البحرين: مجلس العمل المشترك ينصح بعقد اجتماعات «بناء ثقة» بين دول الشرق الأوسط

اعتبر مركز الملك عبد الله للحوار بين أتباع الديانات خطوة لتجسير الهوة الدينية

البحرين: مجلس العمل المشترك ينصح بعقد اجتماعات «بناء ثقة» بين دول الشرق الأوسط
TT

البحرين: مجلس العمل المشترك ينصح بعقد اجتماعات «بناء ثقة» بين دول الشرق الأوسط

البحرين: مجلس العمل المشترك ينصح بعقد اجتماعات «بناء ثقة» بين دول الشرق الأوسط

طالب مجلس العمل المشترك، وهو مجموعة من السياسيين والخبراء من مختلف دول العالم، الأمم المتحدة بالعمل على طمأنة كل من إسرائيل وإيران للانضمام لمعاهدة حظر الانتشار النووي لإقامة شرق أوسط خال من الأسلحة النووية أسوة بأميركا الجنوبية.
كما أشاد المشاركون في أعمال المجلس بمبادرة خادم الحرمين الشريفين لحوار الأديان، واعتبروا مركز الملك عبد الله للحوار بين أتباع الديانات والثقافات خطوة مهمة لتجسير الهوة الدينية بين أتباع الأديان.
ويجتمع مجلس العمل المشترك مرة واحدة في العام ويراجع الأوضاع حول العالم، وعقد المجلس اجتماعاته لهذا العام في الفترة من 9 إلى 11 مايو (أيار) الجاري تحت رعاية الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي عهد مملكة البحرين.
أوصى مجلس العمل المشترك في ختام أعماله أمس في العاصمة البحرينية المنامة بإنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية في منطقة الشرق الأوسط، أسوة بأميركا الجنوبية، وحث المجلس المجتمع الدولي للمساهمة في عقد مؤتمر دولي يهدف لإنهاء الحرب في سوريا.
وطالب المجلس المجتمع الدولي والأمم المتحدة على وجه الخصوص بتوفير تطمينات لكل من إيران وإسرائيل حتى توقعا على معاهدة حظر الانتشار النووي، وقال وجين كريتيان رئيس وزراء كندا الأسبق إن حالة إيران مختلفة عن إسرائيل، فإيران دولة لديها مخاوف من الخارج وعليها أن تتدبر شؤونها بنفسها لذلك تلجأ إلى البرنامج النووي، بينما إسرائيل تحظى بحماية من المجتمع الدولي ولكن ما زال لديها مخاوف ولا تشعر بالأمان رغم هذه الحماية، وقال إن على الأمم المتحدة أن تقوم بدور في هذا الجانب لطمأنة الدول التي لديها مخاوف ومنحها الشعور بالأمان حتى تنضم إلى معاهدة حظر الأسلحة النووية.
وبشأن المياه حذر المجلس من التوسع في مشاريع الوقود الحيوي والتي اعتبرها مضرة بالاحتياطيات المائية التي تتناقص وقد يكون لها دور مباشر في أزمة المياه مستقبلا.
وأصدر الاجتماع العام السنوي الحادي والثلاثون لمجلس العمل المشترك في بيانه الختامي 44 توصية تخص محاور الاجتماع الأربعة والتي تتعلق بجملة من القضايا المتعلقة بالأمن والسلام والاقتصاد العالمي، وهي «الأوضاع العالمية الراهنة»، والطاقة المائية والغذاء، وتجسير الانقسام الديني، والانتشار النووي.
وأوصى مجلس العمل المشترك بتشجيع الدول في الشرق الأوسط للاشتراك في اجتماعات أولية لبناء الثقة اللازمة لإيجاد منطقة شرق أوسطية خالية من الأسلحة النووية. ودعا المجلس كلا من روسيا والولايات المتحدة الأميركية لمواصلة جهودها لعقد مؤتمر دولي يهدف لإنهاء الحرب في سوريا، مطالبا دول العالم بالتبرع لتلبية الاحتياجات الإنسانية للاجئين السوريين.
وحث المجلس في بيانه الختامي كافة الدول على الانضمام للتوقيع والمصادقة على المعاهدة العالمية لتجارة الأسلحة التقليدية والتي تم الموافقة عليها من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة.
كما اعتبر المجلس مشروع قناة «البحرين» التي تربط البحر الأحمر مع البحر الميت وسيلة لمصادر مياه جديدة تضمن الأمن في الشرق الأوسط، ودعا المجتمع الدولي إلى تبني المشروع والمساهمة فيه.
وقد شارك في أعمال الاجتماع العام السنوي الحادي والثلاثين لمجلس العمل المشترك عدد من الشخصيات من مختلف دول العالم، من بينهم الدكتور عبد السلام المجالي رئيس الوزراء الأردني الأسبق رئيس أكاديمية العالم الإسلامي للعلوم، والدكتور فرانز فرانيتسكي المستشار الأسبق للنمسا والرئيس المشارك للمجلس المشترك، وجين كريتيان رئيس وزراء كندا الأسبق والرئيس المشارك للمجلس، والفائز بجائزة نوبل الدكتور أوسكار أرياس سانشيز الرئيس الأسبق لكوستاريكا، ويوكيا أمانو المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، والدكتور ماجد المنيف السكرتير العام للمجلس الاقتصادي الأعلى في السعودية، واللورد مايكل لوثيان رئيس المنتدى الاستراتيجي العالمي، والدكتور رضا أصلان الباحث في شؤون الأديان والكاتب المعروف.
ويهدف مجلس العمل المشترك من خلال تنظيم الاجتماعات السنوية العامة إلى حشد مجموعة من الخبراء والمختصين ممن تبوأوا مناصب عليا وقيادية في مختلف دول العالم، لتقديم توصيات واقتراح حلول عملية حول مختلف القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجه شتى شعوب العالم.



