الباكستاني محسن حامد يقدم دليلاً روائيا لثراء الشباب

رواياته تُرجمت إلى أكثر من 30 لغة لكنه لا يزال شبه مجهول في البلدان العربية

محسن حامد
محسن حامد
TT

الباكستاني محسن حامد يقدم دليلاً روائيا لثراء الشباب

محسن حامد
محسن حامد

«كيف تصبح ثريًا فاحشًا في آسيا الصاعدة»، التي ستصدر ترجمتها للعربية قريبًا، رواية مغايرة تمامًا لكل مقاييس الرواية، لأسباب متعددة منها أن الكاتب يستخدم ضمير المخاطب «أنت» ليجعل منها الشخصية المحورية دون أن تحمل اسمًا معينًا.
لم تصدر للروائي الباكستاني محسن حامد، الذي يكتب بالإنجليزية، سوى رواية يتيمة باللغة العربية هي «الأصولي المتردد» التي صدرت ترجمتها العربية عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر - بيروت 2007، بينما ظلت روايته الأولى «عث الدخان» في عام 2000 غير مترجمة حتى الآن. رواياته الثلاث تُرجمت إلى أكثر من 30 لغة، واعتبرت من أفضل المبيعات في العالم، لكنه لا يزال عندنا شبه مجهول شأنه شأن كثير من الروائيين.
نشر محسن حامد معظم قصصه القصيرة في مجلات: «نيويوركر» و«غرانتا» و«باريس ريفيو»، أما مقالاته فيواصل نشرها في صحف: «داون» و«غارديان» و«نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» و«فاينانشال تايمز».
نتعرف على سيرته التي تؤكد على أنه ولد في 1971 في لاهور. وقد أمضى سنوات طفولته الأولى في كاليفورنيا، حيث هاجر إليها والداه من باكستان، ودرس في كل في جامعتي برنستون وهارفرد، وكتب روايته الأولى والثانية أيام كان على مقاعد الدراسة. وبعد تخرجه، عمل مستشارًا إداريًا في نيويورك ولندن. فازت روايته الأولى بعدد من الجوائز، وكذلك روايته الثانية «الأصولي المتردد»، ورُشحت لجائزة «بوكر مان» للرواية، وأصبحت ضمن الروايات الأكثر مبيعًا في العالم.
روايته الثالثة التي نحن بصددها وقدمنا ترجمة لها «كيف تصبح ثريًا فاحشًا في آسيا الصاعدة» مغايرة تمامًا لكل مقاييس الرواية، لأسباب متعددة منها أن الكاتب يستخدم ضمير المخاطب «أنت» ليجعل منها الشخصية المحورية دون أن تحمل اسمًا معينًا. والرواية بأكملها عبارة عن رحلة شاب من الأوساط الريفية الفقيرة ينتقل إلى المدينة، ليجرّب حظه في الثراء، فيعتمد على كتب دليل التعلم الذاتي التي ينكب على قراءتها الشباب من أرجاء العالم من أجل تحقيق طموحاتهم في الحصول على وظيفة مرموقة أو تأسيس شركة تجارية، وخصوصا في آسيا الصاعدة التي تنبت فيها الشركات كما ينبت الفطر في البراري.
يعتمد الكاتب على هذا النوع من الكتب في التعّلم الذاتي، ولكنه يطلق عنان خياله في اثنا عشر فصلاً مبتكرًا، إذ يمكن قراءة الرواية على مستويين مختلفين: الأول على أنها رواية عميقة ومؤثرة لحكاية حب وطموح، والثاني على أنها كتاب استعاري ومجازي في نظرته إلى التحولات الاجتماعية والاقتصادية الحاصلة في آسيا الصاعدة. يختزل الكاتب في روايته ما يريد تحقيقه الشباب الطموح في العصر الحاضر.
