20 سنة على رحيل الشاعر أحمد المجاطي

احتل مكانة بهية في تاريخ الشعر المغربي المعاصر

أحمد المجاطي
أحمد المجاطي
TT

20 سنة على رحيل الشاعر أحمد المجاطي

أحمد المجاطي
أحمد المجاطي

يبقى «حكم الزمن»، أو «الحكم التاريخي»، كما يرى عدد من الدارسين، أبرز مؤشر على القيمة التي يمكن أن يقاس بها الإبداع، في كل زمان وفي كل مكان، رغم أن الزمن، كما يرى الفيلسوف وعالم النفس الروماني ألكسندرو روشكا، «لا يطمس المنسيات فقط، إنما يمكن أن يخرج إلى النور، ولضرورات معينة، أعمالا كانت منسية». لذلك يتم الإجماع على أن الإبداع إما أن يذهب إلى قبره فينسى، وإما إلى التاريخ فيخلد مواصلا مسلسل الاحتفاء والاستمتاع به، على الرغم من تغير القراء وتبدل الحساسيات، فكان أن عاش بيننا، عربيا، على الأقل، مبدعون كبار، من طينة طرفة بن العبد وامرئ القيس وأبي الطيب المتنبي وأبي العلاء المعري وأبي حيان التوحيدي والجاحظ، من القدماء، وجبران خليل جبران وبدر شاكر السياب وأبي القاسم الشابي ومحمود درويش ومحمد شكري ونجيب محفوظ، من المحدثين، بشكل أكد أن المبدعين يرحلون بينما تخلد أسماؤهم وتعيش إبداعاتهم.
وبينما نعيش، يوميا، متعة الإبداع، بغض النظر عن كاتبه، يحدث أن نتذكر المبدعين الراحلين في لقاءات ومناسبات تخلد لذكرى ميلادهم أو غيابهم، اعترافًا منا بقيمتهم ومساهمتهم في مسيرة الإبداع الإنساني.
في المغرب، مثلا، حلت هذا الشهر الذكرى العشرون لرحيل الشاعر أحمد المجاطي (1936 - 1995) الذي اشتهر بديوانه الوحيد «الفروسية»، الذي يضم بعض أجمل قصائد الشعر المغربي المعاصر، من قبيل «من كلام الأموات»، و«عودة المرجفين»، و«كبوة الريح»، و«كتابة على شاطئ طنجة»، و«سبتة»، و«دار لقمان عام 1965»، و«السقوط» حيث نقرأ: «تلبسني الأشياء / حين يرحل النهار / تلبسني شوارع المدينة / أسكن في قرارة الكأس / أحيل شبحي / مرايا / أرقص في مملكة العرايا / أعشق كل هاجس غفل / وكل نزوة أميرة / أبحر في الهنيهة الفقيرة / أصالح الكائن / والممكن والمحال / أخرج من دائرة الرفض ومن دائرة السؤال / أراقب الأمطار / تجف في الطوية / الأمارة / تسعفني الكأس ولا / تسعفني العبارة».
وتتفق الكتابات، التي تناولت الشعر المغربي الحديث بشكل عام، والشعر المغربي المعاصر بشكل خاص، على أن عقد الستينات من القرن الماضي، التي يحسب عليها المجاطي، قد شكل «الانطلاقة البهية» للشعر المغربي، في حلته المعاصرة، وأن «القصيدة المغربية المعاصرة ظلت تواجه أسئلة التحول، بكل غموضها والتباساتها وإشكالاتها».
عشرون سنة مرت على رحيل المجاطي، الشاعر الذي أطلق عليه كثيرون لقب «شاعر المغرب»، هو الذي كان مقلا في شعره، حيث ظل، كما كتب عنه الكاتب والإعلامي المغربي محمد بوخزار، «شاعر الندرة طوال حياته الحافلة بالمكابدات الذاتية، مقاوما إغراءات الإكثار من الإنتاج، رافضا أن يكون لسان الغير على مستوى القاموس اللغوي والإيقاع والصور والأخيلة، أو الانتساب لمدرسة شعرية معينة، لذلك تعددت المؤثرات والظلال في شعره ونجح في إخفائها في تلابيب لغته الصافية البلورية وخبايا ذاته الملتهبة ووجدانه المنكسر جراء الإخفاقات، فأعانه كل ذلك على كتابة «القصيدة الفريدة الغراء»، وجاء تجديده غير مسبوق، وإضافة نوعية إلى القصيدة المغربية الحديثة، ماثلة في كل نماذجه، وهي سمات يقر بها من حاولوا السير على منواله أو اتخذوا لهم نهجهم الخاص».
من جهته، يتذكر الناقد والباحث السوري محيي الدين صبحي علاقته بالشاعر المغربي الراحل، فيكتب: «أخبرني بأنه إذا لم يشتغل على القصيدة حولا كاملا فإنه لا يخرجها للجمهور، وفي رأيه أن القصيدة التي لا تستدعي الاشتغال بها لمدة عام، هي قصيدة تولد ضعيفة ولا حاجة له بها. من قبله كان على غراره زهير بن أبي سلمى والنابغة، ثم المتنبي والمعري. أما عن صعوبة القصائد فنقول إن الجميل عسير، حسب المثل الإغريقي، إذ لا بد أن تأتي القصيدة صعبة حين تحرص على جمع المتناقضات، والتأليف بينها في سياق شعري يضم حداثة التراث إلى تراث الحداثة، ويصهر عناصر الواقع في رؤيا المستقبل».
