برلمان مصر.. اقتراع خارج الصندوق ونخبة جديدة تتشكل

الحزبيون يتصدرون المشهد.. وضعف المشاركة أبرز التحديات

برلمان مصر.. اقتراع خارج الصندوق ونخبة جديدة تتشكل
TT

برلمان مصر.. اقتراع خارج الصندوق ونخبة جديدة تتشكل

برلمان مصر.. اقتراع خارج الصندوق ونخبة جديدة تتشكل

في غياب القواعد التقليدية للانتخابات في مصر، أجريت المرحلة الأولى من الاستحقاق النيابي منتصف شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وأعلنت نتائجها النهائية نهاية الشهر نفسه. وتكفل فاصل الأسبوعين هذا، بين انطلاق المرحلة وإعلان النتائج، بإدخال تعديل جذري على المشهد؛ فالاقتراع الذي بدأ فاترا، تصاحبه أصداء ضحكة مجلجلة لرئيس نادي قضاة مصر حين سئل عن وجود تجاوزات، فعلق قائلا: «لا.. لا توجد تجاوزات.. ولا ناخبون»، انتهى بحسب مراقبين إلى ترتيب جديد للنخبة السياسية في البلاد، عبر «علاقات قوة» غير مسبوقة في أروقة الحكم.
وأظهرت النتائج النهائية للمرحلة الأولى حضورا قويا للأحزاب التي فازت بـ108 مقاعد، مقابل 105 مقاعد للمستقلين في النظام الفردي. وتصدر حزب «المصريين الأحرار»، الذي أسسه رجل الأعمال نجيب ساويرس، السباق الانتخابي بـ36 مقعدا، يليه حزب «مستقبل وطن» حديث العهد بـ21 مقعدا، وتقاسم حزبا «الوفد» أعرق الأحزاب المصرية و«الشعب الجمهوري» المركز الثالث محققين 11 مقعدا لكل منهما، فيما اكتفى حزب النور، الممثل الوحيد لتيار الإسلام السياسي، بـ8 مقاعد في الجولة الأولى، وتوزعت باقي المقاعد على 11 حزبا.

يتوقع الدكتور ضياء رشوان، مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن يستحوذ حزب «المصريين الأحرار» على ما بين 90 إلى 80 مقعدا بنهاية الجولة الثانية التي تنطلق أواخر الشهر الحالي، كما توقع أن يحصل حزب «مستقبل وطن» على نحو 60 مقعدا، معتبرا أن هذا النسب ستؤدي حتما إلى برلمان مختلف جذريا عن البرلمانات التي شهدتها البلاد طوال تاريخها.
وجاء أول اقتراع نيابي في مصر بعد ثورة 30 يونيو (حزيران) 2013، من خارج المقررات التاريخية المتعارف عليها، فمنذ رأى الرئيس الراحل أنور السادات أن الوقت حان لإنهاء تجربة الحزب الواحد، معلنا عودة الأحزاب في نوفمبر (تشرين الثاني) 1976، قاد الحزب الذي يتزعمه الرئيس البرلمانات المنتخبة، بأغلبية تراوحت بين المريحة أو الساحقة، ولم يكن الرئيس الإخواني الأسبق محمد مرسي في تجربته التي لم تتجاوز العام بمنأى عن ذلك.
ويرى الدكتور معتز بالله عبد الفتاح، أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، أن «البرلمان الجديد أدخلنا إلى مساحة غير مطروقة في حياتنا السياسية، فللمرة الأولى يأتي البرلمان من دون أهلي وزمالك الحياة السياسية (في إشارة لحالة الاستقطاب الحاد والمنافسة التقليدية بين أهم ناديين لكرة القدم في البلاد)، فلا وجود للحزب الوطني الديمقراطي بالصيغة الرسمية، ولا لإخوان مسلمين بالصيغة الرسمية».
