وزير الداخلية الأردني: القانون الجديد يمنع ترخيص الأسلحة الأوتوماتيكية

قال لـ«الشرق الأوسط» إن حالات الولادة في الأردن من السوريين بلغت 48600 مولود

سلامة حماد (الشرق الأوسط)
سلامة حماد (الشرق الأوسط)
TT

وزير الداخلية الأردني: القانون الجديد يمنع ترخيص الأسلحة الأوتوماتيكية

سلامة حماد (الشرق الأوسط)
سلامة حماد (الشرق الأوسط)

قال وزير الداخلية الأردني سلامة حماد إن إغلاق الحدود بين الأردن وسوريا قد أثر على الأردن بشكل سلبي وخاصة على الصعيدين الاقتصادي والأمني، وذلك نتيجة لتوقف حركة التجارة وتعطل شريان الحياة الاقتصادية حيث كان ميزان التجارة البينية وحركة الاستيراد والتصدير يسجلان أرقاما عالية بينهما.
وأضاف حماد في حوار شامل مع صحيفة «الشرق الأوسط» أن ما قدمه المجتمع الدولي للأردن في مجال دعم اللاجئين السوريين لا يتجاوز 38 في المائة من احتياجاته لتغطية تكلفة استضافة اللاجئين السوريين وتحمل تبعات الأزمة.
وكشف حماد أن عدد واقعات الولادة للمواليد من حملة الجنسية السورية التي سجلتها دائرة الأحوال المدنية والجوازات الأردنية منذ عام 2011 وحتى 1-9-2015 نحو 48600 واقعة.
ووصف حماد الأوضاع الأمنية في الأردن بـ«الممتازة»، عازيا ذلك إلى القيادة الحكيمة للملك عبد الله الثاني، ووعي وإدراك الشعب الأردني لطبيعة المتغيرات والتطورات التي تشهدها المنطقة، والجهود النوعية التي تبذلها الأجهزة الأمنية والعسكرية على مدار الساعة للحفاظ على أمن الأردن واستقراره. وتاليا نص المقابلة:

