فنان تشكيلي من «الحرافيش» يحتفظ بصور ومقاطع فيديو نادرة لنجيب محفوظ

يرغب في إهدائها لمتحفه الذي يفتتح في ديسمبر المقبل بمناسبة ذكرى ميلاده

محفوظ مع الشربيني والراحل جمال الغيطاني (واقفا)
محفوظ مع الشربيني والراحل جمال الغيطاني (واقفا)
TT

فنان تشكيلي من «الحرافيش» يحتفظ بصور ومقاطع فيديو نادرة لنجيب محفوظ

محفوظ مع الشربيني والراحل جمال الغيطاني (واقفا)
محفوظ مع الشربيني والراحل جمال الغيطاني (واقفا)

منذ يوم 12 أكتوبر (تشرين الأول) الذي حصل فيه نجيب محفوظ على نوبل في الآداب، مرّ 27 عامًا دون أن يلقى «الأستاذ» الاحتفاء اللائق به ودون تأسيس متحف يخلد ذكراه، يؤمّه محبوه ومريدوه من مختلف أنحاء العالم للتعرف على حياته عن قرب، على الرغم من مرور 9 سنوات على رحيله، وفي 11 ديسمبر المقبل سوف تحل ذكرى ميلاده الرابعة بعد المائة، ولم يتأكد بعد مكان متحفه، إلا أن وزارة الثقافة المصرية أعلنت اعتزامها تأسيسه في مقر وكالة أبو الدهب الأثرية التي تطل على شارع الأزهر وحي الحسين باعتبارها تحمل روح الحارة المصرية، وأنها المكان الأقرب لحي الجمالية الذي نشأ فيه نجيب محفوظ.
وكان الكاتب محمد سلماوي ووزير الثقافة الأسبق جابر عصفور قد شنا حملة شعبية في سبتمبر (أيلول) الماضي لمطالبة الحكومة المصرية بسرعة تأسيس المتحف، لكن مع اقتراب الموعد المحدد لافتتاح متحف نجيب محفوظ في ديسمبر المقبل لم يتم إلى الآن إخلاء مبنى وكالة أبو الدهب من موظفي وزارة الآثار، كذلك لم يعلن عن البدء في التجهيز المتحفي للوكالة لكي تليق بمقتنيات محفوظ، ولم يجد أصدقاؤه أي إجراءات فعلية لجمع مقتنيات المتحف سوى التنسيق مع أسرة محفوظ، في تجاهل لما يملكه أصدقاؤه والحرافيش من صور فوتوغرافية وساعات فيديو مسجلة لندوات «الأستاذ» واللحظات الهامة في حياته.
الفنان التشكيلي محمد الشربيني، أحد حرافيش نجيب محفوظ، كشف لـ«الشرق الأوسط» عن أنه يمتلك ما يزيد على 25 ساعة من الفيديو توثق لقاءات «الأستاذ» وندواته مسجلة على شرائط 8 ملّي، وما يزيد على 1000 صورة فوتوغرافية توثق لحظات من حياة محفوظ والشخصيات الهامة التي كانت تحرص على حضور ندواته الأدبية في أرجاء القاهرة.
صور كثيرة تجمعه مع «الأستاذ» هي ما تبقّى لديه من ذكراه يحفظها بعناية مؤرشفة وفقًا لتاريخ التقاطها، يتأملها في أحيان كثيرة وأحيان أخرى ينشر بعضها عبر حسابه على موقع «فيسبوك» لتنهال عليه التساؤلات حولها وعن الأستاذ، ويظل حلمه الوحيد أن يمنحها لمتحف يحمل اسم نجيب محفوظ.
يقول الشربيني: «من المؤسف حقًا أن يكون لدينا أديب بقيمة وعظمة ونجيب محفوظ ولم نقم له متحفًا يخلد ذكراه ويؤمّه عشاق أدبه ممن قرأوا له بمختلف اللغات، لديّ صور كثيرة جدًا كنت قد التقطها على مدار أكثر من 10 سنوات، ولديّ 25 ساعة فيديو لندوات في أماكن مختلفة، وطلبت مني قناة (الجزيرة) القطرية الحصول عليها، لكنني رفضت، وأرغب أن أهديها للتلفزيون المصري، أو لمتحفه الذي طال انتظاره، ولست وحدي من يملك صورًا ومقاطع فيديو لمحفوظ، بل يملك الكاتب محمد سلماوي وآخرون من محبيه وأصدقائه عددًا كبيرًا من الصور والمخطوطات يمكن أن تشكل وحدها نواة لمتحف ضخم، فضلاً عما لدى أسرته».
يضيف: «لم يأخذ محفوظ حقه وهو على قيد الحياة، وكنت قد طلبت مع د. العقباوي وفتحي هاشم منذ عدة سنوات من د. جابر عصفور ود. عماد أبو غازي في المجلس الأعلى للثقافة، أن يتم تكريم محفوظ بشكل لائق، وتشكلت لجنة من المخرج توفيق صالح ويوسف القعيد وجمال الغيطاني للعمل على تجهيز المتحف، وقد رحل صالح، والغيطاني يرقد غائبًا عن الوعي الآن. ويواصل القعيد السعي. إلا أن تعدد وزراء الثقافة في مصر أربك هذا المسعى كما يبدو، ولا أجد مبررًا مقبولاً لعدم وجود متحف له منذ وفاته منذ 9 سنوات وحتى الآن».