من جهته، كتب الناقد المغربي نجيب العوفي، في تقديمه للطبعة الثانية من ديوان «الفروسية»، عن المجاطي - الإنسان، تحت عنوان «فروسية الحروف»: «لم يكن الشاعر الراحل أحمد المجاطي إنسانا عاديا أو رماديا، يأكل الطعام ويمشي في السوق ويؤخذ ببريق الحياة وسرابها، في انتظار لحظة الصمت الأدبي والاستراحة الأبدية. لم يكن قط كذلك، وإلا لما كان شاعرا في مثل توهجه وتألقه وصهيل وجدانه وروحه». ثم يضيف، متحدثا عن المجاطي - الشاعر: «لقد كان أحمد المجاطي شاعرا كبيرا، بكل المقاييس والمعايير، ومن هنا ندرة شعره وشح عطائه. هل في الأمر، ترى، مفارقة وغرابة؟! وكيف يجتمع مجد الشعر مع قلة الشعر؟! هو الأمر كذلك. لأن المصطلي بجمرة الشعر اللاهبة، والعارف حقا بقداسة الشعر وعذابه وعذوبته، لا يمكن أن يحني هامته أمام الشعر، ولا يمكن إلا أن يقشعر منه البدن وترتعد منه الفرائص أمام لحظة الشعر الخارقة والحارقة.. ولا يمكن من ثم إلا أن يكون شعره قليلا وجميلا وجليلا، كالأحجار النفيسة والأشياء النادرة في هذا الوجود».
ويرى العوفي أن «المجاطي لم يكن شاعرًا على الورق فحسب، وأثناء تخلق القصيدة وانبجاسها، بل كان، في حد ذاته، قصيدة حية وحيية تمشي على قدمين. كانت خطواته الوئيدة أشبه ما تكون بالإيقاعات العروضية الخافتة البطيئة. وكان صمته مترعا بالشعر ورعود الروح. كما كانت نظراته قادحة وعاكسة لشرر الدواخل. كانت صفحة النهر الملساء تخفي جيشانا داخليا واصطخابا عميقا، لم يكن يظهر منهما على سطح النص والقصيد سوى غيض من فيض وشرر من أجيج. ومن هنا نفهم سر هذه الكثافة الشعرية عند الشاعر، وهذا الضغط النفسي واللغوي المرتفع في نصوصه. من هنا يكون (بياض) الشاعر عنده أوسع بكثير من (سواده) أو منجزه. وهكذا كان كبار الشعراء، المسكونين بنار الشعر». ومن هنا، يضيف العوفي، «احتل أحمد المجاطي مكانته البهية في تاريخ شعرنا المعاصر، عن جدارة واستحقاق، كأب روحي وفعلي للقصيدة المغربي الحديثة. فمن خوالجه ومواجده اقتاتت، وعبر حروفه وكلماته تفتحت وترعرعت، ومن لهاته وعلى شفته صدحت وغنت، وفي كنفه وجدت مأواها ومرعاها»، مشددا على أن الراحل «كان مؤسسا للقصيدة المغربية الحديثة، ومدشنا للحداثة الشعرية في المغرب، بعد أن كان الشعر في هذا البلد وعلى امتداد أزمنة متتالية، تقطيعا وأوزانا، ومراثي وأمداحا، ووعظا وإرشادا».
وإضافة إلى هذا الدور الريادي وفي كنفه، يضيف العوفي: «كانت التجربة الشعرية للمجاطي تشكل حصانة للشعر ومناعة له ضد الابتذال والرداءة والتسيب. كانت فروسية حروفه الشعرية في حد ذاتها ترياقا للشعر وبلسما شافيا له، ودما حارا يسري في أوردته ويجدد نبض الحياة في جسده. ومع توالي الأيام، واستفحال «السقوط» و«كبوة الريح» و«عودة المرجفين» في مشهد الحياة كما في مشهد الشعر، تتوطد مكانة المجاطي الشعرية ويتجدد الحنين إليه، كواحة شعرية يانعة وظليلة وقيمة إبداعية عالية وأصيلة. مع توالي الأيام، تجدد الحاجة إلى فروسية المجاطي الشعرية ووقدة حروفه اللافحة».
ينتهي محيي الدين صبحي، في ورقته النقدية الملحقة بـ«الفروسية»، تحت عنوان «حداثة التراث وتراث الحداثة في شعر أحمد المجاطي»، إلى الحقيقة التالية: «لقد ظفر الشعر العربي الحديث من ديوان المجاطي بحلقة جديدة في السلسلة الذهبية، التي شكلها جيل الرواد في الخمسينات. فبعد السياب والبياتي وخليل حاوي، يتبوأ الشاعر أحمد المجاطي مكانته بين رواد الشعر الحديث، الذين طوروا الأداء واللغة الشعريين بالعربية. أما بالنسبة لشعراء المغرب العربي في السبعينات والثمانينات، بين القاهرة والجزائر، فهو رأس الطليعة التي تستحق لقب شاعر».
والواقع أن محيي الدين صبحي لم يفعل، للحديث عن المكانة الرفيعة التي أعطاها للشاعر المغربي الراحل بين رواد الشعر العربي الحديث، أكثر من الاستناد إلى «عمق التجربة واكتناز التعبير وكثافة الشعور»، مشددا على أن «عمق التجربة مقرون بنصاعة العبارة وبساطتها، لكي تظل القصيدة أداة توصيل صالحة».
وفضلا عن مسيرته الإبداعية المتميزة، عرف الراحل المجاطي ناقدا وباحثا وأستاذا جامعيا مشهودا له بالكفاءة والتميز، لذلك ترك لنا، فضلا عن ديوان «الفروسية»، المطبوع مرتين، دراستين نقديتين، الأولى رسالة رصدت «ظاهرة الشعر الحديث» (1971)، والثانية أطروحة تناولت «أزمة الحداثة في الشعر العربي الحديث» (1992)، نال بهما، على التوالي، درجتي دبلوم الدراسات العليا ودكتوراه الدولة من الجامعة المغربية.



