رئيس البرلمان العراقي لـ {الشرق الأوسط}: الظرف لا يسمح بإقالة العبادي

الجبوري أكد أن صيغة إلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية ونواب رئيس الوزراء لم تكن قانونية

سليم الجبوري ({الشرق الأوسط})
سليم الجبوري ({الشرق الأوسط})
TT

رئيس البرلمان العراقي لـ {الشرق الأوسط}: الظرف لا يسمح بإقالة العبادي

سليم الجبوري ({الشرق الأوسط})
سليم الجبوري ({الشرق الأوسط})

يحتار الصحافي عندما يريد أن يحاور مسؤولا عراقيا كبيرا يشغل منصب رئيس مجلس النواب في اختيار بداية الحديث، وذلك لتشابك الخيوط واختلاط الأمور وتعدد الأزمات، من اقتصادية وأمنية وسياسية وخدمية.
المسؤولون العراقيون محاصرون بين مطالب المتظاهرين وبين الحرب ضد تنظيم داعش وحزم إصلاحات حيدر العبادي رئيس الوزراء وتشابك واختلاف الإدارات والمصالح الحزبية تحت قبة البرلمان وغرق ما نسبته 60 في المائة من مساحة بغداد وبقية المدن بمياه الأمطار.
إزاء هذا يفضل غالبية المسؤولين العراقيين التزام الصمت الإعلامي والاقتصار على إطلاق التصريحات منفردين دون الدخول في مغامرة إجراء حوار صحافي قد يجرهم إلى مناطق لا يرغبون في الدخول إليها أو الحديث عنها.
سليم الجبوري، رئيس مجلس النواب العراقي، تحدث في حوار مطول بعد صمت إعلامي طويل لـ«الشرق الأوسط» ببغداد حول إصلاحات العبادي ودستورية إقالة نواب رئيسي الجمهورية والوزراء، مرورا بالأزمات المتعددة التي يعيشها العراق. وفي ما يلي نص الحوار:
* نبدأ من القرار الأخير لمجلس النواب والقاضي بسحب تخويله لرئيس الوزراء حيدر العبادي لإجراء الإصلاحات.
- كان مجلس النواب قد فوض رئيس الوزراء للقيام بجملة من الإصلاحات التي تخدم الشارع العراقي، وقيد هذا التخويل باحترام الدستور والقانون، لا أنكر أن بعض ما صدر (من العبادي) فيه ابتعاد حتى عن السياق الدستوري وكأن هناك تفويضا لرئيس الوزراء بأن يتصرف بصلاحيات مجلس النواب، بالنسبة إلينا هذا لم يكن موجودا أصلا، نحن لم نعطه هذا التخويل لكنه فهم بهذه الطريقة، وأردنا أن نؤكد مبدأ أساسيا وهو أن صلاحيات مجلس النواب لا يمارسها إلا مجلس النواب ولا يحق لأي سلطة تنفيذية أو قضائية أن تمارس صلاحيات مجلس النواب، فضلا عن أن ما صدر من قرارات (من قبل العبادي) كان يشوبها شائبة من جهة مطابقتها للدستور والقانون، لا نريد أن يوجد فرد أو سلطة تبيح لنفسها التجاوز على الآخرين، هذا ما أردنا تأكيده، أن لا سلطة تبيح لنفسها التجاوز على بقية السلطات، لكل سلطة صلاحياتها القانونية والدستورية تمارسها وهي المعنية بها وتحاسب عليها.
* هل هذا يعني أنكم غير مؤمنين أو موافقين على الإصلاحات التي قام بها العبادي؟
- في قناعتي أن الإصلاحات لم تكن في المستوى الذي يجب أن تكون عليه. صحيح أن الظرف الاقتصادي ضاغط والتحديات كبيرة أمام رئيس الوزراء، وهناك عقبات بعضها سياسي وبعضها اقتصادي، إضافة إلى التحديات الأمنية. لكن في قناعتي لا يمكن لأي طرف أن يمضي بالإصلاحات منفردا عن الآخرين.. للأسف حصل ذلك.
* رئيس الوزراء «ألقوه في اليم مكتوفا وقالوا له إياك إياك أن تبتل بالماء»، وحسب تصريحاته والوقائع فإنه محاصر بتقييدات دستورية، ومقيد من قبل كتل سياسية أخرى وحتى من قبل حزبه (الدعوة) وكتلته (ائتلاف دولة القانون) وتحديات (داعش)، ومثلما ذكرتم الضغوط الاقتصادية.. فكيف يتمكن من إجراء الإصلاحات باعتقادكم؟
- بالتأكيد هناك قيود موجودة، لكنه (العبادي) هو جزء من هذه التركيبة التي ينبغي أن يأخذها في الاعتبار وأن لا يمضي إلى الأمام إلا بعد أن ينظر إلى من حوله. هناك ثلاثة قيود أو ثلاثة أطواق مهمة ينبغي أن لا يكسرها أو يتجاوزها أي شخص يريد القيام بالإصلاحات سواء كانت مؤسسة أو شخصا، أولا طوق الأطراف السياسية الذي تجاوزه السيد العبادي في بداية عمله بنظرية الإصلاح وكل ما قام به أنه ألقى بحزم الإصلاح داخل مجلس النواب حتى أنه (العبادي) لم يحضر حتى الآن إلى مجلس النواب ليسوق إجراءاته في نظرية الإصلاح، أنا شخصيا كنت مع تصويت مجلس النواب لحزم الإصلاحات، المجلس صوت احتراما للجمهور العراقي وللتوجه ولمبدأ الإصلاحات. أما الطوق الثاني فهو الجمهور العراقي الذي المفروض أن لا يتم تجاهله، بل تلبية مطالبه. والطوق الثالث هو أننا لسنا بمعزل عن الواقع الدولي والإقليمي والتأثيرات الموجودة حولنا، وهذه أيضًا كان يجب أن تؤخذ بنظر الاعتبار.
* الموضوع الشاغل حتى اليوم هو: هل أن إقالة العبادي لنواب رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء كان إجراء دستوريا وقانونيا؟
- في هذه المسألة يكون للمحكمة الاتحادية قول الفصل، وهناك وجهات نظر قانونية متعددة، أنا في تصوري إذا كنا نريد أن نأتي إلى الدستور والقانون بشكل بحت فأقول إن الصيغة لم تكن قانونية، لكنه (العبادي) يحتج بأن مجلس النواب خوله بذلك بناء على التصويت الذي حصل تحت قبة البرلمان، وقد يكون للمحكمة الاتحادية رأيا مطابقا لهذا التوجه، بمعنى أنه ما دام هناك تخويل من مجلس النواب فله أن يمضي بهذا الاتجاه، ولكن الصيغة المثلى هي الآتي: أن يضع صيغة مشروع قانون داخل مجلس الوزراء ويحيله إلى مجلس النواب الذي يصوت على مشروع القانون بعملية إلغاء مناصب رئيس الجمهورية ونواب رئيس الوزراء، هذا إذا كنا نريد أن نسير في السياق الدستوري والقانوني البحت.
* هناك ورقة «الإصلاح السياسي» التي تقدم بها اتحاد القوى الذي أنتم جزء مهم فيه، وهي التي مهدت لاتفاق تشكيل حكومة العبادي ومر أكثر من عامين تقريبا ولم يتم العمل بها.. ما موقفكم؟
- هذا خلل كبير.. ونحن ما دمنا أكدنا على مبدأ أننا إذا أردنا أن نعمل كشركاء فلا بد من أن نحترم اتفاقاتنا بشكل واضح، وواحدة من أهم نقاط الاتفاق هي تشكيل الحرس الوطني وإصدار قانون العفو ومعالجة إشكالية اجتثاث البعث ومشكلة التوازن في الحكومة والقوات المسلحة والأمن، وقضايا من هذا القبيل وضعت على الورق وكانت هناك رغبة وكانت هناك تعابير على ضرورة تنفيذها، ولكن بمرور الزمن وجدنا أن هناك حالة من التنصل عن تنفيذ هذه الورقة.
* ألا تجدون أن السيناريو مشابه للحكومة السابقة حيث كانت هناك اتفاقات مؤتمر أربيل التي لم تنفذ من قبل الحكومة السابقة؟
- للأسف إن آلية تنفيذ السياسيين لأي اتفاق، وموضوع الثقة هو أنه يجب أن تبحث عن ضمانات تقيدهم وتلزمهم بتنفيذ ما تعهدوا به من التزامات، وما اعتقده وبشكل واضح أنه ما دامت هناك التزامات وتعهدات تم الاتفاق عليها فلا بد أن يلتزم ويفي بتنفيذها لأنه لا قيمة بعد ذلك لأية اتفاقات يمكن أن تبرم إذا كان لدى كل طرف النية المسبقة بعدم التنفيذ.
* طيب.. ما موقفكم من ذلك في اتحاد القوى؟ وما موقفكم أمام جمهوركم الذي انتخبكم؟
- نحن لطالما، وفي كل لقاء يحصل مع رئيس الوزراء، تحدثنا في هذا الموضوع ونحاول أن نثير ذلك بشكل واضح داخل البرلمان، ونعتقد أن تنفيذ هذه الورقة ليس منّة من طرف معين وإنما هو التزام، ونتحدث ونعمل ونسلك كل الوسائل لتنفيذها، وما زلنا بالتأكيد نبذل جهدنا من أجل أن تلتزم الأطراف الأخرى بالاتفاقات.
* لكن مضى أكثر من عامين تقريبا ولم يتم تنفيذ هذه الاتفاقات
- هذا خلل بالتأكيد.. هذا خلل.
* أليس هناك إجراءات تلزم الأطراف المتفقة على تنفيذ تعهداتها؟
- الإجراء الوحيد هو أن تتم المساءلة والمتابعة والمحاسبة.. هذا ما نمتلكه. المشكلة أن الدول التي كانت راعية لبعض الاتفاقات والتي كانت ماضية بدعوتها باتجاه تشكيل الحكومة وأنها تعهدت بممارسة دورها باتجاه تنفيذ الورقة التي اتفقنا عليها، هي اليوم غير متفائلة بتنفيذ الاتفاقات.
* هل تقصدون الولايات المتحدة الأميركية؟
- كل الدول التي رعت هذه الاتفاقات، أميركا وبعض الدول العربية والإقليمية، هؤلاء لم يعودوا يكترثون لما تم الاتفاق عليه سابقا.

* هل وصلت الأمور خلال الأيام الأخيرة ببعض الكتل السياسية للذهاب إلى مجلس النواب وسحب الثقة بالفعل من رئيس الوزراء؟
- لا لم تصل الأمور إلى هذه الدرجة، كما أنني لم أشهد مشاورات بهذا الاتجاه. بصراحة إن الظرف الحالي لا يسمح بأن نمضي بمثل هذه الخطوات، خصوصا ونحن أمام وضع أمني مربك، وكذلك وضع اقتصادي صعب. الهدف الأساسي اليوم هو أن تسعى الكتل السياسية باتجاه تحقيق الإصلاحات، أما أن تسعى باتجاه إحداث تغيير دون وجود خارطة طريق تنقذ العراق من أوضاعه فهذا غير وارد.
* أشرتم أكثر من مرة إلى الظرف الاقتصادي الضاغط، والناس في الشارع قلقون من هذا الموضوع ويخشون على رواتبهم، والمتظاهرون في ساحة التحرير ببغداد وفي بقية المحافظات العراقية يطالبون بمحاسبة الفاسدين واسترجاع الأموال المسروقة إلى خزينة الدولة، لكنه لم يتم أي إجراء بهذا الاتجاه.
- بصراحة، كثير من ملفات الفساد أحيلت إلى هيئة النزاهة وإلى لجنة لنزاهة البرلمانية، ويتم التحقيق مع المتورطين بالفساد، وبعض الملفات أحيلت إلى القضاء العراقي، ونحن ماضون بمحاسبة هؤلاء المتورطين بملفات الفساد، ووصل الأمر إلى حد استجواب البعض ومساءلته. كل الأدوات الرقابية المتاحة لنا في هذا الخصوص مارسناها ونستخدمها لمحاسبة الفاسدين، وأتصور أنه ليس هناك تقصير من قبل مجلس النواب.
* المتظاهرون والشارع العراقي يقولون إن حيتان الفساد الكبيرة ما زالت متنفذة في العراق.
- هذه مهمة القضاء وليست مهمة مجلس النواب، ما علينا من مسؤوليات هو تقديم ملفات الفاسدين، وقد قدمناها وتبقى مهمة هيئة النزاهة والقضاء، وما علينا هو متابعتهم في هذا الجانب. نحن فاتحنا الحكومة حول منافذ الصرف في الحكومة السابقة، وسنفتح ملفا حول جولات التراخيص لشركات النفط الأجنبية، وشكلنا لجانا حول عقود التسليح وبيع العملة الصعبة (الدولار الأميركي) في البنك المركزي، هذا كله قمنا ونقوم به، لكن القضية فيها جانب من التعقيد يتعلق بالوصول إلى المعلومة الدقيقة والوثائق وهي مهمة ليست سهلة أبدا، لكننا دخلنا إلى عمق هذه القضايا التي نعتبرها أساسية.
* عندما يتحول المسؤول من شخص لا يملك أي شيء قبل تغيير النظام في 2003 إلى ملياردير، وهناك كثير من هذه النماذج وهناك وثائق تؤكد حجم أرصدتهم بالمصارف وعقارات في عواصم عربية وغربية، ترى هل هذا يحتاج إلى أي وثائق عن فساده؟
- لكن القضاء لا يمكن أن يتعامل مع الأمور إلا من خلال الدليل الواضح. هناك رقابة شعبية ورقابة برلمانية، لكني أعود وأقول إن القضاء، كما أعتقد، لا يتعامل إلا مع الدليل القاطع. لكني أنا بالفعل عندما أقيس ما كان عليه بعض الأشخاص سابقا وما آلت إليه أحوالهم المادية حاليا فإن هذا يدعوني لأطرح جملة من التساؤلات.
* لكنّ المتظاهرين في عموم محافظات العراق يرفعون لافتات بأسماء الفاسدين وشبه وثائق تدينهم، هل تردون عليهم بأن هذه مهمة القضاء؟ هم يقولون إن القضاء العراقي فاسد وطالبوا بتغييره.. كيف تردون عليهم؟
- نحن بالفعل في حيرة، ويغلب القول علينا بأننا لسنا ضمن دولة تحكمها المؤسسات والقوانين والنظام، إنما غلبت معايير من لديه السطوة والقوة، وهو الذي يستطيع أن يؤثر في النهاية على القرارات.
* لنتحدث عن المتظاهرين الذين يخرجون إلى ساحات المدن العراقية وضمنها ساحة التحرير وسط بغداد منذ ثلاثة أشهر، هل تستمعون إليهم؟ هل تصغون لمطالبهم؟ هل تعتقدون أن مطالبهم مهمة؟ هل ناقشتم هذه المطالب تحت قبة البرلمان؟
- هناك اهتمام كبير بمطالب المتظاهرين من قبل مجلس النواب، وقد عرضناها على لجان برلمانية وتمت مناقشتها بجلسة خاصة، أنا التقيت بهم مباشرة وتحدثنا مع رئيس الوزراء، بالتأكيد هم يتحدثون عن مشكلات تحتاج إلى فترة طويلة لمعالجتها لأنها مشكلات متراكمة وليست مرتبطة بقرار ليتم إصلاحها، وحزم الإصلاح التي تم وضعها لم تصل إلى حد إقناعهم بأن هناك تغييرا جوهريا وأساسيا.
* هل فكرتم في زيارة ساحة التحرير واللقاء مباشرة بالمتظاهرين مثلا؟
- المتظاهرون وضعوا منذ البداية شرطا بعدم مشاركة المسؤولين في هذه المظاهرات، ثم إننا لسنا بصدد القيام باستعراضات في ساحة التحرير، نحن بحاجة إلى القيام بإجراءات وليست زيارة ساحات التظاهر والتقاط صور تؤكد هذه الزيارات.
* ما حقيقة محاولات سحب الثقة منكم كرئيس لمجلس النواب على خلفية زيارتكم لقطر؟ وهل من المعقول المطالبة بسحب الثقة من رئيس البرلمان لأنه قام بزيارة دولة عربية؟
- في هذا الصدد صارت هناك ملابسات سجلت بالفعل انطباعا سلبيا في وقتها، لكن هناك من روج أنهم جمعوا كثيرا من التواقيع لسحب الثقة مني، وفي واقع الحال كانت هناك بضعة تواقيع، والحدث برمته إعلامي وإثارة وعملية ضغط تتنافى مع مبادئنا، نحن من المفروض أن نبني علاقات جيدة ومتينة مع الدول العربية ونعود إلى وجودنا العربي وقوتنا وتأثيرنا في المحيط العربي، لكن للأسف هناك أمزجة سياسية غلبت على الموضوعية والنيات لم تكن حقيقية.
* في هذا الصدد، هل أنتم مقتنعون بطبيعة العلاقات التي تربط العراق بالدول العربية؟ وكيف تتمكنون من إصلاح الخراب الذي حدث في هذا المجال؟
- العلاقات لا نزال تحتاج إلى ترميم. العلاقة كانت مغلقة وغير مشرعة للتعامل مع غالبية دول الخليج العربي، والحكومة العراقية حاولت أن تفتح الأبواب بعد أن لقي تشكيلها ترحيبا واسعا من قبل الدول العربية عامة والخليجية خاصة، لكن ما كان الاهتمام من قبل الحكومة العراقية بالشكل المطلوب الذي يحفز الدول العربية للتفاعل مع هذا الانفتاح. هناك مؤتمر قمة في السعودية سيحضره السيد رئيس الجمهورية، فؤاد معصوم، لعل هذا المؤتمر يعطينا فرصة لإعادة العلاقات لما كانت عليهـ بل أفضل من الآن.
