في يونيو (حزيران) 2013 استقبل الكونغوليون المبعوث الخاص للأمم المتحدة مارتن كوبلر بالحجارة بسبب فشل الأمم المتحدة المتكرر في وضع البلد على سكة الاستقرار، لكنهم ودعوه في أكتوبر (تشرين الأول) 2015 بالقبلات والدموع بعد أن وضع البلد على طريق انتخابات ديمقراطية قد تبعث شيئًا من الاستقرار في هذا البلد المضطرب عام 2016.
مع ذلك قال كوبلر إنه غادر شرق الكونغو في «الوقت المناسب» تتجاذبه مشاعر الفخر بما أنجزه خلال سنتين، ومشاعر الأسف لفراق هذا الشعب الذي يشكل الشباب تحت سن 25 نسبة 75 في المائة من سكانه. ويعترف كوبلر بأن مهمته في الكونغو عسكرية في حين كانت مهمته السابقة في العراق سياسية، لأنه كان عليه أن ينسق الجهد السياسي والإنساني العسكري لوحدات تابعة للأمم المتحدة، بينها قوات عسكرية قوامها 20 ألفًا من ذوي القبعات تقاتل ضد ميليشيات مسلحة وعصابات تحترف القتل والتعذيب والاغتصاب والسرقة والتهريب في الكونغو.
وتبدو المهمة العسكرية في الكونغو غريبة عن رجل من حزب الخضر كان يهتم بحماية الغابات المطرية في البرازيل أكثر مما يهتم بأناقته كدبلوماسي. وذكر في مقابلة معه، عرضت في القناة الثانية من التلفزيون الألماني (زدف)، أن العقل السلمي قد يجد حلولاً للمشكلات حيث لا تنفع العقلية العسكرية، مضيفًا أن «مهمتنا عسكرية لأنه لا سلم في الكونغو نحافظ عليه كي يطلق على مهمتنا اسم (مهمة حفظ السلام)».
لا يعود الفضل في صعود نجم كوبلر في البعثات الخاصة بالأمم المتحدة إلى صعود حزب الخضر إلى الحكم، بالتحالف مع الحزب الديمقراطي الاشتراكي، واستيزار زعيم الخضر يوشكا فيشر على رأس السلك الدبلوماسي ببرلين عام 1998، لأن من طرح فكرة «الرجل» الأخضر للمهمات العسكرية هو خبير الشؤون الأفريقية كريستوف فوغل. وكان فوغل عبر حينها، في مقابلة صحافية، عن اعتقاده بضرورة إرسال شخصية «مسالمة» من حزب الخضر إلى مناطق أفريقيا المضطربة. ويعتبر فوغل أهم الخبراء الألمان في شؤون الكونغو، وهو أستاذ محاضر في جامعة زيورخ، وكان قبلها يحاضر في جامعة كولون.
حياة دبلوماسية حافلة
ولد مارتن كوبلر في مدينة شتوتغارت الجنوبية، عاصمة ولاية بادن فورتمبيرغ، وأنهى دراسته الإعدادية في عام 1972، ثم درس العلوم القانونية في جامعة بون. درس بعدها اللغات الآسيوية في جامعة باندونغ في إندونيسيا، وتخصص لاحقًا في القوانين الدولية الخاصة بالمياه.
عمل في وزارة الخارجية الألمانية بدءًا من سنة 1983 خبيرًا في الشؤون القانونية، وعمل بعدها في سفارتي ألمانيا في القاهرة وفي نيودلهي. وانتدبته وزارة الخارجية الألمانية بين 1994 - 1997 ليترأس الممثلية الألمانية في أريحا، وذلك في أعقاب اتفاقية أوسلو للسلام بين إسرائيل والفلسطينيين.
وكان عام 1998 حاسمًا في حياته السياسية، لأن حزب الخضر أصبح شريكًا في حكومة المستشار السابق جيرهارد شرودر. عمل منذ ذلك العام نائبًا لرئيس مكتب وزير الخارجية يوشكا فيشر، ثم أصبح رئيسًا لهذا المكتب بين 2000 - 2003.
تم تعيينه بين 2003 - 2006 سفيرًا لألمانيا في العاصمة المصرية، ورافقته زوجته بريتا فاغينير، التي تعمل في الأمم المتحدة في قسم حقوق الإنسان، إلى القاهرة بمثابة نائبة لزوجها السفير. وأثار تعيين زوجته بهذه الطريقة كثيرا من التساؤلات داخل المعارضة (المحافظين) التي اتهمت فيشر وكوبلر باستغلال منصبيهما لأغراض شخصية.
وبعد الحرب على العراق، وسقوط نظام صدام حسين، تم تعيين كوبلر سفيرًا في العراق بين 2006 - 2007، ثم عاد في عام 2007 إلى برلين ليترأس القسم الثقافي في وزارة الخارجية الألمانية. أصبح كوبلر عام 2010 نائب رئيس بعثة الأمم المتحدة إلى أفغانستان (يوناما)، ثم المبعوث الخاص للمنظمة الدولية في العراق بين 2011 - 2013، مهمته تنسيق مهمات مختلف بعثات الأمم المتحدة في هذا البلد المضطرب.
وفي يونيو 2013 كلفه السكرتير العام للأمم المتحدة بان كي مون بقيادة بعثة المنظمة الدولية إلى شرق الكونغو.
شيء من الكونغو في كل جوّال
بعد أن أمطره الكونغوليون بالحجارة أثناء جولته الأولى في شرق الكونغو تفتق «العقل الأخضر» عن سؤال يحيره: ممن ينتظر الكونغوليون الأمان؟ وهكذا، ورغم مهمته الإنسانية العسكرية، بدأ مارتن كوبلر حملة إعادة الاستقرار التدريجي (بحسب تعبيره) للكونغو، باستطلاع للرأي بين الكونغوليين ينتظر الرد على سؤاله المذكور.
تعبيرًا عن ضعف الإيمان ببعثة الأمم المتحدة قالت نسبة 20,7 في المائة من الكونغوليين إنهم ينتظرون الأمان والاستقرار من «الرب»، وقالت نسبة 20,1 في المائة إنهم ينتظرون أن يحقق الجيش الكونغولي الأمان، رغم أن الجيش أحد أهم عوامل عدم الاستقرار في الكونغو بتقدير الأمم المتحدة. وكانت ثقة الناس بالجيش موضع دهشة الدبلوماسي الألماني الذي وصف جنود الجيش الكونغولي بأنهم آخر من يحارب الفساد وأول من يهرب عند هجوم رجال العصابات. فالفساد ينخر صفوف الجيش، ويبقى الجنود لأشهر دون رواتب أحيانا، ويتضح بين فترة وأخرى أن رواتب الجنود تتسرب إلى جيوب الضباط.
وينتظر 19 في المائة من الكونغوليين الأمان من رجال الشرطة رغم أن جهاز الشرطة لا يختلف، من ناحية الفساد وضعف الاستعداد والتسليح، عن الجيش. أما من ينتظر الأمان من بعثة الأمم المتحدة فلم تزد نسبتهم عن 0,2 في المائة، وهو ما يقول كوبلر، في نهاية فترة قيادته للبعثة، إنه رفعه إلى ما فوق الـ20 في المائة.
ولم تكن مهمة كوبلر في الكونغو بالسهلة، لأن الرجل المدني كان يشرف على 20 ألف عسكري من الأمم المتحدة، يتعاونون مع جيش كونغولي جرار، ومنهم قوة تدخل قتالية مشتركة قوامها 3000 رجل من أصحاب القبعات الزرق وأصحاب القبعات الحمراء (الجيش الكونغولي) تقاتل ميليشيات م23 في الأساس، وميليشيات الهوتة المسلحة، وتلاحق عددًا لا يحصى من العصابات الإجرامية المنظمة. وهي أكبر بعثة للأمم المتحدة (مونيوسكو) تثقل المنظمة الدولية بتكاليف ترتفع إلى 1,4 دولار في السنة.
