«جمعة غضب» تخلف 5 قتلى في غزة والضفة.. وعملية طعن تثير خوف الصحافيين

الفلسطينيون يصلّون أمام الحواجز الإسرائيلية في القدس بعد منعهم من دخول الأقصى

فلسطيني بزي صحافي قبل مقتله برصاص جندي إسرائيلي، يحاول طعن جندي آخر أمس (رويترز)
فلسطيني بزي صحافي قبل مقتله برصاص جندي إسرائيلي، يحاول طعن جندي آخر أمس (رويترز)
TT

«جمعة غضب» تخلف 5 قتلى في غزة والضفة.. وعملية طعن تثير خوف الصحافيين

فلسطيني بزي صحافي قبل مقتله برصاص جندي إسرائيلي، يحاول طعن جندي آخر أمس (رويترز)
فلسطيني بزي صحافي قبل مقتله برصاص جندي إسرائيلي، يحاول طعن جندي آخر أمس (رويترز)

قتلت إسرائيل 4 فلسطينيين فيما قضى خامس متأثرا بجراحه، في «جمعة الغضب» التي خلفت كذلك أكثر من 300 جريح، وشهدت عملية طعن على الهواء مباشرة نفذها فلسطيني كان يرتدي زيا للصحافيين، ضد أحد الجنود في مدينة الخليل، وأثارت العملية الإعجاب والجدل في الوقت نفسه.
واشتعلت الضفة الغربية وقطاع غزة أمس، بعد يوم هادئ (الخميس)، وشهدت مواجهات في مختلف نقاط التماس، فيما أبقت إسرائيل على التأهب العسكري في القدس، مما بدد التكهنات بانحسار «انتفاضة المدى».
وقتلت إسرائيل فلسطينيا في مدينة الخليل، جنوب الضفة، هاجم جنديا إسرائيليا وطعنه بسكين في عملية بثت على الهواء مباشرة. ووثق مصورو الفضائيات أثناء الأحداث التي كانت جارية في منطقة «رأس الجورة» في الخليل شابا يرتدي زيا يرتديه الصحافيون طُبعت عليه كلمة «صحافة» (PRESS) للإيحاء بأنه «صحافي»، ينقض من بين الجموع تجاه أحد الجنود ويلاحقه ويطعنه قبل أن يطلق جنود آخرون النار عليه فيقتلوه ويتركوه ملقى على الأرض لوقت طويل.
واتضح لاحقا أن منفذ العملية هو إياد العواودة (26 عاما)، وهو لا يعمل أبدا في مهنة الصحافة. وأثارت عمليته التي تناقل آلاف الفلسطينيين والعرب صورا منها على مواقع التواصل الاجتماعي، إعجاب غالبية مؤيدي الانتفاضة والفلسطينيين، لكنها أثارت جدلا كبيرا حول استخدام المنفذ زي الصحافيين، مما قد يعقد من مهمتهم بعد ذلك. وطالب ناشطون ومتخصصون في مجال الإعلام بعدم استخدام أي إشارات أو رموز صحافية أو حتى طبية لتنفيذ عمليات، ودافع آخرون بقولهم إن ذلك لا يمس بالصحافيين ولا يغير في معاملة الجنود السيئة لهم. واستغلت إسرائيل الحادثة، وقالت إن ذلك يعد تجاوزا للخطوط الحمراء.
وقال ضابط في الجيش الإسرائيلي معقبا على طعن أحد جنوده: «اتباع هذا الأسلوب تجاوز للخطوط الحمراء، ويعقد التصدي لمثل هذه العمليات من قبل قوات الأمن الإسرائيلية». وقال أوفير جندلمان، الناطق باسم رئيس الحكومة الإسرائيلية: «هذا التصرف الهمجي من قبل الإرهابي ينتهك حقوق وحرية الصحافيين الفلسطينيين». وردت نقابة الصحافيين الفلسطينيين، ببيان، نفت فيه أن يكون منفذ العملية صحافيا، أو أنه يعمل لصالح أي وسيلة إعلام فلسطينية أو عربية أو أجنبية، مبينةً أنه غير مسجل في النقابة، وأن الزي الذي كان يرتديه لا يشبه إطلاقا ما يرتديه الصحافيون الفلسطينيون عادةً والذي تميزه قوات الاحتلال.
وناشدت النقابة كل المعنيين عدم الزج بالصحافيين أو انتحال شخصية صحافي أو استخدام زيهم أو أي إشارة تدل عليهم في أتون الأحداث الجارية، لما يشكله ذلك من خطورة على حياتهم وعملهم، ويزيد من المخاطر التي يواجهها الصحافيون، ويعطي الذريعة قوات الاحتلال لاستهدافهم. وحذرت النقابة سلطات الاحتلال من استغلال هذه الحادثة لتكثيف عدوانها على الصحافيين، خاصة أن اعتداءاتها طالت نحو 70 صحافيا منذ الأول من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، لافتةً إلى أن قوات الاحتلال وما يسمى بوحدات المستعربين كانت الأسبق في انتحال صفة الصحافيين واستخدام سياراتهم.