* بدأ الأردن في عملية إصلاح واسعة في مختلف المجالات، إلى أين وصلت عملية الإصلاح وهل حققت النتائج المرجوة منها وخاصة على الصعيدين الاقتصادي والسياسي؟
- إن جملة الإصلاحات السياسية والاقتصادية والإدارية التي انتهجها الأردن بتوجيهات ملكية سامية جاءت منسجمة ومعبرة عن رغبة شعبية بالإصلاح والتطوير والتحديث، وبدأت تؤتي أكلها وخاصة على صعيد تعظيم المشاركة الشعبية في صناعة القرارات المتعلقة بمستقبل الوطن والمواطن، وإعطاء زخم جديد للمشاركة الشعبية في الحياة السياسية، وإذكاء روح التفاعل الإيجابي بين الحكومات والمواطنين حول مختلف القضايا المتعلقة بالشأن العام والخاص.
وقد ساهمت الإصلاحات مع غيرها من العوامل الأخرى في صياغة المعادلة الأمنية الأردنية بحرفية عالية فقد كان أبرزها تعديل ثلثي مواد الدستور التي تزيد من حجم مشاركة الفرد في الحياة العامة، وإقرار قانون جديد للأحزاب وإحداث وزارة تعنى بالتنمية السياسية وإنشاء الهيئة المستقلة للانتخابات والمحكمة الدستورية وصولا إلى قانون البلديات وقانون جديد للانتخاب يحقق الغاية المرجوة منه ويتيح للجميع المشاركة الفاعلة في الحياة السياسية إلى جانب قانون اللامركزية الذي يتضمن في أحد بنوده انتخاب مجلس المحافظة من قبل المواطنين ليضاف كل ذلك إلى جملة الإصلاحات السياسية الأخرى كانتخاب أعضاء المجالس البلدية والنيابية وبذلك نضمن مشاركة المواطن في صناعة القرارات المتعلقة بمستقبله عبر انتخاب ممثليه في جميع المجالس المخولة بإحداث التغيير والتطوير المنشود.
* يشكل اللاجئون السوريون نسبة تصل إلى 20 في المائة من مجموع سكان الأردن، برأيك هل هذا العدد الكبير يشكل ضغطا على الأردن من الناحية الاقتصادية والسياسية والأمنية ؟
- لم يكن الأردن في يوم من الأيام بمنأى عما يدور حوله من أحداث، فهو يؤثر ويتأثر بقدر حجم الحدث وانعكاساته على أمنه وسياسياته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ولا شك أن الأزمة السورية ألقت بظلالها على الأردن بحكم الموقع الجغرافي والصلات والروابط الكثيرة التي تجمع البلدين الشقيقين وأولها الصلات القومية المنبثقة عن المبادئ القومية الراسخة التي تأسست عليها المملكة، ومنذ بداية الأزمة كان الأردن سباقا لاستقبال الفارين من دوامة الصراع والدمار والموت، ولم يغلق أبوابه أمامهم في الوقت الذي تخلت فيه الكثير من الدول عن دورها الإنساني في هذا المجال، وتقاسم الأردنيون مع اللاجئين السوريين كل مقومات الحياة التعليمية والصحية والمتعلقة بمصادر الطاقة والمياه والبنى التحتية، وشكلوا ضغطا هائلا على القطاعات الحيوية والخدمة المخصصة أصلا لخدمة المواطن الأردن.
* مشكلة المهاجرين السوريين أصبحت أولوية للعالم الغربي، هل ترى أن الدعم الذي يقدمه المجتمع الدولي للأردن كاف لمساعدتكم على تجاوز أعباء اللجوء؟
- ما قدمه المجتمع الدولي للأردن في هذا المجال لا يتجاوز الـ38 في المائة من احتياجاته لتغطية كلفة استضافة اللاجئين السوريين وتحمل تبعات الأزمة، وذلك حسب تقارير الأمم المتحدة بهذا الخصوص، وخاصة أننا بلد محدود الموارد، الأمر الذي عكس أجواء سلبية أدت إلى إنهاك جميع القطاعات الحيوية والخدمية ولا سيما في المناطق الحاضنة للاجئين التي تعاني كغيرها من تردي مستوى الخدمات ونفاد المخصصات اللازمة لإدامة عملها ومهامها نتيجة للضغط المتزايد التي تتعرض الكثير من القطاعات الخدمية من قبل اللاجئين والمواطنين على حد سواء.
وبلغت عدد واقعات الولادة للمواليد من حملة الجنسية السورية التي سجلتها دائرة الأحوال المدنية والجوازات منذ عام 2011 وحتى 1-9-2015 نحو 48600 واقعة.
* المعابر الحدودية بين الأردن وسوريا مغلقة بسبب تردي الأوضاع الأمنية في الجانب السوري، كيف يتعامل الأردن مع هذه القضية؟ وما الشروط التي بموجبها سيتم افتتاح المعابر الحدودية؟
- لا شك أن إغلاق الحدود بين الأردن وسوريا قد أثر على المملكة بشكل سلبي وخاصة على الصعيدين الاقتصادي والأمني، وذلك نتيجة لتوقف حركة التجارة وتعطل شريان الحياة الاقتصادية حيث كان ميزان التجارة البينية وحركة الاستيراد والتصدير يسجل أرقاما عالية بينهما، وفيما يتعلق بالشق الأمني فإن القوات المسلحة الأردنية والأجهزة الأمنية أصبحت تمارس دورا أمنيا مضاعفا على جانبي الحدود والذي شكل بدوره عبئا إضافيا عليها تطلب بذل المزيد من الجهود لحماية الحدود ومنع عمليات التهريب بشتى أنواعه، وإعادة فتح الحدود تتطلب إعادة الاستقرار والسيطرة وفرض الأمن على الجانب السوري من الحدود.
* العلاقات الأردنية السعودية متميزة.. هل هناك تعاون بين البلدين من النواحي الأمنية لمواجهة التطرف والإرهابيين؟
- لا يمكن القول إن العلاقات الأردنية السعودية في الوقت الحاضر جيدة أو ممتازة وفي الماضي كانت بدرجة أقل، فهي منذ تأسيس المملكتين مميزة ونوعية وتغذيها الكثير من الروافد القومية والدينية والاقتصادية والتاريخية والمخزون الكبير من التقارب والتنسيق بينهما، ولكن هذه العلاقات في الوقت الحاضر استطاعت بحنكة قيادتي البلدين ورؤيتهما الثاقبة أن تتخطى الأطر التقليدية للعلاقات القائمة بين الدول إلى مراحل متقدمة حددت معالمها وأبعادها التطورات المتلاحقة في المنطقة والعالم.
ويمكنني القول إن البلدين يمثل كل منهما عمقا استراتيجيا للآخر وهذا ما استقر في الذهنية الشعبية والرسمية منذ التأسيس حتى وصلت علاقات البلدين إلى مرحلة التكامل في كل شيء وهذا ما تقتضيه مصلحة البلدين والأمتين العربية والإسلامية.
وعلى كل الصعد لم تبخل السعودية في تقديم كل الدعم للأردن وكانت المساعدات السعودية ذات حضور دائم في موازنة الأردن مثلما كان الأردنيون بخبراتهم وكفاءاتهم يحظون بكل التقدير والاحترام لمساهمتهم في بناء الدولة السعودية وهي الرقم العربي الكبير، بل الطرف الأهم في معادلة العالم الإسلامي، فكانت علاقة البلدين تبادلية وفي المحصلة شكلت تعزيزا حقيقيا وعمليا للعلاقات العربية بجانبيها الثنائي والعام.
* مشروع قانون اللامركزية الذي رده الملك لوجود مخالفة دستورية في إحدى مواده، هل تعتقد أن هذا المشروع بعد مناقشته وإقراره وإخراجه إلى حيز الوجود، سينجح؟ وما الذي سيقدمه للمواطنين؟
