رئيس البرلمان العراقي لـ {الشرق الأوسط}: الظرف لا يسمح بإقالة العبادي

الجبوري أكد أن صيغة إلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية ونواب رئيس الوزراء لم تكن قانونية

سليم الجبوري ({الشرق الأوسط})
سليم الجبوري ({الشرق الأوسط})
TT

رئيس البرلمان العراقي لـ {الشرق الأوسط}: الظرف لا يسمح بإقالة العبادي

سليم الجبوري ({الشرق الأوسط})
سليم الجبوري ({الشرق الأوسط})

يحتار الصحافي عندما يريد أن يحاور مسؤولا عراقيا كبيرا يشغل منصب رئيس مجلس النواب في اختيار بداية الحديث، وذلك لتشابك الخيوط واختلاط الأمور وتعدد الأزمات، من اقتصادية وأمنية وسياسية وخدمية.
المسؤولون العراقيون محاصرون بين مطالب المتظاهرين وبين الحرب ضد تنظيم داعش وحزم إصلاحات حيدر العبادي رئيس الوزراء وتشابك واختلاف الإدارات والمصالح الحزبية تحت قبة البرلمان وغرق ما نسبته 60 في المائة من مساحة بغداد وبقية المدن بمياه الأمطار.
إزاء هذا يفضل غالبية المسؤولين العراقيين التزام الصمت الإعلامي والاقتصار على إطلاق التصريحات منفردين دون الدخول في مغامرة إجراء حوار صحافي قد يجرهم إلى مناطق لا يرغبون في الدخول إليها أو الحديث عنها.
سليم الجبوري، رئيس مجلس النواب العراقي، تحدث في حوار مطول بعد صمت إعلامي طويل لـ«الشرق الأوسط» ببغداد حول إصلاحات العبادي ودستورية إقالة نواب رئيسي الجمهورية والوزراء، مرورا بالأزمات المتعددة التي يعيشها العراق. وفي ما يلي نص الحوار:
* نبدأ من القرار الأخير لمجلس النواب والقاضي بسحب تخويله لرئيس الوزراء حيدر العبادي لإجراء الإصلاحات.
- كان مجلس النواب قد فوض رئيس الوزراء للقيام بجملة من الإصلاحات التي تخدم الشارع العراقي، وقيد هذا التخويل باحترام الدستور والقانون، لا أنكر أن بعض ما صدر (من العبادي) فيه ابتعاد حتى عن السياق الدستوري وكأن هناك تفويضا لرئيس الوزراء بأن يتصرف بصلاحيات مجلس النواب، بالنسبة إلينا هذا لم يكن موجودا أصلا، نحن لم نعطه هذا التخويل لكنه فهم بهذه الطريقة، وأردنا أن نؤكد مبدأ أساسيا وهو أن صلاحيات مجلس النواب لا يمارسها إلا مجلس النواب ولا يحق لأي سلطة تنفيذية أو قضائية أن تمارس صلاحيات مجلس النواب، فضلا عن أن ما صدر من قرارات (من قبل العبادي) كان يشوبها شائبة من جهة مطابقتها للدستور والقانون، لا نريد أن يوجد فرد أو سلطة تبيح لنفسها التجاوز على الآخرين، هذا ما أردنا تأكيده، أن لا سلطة تبيح لنفسها التجاوز على بقية السلطات، لكل سلطة صلاحياتها القانونية والدستورية تمارسها وهي المعنية بها وتحاسب عليها.
* هل هذا يعني أنكم غير مؤمنين أو موافقين على الإصلاحات التي قام بها العبادي؟
- في قناعتي أن الإصلاحات لم تكن في المستوى الذي يجب أن تكون عليه. صحيح أن الظرف الاقتصادي ضاغط والتحديات كبيرة أمام رئيس الوزراء، وهناك عقبات بعضها سياسي وبعضها اقتصادي، إضافة إلى التحديات الأمنية. لكن في قناعتي لا يمكن لأي طرف أن يمضي بالإصلاحات منفردا عن الآخرين.. للأسف حصل ذلك.
* رئيس الوزراء «ألقوه في اليم مكتوفا وقالوا له إياك إياك أن تبتل بالماء»، وحسب تصريحاته والوقائع فإنه محاصر بتقييدات دستورية، ومقيد من قبل كتل سياسية أخرى وحتى من قبل حزبه (الدعوة) وكتلته (ائتلاف دولة القانون) وتحديات (داعش)، ومثلما ذكرتم الضغوط الاقتصادية.. فكيف يتمكن من إجراء الإصلاحات باعتقادكم؟