جاك لندن... من راوي المغامرة إلى شخصية تسكنها التناقضات

جاك لندن
جاك لندن
TT

جاك لندن... من راوي المغامرة إلى شخصية تسكنها التناقضات

جاك لندن
جاك لندن

تحلّ هذا العام الذكرى المائة والخمسون لميلاد جاك لندن الكاتب المعروف، فتعود إلى واجهة النقاش الأدبي والثقافي واحدة من أكثر الشخصيات الأميركية تعقيداً وإثارةً للجدل. وبهذه المناسبة تُبادر دور النشر الفرنسية والأميركية إلى إعادة إصدار أعماله، بينما تتسابق الصحف ذات الثقل الفكري إلى تقديم قراءات جديدة لإرثه.

والواقع أن هذه العودة ليست مجرد طقس احتفالي أو واجب ذكرى، بل هي دعوة ضمنية لمراجعة الصورة النمطية التي رسختها عقود من القراءات المبسِّطة، والسؤال المطروح الذي تناولته الكثير من المنابر الثقافية في هذه المناسبة هو: هل كان لندن حقاً كاتب المغامرة والطبيعة الجامحة أم أن في الأمر قراءة ناقصة، إن لم تكن خيانة أدبية صريحة؟

وقبل الإجابة، كان الإجماع هو أن لندن قد منح القراء حول العالم متعةً أدبية خالصة، فرواياته الكبرى عن ألاسكا وعن ذئاب اليوكون وعن قسوة الطبيعة التي تبتلع الضعفاء جعلت منه اسماً لا يُنسى في الأدب المكتوب بالإنجليزية، غير أن هذه الشهرة كانت في الوقت ذاته حجاباً سميكاً غط جانباً آخر من شخصيته وكتابته؛ لندن الآخر هو ذاك الذي نشأ في أحضان الفقر، وعمل في المصانع وعلى أرصفة الموانئ قبل أن يكتب، والذي انتسب إلى الحزب الاشتراكي الأميركي ولم يرَ في ذلك أي تناقض مع أدبه.

