كيري: لن نسمح ببقاء الأسد في السلطة.. والجهود الدبلوماسية للخروج من «جهنم» سوريا

واشنطن تقول إن المناقشات ستتناول تشكيل هيئة انتقالية ودور المعارضة السورية فيها

فتاة تسير إلى مدرستها في معرة النعمان بمحافظة إدلب شمال غربي سوريا (رويترز)
فتاة تسير إلى مدرستها في معرة النعمان بمحافظة إدلب شمال غربي سوريا (رويترز)
TT

كيري: لن نسمح ببقاء الأسد في السلطة.. والجهود الدبلوماسية للخروج من «جهنم» سوريا

فتاة تسير إلى مدرستها في معرة النعمان بمحافظة إدلب شمال غربي سوريا (رويترز)
فتاة تسير إلى مدرستها في معرة النعمان بمحافظة إدلب شمال غربي سوريا (رويترز)

قال وزير الخارجية الأميركي جون كيري إنه سيشارك في الاجتماع المرتقب في فيينا مع وزراء خارجية عدة دول، من أبرزها روسيا وإيران والسعودية، لرسم خريطة طريق للخروج من «جهنم» سوريا، وتعزيز الجهود الدبلوماسية لإنهاء الصراع وتكثيف الحملة العسكرية ضد «داعش»، مؤكدا أن السبيل لهزيمة التنظيم هو إنهاء الحرب في سوريا. وقال «هذا هو هدف الولايات المتحدة».
وشدد كيري على ضرورة رحيل الأسد، وقال: «رسالتي إلى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف وإلى كل الدول قبل اجتماع فيينا، هي أنه لا يمكن أن يقف رجل واحد أمام حل الأزمة في سوريا، وعلينا مسؤولية إنهاء الأزمة وفق ما تم الاتفاق عليه في بيان (جنيف 1)، وهذا هو هدف الاجتماع».
وقال وزير الخارجية الأميركي، في ندوة أمام معهد كارنيغي حول سياسات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، إنه اجتمع مع وزراء خارجية روسيا وتركيا والسعودية الأسبوع الماضي، وإن اجتماعات فيينا هي الخطوة الثانية في الجهد الدبلوماسي لحل الأزمة السورية، مشيرا إلى أن إيران ستشارك لأول مرة في اجتماع فيينا، مما سيسمح بمعرفة نواياها.
وأشار وزير الخارجية الأميركية إلى خطورة الحملة العسكرية الروسية التي تستهدف المعارضة السورية، مؤكدا أنها ستؤدي إلى مزيد من التطرف، وإلى إحساس الأسد بأنه قادر على البقاء للأبد في السلطة، مؤكدا أن الدول لن تسمح بذلك.
وأكد كيري على وجود أرضية مشتركة تجمع بين الدول المشاركة في اجتماع فيينا، وقال: «روسيا والولايات المتحدة ودول أخرى لديها أرضية مشتركة، وتتفق على أن الوضع الحالي لا يمكن أن يستمر، وعلى ضرورة القيام بعملية انتقالية، وضرورة إنقاذ سوريا ومؤسساتها، وبناء سوريا موحدة وحل مشكلة اللاجئين». وأضاف: «نتفق على حق السوريين في اختيار قادتهم من خلال عملية انتخابات حرة».
وقال كيري خلال الندوة التي ازدحمت بعشرات من الخبراء والباحثين، مساء الأربعاء، إن «من يتشككون في إمكانية تحقيق الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط، فإنني أرد عليهم بكلمة واحدة، هي تونس»، مشيرا إلى أن قادة الأطياف السياسية في تونس يضعون مصلحة بلادهم فوق المصالح الشخصية.
وقال مسؤول بالخارجية الأميركية لـ«الشرق الأوسط»، إنه رغم تباين مواقف الدول المشاركة في اجتماعات فيينا، فإن واشنطن تسعى لنقاشات مثمرة حول الفترة الانتقالية وشكل العملية الانتقالية في سوريا وتشكيل هيئة انتقالية تتولى الحكم في سوريا»، ونفى المسؤول التراجع عن اتفاق «جنيف - 1»، وشدد على أن اللقاء سيركز على معرفة مواقف الدول المعنية بالأزمة السورية وأفكارها فيما يتعلق بالبدء في عملية انتقال سياسي تضمن حلا دبلوماسيا للأزمة السورية ووقف الحرب الأهلية الدموية.
وخفضت واشنطن من سقف التوقعات عما ستسفر عنه المحادثات في فيينا، خاصة فيما يتعلق بمصير الأسد. وأبدت الخارجية الأميركية بعض الشكوك في إمكانية أن تكون جولة محادثات فيينا هي الفصل الأخير للتوصل إلى حل للأزمة السورية، وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية جون كيربي: «سنحاول البناء على الزخم الذي بدا الأسبوع الماضي، ومناقشة الأفكار حول شكل عملية الانتقال السياسي ومحاولة التوصل إلى تفاهم مع الأطراف المشاركة حوله».
وأضاف: «لا أستطيع أن أقول ما الذي سيسفر عنه الاجتماع يوم الجمعة وعما إذا سيكون الفصل الأخير. أنا أشك في ذلك وأعتقد أنه سيكون هناك المزيد من المناقشات على مستويات متنوعة مع الدول». وأشار كيربي إلى أن اجتماع فيينا سيكون الأكبر من حيث عدد المشاركين، لكنه لن يكون الاجتماع الأخير، مؤكدًا أن مصير الأسد سيأخذ جانبا هاما من المناقشات.
