جهد وافر وشاق بذله الشاعر الباحث مسعود شومان على مدار سنوات كثيرة، من السفر والبحث والتنقيب في طبقات التراث الشعبي المصري، بكل أبعاده الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وعاداته وطقوسه المحلية، ليعد ويصنف أول موسوعة مصرية ضافية لأغنيات الطفل في تراث الشعر الشعبي.
صدرت الموسوعة حديثًا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في 560 صفحة من القطع الكبير، بعنوان «الموسوعة المصرية لأغنيات الطفل - الشعر الشعبي»، ويعتبرها شومان خطوة أولى في طريق أوسع، تسعى إلى جمع وتوثيق وتصنيف الأشعار التي كتبت أو أنشدت أو رويت، على قدر الإمكان، للطفل في مراحل عمره المختلفة لإنقاذ خياله من براثن التكنولوجيا وأمراض العصر التي تفرض عليه ثقافة لاهثة وافدة، لا علاقة لها بالبيئة التي نشأ فيها.
لا تقتصر الموسوعة على نوع من الشعر بعينه، إنما تقدم الإبداع الشعري المصري في تنوعه، سواء الذي أبدع على مستوى الأفراد، أو على مستوى الجماعة الشعبية، مواكبًا لدورة حياة الطفل، وفي ثلاثة أجزاء هي: الشعر الشعبي، شعر الفصحى، شعر العامية.
ويلفت شومان في تقديمه للموسوعة، إلى أن هذه الأجزاء تفتح بابًا متسعًا لتضم شعراء ونصوصًا أخرى، كما تتسع لإضافات نوعية وتصنيفات أكثر اتساعًا، تتيحها النصوص التي يمكن أن تنضاف للموسوعة فيما بعد.
ويوضح المؤلف مجموعة من التقنيات المهنية التي تتعلق بمنج العمل في الموسوعة، مشيرًا إلى أنه «بالنسبة للأشعار والأغاني المؤلفة (الفصحى والعامية)، فقد كان الاتصال بالشعراء هو الطريقة المثلى التي ساهمت في جمع عدد هائل من أشعارهم، فضلاً عن البحث في الكتب والدواوين التي تضم هذا النوع من الشعر».
أما فيما يخص جمع الأغنيات الشعبية الخاصة بالطفل، فيشير إلى أنه تم جمعها بطريقتين متزامنتين، عن طريق الجمع الميداني، والاستعانة بما تم جمعه من مادة فلكلورية حية قام بها عدد من باحثي الفلكلور، ثم الجمع المكتبي، والاستعانة ببعض المؤلفات التي تضم أغاني الأطفال الشعبية.
وبالنسبة للتصنيف، تم الاستعانة بمنهج استرشادي يتسم بالموضوعية، وتصنيف المادة المجمعة سواء كانت شعرًا أم أغنيات شعبية إلى موضوعات، وتقسيمها بحسب ترتيب الموجودات الكونية، بدءًا من الطبيعة ومفرداتها، مرورًا بالإنسان، ووصولاً إلى الأشياء الجامدة، في محاولة لاستبصار سيكولوجية الطفل في الاهتمام والتعامل مع هذه الموجودات، ومدى انجذابه لها والتفاعل معها. الأمر نفسه بالنسبة لتصنيف الأغنيات الشعبية، فقد تم تصنيفها طبقًا لدورة حياة الطفل.
وعلى ذلك، تطالعنا الموسوعة بنماذج متنوعة ومبهرة من أغنيات الطفل في التعليم والمناسبات الاجتماعية المختلفة: الميلاد، والسبوع، والتهنين والهدهدة، والفطام والخِتان، والرُّقى.. وغيرها من الأغنيات، المصحوبة برسومات كروكية جذابة.. فمن الأغاني التي تحتفي بميلاد البنت تورد الموسوعة هذه الأغنية:
«يا بنيَّة يا حد السيف
يا فتنة للخيّاله
جابو عشاكي على جملين
احتارت فيه الشيَّالة»
ومن أغاني هدهدة الطفل الولد:
«هُوْلَّه يا هُوْلَّه
تِكبر وتملا القلة
هولالي يا هولالي
تِكبر وتملالي».
