محددات النظرية السيكولوجية لدى كارل يونغ

أسس علم نفس تحليلي جديد ينزع نحو الأعماق الجمعية للاوعي

محددات النظرية السيكولوجية لدى كارل يونغ
TT

محددات النظرية السيكولوجية لدى كارل يونغ

محددات النظرية السيكولوجية لدى كارل يونغ

لا يمكن مقاربة السيكولوجيا التحليلية ليونغ في معزل عن المدرسة الفرويدية التي انتمى إليها مدة من الزمان، ثم حاول القطع معها ليؤسس نظريته الخاصة عن النفس والسلوك البشريين. ولقد كان نشره لبحثه عن «تحولات ورموز الليبيدو»، الذي وضعه خلال سنتي 1911 و1912، إعلانا فعليا للقطيعة مع فرويد. وفي سياق هذه الرغبة في القطع مع الإرث الفرويدي، نجد يونغ يحرص، منذ بواكير أعماله، على تمييز نسقه السيكولوجي، وعلى ضبط مدلولات مفاهيمه، حتى لا تلتبس من حيث الدلالة بالمفاهيم الفرويدية والرؤى السيكولوجية المتداولة. إذ منذ 1921، سيحرص في كتابه «أنماط سيكولوجية»، على ختم الكتاب بمعجم يستجمع فيه مفاهيمه المركزية. وهذا الهاجس، هاجس القطع والانفصال عن الفرويدية، نجده يرافق يونغ في مختلف لحظات مسيرته الفكرية اللاحقة أيضا. إذ نشر في سنة 1942 كتابه «سيكولوجية اللاوعي»، حيث قدم نقدا شديد اللهجة لأعمال فرويد.
لكن يمكن القول إنه على الرغم من محاولة القطع مع أستاذه، فقد ظل يونغ مشدودا إليه بأكثر من رباط مفهومي وتصوري ومنهجي. وأول هذه المفاهيم المشتركة، هو مفهوم اللاوعي الذي سيظل محور رؤيته إلى الكينونة الإنسانية وتعبيراتها السلوكية والثقافية. بل لعلي أقول، إن هذا العود المتكرر لنقد فرويد، مؤشر ضمني على شدة الارتباط به!
والواقع أن النظر في الانشقاقات الكبرى التي شهدتها المدرسة الفرويدية، بفعل انفصال أبرز تلامذة فرويد عنه، مثل أدلر، وزوندي، ويونغ وإيرهم، سيخلص ولا بد، إلى أن هؤلاء المنشقين حملوا معهم تقريبا نفس الجهاز المفاهيمي الذي اشتغلوا به مع أستاذهم.
ففيما يخص مفهوم اللاوعي، لا نجد أحدا من هؤلاء الثلاثة الكبار، المنشقين عن فرويد، قد تخطاه فعليا، بل كل ما قاموا به هو توسيع الحقل الدلالي للمفهوم، ودليلي على ذلك أن زوندي سيعوض مفهوم اللاوعي الفرويدي الذي له دلالة فردية شخصية بـ«اللاوعي العائلي»، مركزا بذلك، على التركيبة الوراثية التربوية للشخص داخل وسطه العائلي؛ بينما سيذهب يونغ إلى توسيع أشمل متحدثا عن وجود لاوعي جمعي داخل كل منا. ويونغ بتوكيده على مقولة اللاوعي الجمعي، لا يرفض مقولة اللاوعي الفردي الذي ركز عليه سيغموند فرويد، بل يستهدف استكماله وتوسيعه. ولقد خصص يونغ في كتابه «جدل الأنا اللاوعي» الصادر سنة 1928، ويعد تطويرا لمحاضرته «بنية اللاوعي» التي ألقاها سنة 1916، مساحة كبيرة لبلورة تمييز بين اللاوعي الفردي واللاوعي الجمعي، حيث يعتقد أن ثمة نوعين من اللاوعي: لاوعي شخصي فردي، هو مخزون الخبرة الشخصية المكبوتة. ولاوعي جمعي، هو مخزون أثري وأعمق، حيث يحتوي الخبرة البشرية التي نتجت عبر تراكم تاريخي طويل، بكل أنساق معتقداته وأساطيره وعوائده. وهو بذلك لا يستبعد اللاوعي الفردي الذي جاء به فرويد، بل يضيف عليه ولا ينفيه. فاللاوعي الجمعي – حسب يونغ - يمثل مخزونا هائلا من الخبرات الإنسانية الموروثة والمستبطنة في كل فرد منا. ومن ثم ليس صحيحا أن لاوعي الكائن الإنساني الفردي، هو فقط، جماع تجربته كفرد. بل فيه، أيضا، خبرات النوع الإنساني ككل، بكامل مخزونه من الأساطير والعقائد والتقاليد والعوائد المعرفية والسلوكية التي تبلورت طيلة آلاف السنين.
ومحورية اللاوعي الجمعي في فكر يونغ ونزوعه نحو بحث المعتقدات الدينية، جعلاه شديد الاهتمام بالأديان وخاصة الديانة البوذية. كما كان مكثرا من التأمل في النصوص الدينية الكبرى، بل وجدناه يخصص للقرآن الكريم وقفة خاصة، حيث سيحلل في كتابه «النفس والهو»، سورة الكهف، مركزا بشكل خاص، على قصة الخضر مع موسى.