- بالتأكيد هناك قيود موجودة، لكنه (العبادي) هو جزء من هذه التركيبة التي ينبغي أن يأخذها في الاعتبار وأن لا يمضي إلى الأمام إلا بعد أن ينظر إلى من حوله. هناك ثلاثة قيود أو ثلاثة أطواق مهمة ينبغي أن لا يكسرها أو يتجاوزها أي شخص يريد القيام بالإصلاحات سواء كانت مؤسسة أو شخصا، أولا طوق الأطراف السياسية الذي تجاوزه السيد العبادي في بداية عمله بنظرية الإصلاح وكل ما قام به أنه ألقى بحزم الإصلاح داخل مجلس النواب حتى أنه (العبادي) لم يحضر حتى الآن إلى مجلس النواب ليسوق إجراءاته في نظرية الإصلاح، أنا شخصيا كنت مع تصويت مجلس النواب لحزم الإصلاحات، المجلس صوت احتراما للجمهور العراقي وللتوجه ولمبدأ الإصلاحات. أما الطوق الثاني فهو الجمهور العراقي الذي المفروض أن لا يتم تجاهله، بل تلبية مطالبه. والطوق الثالث هو أننا لسنا بمعزل عن الواقع الدولي والإقليمي والتأثيرات الموجودة حولنا، وهذه أيضًا كان يجب أن تؤخذ بنظر الاعتبار.
* الموضوع الشاغل حتى اليوم هو: هل أن إقالة العبادي لنواب رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء كان إجراء دستوريا وقانونيا؟
- في هذه المسألة يكون للمحكمة الاتحادية قول الفصل، وهناك وجهات نظر قانونية متعددة، أنا في تصوري إذا كنا نريد أن نأتي إلى الدستور والقانون بشكل بحت فأقول إن الصيغة لم تكن قانونية، لكنه (العبادي) يحتج بأن مجلس النواب خوله بذلك بناء على التصويت الذي حصل تحت قبة البرلمان، وقد يكون للمحكمة الاتحادية رأيا مطابقا لهذا التوجه، بمعنى أنه ما دام هناك تخويل من مجلس النواب فله أن يمضي بهذا الاتجاه، ولكن الصيغة المثلى هي الآتي: أن يضع صيغة مشروع قانون داخل مجلس الوزراء ويحيله إلى مجلس النواب الذي يصوت على مشروع القانون بعملية إلغاء مناصب رئيس الجمهورية ونواب رئيس الوزراء، هذا إذا كنا نريد أن نسير في السياق الدستوري والقانوني البحت.
* هناك ورقة «الإصلاح السياسي» التي تقدم بها اتحاد القوى الذي أنتم جزء مهم فيه، وهي التي مهدت لاتفاق تشكيل حكومة العبادي ومر أكثر من عامين تقريبا ولم يتم العمل بها.. ما موقفكم؟
- هذا خلل كبير.. ونحن ما دمنا أكدنا على مبدأ أننا إذا أردنا أن نعمل كشركاء فلا بد من أن نحترم اتفاقاتنا بشكل واضح، وواحدة من أهم نقاط الاتفاق هي تشكيل الحرس الوطني وإصدار قانون العفو ومعالجة إشكالية اجتثاث البعث ومشكلة التوازن في الحكومة والقوات المسلحة والأمن، وقضايا من هذا القبيل وضعت على الورق وكانت هناك رغبة وكانت هناك تعابير على ضرورة تنفيذها، ولكن بمرور الزمن وجدنا أن هناك حالة من التنصل عن تنفيذ هذه الورقة.
* ألا تجدون أن السيناريو مشابه للحكومة السابقة حيث كانت هناك اتفاقات مؤتمر أربيل التي لم تنفذ من قبل الحكومة السابقة؟
- للأسف إن آلية تنفيذ السياسيين لأي اتفاق، وموضوع الثقة هو أنه يجب أن تبحث عن ضمانات تقيدهم وتلزمهم بتنفيذ ما تعهدوا به من التزامات، وما اعتقده وبشكل واضح أنه ما دامت هناك التزامات وتعهدات تم الاتفاق عليها فلا بد أن يلتزم ويفي بتنفيذها لأنه لا قيمة بعد ذلك لأية اتفاقات يمكن أن تبرم إذا كان لدى كل طرف النية المسبقة بعدم التنفيذ.
* طيب.. ما موقفكم من ذلك في اتحاد القوى؟ وما موقفكم أمام جمهوركم الذي انتخبكم؟
- نحن لطالما، وفي كل لقاء يحصل مع رئيس الوزراء، تحدثنا في هذا الموضوع ونحاول أن نثير ذلك بشكل واضح داخل البرلمان، ونعتقد أن تنفيذ هذه الورقة ليس منّة من طرف معين وإنما هو التزام، ونتحدث ونعمل ونسلك كل الوسائل لتنفيذها، وما زلنا بالتأكيد نبذل جهدنا من أجل أن تلتزم الأطراف الأخرى بالاتفاقات.
* لكن مضى أكثر من عامين تقريبا ولم يتم تنفيذ هذه الاتفاقات
- هذا خلل بالتأكيد.. هذا خلل.
* أليس هناك إجراءات تلزم الأطراف المتفقة على تنفيذ تعهداتها؟
- الإجراء الوحيد هو أن تتم المساءلة والمتابعة والمحاسبة.. هذا ما نمتلكه. المشكلة أن الدول التي كانت راعية لبعض الاتفاقات والتي كانت ماضية بدعوتها باتجاه تشكيل الحكومة وأنها تعهدت بممارسة دورها باتجاه تنفيذ الورقة التي اتفقنا عليها، هي اليوم غير متفائلة بتنفيذ الاتفاقات.
* هل تقصدون الولايات المتحدة الأميركية؟
- كل الدول التي رعت هذه الاتفاقات، أميركا وبعض الدول العربية والإقليمية، هؤلاء لم يعودوا يكترثون لما تم الاتفاق عليه سابقا.