في غياب المشهد التقليدي وجد المرشحون والناخبون أنفسهم أمام انتخابات برلمانية بلا بوصلة هادية، وخارج المربع المريح للموالاة أو المعارضة، فالرئيس عبد الفتاح السيسي، القادم من المؤسسة العسكرية رأسا إلى سدة الحكم، تعهد ألا يؤسس حزبا أو يدعم حزبا من الأحزاب الموجودة على الساحة، وهو أمر كرسه الدستور الجديد، رغم محاولات جرت للإيحاء بعكس ذلك من قبل تحالفات انتخابية.
ووضع الدكتور رفعت السعيد، السياسي المخضرم، رئيس المجلس الاستشاري لحزب التجمع، محاولات قائمة «في حب مصر» للإيحاء بأنها قائمة الرئيس السيسي ضمن الأسباب التي أدت إلى عزوف الناخبين، وهو التحدي الأبرز أمام البرلمان المقبل. وأضاف قائلا لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الإيحاء غير الذكي من قائمة (في حب مصر) جعل الناخب يتصور أنها آتية للمجلس لا محالة، وقد كان».
وتنفي قائمة «في حب مصر» هذا الاتهام، وتعلن بوضوح أنها تدعم الرئيس السيسي دون أن يعني هذا أنها مدعومة من طرفه. وقال اللواء سامح سيف اليزل، الذي يتزعم القائمة، لـ«الشرق الأوسط»، إنه يعتزم بناء تحالف واسع داخل المجلس، متعهدا بأن يقوم تحالفه بدور رقابي قوي.
الحيوية الموعودة لمجلس تتوزع مواقع القوة فيه بين عدة أحزاب، وائتلافات تسعى حاليا لتوسيع نفوذها باستمالة نواب مستقلين، تعاني من أزمة جوهرية تتعلق بضعف المشاركة، الأمر الذي من شأنه أن يلقي بظلال من الشك حول شرعية المجلس التمثيلية.
ويرى الدكتور نور فرحات، أستاذ فلسفة القانون والفقيه الدستوري بجامعة الزقازيق، أن توافر الشرعية القانونية للانتخابات لا يغني عن الشرعيتين؛ السياسية والشعبية، مؤكدا أن الحديث عن الشرعية القانونية وحدها لا يجوز بعد ثورتين شعبيتين شهدتهما البلاد.
وبالنظر للدور الذي حدده الدستور للبرلمان المقبل، تبدو أزمة الشرعية أكثر إشكالية، فمجلس النواب الجديد منوط به وضع القوانين المكملة للدستور، إلى جانب توسيع صلاحيات المجلس الذي سيكون بمقدوره أن تشكل أغلبيته الحكومة إذا لم يحظ مرشح الرئيس لرئاسة مجلس الوزراء برضا النواب، كما سيكون بمقدور المجلس طلب طرح الثقة عن الرئيس في استفتاء شعبي، وإن رفض الشعب طرح الثقة يعني ذلك حل المجلس.
وقبيل الانتخابات البرلمانية، قادت تحليلات لمراقبين ورؤساء أحزاب إلى تهيئة الساحة لـ«انتخابات ضعيفة»، يهيمن عليها المستقلون ونواب الحزب الوطني الديمقراطي (المنحل) الذي احتكر السلطة طوال عقود حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك.
يعارض الدكتور ضياء رشوان، وهو عضو لجنة كتابة الدستور، تلك الآراء، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الانتخابات البرلمانية أحيطت بكم هائل من التحليلات التي بنيت على انطباعات، وأحيانا معلومات غير مدققة، فبينما كان طيف واسع من المراقبين يتحدثون عن برلمان سيهيمن عليه المستقلون، عكست الأرقام حضورا قويا لمرشحي الأحزاب؛ فمن بين 2548 مرشحا في الانتخابات كان هناك 883 مرشحا حزبيا، وهذا أمر انعكس بدوره على النتائج النهائية للمرحلة الأولى، وهذه النتائج لم تأت من فراغ».