- مشروع قانون اللامركزية هو توجيه ملكي للحكومات المتعاقبة مفاده التوصل إلى قانون إصلاحي يساهم في توسيع قاعدة المشاركة الشعبية للمواطنين في صنع القرارات المتعلقة بمستقبلهم وحياتهم وترتيب أولوياتهم وتمكينهم من المشاركة في اتخاذ القرار التنموي والاقتصادي، والارتقاء بكفاءة أداء المجتمعات المحلية من خلال التركيز على البعد الديمقراطي، وتمكين مؤسسات المجتمع المدني من أداء دورها في عمليات الإصلاح والتنمية ومراقبة سير عمل المرافق العامة والمشاريع الرأسمالية وتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين على المستوى المحلي، وتنظيم الشراكة بين القطاعين العام والخاص وتشجيع الاستثمار ووضع السياسات ومتابعة تطبيقها ومراقبتها وتقييمها ضمن أسس واضحة للمساءلة والشفافية.
* كيف تقيم الحملات الأمنية على المطلوبين؟ وهل ساعدت على التخفيف من الجريمة؟
- بداية أود التأكيد أن إيجاد حلول للمشاكل والتحديات التي تعاني منها المملكة في شتى المجالات يرتبط بشكل وثيق بالقدرة على فرض سيادة القانون والحفاظ على هيبة الدولة، حتى إن حجم المشاريع الاستثمارية والسياحية في الكثير من دول العالم يعتمد أولا وأخيرا على القاعدة الأمنية المتينة في تلك الدول وقدرتها على فرض سيادة القانون، ومن هنا جاءت الحملات الأمنية للقبض على المطلوبين وإرساء قواعد ومتطلبات الأمن في جميع مناطق المملكة وقد حققت نجاحا كبيرا، بسبب زيادة مستوى وعي المواطن بأهمية سيادة القانون والامتثال لأحكامه، ووحدة القرار الأمني والعمل بروح الفريق الواحد إلى جانب وضع الخطط والاستراتيجيات الشاملة والقابلة للتنفيذ لمواجهة الجريمة والحد منها على جميع المستويات.
ومن هنا فإن آثار الحملات الأمنية انعكست بشكل واضح على انخفاض مستوى الجريمة بشكل عام وسرقة السيارات وزيادة اكتشاف عمليات التهريب والاتجار بالمخدرات والسلاح غير الشرعي ومنع الاعتداء على أراضي الدولة ومصادر المياه والكهرباء والأحراش وإطلاق العيارات النارية في الأفراح والمناسبات وإزالة الأكشاك المنتشرة على الطرق والمخالفة للقانون وغيرها من الجرائم، وقد شكلت أيضا عملية ترجمة القرارات الأمنية التي تتخذ لفرض الأمن، بشكل سريع وحازم من قبل كوادر الأجهزة الأمنية، سببا آخر لانخفاض مستوى الجريمة وزيادة معدل اكتشافها.
* أقر مجلس الوزراء مؤخرا تسهيلات أو ميزات لأبناء الأردنيات المتزوجات بأجانب وذلك بناء على توصيات اللجنة الوزارية المشكلة بهذا الخصوص والتي كان لوزارة الداخلية دور كبير في وضع بنودها، ما هي طبيعة هذه الامتيازات؟
- صدر قرار مجلس الوزراء بتاريخ 9-11-2014 وتم بموجبه منح تسهيلات لأبناء الأردنيات المتزوجات بغير الأردنيين في مجالات أذونات الإقامة والصحة والعمل والتعليم من خلال السماح لهم بالدراسة في مدارس المملكة الحكومية والخاصة والاستثمار والتملك والحصول على رخص قيادة المركبات فئة خصوصي وجاء القرار ليخفف من معاناة الأردنيات المتزوجات بغير الأردنيين وأبنائهن.
ولضمان تنفيذ التعليمات فقد أصدرت الوزارة تعليمات تنفيذ قرار مجلس الوزراء المتعلقة بمنح أبناء الأردنيات المتزوجات بغير الأردنيين التسهيلات لسنة 2014 وتم نشرها بالجريدة الرسمية في مطلع العام الحالي، واستقبال الطلبات فور نشرها حيث بلغ عدد البطاقات التعريفية المصروفة حتى اليوم نحو 53 ألف بطاقة تعريفية وما زالت دائرة الأحوال المدنية والجوازات تتلقى الطلبات بشكل مستمر.
ولتحقيق المزيد من الشفافية والعدالة فقد تضمنت هذه التعليمات آلية للتظلم في حال عدم الموافقة على صرف هذه البطاقات، حيث قمت بتعيين حاكم إداري لرئاسة هذه اللجنة ومتابعة أي شكاوى تتعلق بتطبيق القرار وتعليماته إلى جانب تعميم آخر للأجهزة المعنية للتقيد بالتعليمات المتعلقة بالتسهيلات الممنوحة لأبناء الأردنيات.
* في الأردن توجد كميات كبيرة من السلاح الفردي مع المواطنين.. ما الإجراءات للحد من انتشار هذه الأسلحة؟
- لقد أقر مجلس الوزراء قبل أيام مشروع قانون جديدا للأسلحة والذخائر هدفه منع ترخيص الأسلحة الأوتوماتيكية ووضع أسس جديدة لموضوع اقتناء وحمل الأسلحة، وإعادة النظر بالتراخيص الممنوحة لاستيراد الأسلحة وتحديد كمياتها، وذلك بهدف الوصول إلى «أردن خال من الأسلحة التي لا تحمل ترخيصا قانونيا ولا تخرج عن سيطرة الدولة» ومنع عمليات التهريب، إلى جانب الحملات الأمنية المستمرة التي نفذت وما زالت لمصادرة الأسلحة غير المرخصة.
* هل لديكم استراتيجية لمواجهة الفكر المتطرف والخلايا النائمة للمتشددين؟
- أولا ومن منطلق إدراكنا للمستقبل ووعينا لما يدور حولنا من أحداث متسارعة وأبرزها الغزو الفكري المشوه لديننا الإسلامي السمح من قبل فئة قادتها رغبتها السلطوية وجهلها لنشر فكرها الظلامي ومعتقداتها الفاسدة لترويع البشرية والعبث بأمنهم وأمانهم، وبناء على ذلك فقد باشرت المملكة بتنفيذ استراتيجية مكافحة الإرهاب والتطرف، ومن ضمنها برنامج حوار نزلاء الفكر التكفيري في مراكز الإصلاح والتأهيل ويأخذ البرنامج عدة مراحل حيث أظهرت المؤشرات الأولية أن هذا البرنامج حقق نتائج إيجابية بالإضافة إلى البرامج الأخرى التي تنوعت في الفئات المجتمعية المستهدفة في دور العبادة والمدارس والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني، وإيمانا بأن الإرهاب لا يفرق بين أحد وأنه يستهدف الجميع فقد شارك الأردن إلى جانب التحالف الدولي لوأد الإرهاب في مكمنه وإخماد نار حقده وكراهيته للبشرية كون القائمون عليه قلة من المارقين والمنحرفين وسنستمر بمحاربة الإرهاب بكل ما أوتينا من قوة حتى يتم القضاء عليه نهائيا، وقد استحدثت أيضا في وزارة الداخلية مديرية خاصة لمكافحة التطرف والعنف.
* بعد عودتك لوزارة الداخلية التي تركتها قبل 20 عاما برأيك ما الذي تغير من التحديات الأمنية في البلاد؟
- التطور والتغيير سنة الحياة، وهذا التطور بالضرورة له وجهان أحدهما سلبي إن لم نحسن استغلاله واستثماره والآخر إيجابي إن تمكنا من استغلال فوائده وترجمناها لما يحقق مصالح البلاد والعباد، وما يدور حولنا من تغيرات وتطورات أفرز الكثير من التحديات وخاصة الأمنية منها والتي أثرت علينا بشكل مباشر واقصد هنا ما تعرضت له المنطقة والعالم العربي من تطورات وتغيرات يعرفها القاصي والداني خلال السنوات القليلة الماضية، ولا شك أن معدل الجريمة قد ارتفع بفعل الانفلات الحدودي في دول الجوار والغزو الثقافي والفكري والعقائدي.
وبفعل تطور وسائل تكنولوجيا الاتصال والتواصل التي استخدمت أحيانا لأغراض تنافي أهدافها الأصلية التي صنعت لأجلها واستغلالها من قبل البعض لتنفيذ الجرائم والتحايل على القانون وإيذاء الناس، وهذا كله يمثل تحديات أمنية تتطلب تفاعلا أمنيا على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي.



إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)

وسّع الجيش الإسرائيلي موجة إنذارات الإخلاء إلى السفح الغربي لجبل الشيخ، في تمدد غير مسبوق باتجاه منطقة حدودية مع سوريا لم تكن محتلة منذ العام 1985 في جنوب شرقي لبنان، وهو ما أثار موجة أسئلة عن خريطة الحركة الجديدة التي لا تقتصر على تقييد عودة السكان فحسب، بل تعيد توجيه ثقلها العملياتي نحو الشرق.

ويشير ضم الجيش الإسرائيلي لبلدة عين عطا ضمن تمددها إلى جبل كريستوباني، وهي تسمية إسرائيلية مستحدثة للمنطقة، إلى أن المعركة لم تعد محصورة في الجبهة الجنوبية التقليدية، بل تتجه تدريجياً إلى اختبار محاور بديلة باتجاه الحدود مع سوريا، قد تعيد رسم خطوط الاشتباك. وبدل أن تتحول الهدنة إلى مساحة استقرار، تبدو مرحلة لإعادة التموضع، وتقوم على ضبط الأرض جنوباً، وفتح احتمالات التصعيد شرقاً.

خريطة نشرها الجيش الإسرائيلي للمنطقة الحدودية مع لبنان (الجيش الإسرائيلي)

وعين عطا، تتبع إدارياً قضاء راشيا في محافظة البقاع، وتقع على مرتفع استراتيجي على الجانب اللبناني من سفح جبل حرمون، وهي منطقة اتصال بين الأراضي اللبنانية والأراضي السورية التي احتلتها إسرائيل في العام الماضي في شمال القنيطرة، وتشرف في لبنان على عمق استراتيجي يربط البقاع بالجنوب.

محررة منذ 1985

ويضع مصدر نيابي لبناني هذا التصعيد بالتحذيرات في إطار مختلف، معتبراً في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أنّها «تندرج ضمن الضغط الذي يستهدف كل اللبنانيين، عبر توسيع رقعة القلق، وزرع حالة دائمة من الترقّب، والخوف»، مضيفاً: «إنّ المشروع التوسعي الإسرائيلي لا يستثني أحداً من حيث الاستهداف».

ويوضح المصدر أنّ إدراج عين عطا ضمن هذه التحذيرات «يثير تساؤلات جدية، لا سيما أنّ البلدة ليست من القرى التي خضعت للاحتلال في مراحل التسعينات، بل تُعدّ محرّرة منذ عام 1985»، مشدداً على أنّ «الحديث عنها بهذا الشكل يفتقر إلى الدقة، سواء من الناحية التاريخية، أو الميدانية».