وبحنين شديد يروي الشربيني بداية علاقته بمحفوظ، قائلا: «بدأت علاقتي به منذ أواخر الستينات في (ريش)، فقد كان الأدب لدي موازيًا للفن بشكل دائم فقرأت أعماله، وحرصت على حضور ندواته، إلى أن توطدت علاقتنا بعد نوبل بسنة 1989 أثناء ندواته التي كانت تنعقد في كازينو (قصر النيل)، وكانت علاقتنا تتوثق بشكل يومي لمدة خمسة أيام في الأسبوع».
ومع حلول المناسبة السنوية لنوبل، يستعيد الشربيني صوت «الأستاذ» وهو يقول باسمًا «أسبوع الآلام»: «بعد نوبل كانت الأضواء تجعله مرتبكًا وتتعبه فضلاً عن أنه لم يكن يحب أن يتحدث عن نفسه كثيرًا ولا يحب المديح، وقد كان مجبرًا على إجراء لقاءات صحافية وتلفزيونية وهو أمر لم يكن محببًا له».
ويشير إلى أن «جميع دول العالم تكرم النابغين والعظماء من كبار الكتاب والفنانين باحتفاليات ضخمة تفيهم حقهم وتجلب عائدًا ماديًا وسياحيًا كبيرًا لها، وقد كنت شاهدًا على تكريم سيزان في أوروبا بمناسبة مرور 100 سنة على وفاته، وكان شيئًا فوق الخيال استمر لمدة 3 شهور محققًا أرباحًا بقدر90 مليون دولار، فلماذا لا يتم الاحتفال بمحفوظ وإعطاؤه قيمته؟».
ويلفت الشربيني إلى أنه قد بدأ بإعداد كتاب عن «التشكيل في أدب نجيب محفوظ»، وأن «أغلفة رواياته التي صممها جمال قطب التي صدرت عن (مكتبة مصر بالفجالة) هي لوحات فنية بحد ذاتها، ويجب أن يتم إصدارها في كتاب. كما يجب أن تعيد الدولة طباعة رواياته التي نفدت وتوقفت دار (الشروق) عن إعادة طبعها».
ماذا عن الحس الفني عند محفوظ؟، نسأله فيجيب: «كان لديه حس تشكيلي عالٍ في وصف اللوحات والديكورات في رواياته، كان يبتكر تصميماتها بالكتابة، كان مؤهلاً لأن يصبح فنانًا تشكيليًا بامتياز، ولا يوجد من يماثل براعته في وصف الأماكن من حارة لبنزايون أو تكية». ويضيف: «من وجهه للاهتمام بالتشكيل كان عباس العقاد، الذي نصحه بالاطلاع على الفن التشكيلي خاصة كتاب بالإنجليزية (الفنون الجميلة خلال العصور)، وكان هذا الكتاب على طاولة بالقرب من باب شقته كل يوم قبل أن يغادر منزله ينظر للوحات ليتعرف على تاريخ المدارس الفنية في العالم، وكذلك فعل مع الموسيقى».
وحول اهتمام محفوظ بالحركة التشكيلية في مصر، قال: «كان محفوظ حريصًا على زيارة المعارض التشكيلية منذ عام 1937 خاصة المعرض السنوي في (سرايا تيجران)، الذي كانت تقيمه جمعية محبي الفنون الجميلة، حيث تعرف من خلاله على ناجي وراغب عياد ومحمود سعيد وأحمد صبري وآخرين. كان لديه حس راقٍ جدًا. وبالمناسبة لقد أحب أحمد عدوية وسمّاه صوت الحارة الشعبية، لأنه كان منحازًا للناس دومًا».
يتصفح الشربيني ألبوم صوره مع محفوظ أثناء زيارة العالم المصري الحاصل على نوبل أحمد زويل، وصورة أخرى تسجل لحظة حميمية لمحفوظ مع الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي، وصورًا أخرى مع الفنان عادل إمام وفاتن حمامة وأميتاب باتشان. ويتذكر الفنان التشكيلي المناسبات التي التقط فيها تلك الصور قائلاً: «بعضها التقطته في كازينو قصر النيل ومنذ عام 1994، بعد أن أصرّ د. يحيى الرخاوي أن تعقد الجلسات في أكثر من مكان في أعقاب حادث الاغتيال الذي تعرض له محفوظ إثر نشره فصل من رواية (أولاد حارتنا) في جريدة (الأهرام)، لذا بعض الصور التقطتها في فندق ماريوت الزمالك أو هيلتون رمسيس، وكانت تعقد لقاءات الأحد في فندق شبرد وسط القاهرة، والاثنين في فندق نوفتيل في المطار. أما يوم الثلاثاء فكان اللقاء في سفينة (فرح بوت) بالجيزة، والأربعاء في سوفتيل المعادي، وكان محفوظ يخصص يوم الخميس مع مجموعة خاصة جدًا من أصدقائه على رأسهم المخرج توفيق صالح والفنان التشكيلي جميل شفيق، حيث كانوا يلتقون في قرية فلفلة في المنيل».
ويضيف الشربيني: «كان محفوظ منظمًا بشكل قاسٍ جدًا في مواعيده والتزامه بالكتابة اليومية حتى في ترتيب نقوده في الحافظة. قبل الساعة 9 ونصف بالدقيقة كان يقف ويغادر المكان، وكان الالتزام بالوقت أمرًا لا يمكنه التفريط فيه، فضلاً عن الزهد والحكمة والتواضع في كل شيء، وكذلك الوفاء. ولا بد أن أذكر هنا أنه كان يردد دومًا أن العقاد والحكيم أحق منه بنوبل».