ويعتقد يونغ، أن النفس الفردية هي في مستوى لاوعيها، تختزن خبرة البشرية بأكملها. بل حتى دراسته لحالة الآنسة ميلر، في كتابه «رموز الليبيدو»، تكشف عن هذا النهج الفكري الموسع في مقاربة النفس الفردية، حيث نلاحظ الغوص في الأساطير والديانات، من أجل فهم رؤية ميلر لمفهوم البطل.
وللتوكيد على وجود اللاوعي الجمعي، قام يونغ بأبحاث إثنوغرافية ميدانية، في المكسيك وكينيا وأريزونا، حاول فيها أن يستجمع أوفر مقدار من المخزون الثقافي لهذه القبائل والشعوب، ثم درسه بمنظور مقارن مفككا رموزه، ليخلص إلى ما سينتهي إليه الأنثروبولوجي الفرنسي كلود ليفي ستروس، وهو وجود تشابه كبير على مستوى الأساطير، الأمر الذي جعله ينظر إلى ذلك بوصفه دليلا على وجود اللاوعي الجمعي المشترك.
بيد أن هذا المشترك المفاهيمي – مفهوم اللاوعي - بين يونغ وفرويد لا يعني أن ثمة تماثلا بين النسقين النظريين السيكولوجيين، بل ثمة اختلافات كثيرة. وجوهر الخلاف الذي سيدفعه إلى القطع مع أستاذه فرويد، هو دور العامل الجنسي. إذ لم يوافق يونغ على الرؤية الفرويدية الإطلاقية إلى الجنس في تشكيل الشخصية الإنسانية، ولا في اعتماده كميثودولوجية لتحليل الحضارة والمنتجات الثقافية للإنسان، ومن جملتها المنتج الفني. لذا بدل التحليل النفسي الفرويدي القائم على مقولة الليبيدو، أسس يونغ لعلم نفس تحليلي جديد ينزع نحو الأعماق الجمعية للاوعي.
وعلى مستوى المقاربة التحليلية للفرد، رفض يونغ الرؤية الفرويدية التي تجعل دور الجنس حاضرا منذ سنوات الطفولة الأولى، الذي سيخلص من بعد، إلى تكوين عقدة أوديب وإلكترا، إذ بدل هذا التصور الجنسي، يرى يونغ أنه حتى السنة الخامسة من العمر، فإن الغريزة المهيمنة على الطفل ليست غريزة الجنس، كما يزعم فرويد، بل هي غريزة التغذية. وحتى على المستوى العام، لا يرى يونغ أن الغريزة المحددة للشخصية الإنسانية هي غريزة الجنس، ولا غريزة القوة كما يقول آدلر، بل هي غريزة الحياة بكامل أبعادها. كما أن اللاوعي الذي اعتمده فرويد منطلقا لمقاربة الشخصية ومنتجاتها الثقافية، مفهوم لا يخلو من محدودية وفقر. فهو لا يستوعب الأبعاد الإنسانية في عمقها وامتدادها الفردي والجماعي؛ لذا اقترح يونغ مفهومه البديل القائم على النظر إلى الفرد الإنساني بوصفه حاملا لمحصول التجربة الإنسانية الجمعية. وفي كثير من نصوصه، يكشف يونغ أن نقده لمقولة الجنس عند فرويد، كان نتاج ملحوظات إكلينيكية. «فأثناء علاجه للشيزوفرينيا، اصطدم بحالات من تمزق نفسية المريض، لم يكن بالإمكان تفسيرها بانفعالات الفرد الجنسية الطفولية، وبالتالي، لم تدخل ضمن التصورات الفرويدية حول المشروطية الجنسية للسلوك». لهذا فإن يونغ، على الرغم من استعماله لمفهوم الليبيدو، فسيحرص على التوسع في معناه وعدم تركه بدلالته الفرويدية التي اقتصرت على المعنى الجنسي. يقول فاليري ليبين: «يكتسب مفهوم الليبيدو تفسيرا موسعا لدى يونغ. فهو يعني بالليبيدو، الطاقة النفسية التي تحدد شدة العمليات النفسية الجارية في نفس الإنسان. ولا يربط يونغ هذه الطاقة بالقوة النفسية الملموسة – المحددة، المشروطة مثلا، بالرغبات الجنسية، كما هو الأمر لدى فرويد، بل بالبنية النفسية الداخلية التي تحدد طابع النشاط النفسي عند الإنسان». كما أن ثمة فارقا هاما، حيث إن الغرائز اللاواعية ينظر إليها فرويد وفق رؤية بيولوجية، بينما يتعامل معها يونغ بوصفها رموزا ذات حمولات نفسية وثقافية. كما أن اختزال فرويد لتطور الشخصية في السنوات الست الأولى من العمر، هو حسب يونغ، اختزال خاطئ لصيرورة تشكيلها وتطورها، يؤدي ولا بد، إلى اختلال فهم الفرد. كما ينعكس، أيضا، على الرؤية العلاجية ويعوق نجاحها؛ فليست الأمراض العصابية كلها نتاج إشكالات حادثة في لحظة الطفولة، كما يزعم فرويد. بل إن هذا ينقص إدراكنا الصحيح للحياة الإنسانية، حيث يتغافل عن بعدين زمانيين هامين في تشكيلها، وهما الحاضر والمستقبل.



مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
TT

مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)

في حفلة عامرة بالنجوم والوفود وصانعي السينما من كل حقل وميدان، أنهى مهرجان «كان» السينمائي دورته التاسعة والسبعين، موزّعاً جوائزه على نحو فاجأ معظم المتابعين.

وفاز بـ«السعفة الذهبية»، التي هي أعلى جائزة يمنحها المهرجان الفرنسي، فيلم «Fjord» للمخرج الروماني كرستيان مونجيو، وبذلك يدخل المخرج قائمة المخرجين الذين أُتيح لهم الفوز بـ«السعفة» أكثر من مرّة.

وتم منح «الجائزة الكبرى» لفيلم «مينوتور» للروسي أندري زفياغنتسف، وهو الفيلم الأول له منذ ثماني سنوات، وتم إنتاجه خارج روسيا.

جائزة أفضل مخرج تم منحها لمخرجين هما بافل بالفليكوفسكي عن «وطن»، وجايفييه كالفو عن «لا بولا نيغرا». كذلك خرجت الممثلة الفرنسية فرجيني إلفيرا بجائزة أفضل ممثلة عن «على حين غرّة» (All of a Sudden)، وتقاسمتها مع زميلتها في البطولة اليابانية تاو أوكاموتو.

كذلك، وعلى نحو مشابه، توزّعت جائزة أفضل ممثل على اثنين قادا بطولة فيلم واحد هما إيمانويل ماكيا وفلانتين كامبيون عن فيلم «زحام».


منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان
TT

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان

في الطريق الصحراوي الذي يربط نجد في وسط الجزيرة العربية بالكويت في خاصرة الخليج، تستعيد الروائية الكويتية منيرة العيدان ذاكرة الرمل، ومعاناة الرحيل، كما توثق الهجرات من نجد إلى الكويت خصوصاً، في روايتها الجديدة «جلوات سدير»، التي صدرت أخيراً عن «الفكر العربي للنشر والتوزيع»، بغلاف لافت بريشة الفنان البحريني حسن سالم، يعكس سينوغرافيا بصرية لشبان يعتلون الإبل بالزي التراثي عابرين متاهات القفار.

ومنيرة عبد الرحمن العيدان؛ كاتبة وروائية كويتية من مواليد عام 1982، وخريجة الجامعة الأميركية في الكويت (تخصص آداب اللغة الإنجليزية).

بدأت مسيرتها الأدبية بالاهتمام بالتراث الكويتي وأدب الطفل، وصدر لها في هذا الحقل عدة مؤلفات بارزة، منها: «نورة وأحذيتها السحرية» (2014)، «سلمت للمجد» (2015)، «قطار الأحلام» (2016)، «أرض الذهب» (2018).

وفي حقل الرواية: «بين المجمعة والمرقاب» (2017)، «لعوب شرق» (2021)، «درب الفنطاس» (2025)، لتتوج هذا العطاء الممتد بروايتها الأخيرة «جلوات سدير» (2026).

هنا حوار معها عن روايتها الجديد، ومجمل أعمالها...

> كيف عالجت أعمالك تأثير التاريخ والحكاية الشعبية والتراث المحلي في صياغة الهوية المشتركة في الخليج...؟

- ما يجمع هذه الأعمال هو اهتمامي بالإنسان الخليجي وسط التحولات الكبيرة التي مرت بها المنطقة، أكثر من اهتمامي بالتاريخ كتوثيق مباشر. الهجرات القديمة، والتنقل بين نجد والكويت، والحكايات الشعبية، وشكل البيوت، والعلاقات العائلية، حتى طريقة الكلام... كلها بالنسبة لي ليست مجرد تراث، بل أشياء صنعت الناس أنفسهم، وصنعت نظرتهم للحياة والخوف والانتماء. وفي جانب آخر، أنا مهتمة أيضاً بسيكولوجية المرأة داخل هذه التحولات، وكيف انعكست التغيرات الاجتماعية عليها وعلى علاقتها بالمكان والعائلة والذاكرة. لكن في الحقيقة، متى ما وجدت قصة أشعر أنها تستحق التوثيق، أسبق نفسي إلى كتابتها. وكل هذه الموضوعات، الهجرة، الذاكرة، المرأة، التحولات الاجتماعية، تطرق باب اهتمامي في النهاية.

> كيف تبلورت فكرة لرواية «جلوات سدير»؟

- جاءت هذه الرواية بعد حديث مطول لوالدي عن طفولته بأدق التفاصيل، وهجرة أهله من نجد إلى الكويت، وفقدانه لوالدته في طفولته. كما شرح لي كثيراً من الأمور العائلية الخاصة، التي بيّنت لي أبعاد وسيكولوجية صبيٍّ في سن أبطال الرواية. حتى وأنا أكتب الرواية، كنت أرى وجه أبي في أرواح الأبطال. ثم بدأ اهتمامي بالهجرات، ما دفع كثيراً من المهتمين للتواصل معي ومشاركة قصص أهلهم بكرم بالغ، ورأيت في تلك القصص ثروة تستحق أن تُوثَّق.

> ما أثر «الجلوة» تحديداً؟ هل هي تحمل دلالة «الارتحال» وترك الديار طلباً للرزق؟

- هي مشتقة من الجلاء، أي ترك البلاد قسراً أو الارتحال عنها، وكانت تُسمى قديماً «الجلوات»، أي الرحلات التي يترك فيها الناس ديارهم طلباً للرزق أو النجاة. كما وردت الكلمة في بعض القصائد والأشعار القديمة، فيُقال: «جلا فلان»، أي غادر البلاد وارتحل عنها. وقد وددت إحياء هذه الكلمة القديمة جداً، لما تحمله من انعكاسات قريبة من أحلام أبطال الرواية ورحلتهم النفسية والجغرافية.