أطفال يلهون في سيارة مدمرة بجنوب لبنان العام 1983 (متداول)

تبدّل في التفكير العملياتي

في قراءة أوسع لهذه المؤشرات، يضع رئيس «مركز الشرق الأوسط للدراسات» العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر هذا التصعيد ضمن سياق تحوّل في المقاربة العسكرية الإسرائيلية. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ «الحديث عن منطقة جنوب عين عطا لا يمكن فصله عن القراءة العسكرية لطبيعة السيطرة النارية والاستكشافية التي يؤمّنها جبل الشيخ»، موضحاً أنّ «جبل الشيخ يوفّر إشرافاً بالنار والاستطلاع يمتد إلى البقاع الغربي، ومناطق واسعة من الجنوب».

ويشير إلى أنّ «إسرائيل بعدما لم تنجح في تحقيق تقدّم حاسم في الجنوب، بدأت تبحث عن محاور بديلة، من بينها البقاع الغربي، ومنطقة عين عطا تحديداً، لما لهذه المنطقة من أهمية عملياتية»، لافتاً إلى أنّ «هذا المحور كان مطروحاً سابقاً كخيار لهجوم بري محتمل، خصوصاً أنّ التقدّم من الجنوب أثبت تعقيداته الميدانية».

جرافات إسرائيلية معززة بدبابات عسكرية تنفذ أعمال هدم داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

ويضيف أنّ «السيناريو الأكثر ترجيحاً كان، ولا يزال، يعتمد على اختراق من جهة البقاع الغربي، نظراً لخصوصية هذه المنطقة من حيث الطبيعة الجغرافية والديموغرافية، فهي أقل تعقيداً من الجنوب، وأرضها أكثر انفتاحاً، ما يسهّل العمليات العسكرية».

توسعة بالتحذيرات

وتتزامن التحذيرات مع استمرار تمركز القوات الإسرائيلية خلال فترة وقف إطلاق النار، وتشمل طيفاً واسعاً من القرى، من الناقورة في جنوب غربي لبنان، إلى مرجعيون وكفرشوبا وعين عطا شرقاً، مروراً ببلدات محورية، مثل بنت جبيل، والخيام، وميس الجبل، إضافة إلى مناطق حيوية كنهر الليطاني ووادي السلوقي. وعلى الأرض، تتقاطع هذه الإنذارات مع معطيات ميدانية تشير إلى استمرار تمركز القوات الإسرائيلية داخل بعض النقاط، ما يحوّل الهدنة عملياً إلى مساحة ضبابية بين وقف النار واستمرار السيطرة.

وتتقدم منطقة عين عطا في هذه القراءة بوصفها نقطة مفصلية في أي سيناريو عسكري محتمل. ويشدّد جابر على أنّ «منطقة جنوب عين عطا تشكّل نقطة مفصلية في أي حسابات عسكرية، كونها مفرق طرق يربط بين البقاع الغربي وراشيا وحاصبيا والجنوب، وبالتالي فإن السيطرة عليها تفتح مسارات متعددة لأي تقدّم عسكري»، معتبراً أنّ «أهميتها تكمن في كونها عقدة مواصلات تتيح الانتقال نحو عدة اتجاهات في وقت واحد».

نازحون يعبرون جسراً مدمراً في طريق العودة إلى منازلهم في قرية طير فلسيه في جنوب لبنان (أ.ب)

ويشير إلى أنّ السيطرة عليها تتيح التحرك شرقاً نحو عمق البقاع، وجنوباً نحو حاصبيا والعرقوب، وغرباً باتجاه القرى الأساسية في البقاع الغربي، ما يمنح أي قوة مهاجمة مرونة عالية في المناورة، والتحكم بخطوط الإمداد». ويقول إنّ «التركيبة الديموغرافية المختلطة في هذه المنطقة تجعلها، عسكرياً، أكثر رخاوة من بيئة الجنوب».

ويرى أنّ «هذا السيناريو، في حال تحقّق، قد يؤدي إلى فصل البقاع الشمالي عن الجنوب، ما يغيّر موازين المعركة بشكل جذري، ويضع القوى المدافعة أمام تحديات لوجستية وميدانية أكثر تعقيداً».

الأهداف تتجاوز الميدان

لا يقتصر هذا التحوّل، وفق جابر، على البعد العسكري، بل يتعداه إلى أهداف سياسية واضحة. ويرى أنّ «إسرائيل، في حال دخلت واحتلت نقاطاً في هذه المنطقة، قد تتكبّد خسائر، لكنها تراهن على استخدام هذا التقدّم ليكون ورقة ضغط، ولفرض شروطها السياسية على لبنان، خصوصاً فيما يتعلق بسلاح (حزب الله) وترسيم الحدود». ويضيف أنّ «الهدف من أي تحرّك عسكري إسرائيلي لا يقتصر على المكاسب الميدانية، بل يتجاوزها إلى تحقيق أهداف سياسية، أبرزها الضغط على الدولة اللبنانية لفرض وقائع جديدة، سواء لجهة سلاح (حزب الله)، أو إعادة ترتيب الحدود الجنوبية».


ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
TT

ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)

لم تمر وفاة الطبيب المصري ضياء العوضي في دولة الإمارات قبل بضعة أيام مرور الكرام، فالجدل دائر منذ أشهر حول شخصيته و«نظريته» التي يروج لها برفض العلاج عبر الأدوية التقليدية والاعتماد على نظام غذائي أطلق عليه «الطيبات».

ورغم تأكيد محاميه أن الوفاة «طبيعية»، وصدور بيان من وزارة الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، الثلاثاء، ذكر أن الوفاة التي حدثت في أحد فنادق مدينة دبي «جاءت طبيعية، ولا توجد أي شبهات جنائية، وجاءت بسبب جلطة مفاجئة بالقلب»، فإن ملابسات الواقعة تحولت إلى مادة جدل واسع على منصات التواصل الاجتماعي.

فالعوضي عُرف بآرائه المثيرة للجدل، مثل التحذير من تناول الأطفال الذكور الدواجن بزعم تأثيرها على «الرجولة»، وتفضيل الإفطار بـ«النوتيلا» على الأطعمة التقليدية مثل الفول، والدعوة إلى استهلاك كميات كبيرة من السكر يومياً، إلى جانب التحذير من الخضراوات رغم قيمتها الغذائية المعروفة.

العوضي عُرف بالترويج لما سمّاه «نظام الطيبات» رافضاً العلاج بالأدوية التقليدية (لقطة من لقاء تلفزيوني أجراه معه الإعلامي محمود سعد)

ولا تزال صفحات مؤيدة له تضم آلاف المتابعين تعيد نشر مقاطع له وتدافع عن منهجه في التغذية، ومن بين هؤلاء مدوِّنة تُدعى رشا حجازي، قالت إن الطبيب الراحل طوّر ما يُعرف بـ«دايت الأرز» الذي وضعه الطبيب الألماني - الأميركي والتر كيمبنر.

غير أن الطبيب والإعلامي المصري الدكتور خالد منتصر روى تفاصيل موقف وحيد جمعه مع العوضي، عبر منشور على «فيسبوك»، حين علّق الراحل بشكل عدّه منتصر «غير طبيعي» وحذره من «أكل البطيخ» مظهراً «ثقة زائدة»، ولفت منتصر إلى أن «تحويل الطبيب العوضي إلى تريند» على مواقع التواصل أسهم في «زيادة حضوره الإعلامي».

وشدد منتصر على أن الوفاة لا تنفي حق نقد «الآراء الطبية غير العلمية»، مؤكداً أن «توصية الطبيب الراحل بوقف الإنسولين أو مثبطات المناعة أو الكورتيزون بشكل مفاجئ يُعد جريمة طبية»، محذراً من أن ذلك يكرّس الجهل ويغذي من وصفهم بـ«سماسرة الوهم».

اتهامات وشطب عضوية

في السياق ذاته، أشار الدكتور أسامة حمدي، أستاذ الباطنة والسكر بجامعة هارفارد الأميركية، إلى ما وصفها بـ«أخطاء طبية جسيمة» نُسبت إلى الطبيب الراحل، تمثلت في الترويج لعلاج مرض السكري بزيادة تناول السكر، والدعوة إلى وقف الإنسولين حتى لمرضى النوع الأول، إضافةً إلى وقف الكورتيزون عن مرضى يعتمدون عليه.

وأوضح أن هذه الممارسات، وفق روايات طبية، أدت إلى مضاعفات خطيرة بينها حالات تسمم كيتوني ووفاة سيدة، محذراً من خطورة تجاهل الأسس العلمية في علاج الأمراض المزمنة، حسب منشور عبر صفحته على «فيسبوك».

وفي مارس (آذار) الماضي، قررت نقابة الأطباء المصرية شطب عضوية العوضي، بعد اتهامه بنشر معلومات طبية مضللة وغير مدعومة علمياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدةً أن هذه الممارسات قد تمثل تهديداً مباشراً لصحة المواطنين.

كما شملت الاتهامات الترويج لأساليب علاجية غير معتمدة علمياً في التعامل مع بعض الأمراض المزمنة، وهو ما عدّته لجنة التأديب بالنقابة إخلالاً جسيماً بأصول المهنة وقواعدها الأخلاقية والمهنية.

ويعتقد الدكتور وسام إبراهيم حمودة، استشاري ورئيس قسم جراحات التجميل والحروق بجامعة بنها، أن «الأدوية العشبية والمنتجات الطبيعية قد تلعب دوراً في الوقاية من بعض الأمراض، إلا أن فاعليتها في العلاج أو تسريع التعافي لا تزال بحاجة إلى أدلة علمية حاسمة».

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «حسم هذا الجدل يتطلب جهوداً بحثية جادة تقودها مؤسسات علمية وشركات دواء عربية، لإنتاج دراسات موثوقة قادرة على الفصل في هذا الملف، في ظل غياب يقين علمي نهائي حتى الآن».

«منظومة مصالح» أم «منظومة تغذية»؟

ووسط الجدل الدائر حول منهجه، قال مصطفى ماجد، محامي العوضي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن ملابسات وفاة موكله تواكبت مع انقطاع التواصل مع أسرته قبل أيام. لكنه أكد أن سبب الوفاة «لا تتوفر به أي شبهة جنائية»، مشيراً إلى أنه تلقى إخطاراً هاتفياً من السلطات المصرية يفيد بأن «التحقيقات الجارية في الإمارات عزت سبب الحقيقي للوفاة إلى أزمة قلبية». وهو ما أوضحته وزارة الخارجية في بيان الثلاثاء.