أحمد قعبور وأحمد دحبور... جناس ناقص وعذوبة كاملة

أحمد قعبور
أحمد قعبور
TT

أحمد قعبور وأحمد دحبور... جناس ناقص وعذوبة كاملة

أحمد قعبور
أحمد قعبور

كان مقدّراً لهذه المقالة أن تكون مخصصة بالكامل للحديث عن أحمد قعبور الذي لم يكن رحيله، وسط الدخان الكثيف الذي يغطي سماء لبنان والمنطقة، شأناً من شؤون المصادفات المجردة، بل بدا بمنزلة احتجاج صارخ على فساد العالم ووحشيته المطلقة، أو نزول متعمد عن خشبة المسرح الفظ الذي يسمى الحياة. غير أن ما عدّل في وجهة الكتابة لتشمل الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور، هو خلطٌ بينه وبين المغني اللبناني، غالباً ما تسبب فيه التشابه في الأسماء. وهو ما حدث للشاعر الفلسطيني عبد السلام العطاري، حين ظل يخلط دون قصد بين الاسمين، في حوار أجرته معه إحدى الفضائيات، بما حوّل الحوار برمته إلى تأبين للشاعر والمغني على حد سواء.

وقد قادتني الحادثة تلك إلى التذكير بأن مثل ذلك الخلط لم يكن غائباً عن بال قعبور ذاته، وهو الذي أخبرنا في إحدى جلسات المقهى التي واكبت فترة مرضه القاسية، بأن العديد من أصدقائه قد اتصلوا به مستنكرين وفاته دون إعلامهم، إثر رحيل الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور! ثم تابع على طريقته في الدعابة بأن زوجته إيمان بكداش قد اضطرت إلى نفي نبأ رحيله عبر أكثر من مكالمة هاتفية، وقد ظن البعض أنه هو نفسه المتوفى، ليضيف مبتسماً أن ما حدث له ذكّره برائعة جورج أمادو الروائية «كانكان العوام الذي مات مرتين».