> الرواية استندت إلى رواة شفهيين ومؤرخين من السعودية والكويت. كيف استطعتِ «فك» التناقضات بين الروايات الشفهية والمدونات التاريخية الرسمية؟

- العمل على ربط ذلك كان ممتعاً للغاية، خصوصاً مع وجود مصادر عديدة ومختلفة هذه المرة عمّا كتبته سابقاً، بسبب تواصلي مع مؤرخين من المملكة العربية السعودية ورواة شفهيين من السعودية والكويت. في بعض الأحيان، كنت أواجه عائقاً اجتماعياً أو طقساً معيناً لا أجد له مستنداً واضحاً في المراجع التاريخية، فأبحث عنه لدى الرواة الشفهيين، أو أعيد صياغة الحدث بما يتوافق مع ما هو موثق وثابت تاريخياً.

> ذكرت في «التمهيد» أن الأحداث صيغت تخيلياً لخدمة البناء الروائي رغم السياق التاريخي الحقيقي. أين تنتهي الحقيقة التاريخية في «جلوات سدير»؟ وأين يبدأ الخيال الروائي لمنيرة العيدان؟

- هي مبنية في أغلبها على قصص حقيقية، ولكني غيّرت الظروف والأحوال كي لا آخذ أو أحرّف أو أزلّ في نقل حياة أحد. وكما ذكرت، فأنا أستمع من الرواة للقصص بشغف، وتأتي بعض القصص تباعاً للأحداث، حتى تصبح النتيجة أحياناً متوقعة من كثرة تشابه التجارب الإنسانية في تلك المرحلة. الجميل أن العديد من القرّاء، خاصة في الرياض، ربطوا القصة بقصص أهلهم، بل إن بعضهم جزم بأنها القصة نفسها بحذافيرها. وفي الرواية مثل نجدي قديم أخذته من أحد الرواة الشفهيين، وهو مثل يُقال للأطفال، وقد اتصل بي أحد الأشخاص فرحاً قائلاً: «لقد ذكّرتِني بهذا المثل الذي كانت تردده والدتي المتوفاة، وقد ظللت أبحث عنه أو عن مصدره لسنوات، ووجدته الآن!».

> تمثل «الروضة» في الرواية فضاءً طارداً ومأزوماً طبقياً واجتماعياً للأبطال، بينما تلوح «الكويت» كأرض الخلاص. كيف وظفتِ ثنائية «الضيق/ الاتساع» و«السجن/ الحرية» جغرافياً ونفسياً؟

- لم تكن الروضة مكاناً سيئاً بقدر ما كانت مكاناً ضيقاً على أحلام بعض الأبطال، خصوصاً مع الفقر والطبقية وقسوة الظروف الاجتماعية آنذاك. لذلك بدت لهم الكويت، رغم مشقتها، كنافذة أوسع للحياة والرزق وتغيير المصير. كنت مهتمة بأن يكون الانتقال جغرافياً ونفسياً في الوقت ذاته؛ فكلما اتسعت الطرق أمامهم، اتسعت معها أحلامهم، وكلما ضاقت البيئات والعلاقات من حولهم، شعروا بالاختناق أو العجز. لكنني أيضاً لم أرد للكويت أن تبدو كمدينة مثالية أو جنة كاملة، بل مكاناً يحمل الأمل والخوف معاً، لأن الرحلة نفسها كانت قاسية ومليئة بالمجهول.

أنا مهتمة بسيكولوجية المرأة داخل تلك التحولات العاصفة التي مرت بالمنطقة

منيرة العيدان

الصحراء والعبودية

> عَبَر الأبطال فضاء الصحراء وعاشوا مخاطر العطش والسراب وطعنات الغدر. هل كانت الصحراء في روايتكِ مجرد طريق جغرافي، أم اختباراً سيكولوجياً لتطهير الشخوص من انكساراتهم؟

- للصحراء رمزية كبيرة في القصة؛ فهي تمثل المجهول والخوف والأمل، وفي نهايتها تقع أرض أحلام الأبطال. كما أنها تمثل المصير، وتحتل جزءاً واسعاً من شبه الجزيرة العربية. وكما كان يقول السُّفّارة: الطريق فيها مثل الزئبق، الإمساك بطرفه صعب، وقد تخونك أحياناً بانعدام معالمها، تماماً مثل البحر، فتغدر بك وتضلّ الطريق، والضلالة هنا تعني الموت. بعد تلك الرواية، بدأت أنظر إلى الصحراء بشكل مختلف، وأراها أجمل وأوسع وأحنّ مما عهدتها سابقاً.