تدور أحداث الرواية في بلد لا يحمل اسمًا لكنه قريب الشبه ببلده باكستان. يحلم هذا الشاب الريفي، المنحدر من أصول فقيرة بالثروة والحب، فينتقل إلى المدينة ويؤسس بمدخراته شركة تعبئة المياه المعدنية لكنه يلاقي الفشل، ثم يلتقي بالفتاة التي يعرفها منذ أيام المراهقة، ويطلق عليها في الرواية الفتاة الفاتنة أو الجميلة دون أن تحمل اسمًا أيضًا. لكنها أكثر تحررًا من البطل، وهو ينظر إليها بوصفها امرأة مثالية، رغم أنها تمضي الليلة السابقة مع رجل آخر قطع لها وعدًا بالعثور لها على وظيفة عارضة أزياء. يتميز الروائي بفطنة وذكاء متميزين في استخدام جميع مفردات العصر وأساطيره اليومية في تجسيد حالة ضياع الشباب وطموحاتهم في اعتلاء عرش المال، إنها أسطورة العالم الجديد الذي تنعدم فيه القيم الإنسانية ويصبح المال هو السيد المطلق والإله الموحد لبني البشر. استطاع الكاتب الباكستاني بمهارة كبيرة أن يجعلنا في جو روائي مفعم ببرودة العصر والتشيؤ الذي يضرب في أجزاء جسده. نحن أمام غول المال الذي يسحق جميع القيم ويجعلنا نتوحد في هذه الرؤية بل نشترك فيها. لغة الروائي كثيفة، وكلماته محيّرة، وكل كلمة لها مدلولات متعددة، لكنها لغة شباب العصر، التي قد لا يفهما الجيل السابق لأنها عبارة عن أيقونات جديدة في عصرنا.
أشاد معظم النقاد والكتّاب بهذه الرواية، بل اعتبروها في مصاف الروايات المتميزة في العالم. الناقد ميشيكو كاكوتاني من «نيويورك تايمز» يشبّه محسن حامد بالروائي الأميركي هوراشيو ألجر الابن (1832 - 1899)، الذي اشتهر بكونه مؤلفًا لقصص الأطفال، حيث لاقت رواياته رواجًا كبيرًا في زمانه، تدور أحداثها حول قصص أطفال فقراء تمكنوا من الخروج من ربقة الفقر والبؤس، وسعوا إلى تحسين أوضاعهم المعيشية عبر المثابرة والعمل الجاد مع الحفاظ على الفضيلة والحظ، محققين ما بات يُعرف اليوم باسم الحلم الأميركي. تمثل رواية محسن حامد رغبات ومكبوتات ملايين الشباب في آسيا الصاعدة، هؤلاء الضائعون بين عجلات الاقتصاد الرأسمالي الذي لا يرحم. وعلى الرغم من أن البطل لا يحمل اسمًا فإن القراء سرعان ما يجدون روحه النابضة، وقوته العاطفية، وأفقه المفتوح. يقول الناقد ألن شوس، إن «بطل محسن حامد ينقل إلى الأذهان نسخة معولمة لرواية سكوت فيتزجرالد (غاتسبي العظيم)». ويؤكد الناقد رون شارلس من «واشنطن بوست» أن محسن حامد يتخذ الشكل الأكثر أميركية في الأدب، وهي كتب دليل التعّلم الذاتي، وله قدرة فائقة في تحويلها إلى مادة للحكي في قصة مؤثرة. ويرى الناقد بارول سيهغال أن الكاتب الباكستاني يزاوج بين نمطين من الصعب مقارنتهما، وهما الرواية الملحمية القديمة وكتب دليل التعّلم الذاتي. ويرى الناقد ماريون وينيك أن سرد هذه الرواية يجمع بين الزمن اللانهائي وبين الأحداث المعاصرة، وهو يؤرخ لمرحلة ما بعد الحداثة في حكي شهرزاد. وذهب بعض النقاد إلى مقارنته بالكاتب الروسي الكبير ليون تولستوي. وآخرون قالوا إن «أهم ما يميّز رواية محسن حامد روح الفكاهة التي يروي بها الأحداث»، ففي مائتي صفحة استطاع أن يعبّر عما أنجزه جيمس جويس في روايته الضخمة «يوليسيس» التي قاربت الألف.
يبقى أن نقول: رواية «كيف تصبح ثريًا فاحشًا في آسيا الصاعدة» هي رواية رومانسية دون أن تكون عاطفية، وسياسية دون أن تكون مباشرة، وروحية دون أن تكون دينية. جسّدها المؤلف بلغة إنجليزية متمردة، معقدة في فصاحتها وبلاغتها، ومدلولاتها اللغوية والمعرفية، ما جعل ترجمتها تستغرق وقتًا طويلاً رغم قصرها؛ لأنها حققت المعادلة التي ناشد فيها الكاتب التشيكي الشهير ميلان كونديرا «الحذف والتكثيف». يكفي أنها رواية إنسانية، تعالج الواقع الصاخب الذي تتحكم فيه رؤوس الأموال والشركات العملاقة. وفي نهاية المطاف، يؤكد الكاتب الباكستاني محسن حامد من خلال روايته الثالثة، مكانته كونه واحدا من أبناء جيله الأكثر إبداعًا وابتكارًا في عالم الرواية.