أحمد دحبور

وإذا كان الكلام عن أحمد قعبور يستدعي مروحة واسعة من الأفكار والذكريات، فإن أكثر ما ميّزه عن سواه هو نقاء سريرته، وصدقه مع نفسه في كل ما يفعل، بحيث نستطيع أن نرى أي نغمة حزن أو لمعة فرح وهي تتلألأ في مياه أعماقه المشمسة. ولم تكن سمات أحمد الأخلاقية، التي ورثها عن والديه العصاميين، لتقتصر على البشاشة وخفة الظل والقدرة اللامتناهية على الحب فحسب، بل إنه اشتغل بدأب المحاربين على ألا يكون التواضع عنده اتضاعاً، والحاجة تضحيةً بالكرامة، محاولاً في الوقت ذاته أن يوائم قدر استطاعته بين صلابة الموقف وليونة التعبير عنه.

وقد بذل أحمد الشاب، وهو نجل عازف الكمان البيروتي محمود قعبور، جهوداً حثيثة لجعل الفن خط تماس شديد الحساسية بين الحياة والتعبير، ومحاولة شاقة للتوفيق بين الالتزام بشروط الواقع، والالتزام بشروط الجمال. إضافة إلى محاولات مماثلة لتكييف موسيقاه مع روح العصر وإيقاعه المتسارع، دون أن يقطع الصلة في المقابل مع الجذور الأم للموروث الموسيقي العربي. كما أن إلحاحه الدؤوب على أن يستقي أعماله وأغانيه من الهموم اليومية للبشر العاديين، وتحويل المناسبات الاجتماعية والدينية إلى أغنيات وأهازيج، لم يقلل من حرصه الموازي على إيلاء الجوانب الفنية في أعماله ما تستحقه من الاهتمام.

وقد تكون المزايا والسمات التي وفرت لتجربة قعبور سبل البقاء والانتشار الواسع، هي نفسها التي وفرت لتجربة مرسيل خليفة، على ما بين التجربتين من اختلاف، عناصر توهجها الداخلي وثرائها الخلّاق، في حين أن معظم التجارب المماثلة قد آلت إلى الوهن والضمور. كما أن ما منح أحمد قدرته الملحوظة على ردم الهوة مع الجمهور، هو ذلك الدفء الإنساني المنقوع بالألم الذي كانت تبثه حنجرته الراعشة في أوصال مستمعيه، لتصلهم رغم نحول الصوت بما أضاعوه من حيواتهم على غير انتباه. كما أن ذلك الدفء بالذات، متحداً مع ذكاء فطري وبراءة طفولية المنشأ، قد مكّن قعبور من شد انتباه الأطفال وملامسة قلوبهم اليانعة.

وحيث كان قعبور قادراً على تحويل كل ما يقاربه من يوميات العيش وتفاصيله إلى فن حقيقي، فإن الكثيرين يذكرون كيف أنه صنع من بعض «الفلاشات» والبرقيات الدعائية السريعة التي كانت تُبث في تلفزيون «المستقبل» في تسعينيات القرن المنصرم، مثل «لعيونك» و«البلد ماشي»، برقيات ولقى ذكية حفظها الناس عن ظهر قلب، وتجاوزت بُعدها السياسي الضيق لتدمغ بظُرفها اللماح مرحلة بكاملها. ولعل أكثر ما آلم أحمد يومذاك هو تلك السهام السياسية الحادة التي سددها نحوه الكثير من المتربصين به، وبينهم أقرب أصدقائه، والتي تركت في قلبه جراحاً عصيّة على الاندمال.