> طرحتِ قضايا حساسة جداً ترتبط بتلك الحقبة، مثل اختطاف الأطفال، وتجارة البشر، والظلم الاجتماعي... ما الرسالة الفكرية والاجتماعية التي أردتِ إيصالها من خلال هذا السرد؟

- منذ وُجد الإنسان، وُجد الظلم والقهر، كما وُجدت الرحمة والرأفة، وكل تلك القصص حدثت منذ بدايات الخليقة. نحن نحب الماضي لأنه امتداد لما نحن عليه اليوم، لكن علينا نقله بمسؤولية كبيرة، وأن نحكي الواقع المرّ والمؤلم والظالم أحياناً كما كان، لا كما نتمنى أن يكون. لكن الجميل أن تلك التجارب القاسية خلقت من أبطال الرواية بشراً أفضل، فتجنبوا أن يعرّضوا غيرهم لما تعرضوا له من ظلم واضطهاد، وسأكمل قصص الفتية في الجزء الثاني. بمعنى آخر، تلك المحطات المؤلمة صنعت في نهايتها إنساناً أكثر اكتمالاً من ناحية الإنسانية، ومن رحم كل ما نكرهه أحياناً، يكون في الطرف الآخر من الحكاية شخص محظوظ بتلك الأقدار التي بدت في وقتها قاسية وغريبة.

> على صعيد اللغة، أدخلتِ في النص لغة فصحى جزلة تتناغم مع أهازيج وحكايات بلغة شعبية، كيف وازنتِ بين المحافظة على فصاحة السرد وإضفاء الموروث الشعبي والهوية البيئية النجدية على الحوارات؟

- كما أوضحت، لقد أدمنت ربط الخيوط معاً. تجنبت أن يكون الحوار باللهجة النجدية أو لهجة أهل سدير كي لا يصعب فهمه على بقية القراء، رغم رغبتي الكبيرة في الاحتفاظ بها كما هي. لكنني في المقابل لم أتنازل عن تطعيم الرواية ببعض الأهازيج، كي تكون لها هوية طاغية، والأمثال والحكايات الشعبية التي تمنح النص طعماً أكثر هوية وخصوصية، خاصة عند أبناء جلدتها.

> ينتهي الجزء الأول من الرواية عند أسوار الكويت وبمجموعة من «الهواجس والأسئلة المفتوحة» حول مصير الأبطال (مقبل، محمد، علي، ناصر، حمد). هل هذه الأسئلة هي تمهيد حتمي لجزء ثانٍ من الرواية؟ وما الذي ينتظر القارئ في «أرض اللؤلؤ»؟

- نعم، وقد أنهيت مهمتي في الجزء الأول تماماً، لأن الرحلة نفسها كانت مضنية جداً بالنسبة لي على المستوى النفسي والكتابي. وقد نصحني بعض النقاد بكتابة الجزأين في رواية واحدة، إلا أن ذلك لا يناسب رسالتي تماماً، فأنا أردت فصل الرحلة الصحراوية عن رحلة الرزق، ولا أريد للثانية، بتفاصيلها ومحطاتها، أن تطفئ بريق الأولى. نعم، هناك جزء ثانٍ، وسيرى القارئ كيف أن كل تلك الأقدار قد صُممت من قبل العزيز الحكيم لصالح هؤلاء الفتية، بمن فيهم «علي» المخطوف، وكيف كانت كل تلك المحطات تمهيداً لما سيمرون به لاحقاً، وكيف أن المستقبل كفيل بجمع شملهم مرة أخرى.


يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر
TT

يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر

اختار المخرج والسيناريست الصربي البارز بوريس ميليكوفيتش عنواناً لافتاً ليومياته في مصر، تحديداً حي الزمالك بالقاهرة، وهو «شاي في الزمالك»، حيث عاش فترة معتبرة مديراً بشركة «ساتشي وساتشي» للإعلانات الشهيرة، وجاء العنوان ليعكس طبيعة العمل الذي يتسم بالبساطة والحميمية كشذرات تلمع في الذاكرة وكأنه يتحدث بعفوية إلى صديق أثناء احتساء كوب من الشاي.

المدهش أن اليوميات لا تخلو من النقد الذاتي الحاد، ويعترف المؤلف بسقوطه أحياناً ضحية لفخ العنصرية الغربية تجاه الشرق ووهم تفوق العرق الأبيض وما يصاحبه من استعلاء وغرور، لكنها تقدم في المقابل صورةً صادقةً للمجتمعات من منظور أجنبي وحيد يعيش بحي راق في العاصمة المصرية، حيث ينام تحت مروحة السقف البطيئة غارقاً في عرقه، خائفاً من أن يفتح نافذة غرفته، ويرغب بشدة في أكل المانجو.

ولا تخلو اليوميات من لحظات إنسانية متنوعة، أبرزها الوحدة في حياة شخص تقدم به العمر والوقوع أسيراً لأزمة إدمان الكحول، مع الأزمات الصحية المتفرقة، أيضاً مع مواقف مبهجة في المقابل تتعلق بمحاولات اكتشاف الثقافة المصرية من خلال الطعام والمزاح والتعاون مع جهات رسمية في إنجاز مواد بصرية تتعلق بالترويج للسياحة في البلاد بطرق غير تقليدية.

وُلد بوريس ميليكوفيتسش في 3 أبريل (نيسان) 1956، وهو أيضاً كاتب روائي وأكاديمي درّس فنون الإخراج السينمائي بكلية الفنون المسرحية في بلغراد في التسعينات، كما عمل مديراً إبداعياً لكبريات شركات الدعاية والإعلان، كما ظل مديراً إبداعياً في راديو وتلفزيون صربيا لسنوات عديدة.

ومن أجواء الكتاب نقرأ:

«كان اسم خادمتي (محفوظة) وهو الاسم الأنثوي من (محفوظ ) مثل نجيب محفوظ، اعتاد ابني الصغير على مناداتها (كوكا)، بعدها ظل كل العرب الذين يقيمون بالحي ينادونها بالاسم الجديد في طقس مبهج ضاحك.

كانت (كوكا) من حي إمبابة الشعبي ولا أعرف كيف سمعت عني ولا أظن أن أحداً قد رشحها لي أو أي شيء من هذا القبيل، لكن ما أعرفه هو أنني رأيتها لأول مرة في صباح أحد أيام شهر أبريل وأنا أعاني من صداع وعطش شديد وعاصفة من عواصف الخماسين تضرب البلد.

كانت ترتدي فستاناً صيفياً، نحيفة يغطيها العرق وخصلات قصيرة من شعرها الرمادي ملتصقة بجبهتها. أمسكت بيدها طبقاً به رمان نصفه مفصص والنصف الثاني كما هو، وبابتسامة وضعت الطبق إلى جانب كوب مغطى من عصير البرتقال الطازج.

فكرتُ يومها في أن (كوكا) قد رأت كثرين في حياتها ممن عانوا من صداع ما بعد الثمالة ويشعرون بالحرج، حيث قدمت لي المشروب البارد وهى تقول وكأنها تحاول تجنب فتح الموضوع:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

أجبتها:

- نعم، شكرا لك... أحسن رمان... شكراً على الرمان!

بعد عدة سنوات كنا على وشك مغادرة القاهرة، جاءت ابنة (كوكا) مع أطفالها بمفردها بدون الأم ونظفت البيت كما كانت والدتها بنفس الترتيب، تزيح السجاد وتمسح الأرض بخرقة مبللة ثم تنفض السجاد في الشرفة. ذات مرة عندما حان موعد القهوة ربما في الحادية عشرة صباحاً قالت لي:

- ماتت كوكا... لن تعود مرة أخرى!

ثم توقفت عن الكلام والتفتت تجاه المكيف القديم ذي الصوت العالي وأضافت قائلة:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

ثم ناولتني العصير وطبق الرمان».