ولاحظت صحيفة «لوموند ديبلوماتيك» في موضوع نشر بمناسبة ذكرى ميلاده أن «لندن كثيراً ما يُربط بالمغامرة والفضاءات الواسعة والحياة البرية، في حين أن ما يميّزه فعلاً هو حسٌّ اجتماعي حاد جعل منه أديباً يلتقط ما تحجبه الأساطير من حقائق»، ويكشف هذا التصويب النقدي أن المجلة تدعو القارئ إلى إعادة النظر في لندن: لا كاتبَ المناظر الطبيعية بل المراقب الاجتماعي الذي يخترق المجتمع الأميركي من الداخل. وتعتبر رواية «شعب القاع» أو People of the Abyss الصادرة في 1903، تجسيد قوي لهذا التوجه، ففيها لا يقف لندن خارج المشهد لينقله، بل يرتدي ملابس العاطل ويقتحم أحياء الفقر في حي «إيست إند» اللندني ليعيش من الداخل ما كان يصفه غيره من الخارج: الجوع اليومي والسكن الرديء والبطالة المزمنة، وهو ما منحه طابعاً شبه وثائقي يجعله أقرب إلى الصحافة الاستقصائية منه إلى الرواية التقليدية. وقد أشارت قراءات فرنسية متعددة إلى هذه الخاصية بدقة لافتةً، مشيرة إلى أن جاك لندن لا يراقب البؤس بل «يعبره»، وأن هذا التماس المباشر مع العالم السفلي للمجتمع الصناعي هو ما يحوّل كتابته إلى فعل استقصاء حقيقي. فالأدب عنده لا يكتفي بتصوير الواقع، بل يُصبح أداة معرفية من الدرجة الأولى.

على أن هذه الذكرى قد منحت الصحافة الفرنسية فرصة أخرى لا تقل أهمية، وهي الإمساك بالتناقض الجوهري الذي يجعل لندن أغنى من أي تعريف أحادي. فقد اختارت صحيفة «لوفيغارو» بهذه المناسبة عبارة كاشفة، إذ وصفته بـ«المغامر صاحب الحيوات المتعددة»، وهي عبارة ذات وجهين، فهي تُضيء البعد الأسطوري في سيرته وتُجلّيه، لكنها في الوقت ذاته تُلمّح إلى رجل لا يمكن حبسه في هوية واحدة، ولا اختزاله في قناع بعينه، حيث كان العامل واليتيم والمتسكع والبحار والمستكشف والاشتراكي والمزارع والكاتب الأكثر مبيعاً. أما مجلة «ماريان»، فقد ذهبت أبعد وأجرأ، حين قدّمت لندن بوصفه «الكاتب الاشتراكي غير المفهوم» وهي صيغة تلتقط بدقة التوتر الكامن في مشروعه الأدبي والفكري. فهو من جهة منحاز بوضوح إلى الفقراء والمقهورين، حيث انتسب إلى الحزب الاشتراكي وخطب في التجمعات العمالية وكان أكثر الكتاب الأميركيين قراءة في الاتحاد السوفياتي، ومن جهة أخرى كان معجباً بالقوة الغريزية وفكرة الصراع وبأسطورة الإرادة الفردية، حتى إنه اقتنى مزرعة فارهة في كاليفورنيا ويخت خاص من النوع الفاخر، وكأنه يدين الرأسمالية بقلمه، لكنه يمتلك بيده ما تمنحه من امتيازات.