على أن من الصعب الحديث عن أحمد قعبور دون الإشارة إلى أن النجاح غير العادي الذي أصابته أغنيته «أناديكم»، التي كتبها الشاعر الفلسطيني توفيق زياد، كان المحصلة الطبيعية للتحالف الوثيق بين جمال النص وبراعة اللحن، مضافاً إليهما الصوت الخارج من الأحشاء، بكامل حرقته وتمرده ونشيجه. كما أن الهوة الفاصلة بين صوت المنادي، الشبيه بما تبقى من صارية سفينة غارقة، وبين أسماع البشر المعنيين بالنداء، هي التي منحت الأغنية طابعها الطقوسي، وحوّلتها إلى تعويذة رمزية في وجه الموت.

أما أحمد دحبور، فلعل أكثر ما يتشاركه مع قعبور هو الصدق والعذوبة واقتطاع التعبير من المنابت التراثية الجمعية، التي أعاد كل منهما تجديدها على طريقته. وهو ما عكسه عند دحبور إلحاحه الدائم على محاورة الماضي واستنهاضه، كمثل قوله: «أضاعوني وأيَّ فتى أضاع الأهل والخلانْ». إضافة إلى استخدام صيغ النداء نفسها التي استخدمها المغني؛ إذ تتكرر عبارات من مثل: «يا كربلاء تلمّسي وجهي بمائكِ تلمسي عطش القتيل»، أو «ويا جَمل المحاملِ دربنا شوكُ»، وغير ذلك. كما تفصح البساطة واللغة الأليفتان عن نفسَيهما، عبر قول دحبور في إحدى قصائده الغزلية:

تبدأ القصة بالوجه المضيء الساحليْ

شعرها الأسود من ليل المخيمْ

فُتْحةُ العينين «يا دين النبيْ»!

والواقع أن هذه الميزة لدى الشاعر أكثر ما بدت واضحة في أعماله الأولى «حكاية الولد الفلسطيني» و«طائر الوحدات» و«بغير هذا جئت»، قبل أن تخلي مكانها في وقت لاحق لخلطة أكثر تعقيداً من الكتابة الحرَفية والحذق التأليفي. ففي تلك الأعمال بالذات بدا دحبور وكأنه يشحذ لغته على سكين الألم والمكابدة والانبثاق التلقائي من باطن الذات، كقوله في إحدى قصائده:

حين يكتمل الحزن تكتمل القنبلة

والدم المتربصُ يفتح ذاكرةً في الحجارةِ:

إن فلسطين ممتدةٌ من دمٍ عالقٍ بقماطي

إلى حقل رزٍّ يقاوم في عمق «فيتنام»

لكنها حين ينقصني خبزها تتجمّع في سنبله

كما أن أكثر ما ميّز دحبور في مختلف أعماله هو أسلوبه الجدلي الدرامي الحافل، الذي كان يشحن اللغة بطاقة عالية من الحيوية والتوتر. ومع أنه كان يعدّ شاعراً غنائياً بامتياز، فإنها ليست الغنائية الرخوة التي تتوسل التطريب الصوتي سبيلاً لدغدغة المشاعر، بل الغنائية المشحونة بقلق النفس، وأسئلة الهوية المحاصرة، والجموح العاصف للكلمات.

ولم تكن فلسطين وحدها هي التي وفرت لدحبور ما يحتاجه من مناجم الكتابة ومساقط الحنين إلى المكان الأول، بل إن نشأته وإقامته في حمص، مسقط رأس ديك الجن الحمصي وحبيبته ورد، قد زودتاه من جهتهما بقدر غير قليل من الرقة، حيث الهبوب المتواصل للرياح المحيطة بالمدينة لم يجبر الشجر وحده على الانحناء، بل تعهد بأنينه المكسور قصائد الحب، وقلوب العشاق، وبحة الأسى الدهري.

ولن تفوتني الإشارة، أخيراً، إلى أن ما جمع بين الطرفين من تشابهات لم يكن يقتصر على الجناس الناقص بين الاسمين، ولا على المزايا الإبداعية والإنسانية فحسب، بل إن من المفارقات الغريبة أن يكون أحمد دحبور المولود عام 1946 والمتوفى عام 2017م، وأحمد قعبور المولود عام 1955 والمتوفى عام 2026م، قد تقاسما العمر ذاته، بحيث أمكن لكل منهما المكوث واحداً وسبعين عاماً لا أكثر، فوق سطح الأرض. كما أن المفارقات نفسها قد تدخلت مرة أخرى لتجعل من موعد نشر هذه المقالة في «الشرق الأوسط»، اليوم الثامن من نيسان (أبريل) الحالي، هو الموعد نفسه الذي رحل فيه أحمد دحبور، أحد أكثر الأصوات الفلسطينية براءة ونقاء، عن هذا العالم.