* جمهوركم (العرب السنة) الذين أوصلوكم إلى مناصب قيادية غاضب عليكم ويعتقد أنكم ما عدتم تهتمون به، فهناك آلاف المهجرين وغالبية كبيرة من السنة معتقلون، وحسب ما يقولون فإنهم معتقلون لمجرد أنهم من العرب السنة، وخصوصا في محافظة ديالى التي تنحدرون منها، كما يشعرون بالظلم في توزيع الوظائف الحكومية والدبلوماسية وفي القوات المسلحة والأجهزة الأمنية.. هذا ما يرددونه باستمرار، ترى كيف تستطيعون مواجهتهم؟
- هم لهم الحق في ما يرون. غالبية العراقيين مصدومون لما تحقق من قبل الحكومة والبرلمان قياسا إلى ما كانوا يتوقعونه، لكن المحافظات التي سيطر عليها «داعش»، وبعضها تم تحريرها ثم دخلتها الميليشيات المسلحة، أبناء هذه المحافظات كانوا يتوقعون أن هناك شراكة فعلية وعودة كاملة للنازحين من هذه المناطق، ولكن هذا لم يتحقق للأسف. نحن باشرنا على مستوى إعادة السكان إلى مدنهم، فعلى مستوى محافظة صلاح الدين عاد 20 ألف عائلة من أصل 23 ألف عائلة، وفي محافظة ديالى عاد ما نسبته 90 في المائة من العوائل النازحة إلى مناطقهم، وبعض المناطق نجري الآن مفاوضات بصدد عودتهم، ليس فقط إعادتهم إلى مناطقهم، ولكن نعمل أيضًا على توفير المناخ الآمن لهم. الأمر يحتاج إلى وقت أطول وقرارات أوسع، وهناك تحديات كبيرة بهذا الصدد، الفرص الأمنية والاقتصادية أيضًا تعيقنا في هذا الجانب.
* وماذا عن المعتقلين الذين لم يتم التحقيق معهم أو محاكمتهم منذ سنوات طويلة؟
- القضاء يتحمل مسؤولية ذلك، ليست هناك أعداد كافية من قضاة التحقيق، ونحن بذلنا جهودا كبيرة جدا في هذا الملف، ونحن لنا تقييمنا الخاص بمؤسسة القضاء التي تحتاج إلى إصلاحات واسعة.
* هل تعتقدون أن المتظاهرين على حق عندما يتهمون القضاء العراقي بالفساد؟
- هناك من المؤشرات ما يدل على ذلك.
* ذكرتم قبل قليل أن هناك أمزجة داخل البرلمان، هل ما زالت هذه الأمزجة تتحكم بعمل مجلس النواب وتؤثر في عملية إصدار القوانين والتشريعات؟
- أنتم تعرفون أن مجلس النواب العراقي يتكون من محاور ومراكز قوى ومنطلقاتها سياسية ومؤثرة، نتحدث عن الكتلة الأكبر في البرلمان، وهي كتلة رئيس الوزراء، التحالف الوطني، لا منهج ولا توجه خاصا بها.
* وهل يقف هذا عائقا أمام إصدار القوانين؟
- لا لم يستطيعوا، في الفترة التي عملنا وما زلنا نعمل بها لم نسمح بسحب عمل مجلس النواب إلى الجانب السياسي والتشريع، فالشيعة والسنة يصوتون اليوم على التشريعات ويتفقون على محاسبة الحكومة.
* يشهد لكم بالإدارة الحازمة في رئاسة مجلس النواب، لكن ما إمكانياتكم في التأثير من أجل عدم إضاعة الفرص بسبب التناحر السياسي لإصدار القوانين المهمة؟
- العامل المؤثر في التشريعات هو التصويت، حتى لرئيس مجلس النواب صوت واحد، والموضوع ليس قرارا إداريا، بل إن هناك مفاوضات واتفاقات نجريها، ولهذا استطعنا أن نشرع قانون الأحزاب والاستثمار، ونحن على وشك إنجاز قانون المحكمة الاتحادية وقانون الحرس الوطني، كما أننا صادقنا على ميزانية 2016 في فترة قياسية، ولو استطعنا تشريع قانونها قبل نهاية العام الحالي فسنحقق سبقا، إذ سيتم لأول مرة إنجاز قانون الموازنة قبل بداية العام القادم، وشرعنا قوانين كانت معطلة في السابق.
* العراقيون قلقون على خبزهم مثلما يقولون، على رواتبهم وهي مصدر معيشة غالبية العراقيين، ووزير المالية هوشيار زيباري وصف العام المقبل بأنه سيكون أسوأ عام من الناحية الاقتصادية، كيف تنظرون إلى هذا الموضوع؟
- يعني مجموع رواتب الموظفين هو مليار دولار، والشعب غير معني بالتقشف الذي تفرضه الحكومة على الموظفين، وعلى الحكومة إيجاد الوسائل اللازمة لتوفير الرواتب. هناك قروض ميسرة وعلاقات مع دول بإمكانها دعم العراق. نحن لسنا أول دولة تمر بمثل هذه الظروف، بل إن هناك دولا مرت بظروف أكثر صعوبة، لكن التحرش برواتب الموظفين سيعرض الأوضاع للانهيار ويخلق حالة من عدم الثقة، وهذه قضايا مهمة ولا يمكن تعويضها إذا انهارت، أعني الثقة، حتى إذا حصلنا على المال اللازم فلن نستطيع تعويض الثقة بين الجمهور وصانع القرار.
* هناك داخل كتلتكم، اتحاد القوى، صراع سني - سني، ترى كيف تحوزون على ثقة جمهوركم وأنتم تعيشون هذه الصراعات؟
- نعم، هناك صراع ولكن الآن خفت حدته، وأصبح اتحاد القوى فريقا واحدا يجتمعون على رأي واحد سواء على مستوى النواب أو الوزراء أو الشخصيات السياسية، المهم ليست هناك أقطاب داخل الوسط السني كما هي الآن ظاهرة في الوسط الكردي أو الوسط الشيعي.
* هل بالفعل السياسيون السنة يضعون قدما مع الدولة وأخرى في معارضتها؟
- في نظريتي أقول إن السنة إذا أرادوا أن يحافظوا على وجودهم فلا بد من أن يحافظوا على وجود الدولة، هذه نقطة أساسية. السنة ليسوا معارضين للدولة، وما كان يقال من أنهم فريقان، فريق في المعارضة وفريق مع الدولة، غير صحيح. نحن جزء من الدولة، ونريد أن نجعل الدولة تحترم الإنسان، دولة بلا ميليشيات مسلحة وبلا تهميش وإنما يتساوى تحت خيمتها الجميع، هذا ما نعتقد أنه مناسب، ونرفض أية عملية حمل سلاح من قبل أية مؤسسة سياسية، وأنا من دعاة مركزية رئيس الوزراء، والصلاحيات التي يتمتع بها كقائد عام للقوات المسلحة والتركيز على الأطراف أو الشخصيات المهنية التي يمكن أن يستفيد منها.



إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)

وسّع الجيش الإسرائيلي موجة إنذارات الإخلاء إلى السفح الغربي لجبل الشيخ، في تمدد غير مسبوق باتجاه منطقة حدودية مع سوريا لم تكن محتلة منذ العام 1985 في جنوب شرقي لبنان، وهو ما أثار موجة أسئلة عن خريطة الحركة الجديدة التي لا تقتصر على تقييد عودة السكان فحسب، بل تعيد توجيه ثقلها العملياتي نحو الشرق.

ويشير ضم الجيش الإسرائيلي لبلدة عين عطا ضمن تمددها إلى جبل كريستوباني، وهي تسمية إسرائيلية مستحدثة للمنطقة، إلى أن المعركة لم تعد محصورة في الجبهة الجنوبية التقليدية، بل تتجه تدريجياً إلى اختبار محاور بديلة باتجاه الحدود مع سوريا، قد تعيد رسم خطوط الاشتباك. وبدل أن تتحول الهدنة إلى مساحة استقرار، تبدو مرحلة لإعادة التموضع، وتقوم على ضبط الأرض جنوباً، وفتح احتمالات التصعيد شرقاً.

خريطة نشرها الجيش الإسرائيلي للمنطقة الحدودية مع لبنان (الجيش الإسرائيلي)

وعين عطا، تتبع إدارياً قضاء راشيا في محافظة البقاع، وتقع على مرتفع استراتيجي على الجانب اللبناني من سفح جبل حرمون، وهي منطقة اتصال بين الأراضي اللبنانية والأراضي السورية التي احتلتها إسرائيل في العام الماضي في شمال القنيطرة، وتشرف في لبنان على عمق استراتيجي يربط البقاع بالجنوب.

محررة منذ 1985

ويضع مصدر نيابي لبناني هذا التصعيد بالتحذيرات في إطار مختلف، معتبراً في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أنّها «تندرج ضمن الضغط الذي يستهدف كل اللبنانيين، عبر توسيع رقعة القلق، وزرع حالة دائمة من الترقّب، والخوف»، مضيفاً: «إنّ المشروع التوسعي الإسرائيلي لا يستثني أحداً من حيث الاستهداف».

ويوضح المصدر أنّ إدراج عين عطا ضمن هذه التحذيرات «يثير تساؤلات جدية، لا سيما أنّ البلدة ليست من القرى التي خضعت للاحتلال في مراحل التسعينات، بل تُعدّ محرّرة منذ عام 1985»، مشدداً على أنّ «الحديث عنها بهذا الشكل يفتقر إلى الدقة، سواء من الناحية التاريخية، أو الميدانية».

أطفال يلهون في سيارة مدمرة بجنوب لبنان العام 1983 (متداول)

تبدّل في التفكير العملياتي

في قراءة أوسع لهذه المؤشرات، يضع رئيس «مركز الشرق الأوسط للدراسات» العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر هذا التصعيد ضمن سياق تحوّل في المقاربة العسكرية الإسرائيلية. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ «الحديث عن منطقة جنوب عين عطا لا يمكن فصله عن القراءة العسكرية لطبيعة السيطرة النارية والاستكشافية التي يؤمّنها جبل الشيخ»، موضحاً أنّ «جبل الشيخ يوفّر إشرافاً بالنار والاستطلاع يمتد إلى البقاع الغربي، ومناطق واسعة من الجنوب».

ويشير إلى أنّ «إسرائيل بعدما لم تنجح في تحقيق تقدّم حاسم في الجنوب، بدأت تبحث عن محاور بديلة، من بينها البقاع الغربي، ومنطقة عين عطا تحديداً، لما لهذه المنطقة من أهمية عملياتية»، لافتاً إلى أنّ «هذا المحور كان مطروحاً سابقاً كخيار لهجوم بري محتمل، خصوصاً أنّ التقدّم من الجنوب أثبت تعقيداته الميدانية».

جرافات إسرائيلية معززة بدبابات عسكرية تنفذ أعمال هدم داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

ويضيف أنّ «السيناريو الأكثر ترجيحاً كان، ولا يزال، يعتمد على اختراق من جهة البقاع الغربي، نظراً لخصوصية هذه المنطقة من حيث الطبيعة الجغرافية والديموغرافية، فهي أقل تعقيداً من الجنوب، وأرضها أكثر انفتاحاً، ما يسهّل العمليات العسكرية».

توسعة بالتحذيرات

وتتزامن التحذيرات مع استمرار تمركز القوات الإسرائيلية خلال فترة وقف إطلاق النار، وتشمل طيفاً واسعاً من القرى، من الناقورة في جنوب غربي لبنان، إلى مرجعيون وكفرشوبا وعين عطا شرقاً، مروراً ببلدات محورية، مثل بنت جبيل، والخيام، وميس الجبل، إضافة إلى مناطق حيوية كنهر الليطاني ووادي السلوقي. وعلى الأرض، تتقاطع هذه الإنذارات مع معطيات ميدانية تشير إلى استمرار تمركز القوات الإسرائيلية داخل بعض النقاط، ما يحوّل الهدنة عملياً إلى مساحة ضبابية بين وقف النار واستمرار السيطرة.