عمل كوبلر في الكونغو مستفيدًا من دروس معسكر أوسشفيتز النازي، بحسب تصريحاته، وبما معناه أن «هناك من ينتظر المساعدة، وعلينا أن نساعده». ويضيف أن الكونغو لا ينقصها سوى الأمان والاستقرار لأن بها من الموارد المعدنية ما يضمن لسكانها العيش الكريم. وتكفي هنا الإشارة إلى 80 في المائة من الكولتان في العالم يأتي من الكونغو، وهي مادة تدخل في صناعة كل جوّال، ويجب أن يذكر كل إنسان في العالم «أن هناك شيئًا من الكونغو في كل جوال».
نال كوبلر في الكونغو ثقة الحكومة وثقة الجيش والشرطة بفضل عقليته الخضراء، وهو ما دفعه للقول إن «الوضع كان بحاجة إلى عقلية خضراء، ولذلك وافقت على الذهاب إلى شرق الكونغو في الحال». نجح في تقليص قوات الأمم المتحدة بمقدار 2000 جندي (10 في المائة)، وهو دليل على تحسن الوضع، لكنه عرف أيضًا كيف «يفرمل» التفاؤل المفرط. وحينما طالب الرئيس جوزيف كابيلا بخفض القبعات الزرق بمقدار 6000 جندي، لم يرفض ذلك تجنبًا للاصطدام مع الرئيس. إنما قام بجولة في 28 منطقة مضطربة ونال تأييد القوات الكونغولية هناك على أن الوضع لا يزال خطرًا في 21 منطقة منها». وفي مقابلة مع مجلة «شتيرن» المعروفة قال كوبلر إن كل شيء يسير نحو الأفضل في الكونغو، لكن ببطء وحذر. وأشار إلى أن مدينة غوما تحولت من خرائب تصول فيها العصابات وتجول، إلى مدينة نظيفة، وشوارع مبلطة، واقتصاد مزدهر. ووصف كوبلر الفرق في وضع المدينة بأنه مثل الفرق بين الليل والنهار.
فعل كوبلر الشيء الكثير خلال سنتين كي تكسب الدولة احترام الناس، واحترام المجتمع الدولي، في الكونغو. عمل كثيرا من أجل الغابات المطرية الغزيرة في الكونغو، وهي غابات واسعة كان يرى كيف تتقلص وتموت وهو يتنقل داخل الكونغو بطائرات الهليكوبتر طوال مئات الساعات من الطيران، بل إنه حقق نجاحًا على صعيد محاربة عصابات تهريب الكولتان عبر رواندا وغيرها، ودعا العالم إلى استخدام «أجهزة جوال» تستخدم الكولتان المصدر رسميًا، ورفض الأجهزة التي يستخدم في تصنيعها الكولتان المهرب.
قبل مغادرته الكونغو، بحسب رده على أسئلة تلفزيون «زدف»، لم ينسَ أن يذكّر الرئيس كوبيلا «بضرورة احترام الدستور» الذي يحدد الرئاسة بفترتين أمد كل منهما 5 سنوات. وكان كابيلا عبر عن رغبته في المشاركة للمرة ثالثة في الانتخابات المخطط لإجرائها في العام المقبل.
شلل الطائفية في العراق
كان على مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى العراق مارتن كوبلر أن ينسق جهود 16 منظمة مختلفة تابعة للمنظمة الدولية في العراق، لكنه لم يحقق النجاح المرجو منه في هذه المهمة التي وصفها بالـ«سياسية». وبحسب تصريحاته نفسه، قضى أقل من سنتين في بعثة الأمم المتحدة في بغداد، لكنه فشل في الخروج من بغداد طوال سبعة أشهر بسبب تدهور الوضع الأمني. وقضى معظم وقته، أثناء فترة إقامته كسفير ألماني ببغداد، بين 2006 - 2007 في إدارة مفاوضات معقدة مع منظمات إجرامية اختطفت عدة ألمان كانوا يعملون في المنظمات الإنسانية ومنظمات إعادة البناء، أو كصحافيين.
عبر عن تشاؤمه تجاه مستقبل الوضع في العراق بعد أن غادره عام 2013، وقال إن الطائفية البغيضة تتعاظم، ويتعاظم معها العنف المتبادل. فالحرب الطائفية الدائرة في العراق، بحسب رأيه، تصيب كل محاولات إعادة البناء وتعزيز الأمن والاستقرار بالشلل. وأضاف أن «انعدام الحوار بين الأطراف المتقاتلة يقود العراق إلى الكارثة».