تقاسيم زخرفية أموية من «قصر الحير الشرقي»

3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية
3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية
TT

تقاسيم زخرفية أموية من «قصر الحير الشرقي»

3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية
3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية

ازدهرت خلال الحقبة الأموية حِرَف الزينة المعمارية، وشكّل نتاجها المبتكر أساساً لجمالية الفن الإسلامي بأقاليمه المتعدّدة على مدى قرون من الزمن. تجلّت هذه الحِرَف بنوع خاص في اعتماد تقنية الجص الجيري المنحوت في تزيين العناصر المعمارية الخاصة بالمباني التي عُرفت بـ«قصور البادية»، كما في صناعة لوحات مستقلّة داخل هذه المباني بأشكال مختلفة. تجلّى هذا الفن في مجموعات من اللقى عُثر عليها بين أطلال هذه القصور، منها مجموعة صغيرة خرجت في السنوات الأخيرة من مبنى كبير، شكّل ملحقاً من ملحقات قصر، ويُعدّ أكبر المنشآت الأموية وأضخمها في البادية السورية، ويُعرف بـ«قصر الحير الشرقي».

جال عالم الآثار الأميركي جورج فورسيث خلال عام 1956 في نواح عدة من الشرق الأوسط لاختيار مواقع جديرة بالمسح، ورافقه في هذه الجولة زميله الفرنسي أوليغ غرابار المختص في الفنون الإسلامية. شملت هذه الجولة موقع «قصر الحير الشرقي» الذي جذب غرابار، فقصده ثانية عام 1962 في مهمة تمهّد لاستكشافه، وعاد إليه في 1964 على رأس بعثة ضمت عدداً من كبار العلماء، وأشرف على حملة مسح وتنقيب استمرت شهرين. تجددت هذه الحملة في 1966، وتبعتها حملة ثالثة بين عامي 1967 و1968، ثم حملة رابعة في 1969، وخامسة في 1970، وكانت خاتمتها حملة سادسة في 1971. شملت هذه الحملات الميدانية المعمّقة مجمل مساحة «قصر الحير الشرقي»، ورافقها صدور تقارير توثيقية خاصة بها تناولت نتائج أبحاثها. تُوّج هذا العمل المتواصل أخيراً في 1978 بنشر كتاب شكّل دراسة جامعة لهذه الأبحاث، حمل عنوان «مدينة في الصحراء».

شيّد هذه المدينة التي تقع إلى الشمال الشرقي من تدمر، الخليفة هشام بن عبد الملك عامي 728 و729 كما يؤكّد نقش عُثر عليه في الموقع، ويقابلها قصر آخر، شيّده كذلك هذا الخليفة في عام 727، ويقع إلى الجنوب الغربي من تدمر، ويُعرف باسم «قصر الحير الغربي». يتكوّن «القصر الشرقي» من مجمّعين مربّعين متجاورين يُعرفان بـ«القصر الكبير» و«القصر الصغير»، في إشارة إلى حجميهما. ويتميّز في المقام الأوّل بطابعه المعماري الضخم، وتبدو أطلاله أكبر من أطلال نظيره «الغربي». في المقابل، يتميّز «القصر الغربي» بثراء حلله الزينية، وتبدو حلل نظيره «الشرقي» متواضعة للغاية أمام هذا الثراء الاستثنائي.

لم تشكّل الحملات الأميركية نهاية لاستكشاف «القصر الشرقي»؛ إذ توسّعت الدائرة خارج حدود الحرمين المتجاورين، وبلغت سلسلة من المساكن تقع في شمال هذا الموقع، أهمها مسكن ضخم يحمل طابعاً أميرياً كما تشهد اللقى التي خرجت منه، خلال سلسلة جديدة من الحملات أجرتها بعثة سويسرية - سورية مشتركة بين عامَي 2007 و2010. يتألف هذا المسكن الضخم من مجمّعين متلاصقين تتوسّط كلاً منهما ساحة داخلية، ويمتدّان على مساحة يبلغ طولها 65.5 متر، وعرضها 44.5 متر. يبدو هذا البناء معاصراً للحرمين الرئيسيين اللذين يتكوّن منهما الموقع، ويمكن القول إن تشيّيده مهّد في الأصل لبناء هذه المدينة، أو أنّه شكّل ملحقاً توسّعياً لها.