* هل وصلت الأمور خلال الأيام الأخيرة ببعض الكتل السياسية للذهاب إلى مجلس النواب وسحب الثقة بالفعل من رئيس الوزراء؟
- لا لم تصل الأمور إلى هذه الدرجة، كما أنني لم أشهد مشاورات بهذا الاتجاه. بصراحة إن الظرف الحالي لا يسمح بأن نمضي بمثل هذه الخطوات، خصوصا ونحن أمام وضع أمني مربك، وكذلك وضع اقتصادي صعب. الهدف الأساسي اليوم هو أن تسعى الكتل السياسية باتجاه تحقيق الإصلاحات، أما أن تسعى باتجاه إحداث تغيير دون وجود خارطة طريق تنقذ العراق من أوضاعه فهذا غير وارد.
* أشرتم أكثر من مرة إلى الظرف الاقتصادي الضاغط، والناس في الشارع قلقون من هذا الموضوع ويخشون على رواتبهم، والمتظاهرون في ساحة التحرير ببغداد وفي بقية المحافظات العراقية يطالبون بمحاسبة الفاسدين واسترجاع الأموال المسروقة إلى خزينة الدولة، لكنه لم يتم أي إجراء بهذا الاتجاه.
- بصراحة، كثير من ملفات الفساد أحيلت إلى هيئة النزاهة وإلى لجنة لنزاهة البرلمانية، ويتم التحقيق مع المتورطين بالفساد، وبعض الملفات أحيلت إلى القضاء العراقي، ونحن ماضون بمحاسبة هؤلاء المتورطين بملفات الفساد، ووصل الأمر إلى حد استجواب البعض ومساءلته. كل الأدوات الرقابية المتاحة لنا في هذا الخصوص مارسناها ونستخدمها لمحاسبة الفاسدين، وأتصور أنه ليس هناك تقصير من قبل مجلس النواب.
* المتظاهرون والشارع العراقي يقولون إن حيتان الفساد الكبيرة ما زالت متنفذة في العراق.
- هذه مهمة القضاء وليست مهمة مجلس النواب، ما علينا من مسؤوليات هو تقديم ملفات الفاسدين، وقد قدمناها وتبقى مهمة هيئة النزاهة والقضاء، وما علينا هو متابعتهم في هذا الجانب. نحن فاتحنا الحكومة حول منافذ الصرف في الحكومة السابقة، وسنفتح ملفا حول جولات التراخيص لشركات النفط الأجنبية، وشكلنا لجانا حول عقود التسليح وبيع العملة الصعبة (الدولار الأميركي) في البنك المركزي، هذا كله قمنا ونقوم به، لكن القضية فيها جانب من التعقيد يتعلق بالوصول إلى المعلومة الدقيقة والوثائق وهي مهمة ليست سهلة أبدا، لكننا دخلنا إلى عمق هذه القضايا التي نعتبرها أساسية.
* عندما يتحول المسؤول من شخص لا يملك أي شيء قبل تغيير النظام في 2003 إلى ملياردير، وهناك كثير من هذه النماذج وهناك وثائق تؤكد حجم أرصدتهم بالمصارف وعقارات في عواصم عربية وغربية، ترى هل هذا يحتاج إلى أي وثائق عن فساده؟
- لكن القضاء لا يمكن أن يتعامل مع الأمور إلا من خلال الدليل الواضح. هناك رقابة شعبية ورقابة برلمانية، لكني أعود وأقول إن القضاء، كما أعتقد، لا يتعامل إلا مع الدليل القاطع. لكني أنا بالفعل عندما أقيس ما كان عليه بعض الأشخاص سابقا وما آلت إليه أحوالهم المادية حاليا فإن هذا يدعوني لأطرح جملة من التساؤلات.
* لكنّ المتظاهرين في عموم محافظات العراق يرفعون لافتات بأسماء الفاسدين وشبه وثائق تدينهم، هل تردون عليهم بأن هذه مهمة القضاء؟ هم يقولون إن القضاء العراقي فاسد وطالبوا بتغييره.. كيف تردون عليهم؟
- نحن بالفعل في حيرة، ويغلب القول علينا بأننا لسنا ضمن دولة تحكمها المؤسسات والقوانين والنظام، إنما غلبت معايير من لديه السطوة والقوة، وهو الذي يستطيع أن يؤثر في النهاية على القرارات.
* لنتحدث عن المتظاهرين الذين يخرجون إلى ساحات المدن العراقية وضمنها ساحة التحرير وسط بغداد منذ ثلاثة أشهر، هل تستمعون إليهم؟ هل تصغون لمطالبهم؟ هل تعتقدون أن مطالبهم مهمة؟ هل ناقشتم هذه المطالب تحت قبة البرلمان؟
- هناك اهتمام كبير بمطالب المتظاهرين من قبل مجلس النواب، وقد عرضناها على لجان برلمانية وتمت مناقشتها بجلسة خاصة، أنا التقيت بهم مباشرة وتحدثنا مع رئيس الوزراء، بالتأكيد هم يتحدثون عن مشكلات تحتاج إلى فترة طويلة لمعالجتها لأنها مشكلات متراكمة وليست مرتبطة بقرار ليتم إصلاحها، وحزم الإصلاح التي تم وضعها لم تصل إلى حد إقناعهم بأن هناك تغييرا جوهريا وأساسيا.
* هل فكرتم في زيارة ساحة التحرير واللقاء مباشرة بالمتظاهرين مثلا؟
- المتظاهرون وضعوا منذ البداية شرطا بعدم مشاركة المسؤولين في هذه المظاهرات، ثم إننا لسنا بصدد القيام باستعراضات في ساحة التحرير، نحن بحاجة إلى القيام بإجراءات وليست زيارة ساحات التظاهر والتقاط صور تؤكد هذه الزيارات.
* ما حقيقة محاولات سحب الثقة منكم كرئيس لمجلس النواب على خلفية زيارتكم لقطر؟ وهل من المعقول المطالبة بسحب الثقة من رئيس البرلمان لأنه قام بزيارة دولة عربية؟
- في هذا الصدد صارت هناك ملابسات سجلت بالفعل انطباعا سلبيا في وقتها، لكن هناك من روج أنهم جمعوا كثيرا من التواقيع لسحب الثقة مني، وفي واقع الحال كانت هناك بضعة تواقيع، والحدث برمته إعلامي وإثارة وعملية ضغط تتنافى مع مبادئنا، نحن من المفروض أن نبني علاقات جيدة ومتينة مع الدول العربية ونعود إلى وجودنا العربي وقوتنا وتأثيرنا في المحيط العربي، لكن للأسف هناك أمزجة سياسية غلبت على الموضوعية والنيات لم تكن حقيقية.
* في هذا الصدد، هل أنتم مقتنعون بطبيعة العلاقات التي تربط العراق بالدول العربية؟ وكيف تتمكنون من إصلاح الخراب الذي حدث في هذا المجال؟
- العلاقات لا نزال تحتاج إلى ترميم. العلاقة كانت مغلقة وغير مشرعة للتعامل مع غالبية دول الخليج العربي، والحكومة العراقية حاولت أن تفتح الأبواب بعد أن لقي تشكيلها ترحيبا واسعا من قبل الدول العربية عامة والخليجية خاصة، لكن ما كان الاهتمام من قبل الحكومة العراقية بالشكل المطلوب الذي يحفز الدول العربية للتفاعل مع هذا الانفتاح. هناك مؤتمر قمة في السعودية سيحضره السيد رئيس الجمهورية، فؤاد معصوم، لعل هذا المؤتمر يعطينا فرصة لإعادة العلاقات لما كانت عليهـ بل أفضل من الآن.