* مقطع من الفصل الأول من الرواية: الانتقال إلى المدينة
* انظر، إذا لم تكن أنت مؤلف كتاب، فإن كتب التعّلم الذاتي تحتوي على شيئين متناقضين. أنت تقرأ كتابًا في التعلم الذاتي، حيث لا تستطيع أن تساعد نفسك، لكنّ هناك شخصا قادرا على ذلك هو مؤلف هذا الكتاب. هذه الحقيقة تنطبق على جميع أنماط كُتب التعّلم الذاتي. وينطبق على كتب التعلم على سبيل المثال وعلى كتب تحسين الأداء الذاتي، وقد يقول البعض: تنطبق على كتب الدين. ولكن قد يقول قائل: من يصرحون بذلك يستحقون أن يطرحوا أرضا ويتركوا لينزفوا حتى ينفد دمهم بوضع سكين على رقابهم وذبحهم ببطء. من الحكمة وببساطة أن نلاحظ اختلافات وجهات النظر بشأن تلك الفئة الفرعية ثم ننتقل بعد ذلك بسرعة.
لا شيء مما ذُكر آنفا يعني أن كتب التعلم الذاتي لا فائدة منها. بل على العكس، قد تكون مفيدة للغاية. لكن يعني ذلك أن فكرة الذات مراوغة في مجال التعّلم الذاتي. قد تكون المراوغة جيدة، وقد تكون مبهجة، وقد تزودك بمنفذ إلى ما يمكن أن يثير الغضب إذا داهمك بجفاف.
هذا كتاب من كتب التعّلم الذاتي هدفه، كما يشير غلافه الأخير، أن يريك كيف تكون ثريًا فاحشًا في آسيا الصاعدة. ولكي تفعل ذلك يجب أن يجد هذا الكتاب طريقه إليك، أن تتداوله، وتقرأه، وأنت ترتعش تحت غطاء أمك ذات صباح بارد وندي على الأرض المرصوصة. عذابك يشبه عذاب طفل رُميت قطعته من الشوكولاته جانبًا، أو نفدت بطارية «ريموت» لعبته، أو انكسرت دراجته، أو سرق منه حذاؤه الرياضي الجديد. وهي أكثر الأشياء تميّزًا، طالما لم ترها في حياتك أبدًا.
بياض عينيك أصبح أصفر، نتيجة ارتفاع نسبة المادة الصفراء في دمك. الفيروس الذي أصابك يُدعى مرض الكبد الوبائي «إي». طريقته النموذجية في العدوى تتم عن طريق الفم أو البراز. يا سلام! يقتل بمعدل واحد في كل خمسين شخصًا، لذلك ربما ستشفى من هذا المرض. لكنك الآن تشعر كمن يوشك على الموت.
على أية حال، واجهت أمك هذا الظرف مرات كثيرة، أو مثل هذه الظروف. لذا فهي قد لا تفكر بأنك ستموت. ومرة أخرى، قد تفكر بموتك. مصير كل شخص الموت، وعندما تكون أم من طراز أمك، ترى وليدها الثالث الألم الذي يجعلك تئن تحت غطاء أمك، بالطريقة التي تفعلها، قد تشعر بموتك يتأجل إلى عقود قليلة، تنزع غطاء رأسها المغبّر، والحالك اللون، وتجلس بألفة منفوشة الشعر، وتبتسم ابتسامة مثيرة لهذا المشهد، وهي تشارك السكن مع أولادها الأحياء في غرفة منفردة، ذات جدران طينية. وتقول: لا تتركنا هنا.