من يعيد لبيوت الجنوب بريقها المدفون تحت الركام؟

الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)
الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)
TT

من يعيد لبيوت الجنوب بريقها المدفون تحت الركام؟

الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)
الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)

لم يحدث لأحد من الفلاسفة والباحثين، وربما من الشعراء، أن احتفى بالبيوت، في دلالاتها الأكثر عمقاً وقابلية للتأويل، كما فعل غاستون باشلار. ذلك أن الفيلسوف الفرنسي الظاهراتي لم ير إلى البيوت بوصفها هندسة جمالية «موضوعية»، أو وجوداً مادياً لامبالياً بسكانه، بل اعتبرها حاضنة الحياة الأمومية، والحارس الأوفى لخزائن الذكريات، والينبوع المتجدد للألفة الدافئة.

على أن أهل الجنوب اللبناني، الذين اضطرتهم الحروب المتلاحقة والعنف الدموي الإسرائيلي، إلى النزوح المتكرر عن بيوتهم وأماكن سكناهم بحثاً عن ملاذ آمن، لم يكن عليهم قراءة باشلار، لكي يدركوا أهمية تلك الأماكن، التي تركوا في عهدتها مهج قلوبهم، وضوء عيونهم، وأعذب ما ادّخروه لشتاء أعمارهم من الذكريات. ولعل هذا التشبث المرَضي بالبيوت قد وجد ترجمته في إصرار الكثيرين منهم على ملازمة قراهم في أشد الظروف حلكةً، سواء تعلق الأمر بخراب الزراعة وكساد مصادر الرزق، أو بتعاقب الاجتياحات وأهوال الحروب.

اللافت أن أولئك الذين اضطروا لمغادرة بلداتهم باتجاه بيروت والمهاجر البعيدة، بحثاً عن فرص أفضل للعيش، كانوا يضعون في رأس أولوياتهم بناء بيوت لائقة بما كابدوه من مشقات، يحولونها عندما يعودون إلى فسحة هانئة لضغضغة الأيام واستقبال الزائرين، وتزجية المساحة الفاصلة بين الشيخوخة والموت. وإذا كان الشريط الطويل من الفيلات والدور الباذخة، الذي يمتد من الناقورة إلى العرقوب، قد بدا من بعض نواحيه ثمرة اليسر المادي لمغتربي المناطق الحدودية، فإن مبالغة «جنوبيي الجنوب» في الاعتناء المفرط بالبيوت، التي أحاطوها بالحدائق والأسوار، لم يكن سببها التنافس فيما بينهم فحسب، بل لأنهم رأوا فيها المجسمات الرمزية لتشبثهم بالبقاء، وعلامات التحدي المرفوعة بثقة بالغة في وجه الاحتلال.

إلا أن كل ما تحمله الجنوبيون من متاعب، وكل ما فعلوه لتضليل اليأس، وكل احتفائهم الكرنفالي بالنجاة، سرعان ما حولته أسلحة الفتك الإسرائيلي إلى ركام. وحيث حسبوا واهمين أن ما عبر ستة عقود متعاقبة من فظاعات وأهوال كان كافياً لتسديد ما توجب عليهم دفعه من أثمان، فقد بدت الحروب المتعاقبة التي كُتبت عليهم مواجهتها من قبل، مجرد «بروفات» تمهيدية مصغرة للحرب الأخيرة، التي تكفلت خلالها الآلة العسكرية الزاحفة للعدو، بمحو القرى من جذورها، والإجهاز على ما يفصح عنه رمادها المتبقي من مظاهر الحياة.

أما شعار «حرب الحضارة على البربرية»، الذي رُفع قبل سنوات لتسويغ ما لحق بغزة وفلسطين من دمار كارثي، فقد تم رفعه على نحو معدّل، لا بهدف إلحاق الأذى المماثل ببيوت البشر الآمنين ومحاصيلهم ومصادر عيشهم فحسب، بل لكي تسوّى بالأرض، شواهد شديدة التنوع والثراء من تاريخهم القريب والبعيد. والأدلّ على ذلك هو تركيز قادة الاحتلال على أن تحظى المدن والبلدات الأكثر ازدحاماً بالرموز الأثرية، وبيوتات العلم والأدب، كالخيام والنبطية وبنت جبيل وعيترون وصور وعيناثا وغيرها، بالنصيب الأوفر من الاستهداف والقصف التدميري.

وإذا كان التصميم الملح على إسقاط قلعة الشقيف، التي تشرف من مكانها الشاهق على مساحات واسعة من لبنان وسوريا وفلسطين، يمكن أن يجد له مسوغات أمنية وعسكرية، فأي حجة مقنعة يمكن لها تبرير ذلك القدر من العنف الهمجي، الذي يراد منه اقتلاع شعب بأسره من جذوره، وتسليمه للعراء الكوني.

ففي مدينة الخيام، التي يربو عدد سكانها على ثلاثين ألفاً، لم تكن البيوت المغضية بخوف على حيوات سكانها، هي التي تعرضت للقصف، بل إن الوابل المتلاحق لنيران الاحتلال راح يطول في الآن ذاته معتقل المدينة الشهير، ومؤسساتها التعليمية، ودور عبادتها، ومراكزها الفكرية التنويرية، إضافة إلى ما خلّفه أهلها من الذكريات، ورساموها من الألوان، وشعراؤها من نثار الاستعارات ومسوّدات القصائد.

أما مدينتا النبطية وبنت جبيل، وهما الحاضنتان الأكثر عراقة لتاريخ جبل عامل وثقافته وذاكرة بنيه، فقد تعرضتا بدورهما لقدر غير مسبوق من التدمير الاستئصالي، حيث لم تكتف القوات الزاحفة شمالاً، بتحويل الأسواق الشعبية القديمة في كلتا المدينتين إلى ركام، بل راحت تستهدف في الوقت نفسه المراكز الثقافية والمؤسسات الصحية، والأبنية التراثية ذات التصاميم الجمالية اللافتة، التي حوّلها أصحابها إلى مزارات.