* جمهوركم (العرب السنة) الذين أوصلوكم إلى مناصب قيادية غاضب عليكم ويعتقد أنكم ما عدتم تهتمون به، فهناك آلاف المهجرين وغالبية كبيرة من السنة معتقلون، وحسب ما يقولون فإنهم معتقلون لمجرد أنهم من العرب السنة، وخصوصا في محافظة ديالى التي تنحدرون منها، كما يشعرون بالظلم في توزيع الوظائف الحكومية والدبلوماسية وفي القوات المسلحة والأجهزة الأمنية.. هذا ما يرددونه باستمرار، ترى كيف تستطيعون مواجهتهم؟
- هم لهم الحق في ما يرون. غالبية العراقيين مصدومون لما تحقق من قبل الحكومة والبرلمان قياسا إلى ما كانوا يتوقعونه، لكن المحافظات التي سيطر عليها «داعش»، وبعضها تم تحريرها ثم دخلتها الميليشيات المسلحة، أبناء هذه المحافظات كانوا يتوقعون أن هناك شراكة فعلية وعودة كاملة للنازحين من هذه المناطق، ولكن هذا لم يتحقق للأسف. نحن باشرنا على مستوى إعادة السكان إلى مدنهم، فعلى مستوى محافظة صلاح الدين عاد 20 ألف عائلة من أصل 23 ألف عائلة، وفي محافظة ديالى عاد ما نسبته 90 في المائة من العوائل النازحة إلى مناطقهم، وبعض المناطق نجري الآن مفاوضات بصدد عودتهم، ليس فقط إعادتهم إلى مناطقهم، ولكن نعمل أيضًا على توفير المناخ الآمن لهم. الأمر يحتاج إلى وقت أطول وقرارات أوسع، وهناك تحديات كبيرة بهذا الصدد، الفرص الأمنية والاقتصادية أيضًا تعيقنا في هذا الجانب.
* وماذا عن المعتقلين الذين لم يتم التحقيق معهم أو محاكمتهم منذ سنوات طويلة؟
- القضاء يتحمل مسؤولية ذلك، ليست هناك أعداد كافية من قضاة التحقيق، ونحن بذلنا جهودا كبيرة جدا في هذا الملف، ونحن لنا تقييمنا الخاص بمؤسسة القضاء التي تحتاج إلى إصلاحات واسعة.
* هل تعتقدون أن المتظاهرين على حق عندما يتهمون القضاء العراقي بالفساد؟
- هناك من المؤشرات ما يدل على ذلك.
* ذكرتم قبل قليل أن هناك أمزجة داخل البرلمان، هل ما زالت هذه الأمزجة تتحكم بعمل مجلس النواب وتؤثر في عملية إصدار القوانين والتشريعات؟
- أنتم تعرفون أن مجلس النواب العراقي يتكون من محاور ومراكز قوى ومنطلقاتها سياسية ومؤثرة، نتحدث عن الكتلة الأكبر في البرلمان، وهي كتلة رئيس الوزراء، التحالف الوطني، لا منهج ولا توجه خاصا بها.
* وهل يقف هذا عائقا أمام إصدار القوانين؟
- لا لم يستطيعوا، في الفترة التي عملنا وما زلنا نعمل بها لم نسمح بسحب عمل مجلس النواب إلى الجانب السياسي والتشريع، فالشيعة والسنة يصوتون اليوم على التشريعات ويتفقون على محاسبة الحكومة.
* يشهد لكم بالإدارة الحازمة في رئاسة مجلس النواب، لكن ما إمكانياتكم في التأثير من أجل عدم إضاعة الفرص بسبب التناحر السياسي لإصدار القوانين المهمة؟
- العامل المؤثر في التشريعات هو التصويت، حتى لرئيس مجلس النواب صوت واحد، والموضوع ليس قرارا إداريا، بل إن هناك مفاوضات واتفاقات نجريها، ولهذا استطعنا أن نشرع قانون الأحزاب والاستثمار، ونحن على وشك إنجاز قانون المحكمة الاتحادية وقانون الحرس الوطني، كما أننا صادقنا على ميزانية 2016 في فترة قياسية، ولو استطعنا تشريع قانونها قبل نهاية العام الحالي فسنحقق سبقا، إذ سيتم لأول مرة إنجاز قانون الموازنة قبل بداية العام القادم، وشرعنا قوانين كانت معطلة في السابق.
* العراقيون قلقون على خبزهم مثلما يقولون، على رواتبهم وهي مصدر معيشة غالبية العراقيين، ووزير المالية هوشيار زيباري وصف العام المقبل بأنه سيكون أسوأ عام من الناحية الاقتصادية، كيف تنظرون إلى هذا الموضوع؟
- يعني مجموع رواتب الموظفين هو مليار دولار، والشعب غير معني بالتقشف الذي تفرضه الحكومة على الموظفين، وعلى الحكومة إيجاد الوسائل اللازمة لتوفير الرواتب. هناك قروض ميسرة وعلاقات مع دول بإمكانها دعم العراق. نحن لسنا أول دولة تمر بمثل هذه الظروف، بل إن هناك دولا مرت بظروف أكثر صعوبة، لكن التحرش برواتب الموظفين سيعرض الأوضاع للانهيار ويخلق حالة من عدم الثقة، وهذه قضايا مهمة ولا يمكن تعويضها إذا انهارت، أعني الثقة، حتى إذا حصلنا على المال اللازم فلن نستطيع تعويض الثقة بين الجمهور وصانع القرار.
* هناك داخل كتلتكم، اتحاد القوى، صراع سني - سني، ترى كيف تحوزون على ثقة جمهوركم وأنتم تعيشون هذه الصراعات؟
- نعم، هناك صراع ولكن الآن خفت حدته، وأصبح اتحاد القوى فريقا واحدا يجتمعون على رأي واحد سواء على مستوى النواب أو الوزراء أو الشخصيات السياسية، المهم ليست هناك أقطاب داخل الوسط السني كما هي الآن ظاهرة في الوسط الكردي أو الوسط الشيعي.
* هل بالفعل السياسيون السنة يضعون قدما مع الدولة وأخرى في معارضتها؟
- في نظريتي أقول إن السنة إذا أرادوا أن يحافظوا على وجودهم فلا بد من أن يحافظوا على وجود الدولة، هذه نقطة أساسية. السنة ليسوا معارضين للدولة، وما كان يقال من أنهم فريقان، فريق في المعارضة وفريق مع الدولة، غير صحيح. نحن جزء من الدولة، ونريد أن نجعل الدولة تحترم الإنسان، دولة بلا ميليشيات مسلحة وبلا تهميش وإنما يتساوى تحت خيمتها الجميع، هذا ما نعتقد أنه مناسب، ونرفض أية عملية حمل سلاح من قبل أية مؤسسة سياسية، وأنا من دعاة مركزية رئيس الوزراء، والصلاحيات التي يتمتع بها كقائد عام للقوات المسلحة والتركيز على الأطراف أو الشخصيات المهنية التي يمكن أن يستفيد منها.



من السماء إلى الأرض... جبهات تعز تكسر زحف الحوثيين

معارك ضارية يخوضها الجيش اليمني ضد الحوثيين بامتداد جبهات تعز وغرب لحج (إعلام عسكري)
معارك ضارية يخوضها الجيش اليمني ضد الحوثيين بامتداد جبهات تعز وغرب لحج (إعلام عسكري)
TT

من السماء إلى الأرض... جبهات تعز تكسر زحف الحوثيين

معارك ضارية يخوضها الجيش اليمني ضد الحوثيين بامتداد جبهات تعز وغرب لحج (إعلام عسكري)
معارك ضارية يخوضها الجيش اليمني ضد الحوثيين بامتداد جبهات تعز وغرب لحج (إعلام عسكري)

دخلت معارك محافظة تعز اليمنية مرحلة محورية خلال الساعات الماضية، بعدما تحولت المواجهات المتزامنة على عدد واسع من الجبهات إلى عملية عسكرية مكثفة استهدفت فيها القوات الحكومية تحركات وتعزيزات الجماعة الحوثية، بالتزامن مع غطاء جوي كثيف واستعادة مواقع كانت الجماعة قد تمكنت من التسلل إليها.

وكشفت البيانات العسكرية المتعاقبة للجيش اليمني عن تنفيذ 75 غارة جوية على مواقع وتحركات حوثية في محافظة تعز خلال 24 ساعة، في موجات متتابعة من الضربات، استهدفت تجمعات وعربات وآليات وتعزيزات ومخازن أسلحة ومراكز قيادة وسيطرة ونقاط إمداد، وفق بيانات المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية العقيد الركن ماجد النزيلي.

واللافت في مسار العمليات أن الغارات لم تتركز في محور واحد، وإنما امتدت على رقعة واسعة من جبهات تعز، كما شملت صنعاء وصعدة وحجة، في مؤشر على اتساع نطاق المواجهة ومحاولة القوات الحكومية ضرب خطوط الحركة والإمداد التي تستخدمها الجماعة في عملياتها.

وشملت الضربات مناطق حمير وبني بكاري وسامع والأقروض وشارع الستين والأعمور والوازعية في تعز، وميدي وبني حسن في حجة، ثم استهدفت موجة ثانية مواقع في تعز، هي الرضعة والأقروض وبني بكاري والكدحة وجبل نعمان والعجرم والمرزام.

أما الموجة الكبرى، التي بلغت 27 غارة، فقد استهدفت مخزناً للصواريخ ومراكز قيادة وسيطرة ونقاط إمداد وتسليح متقدمة وتجمعات وعربات وآليات عسكرية، وطالت مواقع في شارع الستين، شمال مدينة تعز، وبني عمر، وحمير في مقبنة، وشرق الوازعية، والأحكوم والأثاور في حيفان، والكدحة وجبل نعمان والكريفات وعقبة منيف والتشريفات والأقروض وسامع والشقب في صبر الموادم.

وفي موجة أخرى، أعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ 15 غارة في تعز، شملت مواقع رأس ضريز والأعمور وجاشع أثاور ورأس حمي بالخزان بجبهة الكعاوش وقرية الجنيد في حيفان، وقالت إن الضربات أدت إلى تحييد عشرات العناصر والتعزيزات وتدمير معدات وآليات.

وبذلك، لا تبدو الغارات مجرد إسناد جوي محدود للخطوط الأمامية، وفق البيانات العسكرية، بل جزءاً من عمليات تستهدف منظومة الحركة والإمداد والقيادة الحوثية على امتداد جبهات متعددة.

هجوم وانكسار

تزامن ذلك مع مواجهات عنيفة خاضتها القوات الحكومية والمقاومة الشعبية في عدد من محاور تعز، أبرزها بني بكاري في جبل حبشي، وحمير في مقبنة، والأقروض جنوب شرقي المحافظة، إضافة إلى الكدحة وجبل هان والجبهتين الشمالية والشرقية لمدينة تعز.

وقالت المصادر العسكرية إن القوات الحكومية تمكنت من كسر الهجمات الحوثية وإجبار المهاجمين على التراجع، فيما شهدت جبهة سامع، جنوب شرقي المحافظة، هجوماً حوثياً تصدت له القوات الحكومية والمقاومة الشعبية، قبل أن تعزز مواقعها وتتراجع الجماعة باتجاه دمنة خدير.

وفي هذه الجبهة تحديداً، تحدثت المصادر عن إلقاء القبض على نحو 20 عنصراً حوثياً، والاستيلاء على آليات حوثية. وفي الأقروض، أفادت المصادر بمقتل نحو 30 عنصراً حوثياً وإصابة نحو 50 آخرين بنيران القوات الحكومية.

سعي الحوثيين إلى السيطرة على تعز كبّدهم مئات القتلى والجرحى خلال أسبوع (إعلام عسكري)

كما تحدثت حصيلة عسكرية عن مقتل نحو 100 عنصر حوثي وإصابة العشرات وأسر آخرين، إلى جانب إعطاب عربات عسكرية وتدمير مخازن أسلحة، عقب الهجمات التي شنتها الجماعة في عدد من جبهات المحافظة.

وتقول تقديرات ميدانية، إن الخطة الحوثية كانت تستهدف السيطرة على مناطق من ريف تعز وفرض حصار على المدينة، وإن الجماعة حشدت لتنفيذها عشرات الكتائب، إلا أن القوات الحكومية والمقاومة الشعبية تمكنت من تثبيت مواقعها، قبل أن تبدأ بعض الوحدات باستعادة مواقع تسلل إليها الحوثيون في الشمايتين وجبل حبشي وسامع.

ولم تقتصر التطورات على التصدي للهجمات، إذ أعلنت القوات الحكومية، مسنودة بالمقاومة الشعبية وأبناء المناطق المحلية، استعادة مناطق مهمة في عزلة بني عمر بمديرية الشمايتين، جنوب تعز.

جبال تعز شكّلت عائق صد طبيعياً أمام زحف الحوثيين (إعلام عسكري)

وقالت المصادر إن القوات استعادت منطقة دار الراحة وتقدمت باتجاه شعب الدراهم، بينما تكبد الحوثيون خسائر في الأرواح والعتاد وأُسر عدد من عناصرهم، مع استمرار المواجهات في مواقع أخرى.

وفي حين تؤكد القوات الحكومية أنها أحبطت حتى الآن مخطط السيطرة على مناطق ريف تعز وفرض حصار على المدينة، تظل الجبهات مفتوحة على احتمالات تجدد الهجمات، خصوصاً مع استمرار التحركات العسكرية الحوثية على الطرق الرابطة بين مناطق مختلفة من المحافظة.

حظر خطوط الحركة الحوثية

تزامنت هذه التطورات مع استمرار الغارات على خطوط الحركة الحوثية، الأمر الذي أعطى المعارك بعداً يتجاوز الاشتباك المباشر حول المواقع، ليشمل استهداف التعزيزات والآليات ومصادر الإمداد.

وفي موازاة ذلك، أعلنت القوات المسلحة اليمنية اتخاذ إجراءات احترازية واسعة لحماية المدنيين، إذ دعت المواطنين وسائقي المركبات ووسائل النقل المدنية إلى تجنب طرق تستخدمها الجماعة في نقل عناصرها وإمداداتها العسكرية، حتى إشعار آخر.

وشملت قائمة الطرق طريق صنعاء - ذمار - إب - القاعدة - الحوبان - جولة القصر، وطريق الحوبان - الدمنة - الراهدة - حيفان - القبيطة - المفاليس، إلى جانب طرق أخرى تربط شرعب والربيعي والبرح والكدحة والوازعية وموزع والمخا، وكذلك طرق الأقروض وسامع والعيار وجبل حبشي.

ضربات جوية للجيش اليمني تضاعف خسائر الحوثيين في تعز (رويترز)

وتكشف هذه التحذيرات عن اتساع نطاق التحركات العسكرية، فيما شددت القوات المسلحة على أن الإجراءات احترازية ومؤقتة، وأن حماية المدنيين وممتلكاتهم تمثل أولوية.