وتابع: «المؤكد أن المجلس وبخلاف ما تردد يشهد حضورا هائلا للأحزاب يتجاوز 50 في المائة، ربما للمرة الأولى منذ عقود، ومعظم تلك الأحزاب جديد على الساحة، باستثناء حزب واحد قديم هو حزب الوفد، كما أن اللافت أيضا أن هذا الحضور الحزبي برز في المحافظات وهو أمر غير متوقع، بعد أن تعودنا على أن وجودها يقتصر على المناطق الحضرية فقط، وهو ما يعني أن الأحزاب اخترقت المجتمع من أسفل».
ويحاجج البعض بأن الأحزاب التي تحظى بدعم سخي من رجال أعمال نجحت في استقطاب مرشحين أقوياء في دوائرهم الانتخابية من دون أن تربطهم أي صلة بالحزب أو أفكاره أو برنامجه، مما يعني أن نجاحها لا يعبر عن وزنها الفعلي ولا يعكس حضورا شعبيا. لكن رشوان يشير إلى ضرورة تجاوز قراءة المشهد من منطلق نظرية الدوافع فقط؛ ويقول: «الأحزاب كان أمامها طريقان، بناء كوادرها أو استقطاب كوادر موجودة على الأرض بالفعل، وبحكم التوقيتات اختارت الحل الثاني، وعلينا أن ننتظر لنرى التجربة خلال الممارسة، فهؤلاء النواب سينشطون بحكم عدة أمور داخل هياكل أحزابهم، وهو أمر سيكون له مردود جيد جدا على الحياة السياسية».
لا يبدي الدكتور عبد الفتاح، وهو أيضا أستاذ للعلوم السياسية في جامعة ميشيغان الأميركية، الثقة نفسها في أداء البرلمان المقبل، ويشير إلى أن «نتائج الانتخابات التي ترتب عليها خروج جيل من السياسيين من المشهد السياسي لصالح جيل جديد، سيشغل المساحة الأكبر من مقاعده، تضعنا أمام نواب ليست لديهم خبرة كافية».
ويضيف عبد الفتاح قائلا لـ«الشرق الأوسط»: «سيكون تحديا وفرصة ربما يحسنون (النواب الجدد) استغلالها بالبناء على قواعد مختلفة، أو ربما لا يحسنون استغلالها وبالتالي نكون أمام برلمان هو تكرار للبرلمانات السابقة، برلمان مفتت، وجوده كغيابه، وهذا هو الخوف الأكبر، أن يفقد البرلمان دوره كأداة للتفاوض الجماعي بين فئات المجتمع المختلفة، وكأداة لحل الصراعات السياسية بطريقة منضبطة».
يعبر الدكتور مصطفى كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، عن المخاوف نفسها معتبرا أن البرلمان لن يعارض سياسات الرئيس السيسي، مشيرا إلى أن النواب يريدون أن يظلوا قريبين من الرئيس لأنه لا يزال مركز النظام السياسي في البلاد.
الرأي نفسه يؤيده أستاذ العلوم السياسية حازم حسني، الذي يقول إن «البرلمان سيكون برلمان الرئيس». ويضيف أن البرلمان «سيترك للرئيس حرية إدارة شؤون البلاد كما يشاء، سيكون برلمانا للحفاظ على الأمر الواقع كما هو مع إعطاء مسحة من الديمقراطية».
ويختلف الدكتور رشوان مع هذه الانتقادات المسبقة أيضا، ويقول إن التصريحات التي خرجت من أكبر حزبين في البرلمان تنقد هذا الأمر، فرئيس حزب «مستقبل وطن» أعلن صراحة أنه لن يؤيد رئيس الوزراء شريف إسماعيل المدعوم من الرئيس المصري، إذا ما عرض برنامج الحكومة على البرلمان، كما أكد اللواء سيف اليزل أن بقاء حكومة إسماعيل لا يزال أمرا غير محسوم.
ورغم المخاوف يتوقف الدكتور رشوان، وهو نقيب الصحافيين السابق، أمام ظواهر أخرى تؤشر في اعتقاده على وجود منحى جديد للناخبين، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «لأول مرة في تاريخ البرلمانات المصرية نجد 24 قبطيا في جولة الإعادة، منهم مرشحان اثنان تنافسا على المقعد نفسه في بندر ملوي (في محافظة المنيا بصعيد مصر)، كما شهدنا للمرة الأولى أيضا منذ حصول المرأة على حق التصويت حضور 11 سيدة في جولة الإعادة».
وأضاف أن محافظة المنيا التي شهدت أكبر عدد من حرق الكنائس (في أعقاب موجة العنف التي تلت فض اعتصام أنصار الإخوان العام قبل الماضي)، والتي شهدت منع تصويت الأقباط في الانتخابات الرئاسية عام 2012، هذه المحافظة دخل جولة الإعادة فيها 10 أقباط. نحن هنا نتحدث عن نوع جديد من الناخبين لا تشكل العائلات والقبليات عصبه الأساسي، رغم أنها لا تزال موجود بالطبع فهي جزء من تركيب اجتماعي.
وكان رئيس اللجنة العليا للانتخابات، المستشار أيمن عباس، قد أعلن في وقت سابق أن نسبة التصويت في المرحلة الأولى لانتخابات مجلس النواب بلغت 26.56 في المائة بإجمالي بلغ نحو 7.3 مليون صوت، فيما شارك في جولة الإعادة بالمرحلة الأولى 5 ملايين و554 ألفا و678 ناخبا، من أصل 25 مليونا و582 ألفا و518 ناخبا لهم حق التصويت في الجولة التي شملت 14 محافظة من بينها محافظتا الجيزة والإسكندرية.
وأوضح المستشار عباس أن مجموع النواب الفائزين في الجولة الأولى بلغ 273 نائبا، بينهم 5 نساء و12 شابا و108 حزبيين و105 مستقلين و60 نائبا فازوا بنظام القوائم (قائمة في حب مصر حسمت الانتخابات في الجولة الأولى).
ورغم الإيجابيات التي تحدث عنها رشوان، بدا لعدد من المراقبين أن الاقتراع جرى «خارج الصندوق»، بالنظر لنسبة المشاركة المتدنية في الانتخابات البرلمانية، لكن بقي الخلاف حول من حصد «مقاعد الفراغ»؛ اللامبالاة التي وسمت الانتخابات طوال العقود الثلاثة ما قبل ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، أم أنه الغضب مما عده معارضون «إغلاقا للمجال العام»، أم استفتاء جديد على شعبية الرئيس السيسي؟
وترى الدكتورة هالة شكر الله، الرئيسة السابقة لحزب الدستور، أن عزوف الناخبين عن الاقتراع في أول مجلس نواب في مصر بعد 30 يونيو (حزيران) لا يعبر عن قرار قصدي، بقدر ما يشير إلى إحساس عام عبرت عنه بـ«الإيمان بالمستقبل».
وقالت شكر الله لـ«الشرق الأوسط» إن «قطاعا كبيرا جدا من المصريين لم يذهب لأنه شعر بأنه غير مطلوب منه المشاركة.. هناك علاقة ديناميكية بين الجماهير والسلطة، والمصريون عبر تراكم الخبرة يدركون متى يكون لمشاركتهم أثر ومتى لا يكون لهذه المشاركة معنى».
وتضيف شكر الله أن «القطاع الوحيد الذي يمكن أن نعتبر مقاطعته للعملية الانتخابية مقاطعة واعية هو قطاع الشباب. هناك غضب بالتأكيد، وربما يأس، ولدى البعض رغبة في الانسحاب من المجال العام».
عزوف الشباب عن المشاركة في الانتخابات البرلمانية كثفه مشهد احتشاد ما يزيد على 40 ألف شاب من روابط مشجعي النادي الأهلي في استاد مختار التتش بوسط القاهرة غير بعيدين عن ميدان التحرير لتشجيع ناديهم، في حين خيم الصمت على مراكز الاقتراع القريبة.