لا تختلف الصحافة الأميركية في مجملها عن نظيرتها الفرنسية في إعادة تقديم لندن بوصفه أعمق مما تسمح به الصورة الشائعة. ففي اليوم الذي يُصادف عيد ميلاده نشرت مجلة «ذا ساتردي إيفنينج بوست» وهي المجلة الأميركية العريقة التي نشرت «نداء البرية» أول مرة عام 1903 مقالةً بعنوان «جاك لندن في المائة والخمسين» تذكر فيها بأن كثيرين من القراء الأميركيين لم يعرفوا من لندن سوى كاتب المناهج المدرسية، فيما هو في حقيقته «صحافي حرب وكاتب مذكرات، وكاتب فضائح، ومحرّض اشتراكي، ومغامر متسلسل». وقد دعت المجلة إلى قراءة لندن كاملاً: خمسين كتاباً تتضمن الروايات ومجموعات القصص والمقالات والرحلات والشعر، لا مجرد روايتين عن الذئاب والثلج.

وفي الوقت ذاته نشر موقع «بيبلز وورلد» أبرز المنابر اليسارية في الصحافة الأميركية مقالاً تحليلياً للناقدة جيني فارِل بعنوان «جاك لندن في المائة والخمسين: الكعب الحديدي بوصفه أولى ديستوبيات عصر الإمبريالية». وفي هذا النص المطوّل الذي استقطب اهتماماً واسعاً تُقدّم فارِل رواية «االعقب الحديدية» (1908) بوصفها: «أكثر من مجرد رواية سياسية، بل نصاً تأسيسياً في الأدب الديستوبي»، مشيرة إلى أنها ظهرت قبل الفاشية الأوروبية بعقدين كاملين، وتُلاحظ الكاتبة أن لندن رسم في هذه الرواية معالم نظام أوليغارشي يسحق العمال بعنف منظّم، مستنداً إلى تحليله الماركسي لصعود الرأسمالية الاحتكارية في استباق أدبي لما سيشهده العالم بعده.

وتُشير فارِل إلى أن الرواية كانت مصدر إلهام لجورج أوروِل حين كتب «1984»، حسب اعترافه، وهو ما يمنحها موقعاً مركزياً في تاريخ الأدب السياسي الغربي.

أما مجلة «كاونتربنش» الأميركية Counter punch فقد اختارت، قُبيل الذكرى، نبرةً أكثر تعقيداً وأشد جرأة، إذ نشرت موضوع للناقد والمؤرخ الأدبي جوناه راسكين تحت عنوان «جاك لندن الاشتراكي المشهور في عمر المائة والخمسين»

وفي هذه المقالة التي أشعلت جدلاً واسعاً في المشهد الثقافي الأميركي، لم يتوانَ راسكين عن طرح السؤال المُحرج بصراحة: ما الذي يُبقي لندن راسخاً في المناهج الدراسية حين تتجاهل قراءات تلك المناهج جوانب مقلقة في إرثه، من العنصرية إلى التناقض بين خطابه الطبقي وحياته المرفّهة؟، وهنا يُذكّر راسكين بأن إيما غولدمان، الفوضوية الأميركية الروسية الشهيرة وصفته بأنه «الكاتب الثوري الوحيد في أميركا».

على صعيد مختلف، أصدرت «مكتبة أميركا» المرجعية الأكاديمية التي تُعدّ من أرفع مؤسسات التوثيق الأدبي في الولايات المتحدة، في الثالث عشر من يناير (كانون الثاني) 2026 مقالةً بعنوان «رماداً لا غباراً: جاك لندن المتمرد الأدبي في المائة والخمسين» تركز فيها على زوايا من شخصية لندن لا طالما أربكت قرّاءه: كيف يكون المرء ثورياً بالقلم ومترفاً بالسلوك في آنٍ واحد؟

مات جاك لندن عام 1916 وهو في الأربعين من عمره، تاركاً أكثر من خمسين كتاباً وأسطورة أضخم من الكتب. ولعل في رحيله المبكر، شيئاً من المنطق الداخلي لحياة احترقت في الاتجاهين، وفي هذا التوتر بين الجانبين، تكمن فرادة جاك لندن وتظل قراءته اليوم ضرورة لا رفاهية.


الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً

الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً
TT

الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً

الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً

في مجموعته القصصية «كل الألوان أزرق» الصادرة أخيراً عن دار العين بالقاهرة، لا يكتفي الكاتب والقاص المصري مجدي القشاوي باستلهام الفن التشكيلي كمرجعية جمالية للكتابة، بقدر ما يكتب من داخل عالمه البصري والحسيّ، بحيث لا يتحرك السرد وفقاً لمنطق الحكاية التقليدية بقدر ما يتحرك بمنطق اللوحة؛ الضوء، واللون، والكتلة، والفراغ، والعلاقات الدقيقة بين العناصر، لتبدو قصص المجموعة أقرب إلى تكوينات بصرية أو حالات انطباعية منها إلى نصوص تنهض على الحدث.