وتتقدم منطقة عين عطا في هذه القراءة بوصفها نقطة مفصلية في أي سيناريو عسكري محتمل. ويشدّد جابر على أنّ «منطقة جنوب عين عطا تشكّل نقطة مفصلية في أي حسابات عسكرية، كونها مفرق طرق يربط بين البقاع الغربي وراشيا وحاصبيا والجنوب، وبالتالي فإن السيطرة عليها تفتح مسارات متعددة لأي تقدّم عسكري»، معتبراً أنّ «أهميتها تكمن في كونها عقدة مواصلات تتيح الانتقال نحو عدة اتجاهات في وقت واحد».

نازحون يعبرون جسراً مدمراً في طريق العودة إلى منازلهم في قرية طير فلسيه في جنوب لبنان (أ.ب)

ويشير إلى أنّ السيطرة عليها تتيح التحرك شرقاً نحو عمق البقاع، وجنوباً نحو حاصبيا والعرقوب، وغرباً باتجاه القرى الأساسية في البقاع الغربي، ما يمنح أي قوة مهاجمة مرونة عالية في المناورة، والتحكم بخطوط الإمداد». ويقول إنّ «التركيبة الديموغرافية المختلطة في هذه المنطقة تجعلها، عسكرياً، أكثر رخاوة من بيئة الجنوب».

ويرى أنّ «هذا السيناريو، في حال تحقّق، قد يؤدي إلى فصل البقاع الشمالي عن الجنوب، ما يغيّر موازين المعركة بشكل جذري، ويضع القوى المدافعة أمام تحديات لوجستية وميدانية أكثر تعقيداً».

الأهداف تتجاوز الميدان

لا يقتصر هذا التحوّل، وفق جابر، على البعد العسكري، بل يتعداه إلى أهداف سياسية واضحة. ويرى أنّ «إسرائيل، في حال دخلت واحتلت نقاطاً في هذه المنطقة، قد تتكبّد خسائر، لكنها تراهن على استخدام هذا التقدّم ليكون ورقة ضغط، ولفرض شروطها السياسية على لبنان، خصوصاً فيما يتعلق بسلاح (حزب الله) وترسيم الحدود». ويضيف أنّ «الهدف من أي تحرّك عسكري إسرائيلي لا يقتصر على المكاسب الميدانية، بل يتجاوزها إلى تحقيق أهداف سياسية، أبرزها الضغط على الدولة اللبنانية لفرض وقائع جديدة، سواء لجهة سلاح (حزب الله)، أو إعادة ترتيب الحدود الجنوبية».


ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
TT

ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)

لم تمر وفاة الطبيب المصري ضياء العوضي في دولة الإمارات قبل بضعة أيام مرور الكرام، فالجدل دائر منذ أشهر حول شخصيته و«نظريته» التي يروج لها برفض العلاج عبر الأدوية التقليدية والاعتماد على نظام غذائي أطلق عليه «الطيبات».

ورغم تأكيد محاميه أن الوفاة «طبيعية»، وصدور بيان من وزارة الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، الثلاثاء، ذكر أن الوفاة التي حدثت في أحد فنادق مدينة دبي «جاءت طبيعية، ولا توجد أي شبهات جنائية، وجاءت بسبب جلطة مفاجئة بالقلب»، فإن ملابسات الواقعة تحولت إلى مادة جدل واسع على منصات التواصل الاجتماعي.

فالعوضي عُرف بآرائه المثيرة للجدل، مثل التحذير من تناول الأطفال الذكور الدواجن بزعم تأثيرها على «الرجولة»، وتفضيل الإفطار بـ«النوتيلا» على الأطعمة التقليدية مثل الفول، والدعوة إلى استهلاك كميات كبيرة من السكر يومياً، إلى جانب التحذير من الخضراوات رغم قيمتها الغذائية المعروفة.

العوضي عُرف بالترويج لما سمّاه «نظام الطيبات» رافضاً العلاج بالأدوية التقليدية (لقطة من لقاء تلفزيوني أجراه معه الإعلامي محمود سعد)

ولا تزال صفحات مؤيدة له تضم آلاف المتابعين تعيد نشر مقاطع له وتدافع عن منهجه في التغذية، ومن بين هؤلاء مدوِّنة تُدعى رشا حجازي، قالت إن الطبيب الراحل طوّر ما يُعرف بـ«دايت الأرز» الذي وضعه الطبيب الألماني - الأميركي والتر كيمبنر.

غير أن الطبيب والإعلامي المصري الدكتور خالد منتصر روى تفاصيل موقف وحيد جمعه مع العوضي، عبر منشور على «فيسبوك»، حين علّق الراحل بشكل عدّه منتصر «غير طبيعي» وحذره من «أكل البطيخ» مظهراً «ثقة زائدة»، ولفت منتصر إلى أن «تحويل الطبيب العوضي إلى تريند» على مواقع التواصل أسهم في «زيادة حضوره الإعلامي».

وشدد منتصر على أن الوفاة لا تنفي حق نقد «الآراء الطبية غير العلمية»، مؤكداً أن «توصية الطبيب الراحل بوقف الإنسولين أو مثبطات المناعة أو الكورتيزون بشكل مفاجئ يُعد جريمة طبية»، محذراً من أن ذلك يكرّس الجهل ويغذي من وصفهم بـ«سماسرة الوهم».

اتهامات وشطب عضوية

في السياق ذاته، أشار الدكتور أسامة حمدي، أستاذ الباطنة والسكر بجامعة هارفارد الأميركية، إلى ما وصفها بـ«أخطاء طبية جسيمة» نُسبت إلى الطبيب الراحل، تمثلت في الترويج لعلاج مرض السكري بزيادة تناول السكر، والدعوة إلى وقف الإنسولين حتى لمرضى النوع الأول، إضافةً إلى وقف الكورتيزون عن مرضى يعتمدون عليه.

وأوضح أن هذه الممارسات، وفق روايات طبية، أدت إلى مضاعفات خطيرة بينها حالات تسمم كيتوني ووفاة سيدة، محذراً من خطورة تجاهل الأسس العلمية في علاج الأمراض المزمنة، حسب منشور عبر صفحته على «فيسبوك».