حافظ هذا المسكن على بعض من حلله المنقوشة، وبدت مشابهة من حيث التكوين والأسلوب لما نراه في حرمَي «القصر الشرقي» المجاورين. هنا وهناك، نقع على عواميد تزينها نقوش منجزة بتقنية الجص المنحوت. تعلو هذه العواميد تيجان كبيرة، تشكّل أساساً لأقواس منقوشة تتبنى أطرزة شاعت في العالم المتوسّطي، تجمع بين التقاليد الرومانية والساسانية، وتشكّل امتداداً لميراث محلّي انتشر في بقاع واسعة من بلاد الشام.

إلى جانب هذه الشواهد المعمارية، تحضر مجموعة من الألواح تعتمد كذلك تقنية الجص المنقوش، وصلت للأسف بشكل مجتزأ. يصعب تحديد وظيفة هذه الألواح الأصلية بدقّة، غير أن ما بقي من مكوّناتها يشهد لرهافة بالغة في تأليف الشبكات الزخرفية المتنوّعة. تعتمد هذه الشبكات صياغة تجريدية شاملة، إلا إنها لا تمنع ظهور العناصر التصويرية ضمن هذه القوالب، وأبرزها العناصر النباتية المحوّرة. تظهر هذه العناصر في شواهد كثيرة، منها 3 ألواح تختزل هذا النسق الذي طبع الميراث الفني الأموي بشكل واسع. عُثر على أحد هذه الألواح عام 2008، ويبلغ طوله في الأصل على الأرجح 64 سنتيمتراً، وعرضه 42 سنتيمتراً، وقوامه مساحة مزخرفة يحدها إطار مستطيل بسيط. تبدو هذه المساحة لأول وهلة هندسية بشكل خالص، غير أن التأمل فيها يُظهر تبنيها عنصراً وحيداً جامعاً يتمثل في زهرة ذات 6 بتلات طويلة متساوية، تلتفّ حول ثقب دائري يشكّل برعماً لتفتّحها. تستقرّ هذه الزهرة داخل إطار يتكوّن من 6 أضلاع، وتؤلّف وحدة هندسية ثابتة، تتشابك وتتداخل مع أطر مماثلة لها. ويشكّل هذا التشابك مساحة زخرفية متناسقة متقنة ومحكمة تعتمد تأليفاً هندساً صارماً.

يتغيّر هذا النسق في لوح ثانٍ يعود اكتشافه إلى عام 2010، طوله في الأصل تقديرياً 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. ما تبقّى من هذا اللوح يُظهر مجموعة من 6 ورود متماثلة، تحضر وسط أغصان لولبية مورقة تلتفّ من حولها بشكل دائري. تتألف كل وردة من 6 بتلات صغيرة، تحيط بقرص مماثل لها من حيث الشكل والحجم. تحيط بهذه الورود أغصان تخرج منها أوراق، يظهر بعضها بشكل جانبي، ويظهر البعض الآخر بشكل منبسط ومواجه. في القسم الأسفل من هذا اللوح، تظهر أغصان مورقة أخرى تمتد عمودياً بشكل حر، واللافت أن وريقات هذه الأغصان تخرج عن القالب الجامع؛ إذ تختلف في الحجم والتكوين. في قطعة صغيرة تشكّل جزءاً من هذا التأليف، موقعها على الأرجح الطرف الأيسر من اللوح، نقع على وردة كبيرة تتلاحم بتلاتها الكثيفة، وتبدو أشبه بعنقود من العنب.

يتكرّر هذا القالب الزخرفي الحر في لوح ثالث يصعب تقدير حجمه الأصلي، وفيه تحضر أغصان نباتية من الفصيلة التي تُعرف باسم «الأقنثا»، وتبدو أوراق هذه الأغصان المحوّرة هندسياً أشبه بكوز يتكوّن من 4 مساحات هلالية. يشكّل كل من هذه الأكواز كتلة دائرية تلتف من حولها أغصان لولبية، تخرج منها أوراق جانبية مسنّنة، يمتد بعض منها عمودياً، ويمتدّ البعض الآخر أفقياً. ينصهر هذا التأليف في قالب منفلت، يُسبِغ على هذه الشبكة الزخرفية طابعاً حياً.


دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ
TT

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

يشير لفظ الحرافيش إلى دلالات لغوية واجتماعية تتعلق بـ«المهمشين» وسط الجموع، وهو اسم جمع ومفرده «حرفوش» المنحدر من الجذر اللغوي لفعل «حرفش» الذي يعني، حرفياً، الغلظة وقلة تهذيب والخروج عن اللائق، كما يدل أحياناً على المصارع والمقاتل.

وظهر لفظ «الحرافيش» في بداية عصر المماليك، حيث أطلقه المؤرخون على المصريين سكان القاهرة من الطبقات الشعبية التي يملك الواحد فيها صنعة أو حرفة.

هذا ما تلاحظه الباحثة حنان راضي محمود في كتابها «صور التقابل في رواية الحرافيش»، الصادر ضمن سلسلة «كتابات نقدية» عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، مشيرةً إلى أن «ملحمة الحرافيش» تعد واحدة من روائع نجيب محفوظ، تسلط الضوء على تلك الفئة من الشعب ليس باعتبارها طبقة كادحة فحسب بل طبقة ذات طابع إنساني، حيث أكسبتها المعيشة القاسية صفات من الغلظة والخشونة.

ويتناول محفوظ هؤلاء البشر باعتبارهم «المستضعفين من الناس»، فحياتهم الفقيرة لم تحرمهم من الحلم والسعي وراء العدالة والحرية التي ينتظرون أن تأتي مع البطل الملحمي القادر على أن يملأ الأرض عدلاً بعد أن امتلأت ظلماً. هذا ما تجسد بالفعل في أحداث «ملحمة الحرافيش» على يد عاشور الناجي الجد مروراً بـ«الفتوات» الذين ساروا على نهجه، وصولاً إلى عاشور الحفيد الذي اختتم الملحمة.

وتعتقد الكاتبة أن المشهد الأول في الرواية يحظى بأهمية خاصة حيث يوثق بداية ظهور البطل عاشور الناجي من خلال العثور عليه رضيعاً وسط المقابر، وقد عثر عليه الشيخ «عفرة زيدان» وأخذه لزوجته، وقاما على تربيته رغم عدم معرفة أصله، ثم تتطور الأحداث حين ينمو ويكبر عاشور ويصبح شاباً ثم يتزوج وينجب ثلاثة أبناء.

يأتي الحدث الثاني، وهو الحدث الفاصل في بلورة الأحداث التالية في الرواية، وهو حدث «الشوطة»، أو الوباء، الذي حل على الحارة وأخذ الأخضر واليابس، كما اكتسح الموت كل معالم الحياة. وتكتمل وحدة الحدث بإحدى «كرامات عاشور» الناجي برحيله عن الحارة قبل أن تصيبه «الشوطة» عبر حلم تحول به مصيره، فقد نجا من الوباء هو وزوجته «فلة» و«شمس الدين»، نجله، ومنذ ذلك الوقت لُقّب بـ«الناجي»، وأصبح اسمه «عاشور الناجي» وكأن أسرته التي كونها قبل الوباء لم تكن.

وتشير المؤلفة إلى سمة فنية تتجلى في معظم نهايات أحداث الحكايات الأخرى من «الحرافيش» وتشكلت معها جماليات أسلوبية في الحكي عبر النهايات الحزينة ذات الطابع المأساوي، التي يأتي فيها الموت مصيراً محتوماً، وهي نهاية تشير إلى طبيعة الاتجاه الرومانسي الذي تغلب عليه مشاعر الحزن والقلق ومشاهد الضعف الإنساني.

وعلى سبيل المثال، نجد في الحكاية الثالثة «شمس الدين» أن النهاية تعلن عن رحيله، فقد عاش خائفاً من الضعف والمرض أكثر من الموت نفسه، فلُقّب بـ«قاهر الشيخوخة»، كما تحل النهاية المأساوية مجدداً عبر الحكاية السادسة «شهد الملائكة» بمقتل «زهيرة» على يد طليقها في مشهد صادم.