وفي تطور موازٍ، أعلنت الدفاعات الجوية اعتراض وإسقاط طائرات مسيّرة انتحارية حوثية في سماء العاصمة المؤقتة عدن، وقال المتحدث العسكري باسم الجيش اليمني إن الطائرات أُسقطت قبل وصولها إلى أهدافها في المناطق والأحياء المدنية.

كما أُعلن عن استهداف أهداف عالية القيمة في صنعاء، إلى جانب 11 هدفاً عسكرياً عالي القيمة في صعدة، في رسائل عسكرية تعكس اتساع نطاق العمليات خارج جبهات تعز، حيث عمق السيطرة الحوثية.

متابعة رئاسية

في موازاة هذه التطورات الميدانية، أجرى رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد محمد العليمي مشاورات موسعة بشأن الوضع الميداني في تعز، واطلع من عضوي مجلس القيادة عبد الرحمن المحرمي ومحمود الصبيحي ووزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان وقائد المنطقة العسكرية الرابعة والقيادات العسكرية والأمنية في المحافظة على سير العمليات.

وشملت الإحاطات مستوى جاهزية القوات، وتأمين الطرق وخطوط الإمداد، والتصدي لمحاولات التسلل والاختراقات، إلى جانب الخسائر التي تكبدتها الجماعة جراء المواجهات والضربات الجوية.

عناصر من قوات الأمن اليمنية في مدينة تعز حيث تواجه المدينة وأريافها أشد الهجمات الحوثية (أ.ف.ب)

وقال العليمي إن القوات الحكومية ستواصل عملياتها وفق الخطط المقررة، مؤكداً أن الحوثيين هم من بدأوا الحرب، وأن القوات المسلحة ستنهيها، بحسب ما نقله الإعلام الرسمي، وصولاً إلى استعادة مؤسسات الدولة والعاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب.

كما دعا سكان المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين إلى عدم الانجرار وراء حملات التعبئة، وعدم السماح بزجّ أبنائهم في هجمات وصفها بالخاسرة، مجدداً التزام الدولة بما سماه «مبادرة العودة الآمنة» وفتح أبوابها أمام من يختار الانحياز إلى الدولة ومؤسساتها.


الصواريخ... غطاء الحوثيين الناري للتقدم الميداني

مشهد عام لحي العُفا الذي استهدفته الصواريخ الحوثية في مدينة التربة (الشرق الأوسط)
مشهد عام لحي العُفا الذي استهدفته الصواريخ الحوثية في مدينة التربة (الشرق الأوسط)
TT

الصواريخ... غطاء الحوثيين الناري للتقدم الميداني

مشهد عام لحي العُفا الذي استهدفته الصواريخ الحوثية في مدينة التربة (الشرق الأوسط)
مشهد عام لحي العُفا الذي استهدفته الصواريخ الحوثية في مدينة التربة (الشرق الأوسط)

لم يكن قصف الجماعة الحوثية لمدينة التربة، مركز مديرية الشمايتين جنوب محافظة تعز (جنوب غرب)، مساء الثلاثاء الماضي، مجرد جولة جديدة من القصف الباليستي الذي تصاعد على مختلف جبهات اليمن منذ نحو 3 أشهر؛ فالهجوم تزامن مع التحركات الحوثية غرب تعز، مع تصعيد ميداني واسع تشهده جبهات الوازعية والكدحة وحيفان ومناطق أخرى من المحافظة.

ورصدت مصادر ميدانية تعزيزات حوثية عبر خط المخا باتجاه الكدحة، ثم الرحبة والقوز، بالتزامن مع القصف الذي طال أحياء مدينة التربة بـ4 صواريخ باليستية، وفق مصادر حكومية ومحلية.

وليست المرة الأولى التي تستخدم فيها الجماعة الحوثية الصواريخ الباليستية بالتوازي مع تحركاتها الميدانية؛ فمنذ مطلع أغسطس (آب)، اتسعت دائرة الضربات من معسكرات بعيدة عن خطوط التماس في مأرب وحضرموت، إلى مدينة مأرب ومخيمات النازحين، ثم إلى المخا والخوخة على الساحل الغربي، قبل أن تصل في سبتمبر (أيلول) الماضي، إلى مدينة تعز، وأخيراً إلى التربة؛ ففي 6 سبتمبر، استهدفت 3 صواريخ باليستية مدينة تعز، وسقطت قرب مبنى الرعاية الاجتماعية ومحيط كلية الطب والسجن المركزي غرب المدينة.

لقطة متداولة يقول مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي إنها للحظة سقوط أحد الصواريخ في التربة (إكس)

ويكشف هذا التسلسل تغيراً في وظيفة الصاروخ ضمن التصعيد الحوثي؛ ففي 6 أغسطس، شنت الجماعة هجمات باليستية ومسيّرات على معسكرات حكومية في منطقة الرويك شرق مأرب، بينها معسكر الثنية الذي يضم قوات الطوارئ وألوية عسكرية، قبل أن تتوسع الضربات في الأيام التالية إلى مدينة مأرب.

وفي الساحل الغربي، تكرر النمط بصورة أكثر كثافة، وتعرضت المخا لهجمات صاروخية متتابعة خلال أغسطس، ثمّ هجوم في 9 سبتمبر، أسفر، وفق الجيش اليمني، عن مقتل 7 أشخاص وإصابة 30 آخرين، بينما أعلنت الجماعة أنها استهدفت تجمعات عسكرية ومستودعات أسلحة.

وبعد أيام، أعلن مدير ميناء المخا تعليق العمليات، إثر تعرضه لأكثر من 25 صاروخاً خلال عدة أيام، فيما تحدثت السلطات عن خسائر بشرية ومادية واسعة.

«التربة»... هدف مختلف

تختلف الأهداف المعلنة والنتائج الميدانية من حادثة إلى أخرى، لكن القاسم المشترك هو اتساع المسافة بين أهداف الصواريخ وخط الاشتباك المباشر؛ فالجماعة التي استخدمت الصواريخ أيضاً في المواجهات المباشرة، وربما كانت أول من يفعل ذلك في تاريخ استخدام هذا النوع من الأسلحة، إلا أنها لا تكتفي بضرب المواقع العسكرية المتقدمة، وإنما ترسلها إلى معسكرات وطرق وموانئ ومدن في العمق، حيث يمكن للضربة أن تؤثر في حركة القوات والإمداد، وأن تفرض على الجيش اليمني توزيع موارده الدفاعية على مساحة أوسع.

