مارتن كوبلر.. مبعوث أخضر لليبيا الخضراء

الدبلوماسي الألماني السابق.. له سجل حافل بالإنجازات من الكونغو إلى العراق

مارتن كوبلر..  مبعوث أخضر لليبيا الخضراء
TT

مارتن كوبلر.. مبعوث أخضر لليبيا الخضراء

مارتن كوبلر..  مبعوث أخضر لليبيا الخضراء

في يونيو (حزيران) 2013 استقبل الكونغوليون المبعوث الخاص للأمم المتحدة مارتن كوبلر بالحجارة بسبب فشل الأمم المتحدة المتكرر في وضع البلد على سكة الاستقرار، لكنهم ودعوه في أكتوبر (تشرين الأول) 2015 بالقبلات والدموع بعد أن وضع البلد على طريق انتخابات ديمقراطية قد تبعث شيئًا من الاستقرار في هذا البلد المضطرب عام 2016.

مع ذلك قال كوبلر إنه غادر شرق الكونغو في «الوقت المناسب» تتجاذبه مشاعر الفخر بما أنجزه خلال سنتين، ومشاعر الأسف لفراق هذا الشعب الذي يشكل الشباب تحت سن 25 نسبة 75 في المائة من سكانه. ويعترف كوبلر بأن مهمته في الكونغو عسكرية في حين كانت مهمته السابقة في العراق سياسية، لأنه كان عليه أن ينسق الجهد السياسي والإنساني العسكري لوحدات تابعة للأمم المتحدة، بينها قوات عسكرية قوامها 20 ألفًا من ذوي القبعات تقاتل ضد ميليشيات مسلحة وعصابات تحترف القتل والتعذيب والاغتصاب والسرقة والتهريب في الكونغو.
وتبدو المهمة العسكرية في الكونغو غريبة عن رجل من حزب الخضر كان يهتم بحماية الغابات المطرية في البرازيل أكثر مما يهتم بأناقته كدبلوماسي. وذكر في مقابلة معه، عرضت في القناة الثانية من التلفزيون الألماني (زدف)، أن العقل السلمي قد يجد حلولاً للمشكلات حيث لا تنفع العقلية العسكرية، مضيفًا أن «مهمتنا عسكرية لأنه لا سلم في الكونغو نحافظ عليه كي يطلق على مهمتنا اسم (مهمة حفظ السلام)».
لا يعود الفضل في صعود نجم كوبلر في البعثات الخاصة بالأمم المتحدة إلى صعود حزب الخضر إلى الحكم، بالتحالف مع الحزب الديمقراطي الاشتراكي، واستيزار زعيم الخضر يوشكا فيشر على رأس السلك الدبلوماسي ببرلين عام 1998، لأن من طرح فكرة «الرجل» الأخضر للمهمات العسكرية هو خبير الشؤون الأفريقية كريستوف فوغل. وكان فوغل عبر حينها، في مقابلة صحافية، عن اعتقاده بضرورة إرسال شخصية «مسالمة» من حزب الخضر إلى مناطق أفريقيا المضطربة. ويعتبر فوغل أهم الخبراء الألمان في شؤون الكونغو، وهو أستاذ محاضر في جامعة زيورخ، وكان قبلها يحاضر في جامعة كولون.