واعترف المتحدث باسم الخارجية الأميركية خلال المؤتمر الصحافي الأربعاء، بوجود خلافات في مواقف الدول المشاركة حول مصير الأسد. وقال: «لا تتفق الدول على نفس الرؤى حول مصير الأسد، وستجري المناقشات لمعرفة رؤية الدول الأخرى لمدة العملية الانتقالية، وكيفية تشكيل هيئة انتقالية ودور المعارضة السورية والدور الذي يجب أن تلعبه في المرحلة الانتقالية، ونتوقع أن تأخذ الأطراف المشاركة الأمر بجدية وتوقعاتنا أن يأتي الجميع بأفكار جادة لإنهاء الحرب الأهلية في سوريا بأسرع وقت».
وأشار كيربي إلى معرفة بلاده بالدور المزعزع للاستقرار الذي تقوم به إيران في سوريا، لكنه، استدرك: «بكل السبل نحن لا نوافق على الأنشطة المزعزعة للاستقرار التي تقوم بها إيران في سوريا، لكننا ندرك أن النقاشات حول العملية السياسية يجب أن تشارك فيها إيران».
ومن المقرر أن يجتمع وزراء خارجية الولايات المتحدة والسعودية وروسيا وتركيا مساء الخميس قبل الاجتماعات الموسعة الجمعة ويعقد وزير الخارجية الأميركي جون كيري اجتماعات ثنائية مع عدد من الدول العربية، فيما تجري اتصالات مكثفة بين وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف ونظيره الإيراني محمد جواد ظريف.
وتعد مشاركة وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف تحولا حاسما في الجهود الدبلوماسية الدولية بعد استبعاد طهران من محادثات سابقة حول الأزمة السورية بسبب معارضة كل من واشنطن والرياض. ويشير بعض المحللين إلى أن الحضور الإيراني يمكن أن يغير من قواعد اللعبة في الدعم الإيراني لحكومة الأسد منذ بداية الصراع.
ويرى المحللون في واشنطن، أن إيران ستعرقل أي مناقشات حول مرحلة ما بعد الأسد، فيما تسعى روسيا للمحافظة على مصالحها في سوريا وقواعدها العسكرية ونفاذها إلى البحر المتوسط.
ويأتي اجتماع فيينا بعد أسبوع من الاجتماع الرباعي بين الولايات المتحدة وروسيا والسعودية وتركيا والذي لم يحقق انفراجة واضحة في الأزمة.
وستكون محادثات فيينا اختبارا لقبول الولايات المتحدة والمملكة السعودية باتفاق يقضي ببقاء الأسد في السلطة، إما في شكل صوري أو كرئيس انتقالي، أو حتى كمرشح في الانتخابات إذا تم بحث عقد انتخابات.
من جانبه قال الجنرال جون ألان مبعوث الرئيس أوباما إلى التحالف ضد «داعش» الذي يترك منصبه الأسبوع المقبل - إن اجتماع فيينا يمكن أن يكون فرصة للتوصل إلى حل سياسي في سوريا، وتطوير موقف دولي موحد لهزيمة «داعش» وتقليل العنف في منطقة الشرق الأوسط والبدء في عملية انتقالي سياسي.
وأوضح الجنرال ألان في شهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ صباح الأربعاء أن الاستراتيجية الأميركية هي إلحاق الهزيمة بتنظيم داعش، وأن الهدف هو إزاحة الأسد من السلطة، مبديًا اعتقاده أن «الأسد ليس في موقف جيد، وأن المساندة العسكرية الروسية جاءت بعد ضعف موقف الأسد ورغبة الروس في مساندة العلويين وتحقيق استقرار لنظام الأسد». وتوقع ألان أن يجد الروس أنفسهم في موقف سيء «وسيعجزون عن تبرير مواقفهم في سوريا عندما يصبحون جزءًا من المشكلة».
واعترفت مساعدة وزير الخارجية الأميركية للشرق الأدنى آن باترسون، بأن بلادها بالغت في التفاؤل بما يمكن أن يسفر عنه الربيع العربي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من تحقيق للديمقراطية. وأكدت على وجود تقدم في التعاون بين الولايات المتحدة والدول الخليجية في مواجهة الأنشطة الإيرانية المزعزعة للاستقرار في المنطقة، وإلى إدراك خطورة أن تقوم إيران بتوجيه بعض من الأموال التي ستحصل عليها بعد رفع العقوبات الدولية - إلى مزيد من زعزعة الاستقرار في كل من اليمن والبحرين.
وأشارت باترسون إلى تعقد الأزمة في سوريا وإلى وجود تعقيدات قانونية مهمة تمنع الولايات المتحدة من القيام بعمل عسكري ضد نظام بشار الأسد. جاء ذلك في سياق ردها على أسئلة أعضاء لجنة الشؤون الخارجية، عما إذا كانت إدارة أوباما لديها السلطة القانونية لفتح جبهة ضد حكومة الأسد وتجنيد المعارضة السورية المعتدلة لمحاربة الأسد.



ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
TT

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض والاستياء، فرضت الجماعة الحوثية إجراءات جديدة على طلاب المدارس الحكومية في محافظتَيْ إب وذمار (جنوب صنعاء)، ربطت بموجبها تسليم نتائج الامتحانات واستكمال إجراءات التسجيل للعام الدراسي المقبل بالمشاركة في معسكراتها الصيفية، في مسار عدّه تربويون وأولياء أمور ضغطاً مباشراً على الأسر والطلاب.

ووفق مصادر تربوية متطابقة، فإن إدارات المدارس تلقت تعليمات واضحة تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد، إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المعسكرات. هذه الإجراءات وضعت آلاف الأسر أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على حق أبنائهم في التعليم، والرضوخ لشروط لا تتصل بالعملية التعليمية.

ويشير عاملون في القطاع التربوي إلى أن هذا التوجه جاء في ظل تراجع إقبال الأسر على تسجيل أبنائهم في الأنشطة الصيفية؛ مما دفع بالجهات القائمة عليها إلى البحث عن وسائل بديلة لفرض المشاركة. ويؤكد هؤلاء أن المدارس باتت في موقف حرج، بين تنفيذ التعليمات المفروضة عليها، ومسؤوليتها تجاه الطلاب ومستقبلهم الدراسي.

أحد أولياء الأمور في محافظة إب قال إن إدارة المدرسة رفضت تسليم نتيجة نجله، وأبلغته بشكل غير مباشر ضرورة الالتحاق بالمركز الصيفي أولاً. وأضاف أن هذا الشرط لا يمكن قبوله؛ «لأنه يحول التعليم إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً للجميع».

فتيات في صنعاء يجري تلقينهن أفكار الجماعة الحوثية (إعلام حوثي)

من جانبه، عبّر طالب في المرحلة الأساسية من محافظة ذمار عن قلقه من هذه الإجراءات، موضحاً أن اشتراط الحصول على شهادة مشاركة في المعسكرات الصيفية للتسجيل في العام المقبل يضعه أمام خيارين... «كلاهما صعب». وأكد أنه يخشى فقدان مستقبله الدراسي إذا لم يلتزم، رغم عدم رغبته في الانخراط بتلك الأنشطة.