ولم يكن حظ مدينة صور الساحلية من القصف والتدمير أفضل من حظ شقيقاتها الأخريات. وحيث لم يشفع لها أن يكون ملكها الفينيقي حيرام، قد أسهم قبل ثلاثة آلاف عام في بناء هيكل سليمان، ولا شفع لها وضعها من قبل اليونيسكو على لائحة الأماكن التراثية والثقافية العالمية، فإن من نصّبوا أنفسهم حماةً للحضارة، لم يجدوا أي حرج يُذكر في قصف أحيائها ومدارسها، وأبنيتها المملوكية، وصولاً إلى آثارها العريقة التي يعود تاريخها إلى العصرين الفينيقي والروماني.

كما أن حرص الإسرائيليين على هدم الفواصل الطبقية والاجتماعية بين ضحاياهم، هو الذي دفعهم على الأرجح إلى جعل الجميع سواسية، في الميزان العادل لحديد المجنزرات وقنابل الطائرات المغيرة، حيث لا فرق في منسوب التدمير ومعدلاته، بين غني وفقير، «متورط» وبريء، مغترب ومقيم، مثقف وأمي. لا بل إن اللافتات المختلفة التي خيضت باسمها الحرب، عادت لتجد في استهداف بيوت المثقفين الجنوبيين ومكتباتهم ومساقط إبداعهم براهينها المثلى ودلالاتها الساطعة.

وإذا كان المجال لا يتسع لتعداد ضحايا الشغف الإسرائيلي بالثقافة وأهلها، من المبدعين الجنوبيين، فيكفي أن أذكر في هذه العجالة المنزل المتميز في هندسته وجماله المعماري لسعد الزين، والمنازل المشابهة لآل الزين في النبطية، التي أزالها المحتلون مع مقتنياتها الثمينة من الوجود. وأن أذكر الدارة الأنيقة التي بناها الفنان عبد الحميد بعلبكي في بلدة عديسة الحدودية، وأرادها أن تكون منزلاً لسكناه ومتحفاً للوحاته، قبل أن تحولها الطائرات إلى كومة من الأنقاض. وأن أذكر كتّاباً ومفكرين كثيرين، خسروا منازلهم ومكتبات بيوتهم على نحو مشابه، كما حدث لعبد الكريم قبلان في عيترون، ولعون جابر وأحمد بيضون ومنذر جابر في بنت جبيل.

ومع أن الوقت لا يزال مبكراً قليلاً على تتبُّع انعكاس ذلك الهول الأبوكاليبسي، في لوحات الرسامين وأعمال الروائيين وقصائد الشعراء الجنوبيين، فإن وسط سيل الكتابات التي تم ارتجالها على عجل، ثمة نصوصاً ولقىً وشذرات، استطاعت أن تعكس بما تختزنه من قوة العصب وسداد الرؤية، الكثير من الملامح التراجيدية الملحمية لواقع الجنوب الراهن، وبينها قصيدة «البيوت»، التي أهداها عباس بيضون إلى صديقه المؤرخ منذر جابر، وجاء فيها:

البيوت لا تموت مرة واحدة

إنها تعيش بالساعة

ذاكرة هائلة لكنْ أيضاً عجلةٌ للنسيان

تحفظ بالدقائق وتنسى بالأيام

نصل إليها أرواحاً

وسرعان ما نذوب في الهواء

ولعل أفضل ما أختم به هذه المقالة هو مقطع معبّر من قصيدة «بيت الريح» للشاعر الفرنسي لوي غوليم، الذي بدا لقوة بصيرته، ورهافة إصغائه إلى المستقبل، وكأنه يحدس بالمآلات المأساوية لبيوت أهل الجنوب، التي حوّلها فولاذ الضغائن الوحشي إلى أثر بعد عين، فهتف بلسان كل واحد من أهلها النازحين:

«طويلاً بنيتك أيها البيت. مع كل ذكرى أحمل الحجارة من الأرض، حتى أعالي جدرانك. لقد رأيت سطحك يصقله الزمن، متغيراً كالبحر، يرقص على خلفية من الغيوم. يا بيت الريح، أيها المأوى الذي أزالته نفخة واحدة»!


جدارية الوجوه الثلاثة في قصير عمرة

جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن
جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن
TT

جدارية الوجوه الثلاثة في قصير عمرة

جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن
جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن

يحتلّ قصير عمرة موقعاً استثنائياً في خريطة القصور التي شيّدها خلفاء بني أميّة في صحاري بلاد الشام، وتتمثّل أهميّته بالدرجة الأولى في لوحاته الجدارية التي تمتدّ على جدرانه وسقوفه، وتشكّل أكبر برنامج تصويري معروف في العالم المتوسّطي القديم. يجمع هذا القصير بين مجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، وحمّام تقليدي كبير مؤلَّف من ثلاث غرف، تمثل تباعاً قاعة المدخل، والقاعة الرطبة، والقاعة الحارة. تزيّن سقف القاعة الأولى جدارية تأخذ شكل شبكة تشكيلية عريضة تحتلّ وسطها ثلاثة وجوه آدمية تظهر في وضعيّة المواجهة، كأنّها تحدّق بعيونها الشاخصة في الناظر إليها.

تجمع هذه الشبكة بين الإطار الهندسي والعناصر التصويرية المتعدّدة، وتمتد على مساحة السقف المقبّب، بحيث تشكّل مساحتين مقوّستين.

يعتمد هذا التأليف وحدة هندسية ثابتة تُعرف في قاموس الهندسة الرياضية باسم «مُعَيَّن»، وهي وحدة بسيطة لها أربعة أضلاع متساوية الطول، قطراها متعامدان ومتناصفان. تحضر في وسط هذا الشبكة ثلاث قامات نصفية، تحتل كلّ منها خانة مستقلة. تحلّ هذه الوجوه في ترتيب عمودي متين، ويظهر في الأسفل وجه شيخ بلحية بيضاء، يعلوه وجه امرأة نضرة، ثمّ وجه شاب أمرد. حافظت هذه القامات على ملامحها بشكل شبه كامل، واستعادت بريقها الأول إثر عملية التنقية والترميم التي قام بها فريق إيطالي في الموقع خلال عام 2010.

يغلب على هذه الوجوه الطابع الكلاسيكي، كما يشهد أسلوبها الذي يحاكي المثال الحي، ويجمع بين التجسيم والتظليل في تحديد ملامح كل منها. يظهر الشيخ الجليل بلحية بيضاء طويلة تبلغ أسفل الرقبة. وتبدو جبهته عريضة، وأعلى رأسه أصلع، مع كتلة صغيرة من الشعر، تحيط بها خصل عريضة تلتف حول الوجه. العينان واسعتان، ويعلوهما حاجبان عريضان مقوّسان، صيغتا باللون الأسود. بؤبؤ العين محدد بدقة، كذلك الحدقة والجفن والأهداب. الأنف هرمي، وعناصر تكوينه محدّدة بدقة بالغة. الأذنان ظاهرتان، ومكوّناتهما واضحة كذلك. صدرُ هذا الشيخ عارٍ جزئياً، ويعلوه معطف ينسدل على الكتف اليسرى. الجزء الأسفل ممحوّ، ويوحي ما تبقّى منه بحضور يد تقبض على رمح طويل، ظهر طرفه الأعلى كاملاً في الجانب الأيسر من الصورة. تحتل هذه القامة خانة بيضاء مجرّدة، يزيّنها غصنان مورقان متواجهان يحيطان بذراعَي الشيخ.

تحضر فوق قامة هذا الشيخ قامة أنثوية تقف في وضعيّة مشابهة. الأسلوب واحد في تجسيم الملامح، مع بقعتين باللون الأحمر الخمري تستقران على الوجنتين المكتنزتين. تكلّل الرأس كتلة من الشعر الكثيف تنسدل خصله على الكتفين، مع فارق نصفي في الوسط. ترتدي هذه المرأة ثوباً عسلياً تعلوه بطانة حمراء عريضة تنعقد حول الكتفين، وتزيّن هذه البطانة شبكة زخرفية، تجمع بين أزهار محوّرة تتألف كل منها من أربع بتلات متساوية. تظهر اليد اليمنى في أسفل الخانة، وتقبض شتلة تعلوها كوكبة من البراعم البيضاء. تزيّن هذه الخانة كرمة تتألف من غصنين مورقين يستقران فوق هامة هذه القامة الأنثوية، ويتدلّى من كلٍّ من هذين الغصنين عنقود من العنب الأحمر حُدّدت حبّاته المرصوفة بدقّة.

تعلو هاتين القامتين قامةٌ ثالثة تمثّل شاباً في مقتبل العمر، تُكلّل وجهه خصل من الشعر تنسدل على طرفي الخدين. يرتدي هذا الفتى الأمرد لباساً أرجوانياً تعلوه بطانة على شكل مربّع تحيط بصدره، ويرفع بيده اليمنى عصا نحيلة طويلة تمتدّ في الأفق. يُزيّن هذه الخانة غصنان متقابلان ومتواجهان، كما نرى في خانة الشيخ الجليل. تحتلّ هذه الوجوه الثلاثة وسط السقف المقبّب، وتحدّ خاناتها الثلاث سلسلة من الخانات المتشابكة، تزيّنها عناصر تصويرية متعدّدة الأشكال، تحضر وسط أغصان مورقة تلتف في الأفق المجرّد.

يظهر من جهة غزالان، كل منهما في خانة مستقلّة، ويظهر في الجهة المقابلة كذلك غزالان، يتبعان تقسيماً تعادلياً مشابهاً. لا تتماثل هذه الغزلان إطلاقاً، إذ يحضر كل منها في وضعية خاصة به. يظهر من جهةٍ غزال في وضعية جانبية، يحني رأسه في مواجهة غزالٍ يدير برأسه نحو الخلف. في الطرف المعاكس، يظهر غزال يحني رأسه نحو الأرض كأنه يقتات من العشب، ويقابله غزال يعلو رأسه قرنان طويلان، يحدّق في وضعيّة المواجهة.

تتشابك هذه الخانات الأربع بست خانات تحوي صوراً مغايرة. يَظهر من جهةٍ دبٌّ على طاولة صغيرة، حاضناً عوداً يعزف عليه بأنامل قائمتيه الأماميتين. في مواجهة هذا العازف، يَظهر قردٌ منتصباً، رافعاً قائمتيه الأماميتين نحو الأعلى، كأنه يُصغي إلى عزفه. من خلف هذا القرد، يقف فتى يرفع يده اليمنى نحو رأسه، ويده اليسرى نحو صدره، كأنه يشارك في هذه الوصلة. في الجهة المعاكسة، تحضر ثلاث خانات تختزل كما يبدو وصلة عزف أخرى، وفيها يحضر فتى يقف منتصباً وهو يعزف بمزمار يحمله بين يديه المرفوعتين، وتحضر في مواجهته صبية تتمايل في وضعية راقصة، ويحضر في الخانة الأخيرة فتى يرافقها في هذه الوصلة.

تكتمل هذه الشبكة مع أربع خانات تسكن كلا منها بهيمة حيّة. يظهر من جهة ابن آوى يحدّق في اتجاه غزال يحني رأسه أرضاً، ويظهر في الطرف المعاكس غزال ينظر إلى الخلف، وغزال يقفز نحو الأمام. تحد هذه الشبكة الكبيرة سلسلة من المثلثات، تسكنها طائفة من الطيور والحيوانات المتنوّعة، ضاع أثر بعض منها. يظهر في الطرف العمودي نمس وأفعى وسنجاب، وتقابلها في الطرف المعاكس ثلاثة كائنات انمحت أشكالها كلّياً. في الطرف الأفقي، تظهر أربعة طيور مائية، منها البجع والإوز، وتقابها في الطرف المقابل مجموعة مشابهة من الطيور.

تجمع هذه الشبكة الأموية بين عناصر متعدّدة مستمدّة من قاموس الفن المتوسّطي، وتشكّل في هذا السياق امتداداً حيّاً لهذا الفن الذي ازدهر في بلاد الشام خلال القرون الميلادية الأولى. ورث الفن الأموي المدني تقاليد هذا القاموس الراسخة، وأعاد قولبتها في مكوّنات مبتكرة، تشهد لاستمراريتها طوال القرن الثامن. تتجلّى هذه الاستمرارية في جداريات قصير عمرة، كما تتجلّى في أعمال فنية أخرى خرجت من قصور أموية أخرى، كشفت عنها حملات التنقيب في صحاري بلاد الشام الواسعة خلال العقود التي تلت اكتشاف القصير الأردني.


ملائكة يطوي مسيرته مع «نيوم»

شكَّل ملائكة إضافة فنية مميزة لـ«نيوم» منذ أن كان في دوري الدرجة الأولى (نادي نيوم)
شكَّل ملائكة إضافة فنية مميزة لـ«نيوم» منذ أن كان في دوري الدرجة الأولى (نادي نيوم)
TT

ملائكة يطوي مسيرته مع «نيوم»

شكَّل ملائكة إضافة فنية مميزة لـ«نيوم» منذ أن كان في دوري الدرجة الأولى (نادي نيوم)
شكَّل ملائكة إضافة فنية مميزة لـ«نيوم» منذ أن كان في دوري الدرجة الأولى (نادي نيوم)

أسدل الحارس المخضرم مصطفى ملائكة الستار على مشواره مع نادي نيوم، بعد فترة حافلة بالعطاء والإنجازات امتدت منذ انضمامه إلى الفريق في صيف 2024، ليسهم بخبرته الكبيرة في تحقيق أحد أبرز أهداف النادي المتمثل في الصعود إلى «دوري المحترفين» السعودي.

كان ملائكة قد التحق بصفوف «نيوم» قادماً من تجربته السابقة مع «الفتح» و«الشباب»، ضِمن مشروع النادي الطموح لتعزيز صفوفه بعناصر الخبرة خلال منافسات «دوري يلو».

وخلال مشواره مع الفريق، شكّل الحارس المخضرم عنصراً مهماً داخل غرفة الملابس وخارجها، حيث لعب دوراً بارزاً في دعم استقرار الفريق فنياً ومعنوياً، مستفيداً من مسيرته الطويلة في الملاعب السعودية، ليكون أحد الأسماء التي ارتبطت بمرحلة تاريخية في مسيرة النادي.

وجاءت نهاية الرحلة بعد موسم استثنائي نجح خلاله «نيوم» في حسم لقب «دوري يلو» والتأهل إلى «دوري روشن للمحترفين»، للمرة الأولى في تاريخه، بعدما قدّم مستويات مميزة على مدار الموسم وفرَضَ نفسه كأحد أبرز فِرق المسابقة.

ويغادر ملائكة النادي تاركاً بصمة واضحة في مشروع الصعود، بعدما أسهم بخبرته القيادية في تحقيق الإنجاز، ليحظى بتقدير جماهير النادي وكل مَن عاصر هذه المرحلة الناجحة.

ويبقى اسم مصطفى ملائكة حاضراً في ذاكرة «نيوم» كأحد اللاعبين الذين شاركوا في صناعة الإنجاز التاريخي، ورافقوا الفريق في رحلته من المنافسة على الصعود إلى التتويج باللقب وبلوغ «دوري المحترفين»، في محطة ستظل جزءاً مهماً من مسيرته الكروية الحافلة بالنجاحات.