وعملية الطعن هذه هي الأولى منذ مساء الأربعاء. وإضافة إلى أحداث الخليل، شهدت مناطق ثانية في الضفة مواجهات عند نقاط التماس، مما أدى إلى قتل وجرح آخرين. وقتلت إسرائيل في مواجهات جرت على مدخل بيت فوريك عند مدينة نابلس، شمال الضفة، الشاب جهاد حنني (19 عاما). وقالت مصادر فلسطينية إن أهالي بيت فوريك خرجوا للتصدي لمجموعات من المستوطنين حاولوا اقتحام القرية.
وشهدت مناطق بيت لحم ورام الله كذلك مواجهات عنيفة أدت إلى إصابة العشرات بالرصاص. وقالت مصادر طبية إن بعض المصابين كانوا في حالات خطيرة واستقرت لاحقا، وإن عدد المصابين بشكل عام في الضفة وصل إلى 200.
وفي قطاع غزة، قتلت إسرائيل يحيى فرحات (24 عاما) من سكان مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، خلال مواجهات قرب معبر بيت حانون «إيرز» بين العشرات من الشبان وقوات الاحتلال، ومحمود حميد (20 عاما) من سكان حي الشجاعية في مواجهات قبالة موقع ناحل عوز شرق الحي. وأفاد مراسل «الشرق الأوسط» بغزة، نقلا عن مصادر طبية، أن 120 فلسطينيا أصيبوا خلال المواجهات التي شهدتها المناطق الشرقية من حدود قطاع غزة قبالة خان يونس والبريج وناحل عوز، وإلى الشمال قبالة «إيرز»، مشيرا إلى أن من بينهم صحافيين أصيبا بالاختناق جراء إلقاء الاحتلال عددا من قنابل الغاز تجاههم.
ونعت كتائب القسام التابعة لحماس بركات، وقالت إنه كان أحد عناصرها. وجاءت أحداث غزة فيما كانت حركتا حماس والجهاد تنظمان مسيرة مشتركة حاشدة في شمال قطاع غزة بمشاركة الآلاف من عناصر ومؤيدي الحركتين تتقدمهم قيادات بارزة. ودعت قيادات من الحركتين في كلمات منفصلة إلى استمرار ما أطلقوا عليه «انتفاضة القدس» وتصعيد المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي.
وطالب القيادي في حماس مشير المصري، في كلمةً له، بإطلاق يد المقاومة في الضفة الغربية وتنفيذ عمليات ضد الاحتلال الإسرائيلي، داعيا السلطة الفلسطينية لوقف التنسيق الأمني والوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني.
بينما دعا القيادي في «الجهاد الإسلامي» خالد البطش، الرئيس الفلسطيني محمود عباس، لتنفيذ جميع القرارات التي اتخذت مؤخرا في «الوطني» و«المركزي» بشأن الاتفاقيات مع الاحتلال والعودة لطاولة الحوار الوطني. وأكد على أن غزة لن تسمح للاحتلال بالتفرد في القدس والضفة الغربية، داعيا المقاومة لأن تكون على أهبة الاستعداد. وفي وقت سابق من فجر أمس، أعلن في غزة أن شوقي عبيد (37 عاما) من سكان مخيم جباليا شمال قطاع، قضى، متأثرا بجروحه التي أصيب بها يوم الجمعة الماضي في مواجهات قبالة معبر بيت حانون «إيرز». وبذلك يكون عدد الفلسطينيين الذين قضوا أمس 5 شبان، فيما أصيب نحو 300 بجراح بين إصابات بالرصاص واختناق بالغاز. وإضافة إلى ذلك، شيع المئات من سكان مخيم جنين جثمان الأسير فادي الدربي، الذي أعلن الخميس أول من أمس عن وفاته في مستشفى سوروكا بعد تدهور صحته.
وفي القدس، عززت إسرائيل من وجودها العسكري غير المسبوق في المدينة، وواصلت إغلاق البلدة القديمة أمام العرب، ومنعت الآلاف من الفلسطينيين من الوصول إلى الأقصى لأداء صلاة الجمعة، وسمحت فقط لمن هم فوق 50 عاما بدخول المسجد، فاضطر الفلسطينيون لأداء صلاة الجمعة في الطرقات والشوارع القريبة من أبواب القدس وبلدتها القديمة، أمام الحواجز العسكرية وتحت أنظار الجنود. وتفجرت مواجهات محدودة في منطقة رأس العمود الواقعة جنوب المسجد الأقصى بعد انتهاء الصلاة هناك. وأبقت إسرائيل على عزل الأحياء العربية في المدينة.



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».