الأصفر بعد أن سجل في مارس الماضي أسوأ أداء شهري له منذ نحو 17 عاماً، بفعل الضغوط التضخمية الهائلة والرهانات على سياسات نقدية متشددة.

ويرى المحللون أن تحول السردية في السوق من الذهب كتحوط ضد التضخم إلى الذهب كملاذ آمن تأثر مباشرة بتلميحات الرئيس ترمب حول قرب نهاية الحرب؛ حيث أدى احتمال خفض التصعيد إلى تقليل تكلفة الفرصة البديلة لحيازة السبائك التي لا تدر عائداً.

ورغم القفزة الحالية، ظل المستثمرون في حالة ترقب لخطاب البيت الأبيض المرتقب.

شاشة تعرض معلومات مالية في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

تأثير الحرب على «الفيدرالي» وقرارات الفائدة

أعادت هذه التطورات ترتيب أوراق السياسة النقدية الأميركية؛ فبعد أن كان المستثمرون قد استبعدوا تماماً أي خفض للفائدة هذا العام بسبب التضخم الناتج عن الحرب، عادت الآمال مجدداً لإمكانية التيسير النقدي إذا ما انتهى الصراع بسرعة. وتترقب الأسواق الآن بيانات الوظائف غير الزراعية ومبيعات التجزئة للحصول على قراءة أدق لمدى صمود الاقتصاد الأميركي في وجه صدمة الطاقة الإيرانية.