وحينما توجس العالم من مجزرة محتملة قد تحصل في معسكر أشرف لقوات مجاهدين خلق المدعومة من حكومة البعث السابقة، عرف نشطاء مجاهدين خلق إلى من يتجهون. تظاهروا أمام وزارة الخارجية الألمانية وهم يرفعون شعارًا موجهًا مباشرة إلى مارتن كوبلر: «سيد كوبلر.. امنع المجزرة في معسكر أشرف». وفعلاً أبلغ الرجل مجلس الأمن بخطورة الموقف مرددًا ما تعلمه من معسكر أوسشفيتز: «حياة أناس في خطر وينبغي أن نحميهم». وكان لكوبلر دور مهم في التوصل إلى حل «سلمي» لمشكلة المعسكر، كما دفع الدبلوماسية الألمانية إلى التدخل في محاولة لإيجاد مأوى أمين لأكثر من 3300 مقاتل من مقاتلي مجاهدين خلق كانوا يعيشون محاصرين في معسكر أشرف.
ومعروف أن قوات الولايات المتحدة في العراق سلمت القوات العراقية المسؤولية عن معسكر أشرف في عام 2009، ورفع الاتحاد الأوروبي اسم منظمة مجاهدين خلق من قائمة المنظمات الإرهابية في نفس العام.
مهمة مزدوجة
بعد خبرة كوبلر في العراق وأفغانستان والكونغو، يقع عليه الآن التصدي بعقله الأخضر لمشكلة ازدواجية السلطة في ليبيا في بعثة جديدة مزدوجة الهدف، إذ يبدو أن بعثته إلى ما تبقى من خضار في ليبيا تنطوي على شقين أحدهما «سياسي»، كما هي الحال في العراق، والثاني «عسكري» قد يذكر بمهمته في الكونغو.
عليه أن يوحد جهود المجتمع الدولي لإنهاء ازدواجية الحكم في ليبيا بعد سقوط معمر القذافي، وعليه أن يتصدى للحرب الجارية بين مختلف العشائر المتحاربة، فهناك برلمان يعترف به المجتمع الدولي في شرق ليبيا، وحكومة إسلامية تنطلق من طرابلس وتحاول السيطرة على مزيد من المدن وتوسيع «أراضيها».
وكان برناردينو ليون، المبعوث الدولي الذي سبق كوبلر في ليبيا، قد طرح مقترحًا لتقريب وجهات النظر وتوحيد الحكومتين، إلا أن خطة ليون جوبهت بانتقاد شديد من قبل طرفي النزاع. ويضع بان كي مون ثقته الآن بالدبلوماسي الألماني لرسم خريطة طريق قد تنهي الفوضى القائمة في ليبيا.
وجعلت الفوضى، وغياب الدولة، ليبيا ممرًا لسيل لا ينقطع من اللاجئين الراغبين في قطع البحر الأبيض المتوسط وصولاً إلى إيطاليا. ولا تقتصر مصادر طالبي اللجوء إلى أوروبا على بلدان وسط أفريقيا فقط، لأن الحرب الدائرة في ليبيا، وسيطرة «داعش» على جزء من ليبيا (على البحر) يدفع مئات الآلاف من الليبيين إلى البحث عن حياة أفضل في أوروبا، وخصوصًا ممثلي الطبقة الوسطى التي يمتلك أفرادها ما يكفي من مال لإرضاء المهربين.
والمعتقد أن وقف الهجرة من وعبر ليبيا سيرتبط إلى حد كبير بنجاح كوبلر في إحلال الأمن والاستقرار فيها. ويمكن لاستقرار الوضع في ليبيا أن يوقف بقعة الدم المتمددة في الصحراء الكبرى، لأن منظمة الهجرة العالمية، رغم عدم وجود أرقام تتحدث بها، تعتقد أن ضحايا تهريب البشر عبر الصحراء الكبرى في أفريقيا لا يقل عن عدد ضحايا قوارب اللاجئين في البحر الأبيض المتوسط.