ويكشف تربويون عن أن «بعض الطلاب تعرضوا لتهديدات غير مباشرة بالرسوب أو إسقاط أسمائهم من قوائم الناجحين، في مقابل تقديم وعود لآخرين متعثرين بالنجاح في حال مشاركتهم». ويرون أن «هذه الممارسات تضعف الثقة بالعملية التعليمية، وتحوّلها وسيلةً لتحقيق أهداف غير تربوية».

في المقابل، عبّر أولياء أمور عن رفضهم هذه السياسات، عادين أنها «تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الأطفال، وتدفع بهم إلى مسارات لا تخدم تعليمهم أو نموهم الطبيعي». وطالبوا بضرورة «تدخل الجهات المعنية والمنظمات الدولية لحماية حق الطلاب في التعليم بعيداً عن أي ضغوط أو اشتراطات».

آثار عميقة

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات الحوثية تحمل آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال؛ «إذ تضعهم تحت ضغط مستمر، وتزرع لديهم الخوف من فقدان مستقبلهم الدراسي. كما أنها تعكس توجهاً أوسع لاستغلال هشاشة قطاع التعليم في ظل الأوضاع الراهنة، واستقطاب النشء ضمن برامج ذات طابع تعبوي».

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات استهداف طالت تربويين وأولياء أمور في عدد من المناطق، على خلفية رفضهم الانخراط في تلك الأنشطة. وشملت هذه الحملات حالات اعتقال واختطاف، من بينها توقيف مدير مدرسة في ذمار، إضافة إلى احتجاز معلمين وأولياء أمور في مناطق متفرقة من إب.

عامل يجهز مناهج حوثية تمهيداً لتوزيعها (إكس)

يأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم باليمن تحديات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب المعلمين، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال لا يزالون خارج المدارس؛ مما يزيد من تعقيد المشهد التربوي ويهدد مستقبل جيل كامل.

ورغم هذه الظروف، فإن المنظمات الدولية تواصل تنفيذ برامج لدعم التعليم، من خلال إعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير مستلزمات دراسية، وتأهيل المعلمين. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة على الأرض، في ظل استمرار الممارسات التي تقوض استقرار العملية التعليمية.


تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
TT

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

في ظل استمرار الصراع الذي فجَّره الحوثيون في اليمن، اتهمت تقارير حديثة الجماعة المدعومة من إيران بالتورُّط في أنشطة مرتبطة بالمخدرات، سواء عبر التهريب أو الترويج أو استخدام هذه المواد داخل صفوف مقاتليها، وذلك في سياق ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»، حيث يلجأ الحوثيون إلى مصادر تمويل غير تقليدية لتعزيز نفوذهم واستمرار عملياتهم العسكرية.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة صادرة عن «مركز المخا للدراسات الاستراتيجية» عن تصاعد ملحوظ في نشاط تجارة المخدرات داخل مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، في تطوّر وصفته الدراسة بـ«التحول النوعي» الذي يعكس انتقال هذه التجارة من أنشطة تهريب محدودة إلى منظومة متكاملة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة.

وبحسب الدراسة، لم تعد تجارة المخدرات مجرد مصدر تمويل ثانوي، بل تحولت إلى رافد رئيس، ضمن ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأسود»، الذي تعتمد عليه الجماعة لتعزيز مواردها المالية خارج الأطر الرسمية، في ظل تراجع الإيرادات التقليدية وتصاعد الضغوط الاقتصادية.

مخدرات ضُبطت خلال تهريبها عبر البحر الأحمر إلى الحوثيين (المقاومة الوطنية)

وشهدت مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، حيث انتقلت من كونها ممرات عبور لشحنات المخدرات إلى مراكز نشطة لإعادة التصنيع والخلط والتغليف، تمهيداً لإعادة التوزيع محليّاً وإقليمياً. ويُعزى هذا التحول إلى حالة الانفلات الأمني وضعف الرقابة، إضافة إلى استغلال البنية الجغرافية الوعرة التي تسهّل عمليات التهريب.

