كلاويز تروي سيرتها من بغداد حتى الجبل

تجنبت الحديث عن ابنتها هيرو وزوجها الرئيس العراقي

كلاويز تروي سيرتها من بغداد حتى الجبل
TT

كلاويز تروي سيرتها من بغداد حتى الجبل

كلاويز تروي سيرتها من بغداد حتى الجبل

صدرت عن دار «تيشك» بالسليمانية «أوراق من السيرة الذاتية» للقاصة والروائية الكردية كلاويز صالح فتاح التي عرفت في الوسط الثقافي الكردي بعد نشرها الجزء الأول من ثلاثيتها الروائية المعنونة «نحو كهف الشجعان»، ثم تعزز حضورها حينما أصدرت روايتي «الأم والابن» و«كنة آته خان» اللتين ترجمتهما بنفسها إلى العربية. ثم توالت رواياتها الأخر مثل «الخادمة» و«العالم غابة» و«عابرة سبيل هائمة» وسواها من الأعمال الأدبية.
تنطوي هذه الأوراق من السيرة الذاتية على جوانب متعددة تتوزع بين السياسة والنضال العائلي من جهة، وحب الزوج والأسرة والانقطاع إلى الأدب من جهة ثانية. ولعل أبرز ما يميز هذه السيرة الذاتية هو مصداقية كاتبة السيرة التي كانت تضع الأمور في نصابها الصحيح من دون مبالغة أو تهويل. تخبرنا هذه الأوراق بأن كلاويز من مواليد الموصل عام 1930. ينتمي والدها صالح فتاح إلى عشيرة «قوجه به كـي» في زاخو. أما جدها وجدتها لوالدتها فهما من مدينتي «زوزان» و«وان» الواقعتين في كردستان تركيا.
الإبعاد والمطاردة
ما إن تخرج خال كلاويز، حمزة عبد الله، في كلية الحقوق حتى انخرط في السياسة وأصبح نجما سياسيا معروفا تلاحقه الأجهزة الحكومية. وحينما دشن مكتبه للمحاماة بزاخو التفت حوله الجماهير العمالية والفلاحية، الأمر الذي أثار حفيظة الإقطاعيين والمتعاونين مع الحكومة فاتهموه بالشيوعية، وكتبوا عنه العديد من التقارير السرية في محاولة لتوريطه، وبالفعل قبضوا عليه، وزجوا به في سجن الموصل، وظلت هذه الحادثة عالقة في ذهن كلاويز ومخيلتها، بل إن كلمات مثل «الشرطة، والأمن والسجن» ظلت تقلقها لمدة طويلة من الزمن. ونكاية بهذه الأسرة فقد أحالت الحكومة خالها الضابط محمد عبد الله على التقاعد، ثم أعيد إلى الخدمة، لكنه أبعد هو وعائلته إلى قضاء «عفك» في جنوب العراق، فسياسة الإبعاد لمناوئي الاستعمار وأعوانه كانت متبعة ضد العرب والأكراد في آن معا.
لم يشف الإبعاد غليل الحكومة فأحالت محمد على التقاعد ثانية حينما كانت الأسرة تقيم في القرنة. وفي عام 1945 سمح لأفراد الأسرة بالعودة إلى كردستان، لكن خالها حمزة ظل مختفيا عن أنظار الحكومة، فقد عبر الحدود إلى إيران حينما أعلنت جمهورية مهاباد، وكان الملا مصطفى قد ذهب إلى هناك أيضا. وعندما عادت الأسرة من النفي إلى كركوك قوبلت بالترحاب من قبل السيد أحمد خانقاه وعائلته الكريمة، وبالذات ابنته الكبرى مريم خانم التي كانت أنموذجا للمرأة المثقفة ذات الشخصية القوية الجذابة.
لقد أفادت كلاويز من تجاربها الحياتية ووظفتها بطريقة غير مباشرة. فحينما دهمت الشرطة منزلهم بزاخو وقبضت على خالها حمزة وجدت هذه الحادثة طريقها إلى رواية «الأم والابن»؛ لأن ظروف بطل الرواية «حمه» قريبة جدا من ظروف خالها حمزة، كما أن شمسة خان، أم رحمة لها نفس أحاسيس ومشاعر والدتها.
تتوفر هذه السيرة الذاتية على الترقب والحذر، فحينما أرسل حمزة أحد مرافقيه لجلب الأسرة إلى السليمانية كانوا خائفين جميعا، لكنهم ما إن وصلوا منزل المحامي إبراهيم أحمد حتى تهللت أساريرهم وهم يشاهدون الخال حمزة بانتظارهم.
تغطي المذكرات مرحلة تأسيس حزب «بارتي ديمكراتي كورد» في 16-8-1946 حيث انتخب حمزة عبد الله سكرتيرا للجنة المركزية، ومصطفى بارزاني رئيسا للحزب، لكنه التحق بالاتحاد السوفياتي عام 1947 بعد سقوط جمهورية مهاباد، وظل هناك حتى عام 1958.
جرت خطوبة كلاويز إلى المحامي إبراهيم أحمد بعد مدة قصيرة من تأسيس حزب البارتي الذي انتمى إليه إبراهيم أحمد والأكثرية الساحقة، فأصبح مسؤولا لفرع البارتي في السليمانية. ازدادت المداهمات وحملات الاعتقالات للوطنيين المعارضين وعلى رأسهم إبراهيم أحمد، خصوصا بعد اعترافات الشيوعيين وأبرزهم رفيق جالاك الذي باح بكل الأسرار. اعتقل إبراهيم أحمد لمدة سنتين، كما وضع تحت الرقابة لسنتين أخريين وكان عمر ابنته هيرو ثمانية أشهر. تعتقد كلاويز أن أعداء الزعيم عبد الكريم قاسم قد أغووه بضرب الأكراد، ومع ذلك فقد بكت عليه عندما قتل، ولا تزال تتذكر المذيع الذي قال: «لو كان عبد الكريم قاسم قد عالج قضية الأكراد بتعقل لما كان الآن في عداد الأموات». ثم تسرد حكاية إغلاق مقرات حزب البارتي وصحيفة «خبات» وحدوث أول مواجهة مسلحة عام 1961 حينما أخلى قادة الحزب وأعضاؤه المدن وصعدوا إلى الجبال ليشكلوا هناك قوة «البيشمركة». ثم تطويق القوات الأمنية لمنزلها في الوزيرية لكنهم تمكنوا من الهروب إلى كردستان للالتحاق بالبيشمركة. لم تكن السليمانية أفضل حالا من بغداد، إذ منع التجوال فيها، وقبضوا على الرجال من سن السادسة عشرة حتى التسعين. ومن حسن حظهم لم يجرِ دهم منزلهم لأنهم تصوروه بناية لتجار الجملة لكبر حجمه. ثم تبدأ رحلة أخرى يقطعونها على الجياد إلى بلدة «ماوت» و«خزينة» وصولا إلى قرية «آو كورتي الحدودية» حيث مكثوا هناك حتى عام 1964 إلى أن بدأت المفاوضات مع حكومة عبد السلام عارف، حيث وافق الحزب على الاتفاقية، لكن ما إن عاد إبراهيم أحمد الذي كان خارج العراق حتى رفض الاتفاقية لأن فيها إذلالا للأكراد، لكن هذه الإجراءات أفضت إلى تعميق الخلاف بين الطرفين، وأدى إلى نشوب الاقتتال بين الأكراد الذي تدينه كلاويز جملة وتفصيلا.
عبرت عائلة كلاويز نهر آو كورتي ثم انتقلوا إلى «بانة» ومنها إلى طهران، حيث مكثوا هناك نحو سنتين ثم عادوا بعد وفاة عبد السلام عارف بحادث الطائرة.
لم يتوقف الخلاف عند هذا الحد، فبعد بيان 11 مارس (آذار) عام 1970 تجدد القتال مرة أخرى، فالتحقت عائلة كلاويز بإيران، إضافة إلى عشرات الآلاف من اللاجئين بعد اتفاقية الجزائر التي أنهت الثورة الكردية المسلحة، وبعد أقل من سنة انتقلت عائلة كلاويز إلى لندن لتبدأ حياة جديدة.
نتيجة لهذه الظروف المضطربة لم تكمل كلاويز تعليمها، لكنها كانت قارئة نهمة تقرأ كل ما يقع تحت يديها من كتب وقصص وروايات. وهي تتذكر جيدا كتب توفيق الحكيم مثل «يوميات نائب في الأرياف» و«عودة الروح» التي حفزتها على الكتابة بأسماء مستعارة أول الأمر، ثم بدأت تكتب باسمها الصريح. ثم بدأت بكتابة روايتها الأولى «نحو كهف الشجعان» المستوحاة من الظروف التي عايشتها، ولكنها تقول إن أبطالها خياليون، ولا علاقة لها أو لأفراد أسرتها بهم. لقد شجعها زوجها إبراهيم أحمد كثيرا، وطبع لها جزءا من هذه الرواية على الآلة الطابعة هو والسيدة شيرين خان. ثم بدأت تترجم قصصا فكاهية بعنوان «الملف الإداري» للكاتب التركي عزيز نسين.
تؤكد كلاويز في هذه السيرة أنها تأثرت بأسلوب توفيق الحكيم ونجيب محفوظ، كما تأثرت عالميا بمكسيم غوركي وتولستوي، وأعجبت بأسلوبهما الواقعي السلس الذي يخلو من التعقيد والفذلكة، وهي في الأساس لا تحب الكتابات المعقدة.
لم تتحدث كلاويز كثيرا عن ابنتها هيرو، وزوجها الرئيس العراقي جلال طالباني؛ لأن شهادتها تعتبر مجروحة فيهما، لكنها تبين أن هيرو امرأة متفانية ومضحية وقد أمضت 18 عاما في الجبال واحدة من عناصر البيشمركة، ولم تترك كردستان رغم الظروف الصعبة التي عاشتها هناك متحملة القصف المتواصل والأسلحة الكيماوية أسوة بزوجها طالباني.



لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
TT

لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ

لا نقرأ. هذه هي الخلاصة الموجعة التي تلخص علاقة العربي المعاصر بالمعرفة. التقارير الدولية لا تكذب، وأرقام القراءة في وطننا العربي لا تحتاج إلى استدعاء معهد استطلاع لتخبرنا بأننا أمة تقف في آخر قائمة قراءة الكتاب. لكن هذه الحقيقة، على قسوتها، لا تعني أننا أمة صامتة أو منقطعة عن المعرفة؛ قد تعني أكثر أننا نتلقى المعنى على نحو مختلف. القصيدة المسجلة، الصورة، الدراما، المسرح، الأغنية، البرامج الحوارية، البودكاست، كلها صارت أكثر حضوراً من الكتاب. كثيرون لا يتفرغون لقراءة كتاب في التاريخ أو الفلسفة، لكنهم يحفظون مشهداً درامياً، ويرددون بيتاً مغنّى، ويتأثرون بحكاية سينمائية. وهنا المفارقة التي تحتاج إلى وقفة: بدل أن نتحسر على زمن الكتاب والحنين إلى الورق، علينا أن نسأل: كيف نجعل ما يشاهده الملايين ويسمعونه راقياً، حاملاً للثقافة، مغذياً للروح والعقل؟

العالم كله يسير نحو تكثيف المعرفة بصيغ بصرية وسمعية. الكتاب بجلالة قدره تحول إلى مسموع، والمحاضرة إلى فيديو، والسرد إلى بودكاست. ربما الفارق - ولو كان نسبياً - أن مجتمعات أخرى تمتلك قاعدة قراءة صلبة تعود إليها، بينما نكتفي نحن غالباً بالملخص أو الانطباع السريع، فنخسر العمق. وهنا تحديداً تبرز أهمية الفنون بوصفها الحلقة المفقودة بين المتعة والعمق، بين الشغف الجماهيري والمحتوى الهادف.

والأمثلة من واقعنا العربي ليست نادرة. حين غنى كاظم الساهر «زيديني عشقاً» في فيديو كليب لم يقدم مجرد ألحان عذبة ومشاهد جميلة، بل جعل ملايين العرب يحفظون قصيدة نزار قباني عن ظهر قلب، محولاً قصيدة النخبة إلى أهزوجة في الأحياء المنسية. وحين جسّد محمود مرسي شخصية أبو العلاء البشري في مسلسل «رحلة السيد أبو العلاء البشري»، لم يكن يقدم دراما ترفيهية فحسب، وإنما حوّل التلفزيون إلى مدرسة أخلاقية شعبية تجسد قيم الصدق والوفاء والإنسانية في وجه المادية والتناقضات. أما في النحت، فقد حوّل جواد سليم «نصب الحرية» في ميدان التحرير ببغداد إلى ملحمة وطنية حفرت في الذاكرة الجمعية قيم الصمود والانعتاق، متفوقاً بذلك على آلاف الصفحات التي لم تُقرأ. وعلى الجانب الآخر، فتح السوري فاتح المدرس بوابة الحداثة التشكيلية العربية إلى العالمية بريشته السريالية، معيداً تعريف اللغة البصرية العربية وناقلاً تجربته من المتاحف العالمية الكبرى إلى روح الشباب العربي دون أن يفقدوا هويتهم.

أيضاً، حين كتب الشاعر الفلسطيني محمود درويش قصائد مثل «سجل أنا عربي» و«بطاقة هوية» وسجّلت بصوته الرصين، حوّل الشعر إلى نشيد وجداني يردده الملايين في الميادين والمدارس دون الحاجة إلى ديوان. وحين ألف الروائي السوداني الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال»، جعل الرواية درساً ثقافياً عميقاً وصل إلى المجالس قبل الجامعات. أما في المسرح، فقد قدمت فيروز مع الرحابنة مسرحيات غنائية خالدة، حوّلت المسرح إلى تجربة جوانية عميقة وصلت إلى قلوب الملايين. ومن المملكة العربية السعودية، برز عملاقان في الأغنية: محمد عبده ذاكرة وجدانية لأجيال، وطلال مداح، نبض العاطفة المشتركة، فكانا معاً جسراً موسيقياً ينقل جمال السعودية إلى ملايين القلوب دون الحاجة إلى كتاب أو ديوان.

هذه النماذج تؤكد أن الفن، حين ينجح، يصبح أستاذاً بديلاً خصوصاً في زمن تراجع فيه الأستاذ الورقي. الأغنية يمكن أن تحمل اللغة الرفيعة، والدراما يمكن أن تكون مدرسة للضمير، والسينما يمكن أن توسع الخيال الأخلاقي، والمسرح يمكن أن يعيد صياغة الأسئلة الكبرى أمام جمهور حي.

وما يضاعف حاجتنا في وطننا العربي إلى الفنون أن مجتمعاتنا تمر بتحولات كبرى: عولمة جارفة، هويات بديلة، انقسامات طائفية، وأزمات تعليمية حادة. في هذا الفراغ، لا يعود الفن رفاهية، إنما ضرورة تربوية ومدنية. نحن بحاجة إلى فن يعلّم من غير وعظ، ويربي الحس من غير استعلاء، ويقترح نماذج للانتماء والمسؤولية من داخل المتعة ذاتها. القيمة حين تُلقى في خطبة قد تُنسى، لكنها حين تتجسد في شخصية درامية أو لحن شجي أو صورة مدهشة، تصبح أقرب إلى القلب وأبقى في الذاكرة.

في حقيقة الأمر، نحتاج إلى الفنون أكثر من غيرنا، لكن الإنفاق العام عليها في كثير من الدول العربية لا يزال محدوداً، وغالباً أقل من نظائره في عدد من الدول المتقدمة، بينما تُترك الساحة للابتذال والاستهلاك السريع. ومع ذلك، هناك بصيص أمل: معارض مثل «إثراء» في الظهران، وبينالي الشارقة، ومتحف اللوفر أبوظبي، أثبتت أن الجمهور العربي يتعطش للفن الرفيع حين يُقدم له باحترام. الحرفي التقليدي الذي كان مهمشاً يعاد اكتشافه اليوم، والفنان التشكيلي العربي يحجز مكانه في المتاحف العالمية. لكن هذا لا يكفي؛ نحتاج إلى سياسات ثقافية طموحة تدمج الفنون في المناهج، وتدعم المبدعين، وتجعل من التذوق الفني قيمة مجتمعية.

والآن، وبعد هذا كله، ما العمل؟ المسؤولية تقع على المبدع أن يحترم عقل متلقيه، وعلى المؤسسة أن تمول الثقافة لا أن تسلّعها، وعلى المثقف أن ينزل من برجه العاجي ويدخل إلى المنصات الرقمية بلا استعلاء. والسؤال الأهم هو سؤال القارئ نفسه، المواطن، المشاهد: متى كانت آخر مرة دفعت فيها ثمن تذكرة مسرح، أو اشتريت لوحة لفنان عربي، أو شجعت ابنك على دراسة الموسيقى أو أن يحفظ قصيدة أو يصمم فيديو؟

النهضة لا تصنعها الخطابات وحدها، بل الممارسات اليومية الصغيرة. والفن أولها. إذا أردنا مجتمعاً أكثر وعياً، وأشد تماسكاً، وأرقى ذائقة، فعلينا أن نصنع فناً يعكسنا ويعلّمنا ويقودنا. عندها فقط لن يكون الفن ترفاً، فالفن هو الدم الذي يجري في عروق الحضارة؛ وإذا جفّ هذا الدم، جفّت الحضارة نفسها. ولماذا نحن العرب بالتحديد؟ لأننا أمة توحدنا اللغة وتسكننا بيوت الشِعر ونسكنها.

يحسن بنا القول إن الفن ليس بديلاً عن الكتاب، بل هو طريق منه وإليه. حين يبكيك مشهد درامي، أو يهتز قلبك للحن، أو تجذبك لوحة، ينفتح باب واسع من المعرفة. نحن العرب، أمة «اقرأ»، نستحق أن نقرأ ونُقرأ بالكلمة وبالصورة وباللحن.

* كاتب سعودي


«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي
TT

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

على الرغم من وطأة الأزمة الصحية التي تلمّ بالباحثة نادية هناوي، فإن إرادتها في مجابهة المرض عبر بوابة الإبداع تظل الوقود الذي يغذي استمرارية عطائها النقدي. فلقد صدر لها حديثاً عن مؤسسة «أبجد» للتوزيع والنشر كتابان جديدان، واحد منهما في السرديات ما بعد الكلاسيكية هو «سرديات رواية التاريخ: التأريخ، الميتا - تاريخ، التاريخ النسوي»، والكتاب الآخر بعنوان «طوفان فلسطين». ويمثل الكتابان إضافة نوعية إلى مجمل ما ألفته الباحثة من كتب نقدية، وصل تعدادها إلى 42 كتاباً مطبوعاً.