وفي مارس (آذار) الماضي، قررت نقابة الأطباء المصرية شطب عضوية العوضي، بعد اتهامه بنشر معلومات طبية مضللة وغير مدعومة علمياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدةً أن هذه الممارسات قد تمثل تهديداً مباشراً لصحة المواطنين.

كما شملت الاتهامات الترويج لأساليب علاجية غير معتمدة علمياً في التعامل مع بعض الأمراض المزمنة، وهو ما عدّته لجنة التأديب بالنقابة إخلالاً جسيماً بأصول المهنة وقواعدها الأخلاقية والمهنية.

ويعتقد الدكتور وسام إبراهيم حمودة، استشاري ورئيس قسم جراحات التجميل والحروق بجامعة بنها، أن «الأدوية العشبية والمنتجات الطبيعية قد تلعب دوراً في الوقاية من بعض الأمراض، إلا أن فاعليتها في العلاج أو تسريع التعافي لا تزال بحاجة إلى أدلة علمية حاسمة».

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «حسم هذا الجدل يتطلب جهوداً بحثية جادة تقودها مؤسسات علمية وشركات دواء عربية، لإنتاج دراسات موثوقة قادرة على الفصل في هذا الملف، في ظل غياب يقين علمي نهائي حتى الآن».

«منظومة مصالح» أم «منظومة تغذية»؟

ووسط الجدل الدائر حول منهجه، قال مصطفى ماجد، محامي العوضي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن ملابسات وفاة موكله تواكبت مع انقطاع التواصل مع أسرته قبل أيام. لكنه أكد أن سبب الوفاة «لا تتوفر به أي شبهة جنائية»، مشيراً إلى أنه تلقى إخطاراً هاتفياً من السلطات المصرية يفيد بأن «التحقيقات الجارية في الإمارات عزت سبب الحقيقي للوفاة إلى أزمة قلبية». وهو ما أوضحته وزارة الخارجية في بيان الثلاثاء.

وسبق أن وجّه وزير الخارجية، بدر عبد العاطي، القنصلية المصرية في دبي بـ«التواصل المستمر مع السلطات الإماراتية المختصة للوقوف على ملابسات الواقعة، ومتابعة الإجراءات ذات الصلة»، إلى جانب سرعة إنهاء الإجراءات اللازمة لنقل الجثمان إلى مصر.

المحامي مصطفى ماجد (صفحته الرسمية)

ورغم الإعلان لم ينقطع الجدل، إذ كتب أحد متابعيه، ويدعى علي محمد، معبّراً عن قناعته بأن العوضي واجه ما وصفها بـ«منظومة مصالح» داخل القطاع الطبي تشمل أطباء ومعامل وشركات أدوية. وزعم أن هذه المنظومة تستفيد من المرضى عبر الإكثار من الوصفات الطبية والفحوص، وترتبط بعلاقات دعائية وتسويقية مع شركات الأدوية.

غير أن هذه الفرضية يرفضها الدكتور أسامة حمدي الذي رأى أن وقوع الوفاة نتيجة «جلطة قلبية مفاجئة» كان «أمراً متوقعاً»، وكتب في منشور عبر حسابه في «فيسبوك»: «مع الأسف، لقد توقعت تماماً ما حدث له حين رأيت نحافته الشديدة والمستمرة، وفقدانه الشديد لعضلات فخذيه، وشحوب وجهه وتوتره، نتيجة لنظام غذائي صارم ينتهجه، ويمنع عنه -عن عمد- كثيراً من الفيتامينات والأملاح المعدنية، وكثيراً من الأحماض الأمينية المهمة للعمليات الحيوية في الجسم، مع استمراره في التدخين بشراهة رغم التحذيرات المعروفة والمثبتة علمياً».

رأي خبراء الاجتماع

ويُبدي علماء اجتماع شكوكاً في أن هذا الجدل يحمل قدراً مما يُعرف بـ«الافتعال الإعلامي»، وهي أيضاً رؤية الدكتور سعيد صادق، أستاذ الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية، الذي لفت إلى أن العوضي «لم يكن لديه منتج علمي أو طبي ملموس يبرر فرضيات الاستهداف أو المؤامرة، مثل حالات شهيرة لعلماء في عالمنا العربي».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الانشغال الواسع بالقضية يعكس خللاً في ترتيب أولويات النقاش العام، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية التي يواجهها المواطن المصري»، مضيفاً أن «تضخم مثل هذه القضايا يرتبط بطبيعة الإعلام الرقمي وسعي بعض الصفحات وراء (التريند) لما يحققه من عوائد سريعة».

وانتهى إلى أن «ثورة السوشيال ميديا أعادت تشكيل بيئة الإعلام، وأصبح البحث عن الانتشار هدفاً رئيسياً لدى كثير من المنصات»، مؤكداً أن ذلك يؤدي إلى تضخيم قضايا هامشية على حساب ملفات أكثر أهمية وتأثيراً في المجتمع.


قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
TT

قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

صعّدت الجماعة الحوثية من حملات القمع والاعتقالات في محافظة إب، في تطور يعكس تشديداً في القبضة الأمنية على واحدة من أعلى المحافظات اكتظاظاً بالسكان وأكبرها رفضاً لسلطة الجماعة الانقلابية، وذلك بالتزامن مع تحويل منشآت مدنية سجوناً سرية.

في هذا السياق، كشفت مصادر حقوقية عن استحداث الجماعة ما لا يقل عن 14 سجناً سرياً داخل منشآت مدنية وعسكرية في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، بينها مرافق رياضية وثقافية، في وقت ارتفع فيه عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، بينهم ناشطون وتربويون وشباب، في سياق حملة تستهدف كبح أي تحرك مجتمعي معارض.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن هذه الحملة تأتي ضمن استراتيجية أمنية أوسع تهدف إلى إحكام السيطرة على المحافظة التي ظلت، خلال السنوات الماضية، بؤرة احتجاجات صامتة ومفتوحة ضد ممارسات الجماعة، خصوصاً في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وغياب الخدمات الأساسية.