وكشفت الدراسة عن وجود شبكات منظمة تعمل بتنسيق عالٍ، مستفيدة من تداخل المصالح بين أطراف محلية وإقليمية؛ ما أسهم في توسيع نطاق هذه التجارة وتعقيد مسارات مكافحتها، مؤكدة أن حالة الانفلات الأمني وتراجع مؤسسات الدولة أسهما في خلق بيئة ملائمة لنمو هذا النشاط، خصوصاً في ظل سيطرة الجماعة على عدد من المنافذ الحيوية؛ ما أتاح توسيع نطاق العمليات المرتبطة بالاتجار غير المشروع.

نشاط ممنهج

وأوضحت الدراسة أن إدارة تجارة وتهريب المخدرات في مناطق السيطرة الحوثية تتم بسرية عالية، وتحت إشراف مباشر من قيادات الصف الأول؛ ما يعكس تحولها إلى نشاط منظّم ومركزي مرتبط ببنية القيادة العليا للجماعة ومصالحها الاستراتيجية، مشيرة إلى أن العائدات الناتجة عن تجارة المخدرات تُستخدم في دعم الأنشطة العسكرية، بما في ذلك تمويل العمليات وشراء الأسلحة، في إطار ما وصفه بـ«الاقتصاد الموازي» الذي تعمل من خلاله الجماعة خارج أي رقابة رسمية. ​

عناصر حوثيون في أحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

وترى الدراسة أن هذا النمط من التمويل يساهم في إطالة أمد الصراع، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سياسية، نظراً لاعتماد بعض الأطراف على مصادر دخل غير مشروعة يصعب تفكيكها.

وفي جانب آخر، لفتت الدراسة إلى استخدام المخدرات وسيلة للتأثير على المقاتلين في صفوف الحوثيين، خصوصاً من فئة الشباب، من خلال تقليل مستوى الوعي وتعزيز قابلية الانقياد؛ ما يسهم في إحكام السيطرة داخل صفوف الجماعة.

تفكيك المجتمع

وحذرت الدراسة على الصعيد الاجتماعي، من تنامي معدلات تعاطي المخدرات، خصوصاً بين فئة الشباب بمناطق سيطرة الحوثيين، معتبرة أن انتشار هذه الظاهرة يشكل تهديداً مباشراً للنسيج المجتمعي. كما أشارت إلى استخدام المخدرات وسيلةً لتسهيل عمليات التجنيد، بما في ذلك استهداف القُصّر، من خلال تقليل الوعي وزيادة القابلية للانخراط في الأنشطة التعبوية والقتالية.

وأضافت أن هذا التوجه يمثل ما وصفته بـ«التفكيك الناعم» للمجتمع، حيث يتم إضعاف البنية الاجتماعية من الداخل، عبر نشر الإدمان وتآكل القيم؛ ما يفاقم من التحديات التي يواجهها اليمن على المدى الطويل.

وأكدت الدراسة أن نشاط تجارة المخدرات المرتبط بالحوثيين لا يقتصر على الداخل اليمني، بل يرتبط بشبكات تهريب عابرة للحدود؛ ما يضاعف من خطورته، ويجعله تهديداً للأمن الإقليمي.

جانب من عملية إتلاف مواد مخدرة ضُبطت سابقاً على الحدود اليمنية - السعودية (سبأ)

ودعت إلى ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها ملفاً استراتيجياً يتطلب تعزيز الجهود الأمنية والتعاون الإقليمي، إلى جانب إطلاق برامج توعية للحد من انتشار المخدرات وآثارها على المجتمع.

ويرى مراقبون أن استمرار تنامي تجارة المخدرات في مناطق سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الإقليمي؛ ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومنسقاً للحد من هذه الظاهرة التي باتت تمثل أحد أخطر تداعيات الحرب المستمرة في البلاد.

ويشير هؤلاء إلى أن تحول المخدرات إلى أداة تمويل رئيسة يعكس نمطاً متكرراً في مناطق النزاعات، حيث تلجأ الجماعات المسلحة كالحوثيين إلى أنشطة غير مشروعة لتعويض نقص الموارد؛ ما يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب وإطالة أمده.

كما يحذر المراقبون من أن تداعيات هذه الظاهرة لن تظل محصورة داخل اليمن، بل قد تمتد إلى دول الجوار، في ظل وجود شبكات تهريب عابرة للحدود؛ الأمر الذي يشكل تهديداً متزايداً للأمن الإقليمي، خصوصاً مع تزايد كميات المواد المخدرة المتداولة وتطور أساليب نقلها.


بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.