منذ عتبة القصة الأولى «طبيعة صامتة» يتشكل عالم البطلين كسطحٍ فني يُبنى تدريجياً، لتصبح استجاباتهما الشعورية نفسها أقرب إلى فعل تشكيلي، يقول السارِد عن البطلة: «وحدها من استطاعت، بضربة واحدة من فرشاتها، أن تفتح الدوائر المعتمة من حولي، فينساب الضوء كريماً وشوافاً»، لتسري العلاقة بين البطلين عبر تحوّلات رقيقة تشبه انعكاسات الضوء.

ولا تبدو «الفُرشاة» في عالم القشاوي مجرد أداة للرسم، بل أداة للكشف وإعادة الرؤية، بقدرتها على إعادة تشكيل المجالين البصري والنفسي معاً، ففي قصة «الخط الأبيض العريض» يبدو العالم وكأنه لوحة بصرية مراوغة إذ يقول البطل: «تحوّلت كل الصور إلى حالة شبحية، كأن هناك من أمسك بفرشاة ومرّ عليها حتى صنع فوقها خطاً عريضاً»، وفي الوقت نفسه تقوم بوظيفة كاشفة، حيث «الفرشاة كانت تُزيح أكثر مما تطمس»، وكأن الكتابة هنا تسعى إلى كشط تراكمات الواقع، للكشف عن هشاشته وتفاصيله الخفية

حساسية انطباعية

من هنا يمكن فهم اقتراب القشاوي من حساسية «الانطباعيين»، حيث النصوص لا تنشغل بالتقاط الأشياء في صورتها النهائية، بقدر ما تنشغل بالتقاط أثرها المتحوّل على الحسّ والوعي، وذلك بنوع من «تحييد المعنى» لصالح الإحساس العابر واللحظة الهاربة، فالضوء يتغير باستمرار، والضباب يُذيب الحدود، والألوان تتحوّل إلى خبرات شعورية، كما في قول بطل إحدى القصص المُغرم بالمدرسة الانطباعية «شاهدت لوحة لخمس تفاحات خضراء متجاورة فوق المنضدة، جميعها بدرجة لون واحدة، وحتى التركيز على الظلال لم يكن ظاهراً في اللوحة، والنتيجة كانت أنني أحسست الأخضر كما لم أحسه في المزارع الكبرى»، بل إن اللون نفسه لا يعود مجرد عنصر بصري، وإنما يتحوّل إلى حمولة حسية ووجدانية: «اللون وقد نجح أن يتحوّل إلى وزن»، وهي تمثيلات تُعزز طموح السرد لالتقاط الانطباعات السريعة قبل الزوال.

تبدو الحساسية الفنية هنا جزءاً عضوياً من بناء شخصيات المجموعة وطريقتها في فهم العالم، فأبطال القشاوي غالباً ما يمتلكون وعياً جمالياً فائقاً، أو يرتبطون بالفعل الفني بصورة مباشرة كما في قصة «أربعون غياباً على حوائط حجرة واحدة».

ففي أكثر من قصة يظهر البطل متأملاً لوحة صامتة، أو مشغولاً بطريقة تشكّل الضوء فوق الأشياء، ويبدو أحد الأبطال كما لو كان يتحدث بنبرة تستدعي رسائل «فان جوخ»، لا سيما في استنطاقه الألوان: «أيها الأصفر، أخبرني تاريخ صحراواتك وعبْر ما تشعر به».

شظايا وكولاج

لكن حساسية المجموعة لا تتوقف عند الانطباعية وحدها، بل تمتد إلى نوع من الجماليات القائمة على التشظي والترميم، ففي قصة «طبيعة صامتة» تصنع البطلة منضدة من قطع موزاييك وشظايا زجاج سيارتها بعد تهشمها في حادث قديم، ليصبح الكسر نفسه جزءاً من التجربتين الإنسانية والفنية معاً، يقول السارِد: «المذهل كان تكسيرها للقطع الصغيرة بمطرقة، الأمر الذي جعل لهشيم العالم مساحة واضحة داخل العمل»، وهي عبارة تكاد تختصر الرؤية الجمالية للمجموعة بأكملها، حيث العالم لا يُرمَّم عبر محو الشروخ، بل عبر إعادة ترتيبها داخل قالب جديد يسمح بالحياة فوق الندبة نفسها.