وتفيد مصادر حقوقية بأن ما يسمى «جهاز استخبارات الشرطة»، الذي يقوده علي الحوثي، نجل مؤسس الجماعة، يقف وراء موجة اعتقالات جديدة طالت أكثر من 40 شاباً في مركز المحافظة وأريافها خلال الأسابيع الأخيرة. وبذلك يرتفع عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، في ظل اتهامات فضفاضة تتعلق بدعم الحكومة الشرعية أو معارضة سلطة الجماعة.

أكثر من مائة معتقل يمني في إب دون تهم واضحة خلال العام الماضي (إعلام محلي)

وأكدت منصة «ضمير»، المعنية بتوثيق قضايا المعتقلين والمُخفَين قسراً، أنها رصدت نحو 150 حالة اختطاف خلال العام الماضي والربع الأول من العام الحالي، «ضمن خطة أمنية منظمة تستهدف وأد أي نشاط مجتمعي مناهض».

ولفتت إلى أن هذه العمليات لا تجري عشوائياً، بل وفق آلية تبدأ بـ«الرصد والمتابعة، ثم تنفيذ مداهمات ليلية، تنتهي باقتياد المستهدفين إلى أماكن احتجاز سرية، دون أوامر قضائية».

وتركز الحملة، وفق تقرير المنصة، على فئات محددة في المجتمع، في مقدمتها المدرسون والناشطون المجتمعيون، «خصوصاً في فترات تشهد تصاعداً في الغضب الشعبي أو قبيل المناسبات الوطنية، حيث يُخشى من تحول هذا السخط احتجاجاتٍ ميدانية».

سجون سرية

من أبرز ما كشفت عنه المصادر الحقوقية استخدام الجماعة الحوثية منشآتٍ مدنيةً، بينها مرافق رياضية وثقافية، مراكزَ احتجاز سرية، في خطوة تعكس توسعاً في البنية الأمنية غير الرسمية.

وتشمل هذه المواقع أجزاء من معسكرات، مثل «معسكر الحمزة» في منطقة ميتم، و«معسكر القوات الخاصة» بمنطقة شبان، و«معسكر اللواء55» في مديرية يريم، إلى جانب مبانٍ أخرى توصف بأنها «بيوت آمنة».

كما جرى توسيع سجن المخابرات المعروف باسم «الأمن السياسي»، ليضم أعداداً متصاعدة من المعتقلين، وسط تقارير عن استخدام أساليب تعذيب لانتزاع اعترافات، في ظل غياب أي رقابة قضائية أو حقوقية.

تحويل منشآت رياضية في إب سجوناً حوثية سرية للنشطاء (إعلام محلي)

ويثير تحويلُ المنشآت المدنية أماكنَ احتجازٍ مخاوفَ واسعة من تآكل ما تبقى من البنية المدنية في المحافظة، فضلاً عن تداعيات ذلك على الحياة الاجتماعية والثقافية، إذ كانت إب تُعرف قبل سنوات بأنها «عاصمة السياحة» في اليمن.

على وقع هذه التطورات، أعلنت منصة «ضمير» ما سمتها «قائمة العار»، التي تضم قيادات حوثية قالت إنها مسؤولة بشكل مباشر عن إدارة السجون السرية وحملات القمع في إب. وتهدف هذه الخطوة، وفق المنصة، إلى وضع هؤلاء تحت طائلة المساءلة القانونية مستقبلاً.

وتضم القائمة هادي الكحلاني، المعين مديراً لأمن المحافظة، ونائبه حميد الرازحي، ورئيس فرع ما يسمى «جهاز الأمن والمخابرات»، زيد المؤيد، إضافة إلى عدد من القيادات المحلية المتهمة بتنفيذ الاعتقالات والتغطية على الانتهاكات، من بينهم بكيل غلاب ويحيى القاسمي وعبد الباري الطالبي وأشرف الصلاحي.

وتشير المصادر إلى أن بعض هؤلاء يلعبون أدواراً مزدوجة، تجمع بين العمل الأمني والاستفادة المالية من ملف المعتقلين، عبر شبكات وساطة تبتزّ أسر الضحايا مقابل وعود بالإفراج، غالباً ما يتبين لاحقاً أنها زائفة.

اقتصاد الابتزاز

وفق شهادات حقوقية، تحوّل ملف المعتقلين في إب مصدرَ دخلٍ غير مشروع لبعض المتنفذين، حيث تُفرض على الأسر مبالغ مالية كبيرة مقابل تسهيلات مزعومة أو وعود بالإفراج. وفي كثير من الحالات، يُشترط على الأسر عدم التواصل مع وسائل الإعلام أو المنظمات الحقوقية.

ويرى ناشطون أن هذه الممارسات تعكس ما يصفونه بـ«نظام رهائن»، حيث يُعتقل الأفراد ليس فقط لأسباب سياسية، بل أيضاً لأغراض مالية أو نتيجة وشايات كاذبة. ويشمل ذلك مدرسين يطالبون برواتبهم، وشباباً يشاركون في فعاليات وطنية، وحتى أطباء وناشطين مدنيين.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك رشاشاً على متن عربة عسكرية (إ.ب.أ)

وفي ظل هذه التطورات، تتصاعد الدعوات من قبل ناشطين ومنظمات حقوقية إلى ضرورة تحرك عاجل من المجتمع الدولي لمحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات. ويؤكد هؤلاء أن تحويل المنشآت المدنية سجوناً سرية، وممارسة التعذيب، والإخفاء القسري، كلها تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.

كما يطالبون بفتح تحقيقات مستقلة، وضمان وصول المنظمات الدولية إلى أماكن الاحتجاز، والإفراج الفوري عن جميع المعتقلين دون تهم واضحة، ووضع حد لسياسات القمع التي تستهدف المجتمع المحلي في إب.

ويرى مراقبون أن ما يجري في محافظة إب يمثل نموذجاً مصغراً لسياسات أوسع تتبعها الجماعة في مناطق سيطرتها، حيث تُستخدم الأدوات الأمنية لإدارة المجتمع بالقوة، في ظل غياب مؤسساتِ الدولة وسيادةِ القانون.