سمع أباك هذا الطلب منها من قبل. على أية حال، لا يجعل ذلك الطلب منه متبّلد الأحاسيس إزاء ذلك تمامًا. إنه رجل ذو شهية جنسية نهمة، وغالبًا ما يفكر بصدرها الثقيل والصلب، وفخذيها الواسعتين، عندما يكون بعيدًا عن أمك، ولا يزال يتشوّق إلى إقحام نفسه في أحضانها ليلاً وليس ثلاث أو أربع زيارات في السنة. وهو يتمتع بحس الفكاهة الفظ وغير المألوف أيضًا لديها، ويحب برفقتها أحيانا. ورغم عدم إظهاره لأحاسيسه تجاه صغاره، فهو يرغب في مراقبتك أثناء نموك وأخوتك. كان أبوه يجد متعة كبيرة في رؤية المحاصيل وهي تكبر في الحقول يوميًا، وفي هذا، يتشابه الرجلان قدر تعلق الأمر بتشابه نمو المحاصيل مع الأطفال.
إنه يقول:
- لا أستطيع أن أستقدمكم إلى المدينة.
- يمكننا البقاء معكم في الأحياء. ترد أمك.
- نستطيع أن نبقى معك في الأحياء.
- يشاركني السكن في غرفتي سائق سيارة.
- أنت تكسب عشرة آلاف الآن. لست برجل فقير.
- عشرة آلاف في المدينة تجعل منك رجلاً فقيرًا.
ينهض ويذهب للتجول في الخارج. عيناك تتابعانه، ونعله الجلدي يُخلع من قائمتيه الخلفيتين، وسيره يصطفق بتراخٍ، وكعباه المتصدعان متصلبان وغليظان، كأنهما مكسوتان بقشرة يابسة. يخطو من البوابة إلى الباحة المفتوحة على السماء التي تقع وسط المجمّع السكني لعائلتك الكبيرة. ومن غير المحتمل، أن يتريث هناك في تأمل الشجرة الفريدة، الوارفة الظلال، ويجد السلوى والعزاء في فصل الصيف، ولكن الآن، في الربيع، لا يزال كل شيء وعر وخشن. من الممكن، أن يخرج من المجمّع السكني، شاقًا طريقه إلى التلة الخلفية، حيث يقضي حاجته، وهو يجلس القرفصاء متخفيا عن الأنظار، ويعصر نفسه بقوة ليفرغ فضلات قولونه. قد يكون وحيدًا أو لا يكون.
يوجد بجوار التلة أخدود لحمي اللون، عميق بطول قامة رجل، وفي قعره يتقطّر الماء بضآلة. في هذا الموسم الاثنان متناقضان، سجين نحيل في معسكر الاعتقال، يلبس رداء طباخ معجنات بدين. ولفترة وجيزة، أثناء الرياح الموسمية، يمتلئ الأخدود بطاقته القصوى، ويكون ذلك حادثة أقل انتظامًا مما كان عليه الحال في الماضي، وذلك اعتمادا على التقلبات المتزايدة في تيارات الهواء والمناخ.



العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.