منظر عام لمدينة التربة من إحدى ضواحيها (فيسبوك)

ويأتي القصف الأخير على مدينة التربة، بوصف ذلك أداة لإدارة المعركة في العمق، لا مجرد رد فعل على خسارة ميدانية أو عجز عن التقدم، فإذا كانت التعزيزات الحوثية تتحرك في الوقت نفسه باتجاه الكدحة والرحبة والقوز، فإن ضرب مدينة تقع على أحد المحاور المهمة جنوب تعز، يمكن أن يؤدي وظيفة تتجاوز إيقاع الخسائر المباشرة؛ مثل إرباك الحركة ورفع منسوب القلق في المناطق الخلفية، وتشتيت الانتباه بين حماية خطوط التماس وتأمين المدن والطرق الواقعة خلفها.

وتكتسب التربة خصوصيتها من موقعها؛ فهي لا تمثل ميناءً استراتيجياً مثل المخا، ولا معسكراً عسكرياً مثل الرويك، وإنما مدينة داخلية تقع على محور مهم يربط تعز بالمحافظات الجنوبية، وتشكّل مركزاً لحركة السكان وأنشطتهم، بينما يعدّ محيطها مسرحاً لتحرك القوات الحكومية والإمدادات في جنوب المحافظة.

وتقع المدينة في قلب المنطقة الجغرافية الواسعة المعروفة بـ«الحُجَرِيّة»، وتضم عدة مديريات من جنوب محافظة تعز وشمال محافظة لحج، وتضمّ تجمعاً سكانياً من بين الأكثر كثافة في البلاد، يناهض النفوذ الحوثي، ويشكل رافداً لدعم الجيش بالمقاتلين.

ولا يمكن عزل هذا التطور العملياتي الحوثي عن إعلان حالة التعبئة العامة التي أطلقها، منذ أيام، رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي؛ فالتربة تعدّ مركز هذه المنطقة الواسعة كثيفة السكان، وتضم مقرات للمؤسسات والمنشآت الحكومية ومراكز أمنية.

أضواء انفجارات سببتها الصواريخ الحوثية على مدينة المخا منتصف أغسطس (آب) الماضي (رويترز)

ولا يعني تهديد التربة بالصواريخ أن الهدف المباشر هو السيطرة عليها بالضرورة، كما حدث في المخا؛ فالقيمة العسكرية للضربة قد تتمثل في تهديد البيئة التي تتحرك من خلالها القوات، وإرهاب السكان الذين يناهضون نفوذ الجماعة، وإيصال رسالة بأن العمق الجغرافي الذي اعتاد السكان والقوات اعتباره أكثر أمناً، لم يعد بمنأى عن النيران بعيدة المدى.

وهذه النقطة تفسّر أيضاً انتقال الجماعة من استهداف مدينة تعز في 6 سبتمبر، إلى استهداف التربة في 29 منه؛ فبينما ضربت الصواريخ في الحالة الأولى قلب المحافظة ومركزها الحضري، وصلت في الحالة الثانية إلى مدينة تقع أبعد جنوباً، وفي توقيت تشهد فيه الجبهات الغربية والجنوبية تحركات عسكرية متزامنة.

تمهيد مسرح المعركة

لا يمكن الجزم من الضربة وحدها بأن الجماعة الحوثية تمهد لهجوم بري على التربة، أو محيطها، كما لا يمكن اختزال القصف في محاولة إرباك القوات الحكومية، لكن تزامن الضربات بعيدة المدى مع التحركات البرية المتكررة يسمح بتوقع أن يكون الصاروخ جزءاً من عملية التمهيد للتقدم، وليس بديلاً عنه.

القصف الصاروخي الحوثي استهدف حتى المدنيين والنازحين في عدة محافظات يمنية (أ.ف.ب)

فالضربات الباليستية تستطيع، حتى من دون إصابة هدف عسكري نوعي، أن تفرض على الطرف المقابل حسابات إضافية؛ مثل حماية المراكز الخلفية، ومراقبة طرق الإمداد، وإعادة ترتيب القوات بعيداً عن خطوط القتال، وكلما اتسعت دائرة التهديد، زادت التكلفة المطلوبة للحفاظ على الجبهة الأمامية.

ويأتي كل هذا في ظلّ إصرار الجماعة على إطباق الحصار على المنطقة، والمحافظة بالتالي، من خلال التقدم من الجهة الشرقية، حيث جبهة حيفان والأحكوم والأكبوش، وغرباً في جبلي راسن وجرداد الاستراتيجيين اللذين تسعى، منذ أكثر من أسبوعين، للسيطرة عليهما.

واستهدفت الجماعة أكثر من مرة خلال سبتمبر، طريق هيجة العبد في مديرية المقاطرة القريبة لمدينة التربة، وهو الطريق الذي يربط محافظة تعز بالعاصمة المؤقتة، ويعدّ الوحيد الذي تتنفس منه، خصوصاً عقب سقوط مدينة المخا أخيراً.

كل هذا يجعل من قصف التربة مختلفاً عن مجرد رد صاروخي؛ فالجماعة التي تحرك قواتها في محاور غرب تعز، تحتاج، في أي محاولة لتغيير موازين الأرض، إلى إبقاء القوات المقابلة تحت ضغط متعدد الاتجاهات، وفي هذا التكتيك، تسبق الصواريخ أي تحرك ميداني قد يربك العمق، ويختبر قدرة الجيش على حماية مسرح عملياته، قبل أن تتضح نتيجة التحرك البري.


الرعاية الصحية... معركة جديدة للفارّين من الهجمات الحوثية

الكثير من النازحين باليمن يحتاجون إلى العلاج في حين أن المرافق الصحية بعيدة عن متناولهم (الأمم المتحدة)
الكثير من النازحين باليمن يحتاجون إلى العلاج في حين أن المرافق الصحية بعيدة عن متناولهم (الأمم المتحدة)
TT

الرعاية الصحية... معركة جديدة للفارّين من الهجمات الحوثية

الكثير من النازحين باليمن يحتاجون إلى العلاج في حين أن المرافق الصحية بعيدة عن متناولهم (الأمم المتحدة)
الكثير من النازحين باليمن يحتاجون إلى العلاج في حين أن المرافق الصحية بعيدة عن متناولهم (الأمم المتحدة)

لم يكن أمام أنور عبد الله سوى مغادرة منزله في محافظة الحديدة (غرب اليمن) برفقة زوجته وأطفاله الستة، بعدما اقتربت الهجمات الحوثية من محيطهم ليلة 10 سبتمبر (أيلول). لم يكن يعرف في البداية ما الذي يحدث، لكنه سرعان ما أدرك أن البقاء لم يعد خياراً.