حياة دبلوماسية حافلة

ولد مارتن كوبلر في مدينة شتوتغارت الجنوبية، عاصمة ولاية بادن فورتمبيرغ، وأنهى دراسته الإعدادية في عام 1972، ثم درس العلوم القانونية في جامعة بون. درس بعدها اللغات الآسيوية في جامعة باندونغ في إندونيسيا، وتخصص لاحقًا في القوانين الدولية الخاصة بالمياه.
عمل في وزارة الخارجية الألمانية بدءًا من سنة 1983 خبيرًا في الشؤون القانونية، وعمل بعدها في سفارتي ألمانيا في القاهرة وفي نيودلهي. وانتدبته وزارة الخارجية الألمانية بين 1994 - 1997 ليترأس الممثلية الألمانية في أريحا، وذلك في أعقاب اتفاقية أوسلو للسلام بين إسرائيل والفلسطينيين.
وكان عام 1998 حاسمًا في حياته السياسية، لأن حزب الخضر أصبح شريكًا في حكومة المستشار السابق جيرهارد شرودر. عمل منذ ذلك العام نائبًا لرئيس مكتب وزير الخارجية يوشكا فيشر، ثم أصبح رئيسًا لهذا المكتب بين 2000 - 2003.
تم تعيينه بين 2003 - 2006 سفيرًا لألمانيا في العاصمة المصرية، ورافقته زوجته بريتا فاغينير، التي تعمل في الأمم المتحدة في قسم حقوق الإنسان، إلى القاهرة بمثابة نائبة لزوجها السفير. وأثار تعيين زوجته بهذه الطريقة كثيرا من التساؤلات داخل المعارضة (المحافظين) التي اتهمت فيشر وكوبلر باستغلال منصبيهما لأغراض شخصية.
وبعد الحرب على العراق، وسقوط نظام صدام حسين، تم تعيين كوبلر سفيرًا في العراق بين 2006 - 2007، ثم عاد في عام 2007 إلى برلين ليترأس القسم الثقافي في وزارة الخارجية الألمانية. أصبح كوبلر عام 2010 نائب رئيس بعثة الأمم المتحدة إلى أفغانستان (يوناما)، ثم المبعوث الخاص للمنظمة الدولية في العراق بين 2011 - 2013، مهمته تنسيق مهمات مختلف بعثات الأمم المتحدة في هذا البلد المضطرب.
وفي يونيو 2013 كلفه السكرتير العام للأمم المتحدة بان كي مون بقيادة بعثة المنظمة الدولية إلى شرق الكونغو.
شيء من الكونغو في كل جوّال

بعد أن أمطره الكونغوليون بالحجارة أثناء جولته الأولى في شرق الكونغو تفتق «العقل الأخضر» عن سؤال يحيره: ممن ينتظر الكونغوليون الأمان؟ وهكذا، ورغم مهمته الإنسانية العسكرية، بدأ مارتن كوبلر حملة إعادة الاستقرار التدريجي (بحسب تعبيره) للكونغو، باستطلاع للرأي بين الكونغوليين ينتظر الرد على سؤاله المذكور.
تعبيرًا عن ضعف الإيمان ببعثة الأمم المتحدة قالت نسبة 20,7 في المائة من الكونغوليين إنهم ينتظرون الأمان والاستقرار من «الرب»، وقالت نسبة 20,1 في المائة إنهم ينتظرون أن يحقق الجيش الكونغولي الأمان، رغم أن الجيش أحد أهم عوامل عدم الاستقرار في الكونغو بتقدير الأمم المتحدة. وكانت ثقة الناس بالجيش موضع دهشة الدبلوماسي الألماني الذي وصف جنود الجيش الكونغولي بأنهم آخر من يحارب الفساد وأول من يهرب عند هجوم رجال العصابات. فالفساد ينخر صفوف الجيش، ويبقى الجنود لأشهر دون رواتب أحيانا، ويتضح بين فترة وأخرى أن رواتب الجنود تتسرب إلى جيوب الضباط.
وينتظر 19 في المائة من الكونغوليين الأمان من رجال الشرطة رغم أن جهاز الشرطة لا يختلف، من ناحية الفساد وضعف الاستعداد والتسليح، عن الجيش. أما من ينتظر الأمان من بعثة الأمم المتحدة فلم تزد نسبتهم عن 0,2 في المائة، وهو ما يقول كوبلر، في نهاية فترة قيادته للبعثة، إنه رفعه إلى ما فوق الـ20 في المائة.
ولم تكن مهمة كوبلر في الكونغو بالسهلة، لأن الرجل المدني كان يشرف على 20 ألف عسكري من الأمم المتحدة، يتعاونون مع جيش كونغولي جرار، ومنهم قوة تدخل قتالية مشتركة قوامها 3000 رجل من أصحاب القبعات الزرق وأصحاب القبعات الحمراء (الجيش الكونغولي) تقاتل ميليشيات م23 في الأساس، وميليشيات الهوتة المسلحة، وتلاحق عددًا لا يحصى من العصابات الإجرامية المنظمة. وهي أكبر بعثة للأمم المتحدة (مونيوسكو) تثقل المنظمة الدولية بتكاليف ترتفع إلى 1,4 دولار في السنة.
عمل كوبلر في الكونغو مستفيدًا من دروس معسكر أوسشفيتز النازي، بحسب تصريحاته، وبما معناه أن «هناك من ينتظر المساعدة، وعلينا أن نساعده». ويضيف أن الكونغو لا ينقصها سوى الأمان والاستقرار لأن بها من الموارد المعدنية ما يضمن لسكانها العيش الكريم. وتكفي هنا الإشارة إلى 80 في المائة من الكولتان في العالم يأتي من الكونغو، وهي مادة تدخل في صناعة كل جوّال، ويجب أن يذكر كل إنسان في العالم «أن هناك شيئًا من الكونغو في كل جوال».
نال كوبلر في الكونغو ثقة الحكومة وثقة الجيش والشرطة بفضل عقليته الخضراء، وهو ما دفعه للقول إن «الوضع كان بحاجة إلى عقلية خضراء، ولذلك وافقت على الذهاب إلى شرق الكونغو في الحال». نجح في تقليص قوات الأمم المتحدة بمقدار 2000 جندي (10 في المائة)، وهو دليل على تحسن الوضع، لكنه عرف أيضًا كيف «يفرمل» التفاؤل المفرط. وحينما طالب الرئيس جوزيف كابيلا بخفض القبعات الزرق بمقدار 6000 جندي، لم يرفض ذلك تجنبًا للاصطدام مع الرئيس. إنما قام بجولة في 28 منطقة مضطربة ونال تأييد القوات الكونغولية هناك على أن الوضع لا يزال خطرًا في 21 منطقة منها». وفي مقابلة مع مجلة «شتيرن» المعروفة قال كوبلر إن كل شيء يسير نحو الأفضل في الكونغو، لكن ببطء وحذر. وأشار إلى أن مدينة غوما تحولت من خرائب تصول فيها العصابات وتجول، إلى مدينة نظيفة، وشوارع مبلطة، واقتصاد مزدهر. ووصف كوبلر الفرق في وضع المدينة بأنه مثل الفرق بين الليل والنهار.
فعل كوبلر الشيء الكثير خلال سنتين كي تكسب الدولة احترام الناس، واحترام المجتمع الدولي، في الكونغو. عمل كثيرا من أجل الغابات المطرية الغزيرة في الكونغو، وهي غابات واسعة كان يرى كيف تتقلص وتموت وهو يتنقل داخل الكونغو بطائرات الهليكوبتر طوال مئات الساعات من الطيران، بل إنه حقق نجاحًا على صعيد محاربة عصابات تهريب الكولتان عبر رواندا وغيرها، ودعا العالم إلى استخدام «أجهزة جوال» تستخدم الكولتان المصدر رسميًا، ورفض الأجهزة التي يستخدم في تصنيعها الكولتان المهرب.
قبل مغادرته الكونغو، بحسب رده على أسئلة تلفزيون «زدف»، لم ينسَ أن يذكّر الرئيس كوبيلا «بضرورة احترام الدستور» الذي يحدد الرئاسة بفترتين أمد كل منهما 5 سنوات. وكان كابيلا عبر عن رغبته في المشاركة للمرة ثالثة في الانتخابات المخطط لإجرائها في العام المقبل.

شلل الطائفية في العراق

كان على مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى العراق مارتن كوبلر أن ينسق جهود 16 منظمة مختلفة تابعة للمنظمة الدولية في العراق، لكنه لم يحقق النجاح المرجو منه في هذه المهمة التي وصفها بالـ«سياسية». وبحسب تصريحاته نفسه، قضى أقل من سنتين في بعثة الأمم المتحدة في بغداد، لكنه فشل في الخروج من بغداد طوال سبعة أشهر بسبب تدهور الوضع الأمني. وقضى معظم وقته، أثناء فترة إقامته كسفير ألماني ببغداد، بين 2006 - 2007 في إدارة مفاوضات معقدة مع منظمات إجرامية اختطفت عدة ألمان كانوا يعملون في المنظمات الإنسانية ومنظمات إعادة البناء، أو كصحافيين.
عبر عن تشاؤمه تجاه مستقبل الوضع في العراق بعد أن غادره عام 2013، وقال إن الطائفية البغيضة تتعاظم، ويتعاظم معها العنف المتبادل. فالحرب الطائفية الدائرة في العراق، بحسب رأيه، تصيب كل محاولات إعادة البناء وتعزيز الأمن والاستقرار بالشلل. وأضاف أن «انعدام الحوار بين الأطراف المتقاتلة يقود العراق إلى الكارثة».
وحينما توجس العالم من مجزرة محتملة قد تحصل في معسكر أشرف لقوات مجاهدين خلق المدعومة من حكومة البعث السابقة، عرف نشطاء مجاهدين خلق إلى من يتجهون. تظاهروا أمام وزارة الخارجية الألمانية وهم يرفعون شعارًا موجهًا مباشرة إلى مارتن كوبلر: «سيد كوبلر.. امنع المجزرة في معسكر أشرف». وفعلاً أبلغ الرجل مجلس الأمن بخطورة الموقف مرددًا ما تعلمه من معسكر أوسشفيتز: «حياة أناس في خطر وينبغي أن نحميهم». وكان لكوبلر دور مهم في التوصل إلى حل «سلمي» لمشكلة المعسكر، كما دفع الدبلوماسية الألمانية إلى التدخل في محاولة لإيجاد مأوى أمين لأكثر من 3300 مقاتل من مقاتلي مجاهدين خلق كانوا يعيشون محاصرين في معسكر أشرف.
ومعروف أن قوات الولايات المتحدة في العراق سلمت القوات العراقية المسؤولية عن معسكر أشرف في عام 2009، ورفع الاتحاد الأوروبي اسم منظمة مجاهدين خلق من قائمة المنظمات الإرهابية في نفس العام.

مهمة مزدوجة

بعد خبرة كوبلر في العراق وأفغانستان والكونغو، يقع عليه الآن التصدي بعقله الأخضر لمشكلة ازدواجية السلطة في ليبيا في بعثة جديدة مزدوجة الهدف، إذ يبدو أن بعثته إلى ما تبقى من خضار في ليبيا تنطوي على شقين أحدهما «سياسي»، كما هي الحال في العراق، والثاني «عسكري» قد يذكر بمهمته في الكونغو.
عليه أن يوحد جهود المجتمع الدولي لإنهاء ازدواجية الحكم في ليبيا بعد سقوط معمر القذافي، وعليه أن يتصدى للحرب الجارية بين مختلف العشائر المتحاربة، فهناك برلمان يعترف به المجتمع الدولي في شرق ليبيا، وحكومة إسلامية تنطلق من طرابلس وتحاول السيطرة على مزيد من المدن وتوسيع «أراضيها».
وكان برناردينو ليون، المبعوث الدولي الذي سبق كوبلر في ليبيا، قد طرح مقترحًا لتقريب وجهات النظر وتوحيد الحكومتين، إلا أن خطة ليون جوبهت بانتقاد شديد من قبل طرفي النزاع. ويضع بان كي مون ثقته الآن بالدبلوماسي الألماني لرسم خريطة طريق قد تنهي الفوضى القائمة في ليبيا.
وجعلت الفوضى، وغياب الدولة، ليبيا ممرًا لسيل لا ينقطع من اللاجئين الراغبين في قطع البحر الأبيض المتوسط وصولاً إلى إيطاليا. ولا تقتصر مصادر طالبي اللجوء إلى أوروبا على بلدان وسط أفريقيا فقط، لأن الحرب الدائرة في ليبيا، وسيطرة «داعش» على جزء من ليبيا (على البحر) يدفع مئات الآلاف من الليبيين إلى البحث عن حياة أفضل في أوروبا، وخصوصًا ممثلي الطبقة الوسطى التي يمتلك أفرادها ما يكفي من مال لإرضاء المهربين.
والمعتقد أن وقف الهجرة من وعبر ليبيا سيرتبط إلى حد كبير بنجاح كوبلر في إحلال الأمن والاستقرار فيها. ويمكن لاستقرار الوضع في ليبيا أن يوقف بقعة الدم المتمددة في الصحراء الكبرى، لأن منظمة الهجرة العالمية، رغم عدم وجود أرقام تتحدث بها، تعتقد أن ضحايا تهريب البشر عبر الصحراء الكبرى في أفريقيا لا يقل عن عدد ضحايا قوارب اللاجئين في البحر الأبيض المتوسط.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.