وسبق أن وجّه وزير الخارجية، بدر عبد العاطي، القنصلية المصرية في دبي بـ«التواصل المستمر مع السلطات الإماراتية المختصة للوقوف على ملابسات الواقعة، ومتابعة الإجراءات ذات الصلة»، إلى جانب سرعة إنهاء الإجراءات اللازمة لنقل الجثمان إلى مصر.

المحامي مصطفى ماجد (صفحته الرسمية)

ورغم الإعلان لم ينقطع الجدل، إذ كتب أحد متابعيه، ويدعى علي محمد، معبّراً عن قناعته بأن العوضي واجه ما وصفها بـ«منظومة مصالح» داخل القطاع الطبي تشمل أطباء ومعامل وشركات أدوية. وزعم أن هذه المنظومة تستفيد من المرضى عبر الإكثار من الوصفات الطبية والفحوص، وترتبط بعلاقات دعائية وتسويقية مع شركات الأدوية.

غير أن هذه الفرضية يرفضها الدكتور أسامة حمدي الذي رأى أن وقوع الوفاة نتيجة «جلطة قلبية مفاجئة» كان «أمراً متوقعاً»، وكتب في منشور عبر حسابه في «فيسبوك»: «مع الأسف، لقد توقعت تماماً ما حدث له حين رأيت نحافته الشديدة والمستمرة، وفقدانه الشديد لعضلات فخذيه، وشحوب وجهه وتوتره، نتيجة لنظام غذائي صارم ينتهجه، ويمنع عنه -عن عمد- كثيراً من الفيتامينات والأملاح المعدنية، وكثيراً من الأحماض الأمينية المهمة للعمليات الحيوية في الجسم، مع استمراره في التدخين بشراهة رغم التحذيرات المعروفة والمثبتة علمياً».

رأي خبراء الاجتماع

ويُبدي علماء اجتماع شكوكاً في أن هذا الجدل يحمل قدراً مما يُعرف بـ«الافتعال الإعلامي»، وهي أيضاً رؤية الدكتور سعيد صادق، أستاذ الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية، الذي لفت إلى أن العوضي «لم يكن لديه منتج علمي أو طبي ملموس يبرر فرضيات الاستهداف أو المؤامرة، مثل حالات شهيرة لعلماء في عالمنا العربي».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الانشغال الواسع بالقضية يعكس خللاً في ترتيب أولويات النقاش العام، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية التي يواجهها المواطن المصري»، مضيفاً أن «تضخم مثل هذه القضايا يرتبط بطبيعة الإعلام الرقمي وسعي بعض الصفحات وراء (التريند) لما يحققه من عوائد سريعة».

وانتهى إلى أن «ثورة السوشيال ميديا أعادت تشكيل بيئة الإعلام، وأصبح البحث عن الانتشار هدفاً رئيسياً لدى كثير من المنصات»، مؤكداً أن ذلك يؤدي إلى تضخيم قضايا هامشية على حساب ملفات أكثر أهمية وتأثيراً في المجتمع.


قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
TT

قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

صعّدت الجماعة الحوثية من حملات القمع والاعتقالات في محافظة إب، في تطور يعكس تشديداً في القبضة الأمنية على واحدة من أعلى المحافظات اكتظاظاً بالسكان وأكبرها رفضاً لسلطة الجماعة الانقلابية، وذلك بالتزامن مع تحويل منشآت مدنية سجوناً سرية.

في هذا السياق، كشفت مصادر حقوقية عن استحداث الجماعة ما لا يقل عن 14 سجناً سرياً داخل منشآت مدنية وعسكرية في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، بينها مرافق رياضية وثقافية، في وقت ارتفع فيه عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، بينهم ناشطون وتربويون وشباب، في سياق حملة تستهدف كبح أي تحرك مجتمعي معارض.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن هذه الحملة تأتي ضمن استراتيجية أمنية أوسع تهدف إلى إحكام السيطرة على المحافظة التي ظلت، خلال السنوات الماضية، بؤرة احتجاجات صامتة ومفتوحة ضد ممارسات الجماعة، خصوصاً في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وغياب الخدمات الأساسية.

وتفيد مصادر حقوقية بأن ما يسمى «جهاز استخبارات الشرطة»، الذي يقوده علي الحوثي، نجل مؤسس الجماعة، يقف وراء موجة اعتقالات جديدة طالت أكثر من 40 شاباً في مركز المحافظة وأريافها خلال الأسابيع الأخيرة. وبذلك يرتفع عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، في ظل اتهامات فضفاضة تتعلق بدعم الحكومة الشرعية أو معارضة سلطة الجماعة.

أكثر من مائة معتقل يمني في إب دون تهم واضحة خلال العام الماضي (إعلام محلي)

وأكدت منصة «ضمير»، المعنية بتوثيق قضايا المعتقلين والمُخفَين قسراً، أنها رصدت نحو 150 حالة اختطاف خلال العام الماضي والربع الأول من العام الحالي، «ضمن خطة أمنية منظمة تستهدف وأد أي نشاط مجتمعي مناهض».