يتألف الكتاب الأول «سرديات رواية التاريخ»، البالغة صفحاته أكثر من 350 صفحة، من تمهيد نظري تتلوه أربعة فصول، تدور حول مقتضيات هذا النوع الأدبي الفنية وتحديد اشتراطات المتنوعة من خلال مباحث عدة، بعض منها نظري صرف، وبعضها الآخر نظري إجرائي. وفيها تستكمل الباحثة هناوي جهودها النظرية التي كانت قد أسست لها قبل سنوات بكتابها «السرد القابض على التاريخ» 2018. وتركز فصول الكتاب الجديد على العلاقة الجدلية بين مفاهيم التاريخ - الواقع - التخييل بوصفها ثالوثاً إبداعياً ومعرفياً مترابطاً ترابطاً لا مجال فيه لفصل أحدها عن الآخر على أساس أن العلاقة بين الكتابة والتاريخ قديمة قدم الفلسفة، وعن ذلك تقول المؤلفة: «إن مبتدأ هذه العلاقة عند هيرودتس الذي ألف أول كتاب في التاريخ فكان الأب الشرعي له. وبالرغم من التطورات التي شهدتها البشرية على طول تاريخها؛ فإن تلك العلاقة ظلت قائمة بدعائم مهمة وأكيدة تجعل أي عملية لتوصيفها أو التعريف بها متجهة صوب التناظر الذي به يصبح تسريد التاريخ أو ترخنة السرد واحداً، فيمسي الروائي مؤرخاً والمؤرخ روائياً وبوعي فلسفي بالاثنين الإنسان والزمان».

وتدور أطروحة الكتاب حول مفهوم «رواية التاريخ» استناداً إلى فرضية أنه إذا كانت الرواية التاريخية توظف التاريخ بمعناه الكلاسيكي استعادةً وتوثيقاً وبطريقة يُجاري فيها السرد القصصي التاريخ الموثق الرسمي وغير الرسمي؛ فإن في «رواية التاريخ» نزعة ما بعد حداثية، معها يغدو التاريخ شكلاً سردياً، يشتغل فنياً على المراكز كأنساق يتم تقويضها وخلخلة أطرها بقصد توكيد الجانب الجمالي وتعرية مستورات التاريخ ومنغلقاته من دون انحياز إلى الشكل ولا تغلّيب للمحتوى.

وتتمحور أطروحة الكتاب الثاني «طوفان فلسطين»، كما واضح من العنوان، حول قضية فلسطين في مرحلتها الحالية والتحديات التي تواجهها هذه القضية على مختلف الصعد. والهدف هو وضع القراء أمام طبيعة تطورات معركة «طوفان الأقصى»، وما أسفرت عنه من مستجدات وتداعيات وأصداء على المستوى العربي ومستوى الرأي العام العالمي.

وجاء في الكتاب: «ما الملتجأ الذي إليه يفر العرب، وأمامهم الوحشية الإمبريالية والصهيونية، ومن ورائهم نار الأصولية؟ وإلى متى يظلون كائنات مسجونة في دواخلها وضائعة؟ ولماذا لا نستثمر الحرية الناعمة المتاحة لنا افتراضياً في امتلاك التفكير الحر والواعي؟ وهل يمكن لنا أن نتحرر من سباتنا مطوعين فكرنا ـ الذي شوشته دوائر الثقافة والإعلام المضادة عقوداً ليكون في خدمتنا، منتفضين على كل القيود التي كبلتنا وأرعبتنا حتى صرنا سجناء فيها بالوهم والتزييف وأسارى اليأس والخيبة؟ ومتى تعتلي شعوبنا العربية دفة حكم التاريخ؟ وأين الشجاعة والثبات والبطولة التي كانت عليها الأجيال السابقة لها؟ وما الذي ستدخره وتحفظه من خيبات وتنازلات للأجيال القادمة؟».


هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة

عاجل ترمب: هناك من سرب معلومات عن الطيار الثاني لإيران وسنصل إليه لأنها مسألة أمن قومي