وفي رسالة مباشرة، انتشرت في شوارع بالقاهرة ملصقات دعائية لمجموعة من شباب الثورة المحبوسين في قضايا تتعلق بالتظاهر دون الحصول على ترخيص. وحملت تلك الملصقات صور النشطاء علاء عبد الفتاح (مسجون)، أحمد دومة (مسجون)، وأحمد ماهر، وآخرين، مع دعوة للتصويت للقائمة التي أطلق عليها قائمة «أفرجوا عن مصر».
وتتابع شكر الله قائلة: «على الدولة أن تستفيد من الرسائل التي مررها المصريون عبر العزوف عن المشاركة في الانتخابات، هذه مؤشرات قوية على أن هناك خطبا ما، وأننا لسنا على طريق المستقبل».
ومن ثم، يطالب الدكتور السعيد الحكومة بمراجعة مواقفها أيضا، لكنه يحمل لجنة قانونية أنيط بها وضع قوانين الانتخابات وترأسها وزير العدالة الانتقالية (ألغيت في الحكومة الحالية) مسؤولية عزوف الناخبين. وقال السعيد إن قوانين الانتخابات أساءت للعملية الانتخابية بقدر ما استبعدت بشدة الفئات الوسطى والفقراء، نظرا للالتزامات المادية التي فرضتها على المرشحين والتي بلغت في الانتخابات الحالية نحو 11 ألف جنيه، وهذا يعني أن 60 في المائة من المصريين أجبروا على عدم الترشح، وهو أمر يفتقر إلى المنطق خاصة حينما نعلم أن المرشح لرئاسة الجمهورية غير مطالب بدفع مليم واحد.
ويشير السعيد إلى قيمة الكشف الطبي والتي تقدر بـ3 آلاف جنيه، وقد اضطر المرشحون لإعادته مرة أخرى بعد أن تأجلت الانتخابات بحكم قضائي، بالإضافة لمبلغ 5 آلاف جنيه رسوم نظافة تحصلها المحافظات. وكانت هذه التكلفة المادية سببا في تراجع قائمة «صحوة مصر» عن السباق الانتخابي.
وانتقد السعيد أيضا موقف اللجنة العليا المشرفة على الانتخابات. وقال إن «اللجنة وقفت مكتوفة الأيدي وعاجزة عن تفعيل المادة 74 من الدستور التي تمنع الدعاية الانتخابية على أساس ديني، كما وقفت مكتوفة الأيدي أمام أكوام الأموال التي تدفقت من الخارج على حزب بعينه، ومن الداخل على أحزاب أخرى، حتى إن تلك الأحزاب بدأت تتباهى بحجم الإنفاق، والنتيجة العملية أن قطاعا واسعا ابتعد عن العملية الانتخابية ترشيحا وتصويتا».
ويحدد قانون الانتخابات ضوابط وسقفا للدعاية الانتخابية، لكن معظم المراقبين يعتقدون أن عددا من الأحزاب تجاوز سقف الدعاية المسموح به.
الانتقادات التي وجهها السعيد للعملية الانتخابية لم تمنعه من التأكيد على أنها تمت بشفافية ونزاهة، وهو أمر شككت فيه أحزاب صغيرة أعلنت انسحابها قبل أيام من بدء جولة الإعادة في المرحلة الأولى.
وقال طارق زيدان، القيادي في تحالف نداء مصر المنسحب، لـ«الشرق الأوسط»، إن «قرار انسحاب التحالف جاء كرد فعل طبيعي للتجاوزات التي شهدتها العملية الانتخابية، وتجاوبا مع نبض الشارع الذي قاطع الانتخابات».
وهكذا، بين فتور مشهد الاقتراع وسخونة التنافس الحزبي على أكثرية البرلمان المقبل، ينتظر المصريون نتائج الجولة الثانية للبرلمان التي ستجرى يومي 22 و23 نوفمبر الحالي في 13 محافظة مصرية من بينها العاصمة القاهرة، ليعرفوا إذا ما كانت الأحزاب ستكرس حضورها بالفعل كلاعب رئيسي على الساحة السياسية، أم لا.. كما سيعرف قادة تلك الأحزاب ما إذا كان الناخبون سيعيرونهم هذه المرة الاهتمام الكافي، أم لا.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».