ولفتت إلى أن هذه العمليات لا تجري عشوائياً، بل وفق آلية تبدأ بـ«الرصد والمتابعة، ثم تنفيذ مداهمات ليلية، تنتهي باقتياد المستهدفين إلى أماكن احتجاز سرية، دون أوامر قضائية».

وتركز الحملة، وفق تقرير المنصة، على فئات محددة في المجتمع، في مقدمتها المدرسون والناشطون المجتمعيون، «خصوصاً في فترات تشهد تصاعداً في الغضب الشعبي أو قبيل المناسبات الوطنية، حيث يُخشى من تحول هذا السخط احتجاجاتٍ ميدانية».

سجون سرية

من أبرز ما كشفت عنه المصادر الحقوقية استخدام الجماعة الحوثية منشآتٍ مدنيةً، بينها مرافق رياضية وثقافية، مراكزَ احتجاز سرية، في خطوة تعكس توسعاً في البنية الأمنية غير الرسمية.

وتشمل هذه المواقع أجزاء من معسكرات، مثل «معسكر الحمزة» في منطقة ميتم، و«معسكر القوات الخاصة» بمنطقة شبان، و«معسكر اللواء55» في مديرية يريم، إلى جانب مبانٍ أخرى توصف بأنها «بيوت آمنة».

كما جرى توسيع سجن المخابرات المعروف باسم «الأمن السياسي»، ليضم أعداداً متصاعدة من المعتقلين، وسط تقارير عن استخدام أساليب تعذيب لانتزاع اعترافات، في ظل غياب أي رقابة قضائية أو حقوقية.

تحويل منشآت رياضية في إب سجوناً حوثية سرية للنشطاء (إعلام محلي)

ويثير تحويلُ المنشآت المدنية أماكنَ احتجازٍ مخاوفَ واسعة من تآكل ما تبقى من البنية المدنية في المحافظة، فضلاً عن تداعيات ذلك على الحياة الاجتماعية والثقافية، إذ كانت إب تُعرف قبل سنوات بأنها «عاصمة السياحة» في اليمن.

على وقع هذه التطورات، أعلنت منصة «ضمير» ما سمتها «قائمة العار»، التي تضم قيادات حوثية قالت إنها مسؤولة بشكل مباشر عن إدارة السجون السرية وحملات القمع في إب. وتهدف هذه الخطوة، وفق المنصة، إلى وضع هؤلاء تحت طائلة المساءلة القانونية مستقبلاً.

وتضم القائمة هادي الكحلاني، المعين مديراً لأمن المحافظة، ونائبه حميد الرازحي، ورئيس فرع ما يسمى «جهاز الأمن والمخابرات»، زيد المؤيد، إضافة إلى عدد من القيادات المحلية المتهمة بتنفيذ الاعتقالات والتغطية على الانتهاكات، من بينهم بكيل غلاب ويحيى القاسمي وعبد الباري الطالبي وأشرف الصلاحي.

وتشير المصادر إلى أن بعض هؤلاء يلعبون أدواراً مزدوجة، تجمع بين العمل الأمني والاستفادة المالية من ملف المعتقلين، عبر شبكات وساطة تبتزّ أسر الضحايا مقابل وعود بالإفراج، غالباً ما يتبين لاحقاً أنها زائفة.

اقتصاد الابتزاز

وفق شهادات حقوقية، تحوّل ملف المعتقلين في إب مصدرَ دخلٍ غير مشروع لبعض المتنفذين، حيث تُفرض على الأسر مبالغ مالية كبيرة مقابل تسهيلات مزعومة أو وعود بالإفراج. وفي كثير من الحالات، يُشترط على الأسر عدم التواصل مع وسائل الإعلام أو المنظمات الحقوقية.

ويرى ناشطون أن هذه الممارسات تعكس ما يصفونه بـ«نظام رهائن»، حيث يُعتقل الأفراد ليس فقط لأسباب سياسية، بل أيضاً لأغراض مالية أو نتيجة وشايات كاذبة. ويشمل ذلك مدرسين يطالبون برواتبهم، وشباباً يشاركون في فعاليات وطنية، وحتى أطباء وناشطين مدنيين.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك رشاشاً على متن عربة عسكرية (إ.ب.أ)

وفي ظل هذه التطورات، تتصاعد الدعوات من قبل ناشطين ومنظمات حقوقية إلى ضرورة تحرك عاجل من المجتمع الدولي لمحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات. ويؤكد هؤلاء أن تحويل المنشآت المدنية سجوناً سرية، وممارسة التعذيب، والإخفاء القسري، كلها تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.

كما يطالبون بفتح تحقيقات مستقلة، وضمان وصول المنظمات الدولية إلى أماكن الاحتجاز، والإفراج الفوري عن جميع المعتقلين دون تهم واضحة، ووضع حد لسياسات القمع التي تستهدف المجتمع المحلي في إب.

ويرى مراقبون أن ما يجري في محافظة إب يمثل نموذجاً مصغراً لسياسات أوسع تتبعها الجماعة في مناطق سيطرتها، حيث تُستخدم الأدوات الأمنية لإدارة المجتمع بالقوة، في ظل غياب مؤسساتِ الدولة وسيادةِ القانون.