يقول أنور، البالغ من العمر 29 عاماً: «لم نكن نعرف ما الذي كان يحدث، ثم أدركنا أن هناك قتالاً. أخذت أطفالي وزوجتي وجئنا إلى عدن. تركنا كل شيء وراءنا».

بدأت الأسرة رحلتها باتجاه المخا، قبل أن تواصل طريقها إلى عدن، تاركة منزلها وممتلكاتها وحياتها السابقة خلفها.

واليوم، تعيش الأسرة في مأوى مؤقت شمالي عدن، ولا تملك سوى القليل من الاحتياجات الأساسية. وحتى إعداد وجبة بسيطة أصبح مهمة يومية؛ إذ تضطر إلى استخدام الحطب للطهي بجوار المأوى بسبب افتقارها إلى أدوات الطهي الأساسية. لكن الوصول إلى مكان أكثر أمناً لم يضع حداً لمعاناة الأسرة. فبالنسبة لأنور وعائلته وآلاف النازحين الآخرين، بدأت بعد الفرار معركة جديدة تتعلق بكيفية الحصول على الرعاية الطبية عندما يمرض أحد أفراد الأسرة.

وتُعد أسرة أنور واحدة من آلاف الأسر التي وصلت إلى عدن خلال موجة النزوح الأخيرة، في أعقاب تجدد القتال على طول الساحل الغربي لليمن.

آلاف النازحين في اليمن بسبب الهجمات الحوثية يفتقدون الرعاية الصحية (إعلام محلي)

وبحلول نهاية سبتمبر الماضي سجلت الحكومة اليمنية نزوح قرابة 200 ألف شخص، وفي ظل تدفق النازحين تستضيف أربعة مواقع في عدن ولحج نحو 6.500 شخص كانوا قد نزحوا إليها قبل وصول الموجة الأخيرة، في حين تضاعف عدد السكان في بعض هذه المواقع منذ ذلك الحين.

ولا تقتصر احتياجات هؤلاء على المأوى والغذاء. فالكثير منهم يحتاجون إلى العلاج، في وقت تقع فيه المرافق الصحية على مسافات تجعل الوصول إليها أمراً بالغ الصعوبة بالنسبة إلى أسر أنهكها النزوح والفقر.

وتوجد مواقع النازحين التي تزورها فرق منظمة «أطباء بلا حدود» على مسافة تتراوح بين أربعة وعشرة كيلومترات من المرافق الصحية. وبينما قد تبدو هذه المسافة محدودة في الظروف العادية، فإنها تتحول إلى عقبة حقيقية أمام الأسر التي تكافح لتأمين احتياجاتها الأساسية.

ومع نقص الوقود وارتفاع أسعاره، تصبح تكلفة الانتقال إلى المرافق الصحية، إضافة إلى أسعار الأدوية، فوق قدرة كثير من الأسر.

وتقول سارة غانم، مديرة أنشطة الصحة المتنقلة في «أطباء بلا حدود» في عدن: «نرى أطفالاً مرضى، ونساءً حوامل لا يستطعن الوصول إلى الرعاية الصحية، وأشخاصاً يعانون من جروح، وكباراً في السن يحتاجون إلى خدمات طبية، لكنهم يواجهون صعوبة في الوصول إليها».

مرضى بلا رعاية

في المواقع التي تزورها الفرق الطبية تظهر آثار الأزمة الصحية بين النازحين بصورة واضحة. فقد تعاملت الفرق مع حالات جروح وإصابات، وسوء تغذية، وحمى، وإسهال، إلى جانب أمراض معدية وغير معدية لم تتلقَّ العلاج. كما رصدت نساءً حوامل لم يحصلن على رعاية صحية خلال فترة الحمل، وأطفالاً يعانون من سوء تغذية حاد، وآخرين لم يستكملوا تطعيماتهم.

وأمام هذه الصعوبات، تحاول فرق «أطباء بلا حدود» نقل جزء من الرعاية الصحية إلى أماكن وجود النازحين، بدلاً من انتظار قدرتهم على الوصول إلى المراكز الطبية.

الكثير من الأسر اليمنية المشردة تعيش في مأوى مؤقت بانتظار وصول المساعدات (إعلام محلي)

وخلال الأسبوع الأول من الاستجابة الصحية المتنقلة، عاينت الفرق 427 مريضاً في أربعة مواقع بمديريتَي دار سعد والشيخ عثمان في عدن، ومديرية تبن في لحج.

وكان معظم المرضى من النساء والأطفال، في حين كان نحو 40 في المائة منهم قد نزحوا حديثاً بسبب التصعيد الأخير في تعز وعلى طول الساحل الغربي.

وتقدم الفرق استشارات طبية وفحوصات سريعة تشمل قياس مستوى الهيموغلوبين وسكر الدم، والكشف عن الملاريا وحمى الضنك، وفحوصات البول، إلى جانب التطعيمات الروتينية، والكشف عن سوء التغذية، واختبارات الحمل وتنظيم الأسرة.

وعندما يحتاج المرضى إلى رعاية إضافية، تعمل الفرق على إحالتهم إلى مرافق صحية قادرة على توفير العلاج اللازم.

نظام تحت الضغط

تأتي هذه الاستجابة في وقت يواجه فيه النظام الصحي اليمني ضغوطاً متراكمة، وفق «أطباء بلا حدود». وتقول غانم: «نرى ضغطاً هائلاً على نظام صحي ينهار بالفعل، ويواجه تحديات عديدة منذ سنوات».

ومع استمرار وصول النازحين، تواصل المنظمة تقييم المواقع التي تستضيفهم، وتقول إنها مستعدة لتوسيع نطاق استجابتها إذا ازدادت الاحتياجات الصحية.

الفرق الطبية المتنقلة تقدم خدمات متواضعة للمئات من الفارّين من تصعيد الحوثيين (إعلام محلي)

ولا تقتصر جهود «أطباء بلا حدود» على الفرق المتنقلة؛ إذ تدعم المنظمة منذ أبريل (نيسان) خدمات الرعاية الصحية الأولية في الفَرشة بريف لحج والبساتين في عدن.

وتشمل المناطق التي تخدمها المنشأتان أماكن يقيم فيها نازحون، سواء داخل مواقع النزوح أو وسط المجتمعات المحلية المضيفة.

وبالنسبة إلى عائلات مثل أسرة أنور، فإن الوصول إلى مكان آمن لا يعني بالضرورة انتهاء رحلة النزوح. فبعد ترك المنازل والممتلكات، يصبح الحصول على العلاج والطعام ومقومات الحياة الأساسية جزءاً آخر من معاناة طويلة، لا تعرف الأسرة متى تنتهي.