ويتجاوز التشظي مستوى الصورة إلى البناء السردي ذاته، خصوصاً في قصة «إحدى وعشرون رسالة عن فراشة سوداء فوق وجه عازفة الفلوت»، التي يستعين فيها القشاوي ببنية الرسائل القصيرة داخل الوسيط الرقمي «إنستغرام»، لتبدو الرسائل الشذرية التي يرسلها السارد إلى البطلة وحدات مستقلة تشارك معاً في تشكيل حالة كلية من القلق والهشاشة والزوال، ولذا يقول السارِد إن «الرسائل، على محدودية حجمها، قادرة على حمل فكرة أو دفقة شعورية مكتملة».

يظهر الفن في المجموعة بوصفه محاولة لإبطاء العالم وتدبّر اللحظات الهاربة، ففي قصة «الفراشة السوداء» يتأمل الكاتب اندفاعة الحياة البلهاء، ذلك التيار المتواصل الذي يدفع الأشياء والكائنات نحو الاستهلاك والزوال، بينما تبدو الكتابة نفسها محاولة يائسة للحاق بالأثر قبل اختفائه، كما في تلك المفارقة: «انتهى عمر الفراشة وأنا أكتب».

خبرة الحواس

تبدو العلاقات العاطفية داخل المجموعة نفسها قائمة على إعادة تشكيل الإدراك، لا على الحب بوصفه حكاية تقليدية، فالمرأة في القصص تبدو وسيطاً يُعيد من خلاله الرجل اكتشاف العالم والحواس والألوان، ففي «أربع علامات استفهام في حوار صباحي سريع» يُعبَّر عن الحب عبر تفاصيل صغيرة؛ وسادة طبية، سؤال عن مذاق الطعام، حتى المشاعر نفسها تتحوّل إلى تكوينات حسّية، فيقول البطل حينما باغته الحب أنه «شعر بإصبع حنون تضغط على المنطقة التي تقع بين عينيه».

تعتمد قصص المجموعة بدرجة كبيرة على الحواس بوصفها أدوات للمعرفة؛ الرائحة، والصوت، والملمس، ولا تُستخدم بوصفها فوائض وصفية بقدر ما تطمح إلى فهم العالم والتقاط أثره الداخلي، يقول أحد الأبطال: «الرائحة تحفر داخلي مساراً منفرداً»، وفي قصة أخرى يقول بطلها: «في جلستي التي طالت؛ رأيت خيوطاً من الصوف تخرج من بلوزتها ذات الرقبة المرتفعة، ورأيتني أنظر إليها بتركيز حتى اخترقت النسيج، وأحسست الوبر، وتشبعت مسامي بلون الصوف الأصفر الأدكن الذابل الذي يماثل، حد التطابق، لون أزهار الشجرة الضخمة الوحيدة»، وكأن الشخصيات تتنفس المعنى عبر خبرة الحواس البدائية التي تسبق اللغة ذاتها.

وهكذا، تبدو قصص المجموعة بمثابة زوايا مفتوحة على التأمل، وإعادة النظر في مفهوم الزائل، كما وردة الصحراء، أو الفراشة، أو قطعة زجاج، أو حتى الحب نفسه، عبر كتابة تتلمس النقص وتحتفي به، أو على حد تعبير أحد الأبطال: «عدم اكتمال اللوحة أغنانا».


صدور المجموعة الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم

صدور المجموعة  الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم
TT

صدور المجموعة الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم

صدور المجموعة  الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم

صدرت في بغداد المجموعة الشعرية الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم، ويعد صدور هذه المجموعة محطة بارزة في توثيق تجربة شعرية امتدت لأكثر من أربعة عقود، رافقت التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي عاشها العراق منذ النصف الثاني من القرن العشرين وحتى اليوم. وهي لا تعني مجرد إعادة نشر قصائد متفرقة في مجلد واحد، بل تمثل إعادة اكتشاف لمسيرة إبداعية متكاملة، وقراءة جديدة لصوت شعري ظل وفياً للإنسان والذاكرة والأسئلة الكبرى التي شغلت الأجيال العراقية المتعاقبة.

وحميد قاسم أحد الأصوات الشعرية التي سعت إلى بناء قصيدتها الخاصة بعيداً عن التقليد والتكرار، فقد اتسم مشروعه الشعري بالنزعة الإنسانية والاهتمام بالتفاصيل اليومية الصغيرة، إلى جانب حسّ تأملي عميق جعل من قصائده مرآة للقلق الوجودي والبحث الدائم عن معنى الحياة. ومن هنا تأتي أهمية صدور أعماله الكاملة، إذ تمنح القارئ فرصة لتتبع تطور تجربته الفنية والفكرية، والوقوف على التحولات الأسلوبية واللغوية التي مرت بها قصيدته عبر السنين.

لقد عكست قصائد حميد قاسم صورة العراق بكل ما فيه من جمال وألم، فكان شاعرًا قريبًا من الناس، منحازًا إلى البسطاء والمهمشين، ومؤمنًا بأن الشعر ليس ترفًا لغويًا، بل فعل مقاومة ضد القبح والنسيان. وفي نصوصه تتجاور صور الطفولة والمدينة والمنفى والحب والحرب، لتشكّل فسيفساء إنسانية تعبّر عن وجدان العراقيين في مختلف مراحلهم التاريخية. لذلك فإن إصدار المجموعة الشعرية الكاملة لا يمثل حدثاً شخصياً يتعلق بالشاعر وحده، بل يُعد إضافة نوعية إلى المكتبة العراقية والعربية، وحفظًا لذاكرة شعرية ترتبط بتاريخ وطن كامل.

وتكمن أهمية هذا الإصدار أيضاً في كونه يتيح للأجيال الجديدة الاطلاع على تجربة شعرية ربما لم تتح لها فرصة التعرف إليها بصورة شاملة من قبل. فالكثير من الدواوين القديمة كانت قد نفدت طبعاتها أو توزعت بين مجلات وصحف ودور نشر متباعدة، مما جعل الوصول إليها أمراً صعباً. أما اليوم، فإن جمع هذه النصوص في إصدار واحد يمنح الباحثين والقراء فرصة ثمينة لدراسة منجز الشاعر قراءة متكاملة، والكشف عن الروابط الداخلية بين نصوصه المختلفة، فضلاً عن متابعة تطور رؤيته الشعرية والإنسانية.

ومن المعروف أن الشعر العراقي الحديث يمتلك إرثاً غنياً صنعته أسماء كبيرة تركت أثراً واضحاً في الثقافة العربية، وقد جاء حميد قاسم ضمن هذا السياق الإبداعي الذي احتفى بالتجديد وكسر الأشكال التقليدية. لكنه في الوقت نفسه احتفظ بصوته الخاص، فلم يكن تابعاً لتيار بعينه، بل استطاع أن يخلق توازناً بين الحداثة والوضوح، وبين العمق والبساطة، وهو ما منح قصيدته قدرة على الوصول إلى القارئ دون أن تفقد بعدها الفني والجمالي.

إن صدور الأعمال الشعرية الكاملة لأي شاعر يُعد اعترافاً بقيمة تجربته ومكانته في المشهد الأدبي، وهذا ما ينطبق على حميد قاسم الذي استطاع عبر سنوات طويلة أن يرسخ حضوره بوصفه شاعراً يمتلك حساسية خاصة تجاه اللغة والحياة. فقصيدته لا تعتمد على الزخرفة اللفظية بقدر اعتمادها على الصدق الشعوري والقدرة على التقاط اللحظة الإنسانية بأبعادها المختلفة. ولهذا بقي شعره قريباً من القارئ، قادراً على إثارة التأمل وإعادة طرح الأسئلة المتعلقة بالوطن والهوية والإنسان.

كما أن هذا الإصدار يشكل خطوة مهمة في حفظ الإرث الثقافي العراقي، خصوصاً في ظل ما تعرضت له الثقافة العراقية من تشتت وضياع خلال العقود الماضية بسبب الحروب والهجرة والظروف السياسية الصعبة. فتوثيق أعمال الشعراء والمبدعين وإعادة نشرها يسهمان في حماية الذاكرة الثقافية من النسيان، ويعيدان الاعتبار للكلمة بوصفها جزءاً من هوية المجتمع وتاريخه.