كما تعكس بعض مفارقات الفرح والحزن الكامن في عباءة الموروث الاجتماعي، بين ميلاد الولد والبنت.. كما يبدو في هذه النماذج:
«لما قالولي عروسة
قلت الحبيبة المدسوسة
ادُّوا المبشر جاموسة
ادو له حلة بغطاها
وأربع معالق منقوشة»
وتحرص الموسوعة على توثيق الأغاني، بحسب البيئة التي نشأت فيها، في الوادي والصحراء والريف والمدينة، وكذلك في المدن الساحلية المطلة على البحر. كما تفك شفرة الجمل والعبارات ذات الدلالة الصوتية، مثل «هُوْلَّه يا هُوْلَّه» و«شايله صحن الفطير، مين قابلها جايه تِرْ (صوت يوحي بالسرعة)»، لافتة إلى أنها مجرد مفاتيح إيقاعية للترنيم والهدهدة، تكونت بشكل شفاهي تلقائي، علقت به خبرة الجماعة البشرية في البيئة المعيشة.
يرفد كل هذا مجموعة من الكشافات التحليلية استبصر بها المؤلف في أثناء عمله ليمنح الموسوعة عمقًا بصريًا وفكريًا، يتضافر فيه الشكل والمضمون، في نسج وإضفاء المتعة على محتوى الموسوعة. تبلغ هذه الكشافات 26 كشافًا، تشمل أدوات الزينة والروائح والحلي، وأعضاء الجسد، والأزياء والملابس والأغطية، والأصوات والألعاب والألوان، والأماكن والبلاد، والأطعمة والأشربة والحلوى والفاكهة، والنباتات والأعشاب والأدوية، والحيوانات والطيور والحشرات والمعادن والأحجار.. وغيرها مما له علاقة من قريب أو بعيد بحياة الطفل.
وعلى المستوى الفني، تثير الموسوعة - برأيي - شكلاً من أشكال «أدب الطقوس، فثمة حالة من الطقسية، تتحسسها بطفولة شديدة، في تمايلات واهتزازت جسدك، وأيضًا في شكل القراءة وتنويعات الصوت، وأنت تتجول في صفحات الموسوعة ما بين الأغاني والأشعار، وإيقاعاتها المتنوعة تحت مظلة مناسباتها الشجية المرحة:
«حطّة يا بطّة
يا دقن القُطّة
عمّ حسنْ
زارع بصلْ
جيت أشمُه
كلته كلّه
وادي الزير
وادي غطاه
وادي النبي
اللي إحنا حداه»
أيضًا، نلمح في الموسوعة نوعًا من التدوير لـ«التيمة الشعبية» الواحدة بأكثر من طريقة أداء، مما يكشف عن ثراء في المخزون الشعبي، وتنوعه في أوساط البيئات المختلفة.. فهذه المقطوعة التي تمثل إحدى الألعاب الشعبية، ترد في سياق آخر على نحو مغاير، وإن ظلت الروح الشعبية هي العالم المشترك بينها.. تقول المقطوعة:
«حطَّة يا بطَّة
يا دقن القُطّة
غداكي عشاكي
الرب عطاكي
عطاكي بنيَّه»
يرفد هذا التنوع بالموسوعة مقطوعات شعرية ذات طابع حواري تجري على لسان الطيور والحيوانات والأشجار والبشر، وغيرها من الموجودات، مما يجعلنا أمام شكل طازج وحي من أشكال الحكي، يجرى بشكل طبيعي، حافزًا في طواياه المخيلة على المزيد من التأمل، وطرح الأسئلة، في أفق فطري من الدهشة، والانفتاح على بداهة الأشياء بمحبة وطفولة.
11:9 دقيقه
مسعود شومان يصدر أول موسوعة للطفل المصري
https://aawsat.com/home/article/483496/%D9%85%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF-%D8%B4%D9%88%D9%85%D8%A7%D9%86-%D9%8A%D8%B5%D8%AF%D8%B1-%D8%A3%D9%88%D9%84-%D9%85%D9%88%D8%B3%D9%88%D8%B9%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%B7%D9%81%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A
مسعود شومان يصدر أول موسوعة للطفل المصري
شملت تراثهم من الأغنيات الشعبية والأشعار والألعاب
- القاهرة: جمال القصاص
- القاهرة: جمال القصاص
مسعود شومان يصدر أول موسوعة للطفل المصري
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة


