ليبيا.. حكومة مقترحة تبحث عن قوة تسندها

مفاوضات ليون حققت زخمًا لمصالحات داخلية

ليبيا.. حكومة مقترحة تبحث عن قوة تسندها
TT

ليبيا.. حكومة مقترحة تبحث عن قوة تسندها

ليبيا.. حكومة مقترحة تبحث عن قوة تسندها

رغم تأييد غالبية الليبيين ودول الجوار لـ«حوار الصخيرات»، الذي قاده برناردينو ليون، مبعوث الأمم المتحدة في ليبيا، طوال سنة، وتمخض عن مقترح برئيس وزراء ومساعدين له قبل أيام قليلة، فإن البعض في شرق البلاد وفي غربها يبدو وكأنه وضع بدائل جديدة تحسبًا لتعثر «حكومة الوفاق». هذا الأمر يبدو واضحا الآن في ضوء ميل أطراف القوة المسلحة على الأرض نحو التشدد ورفض مخرجات الحوار. لكن هذه البدائل يمكن أن تؤدي إلى العودة إلى المربع صفر، أي الاقتتال بين الأفرقاء، والدخول في منطقة خطرة يمكن أن تسفر عن تقسيم الدولة التي تعاني أصلاً من الفوضى وهشاشة السلطة منذ سقوط نظام معمر القذافي في 2011.

أعلن برناردينو ليون، مبعوث الأمم المتحدة في ليبيا، قبل أيام، مقترحاته لتسوية الأزمة الليبية، مقترحًا تسمية رئيس وزراء ومساعدين له. فكيف يمكن رصد الوضع السياسي الآن؟
في ليبيا اليوم قوتان مسلحتان رئيسيتان: الأولى هي الجيش الوطني المدعوم من البرلمان الحالي ويقوده الفريق أول خليفة حفتر، تحت مظلة حكومة عبد الله الثني. ويسود اعتقاد بأن هذا الرجل العسكري، وعددا من رجاله، لن يكون له، ولا لهم، مكان في الحكومة التي اقترحها ليون برئاسة فايز السراج. أما القوة الثانية فهي قوة «فجر ليبيا» التي يعتمد عليها بقايا نواب البرلمان السابق المعروف باسم «المؤتمر الوطني العام» وحكومته المسماة بحكومة الإنقاذ برئاسة عمر الحاسي، وترفض العناصر المتشدّدة فيها تولي السراج رئاسة حكومة الوفاق.
ولعل المدة الطويلة التي استغرقها ليون في جمع أطراف النزاع على مائدة واحدة تعكس صعوبة الحالة الليبية. لكن، مع ذلك، لوحظ أن الساعات الأخيرة من «حوار الصخيرات»، أي تلك التي سبقت إعلان الأسماء المقترحة للمرحلة الجديدة، كانت مشحونة بالخوف من الفشل، بينما كان ليون يجمع أوراقه لإنهاء مهمته في ليبيا.
ولم يكن هناك متسع من الوقت من أجل إعادة النظر أو وضع القوة المسجلة في الحسبان، سواء كانت في المنطقة الغربية أو الشرقية. لكن من حسنات مفاوضات ليون أنها حققت زخما لمصالحات داخلية قد تستمر حتى لو لم تنجح «حكومة الوفاق» في ممارسة أعمالها، رغم أن رئيسها، السراج، النائب في البرلمان الذي يعقد جلساته في طبرق شرقًا، هو في الوقت نفسه من أبناء العاصمة طرابلس غربًا. وما زال العديد من نواب برلمان طبرق ونواب المؤتمر الوطني ينظرون بريبة للمتغيرات التي أصبح ينبغي القيام بها من أجل مستقبل جديد ومختلف، سواء بالنسبة لمن شاركوا في الحوار أو قاطعوه في أيامه الأخيرة.
المحلل السياسي الليبي طارق القزيري، ابن مدينة مصراتة التي تعد من المدن المهمة في التوازنات السياسية، قال لـ«الشرق الأوسط» إن ليون كان حريصًا على إشراك المؤتمر الوطني «وفقا لتحليل وصْفَتِهِ التي فاجأت الكثيرين في الداخل والخارج». وأضاف أن «تكتيك ليون قد يكون سياسيًا، عندما أقدم على هذه الخطوة، وهو لتحقيق أغراض لإنهاء مهمته الليبية بنجاح، ولكن، وقبل ذلك، لا بد من معرفة أن ليون كان يواجه اتهامات ومصاعب عديدة».
ومن بين التهم، بحسب القزيري، أنه متهم بكونه «يخضع للمؤتمر الوطني، ولم يستطع فرض خططه أو الاتفاقات السابقة عمليا، وهو يدور في حلقة مفرغة». وتابع المحلل أن «وجود المؤتمر الوطني أساسي وضروري، فلا يمكن، إلى حد كبير، استقرار الحكومة في طرابلس من دون موافقة المؤتمر أو جزء كبير - أو حاسم - منه، لتصبح للتشكيل الحكومي جدوى واقعية»، مشيرا إلى أنه من بين التحديات التي واجهت المبعوث الدولي «كيف يمكن للحكومة أن تكون قابلة للحياة، مثلما هي قابلة للوجود؟! وهذا يستدعي تأمين الموارد المالية لدعمها».
واستطرد القزيري شارحًا أن «إعلان التشكيلة الراهنة (للحكومة المقترحة) يتضمن عدة أغراض مفترضة لليون، منها الإفلات من الاتهام الذي يضعه في خانة الخضوع لإملاءات المؤتمر الوطني على حساب الإسراع في إعلان حكومة التوافق. وثانيا: إعطاء المؤتمر الوقت الكافي للملمة أوراقه والالتحاق بسيناريوهات التشكيل، خاصة مع الإعلان عن رئيس المجلس مباشرة».
أما عن شخصية السراج فيقول القزيري، الذي كان يتحدث لـ«الشرق الأوسط» بعد يوم من إعلان اسمه (أي السراج)، إنه شخصية طرابلسية، وهذه «نقلة مطمئنة للجميع، فهي تستبعد المخاوف الجهوية لكل الأطراف، خاصة من شخصية محسوبة على البرلمان في طبرق، لكنها معتدلة، ولا مآخذ جدية عليها». أما عن وجود ممثلين من أجدابيا والزنتان، فيوضح القزيري أن هذا «يعني تأمين إمدادات النفط، ومناطق تصنيعه (في سهل الجبل جنوب طرابلس وكذلك المثلث النفطي) ليمكن الحديث عن توفير الموارد للحكومة، وهو ما يجعلها مقبولة لأنها (ستكون) قادرة على التصرف».
وبينما ذكّر القزيري أن الحديث عن الحقائب السيادية الأهم يبقى متاحًا لتعزيز دور أطراف أخرى مهمة للغاية، لتفعيل الحكومة واقعيًا، فإنه يقول إن المهم أيضًا هو أن «التشكيلة تعكس توازنات جديدة، فعندما يغيب تحالف القوى الوطنية والعدالة والبناء، فهذه إشارة لواقع سياسي يتشكل أو تشكل فعلا، بعد تغير كثير من المعطيات على الأرض، عقب سنتين من الصراع الدامي.. لكن الزنتان، ومن خلال مجلسها العسكري، وجّهت انتقادات حادة لما أفضى إليه (حوار الصخيرات)، خاصة في ما يتعلق بالتعديل الذي أدخل على المسودة الرابعة التي وقع عليها المتحاورون بالأحرف الأولى». وأضاف: «فوجئنا بإعلان حكومة يراد منها أن ترفضها كل الأطراف، وشنت هجوما على ما سمته تعيين (عرّابي الحرب) في مناصب قيادية على أعلى مستوى بعد أن (دمروا العملية السياسية وأحرقوا البلاد وزرعوا الفتنة بين المدن)».
لكن لماذا سارع البرلمان الحالي باتخاذ قرار بتمديد عمله قبل أيام من الإعلان عن الحكومة المقترحة؟ كان موعد انتهاء أعمال البرلمان يوم 20 من الشهر الحالي، فهل كان يخشى من فشل «اتفاق الصخيرات»، وبالتالي، يمكن للبلاد أن تدخل في مزيد من الفوضى؟
هنا، رأى عيسى عبد المجيد، مستشار رئيس البرلمان الليبي، أنه «كان معلومًا منذ البداية بين معظم النواب أن البرلمان لن يسلم السلطة إلا لجسم منتخب، ولو اضطر لتمديد عمله في حال كان متعذّرا إجراء انتخابات برلمانية جديدة، وهو ما حدث بالفعل»، مشيرا إلى أن «الهدف من هذه الخطوة كان تجنب دخول البلاد في فراغ في السلطة بحلول يوم العشرين من هذا الشهر، وهو الموعد القانوني لانتهاء أعمال البرلمان الذي جرى انتخابه صيف العام الماضي».
وأشار عبد المجيد إلى سلامة هذا الإجراء قائلا: «إن الإعلان الدستوري الذي تعمل به البلاد كدستور مؤقت ينص على أن البرلمان لا يسلم هذه السلطة إلا لجسم منتخب». ويقول مسؤولون في البرلمان إن قرار التمديد لم يكن يتعارض مع سير المفاوضات بقيادة ليون، لكن أحد المصادر النيابية لا يخفي أن قرار التمديد كان بمثابة ضغط على الخصوم من أجل تحقيق مكاسب للبرلمان.
وسبق كل هذه التطورات خطاب شديد اللهجة وجَّهه رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، للمجتمع الدولي وللبعثة الأممية في ليبيا، ضمن كلمته التي ألقاها في الأمم المتحدة الأسبوع قبل الماضي. وكانت الكلمة تؤشر إلى نفاد صبر السلطة الشرعية في ليبيا من المماطلة الدولية تجاه حسم «حوار الصخيرات» بمن وقعوا عليه، والمماطلة في رفع الحظر عن تسليح الجيش الليبي الذي يشن حربًا واسعة ضد الجماعات المتطرفة والميليشيات المسلحة.
يعتقد كثيرون من قيادة البرلمان ومستشاريه أن ليون، الذي ستنتهي مهمة عمله في ليبيا قبل نهاية هذا الشهر، كان يميل إلى «تدليل مجموعة طرابلس التي تقودها جماعة الإخوان المسلمين والجماعة الليبية المقاتلة». أو كما قال المستشار عبد المجيد «ليون لم يكن عادلا. وتحركاته لم تكن مرضية للشعب الليبي. لقد انحرف عن مسار الحوار، في نهاية المطاف»، مشيرا إلى أن رئيس مجلس النواب (صالح) وأعضاء البرلمان تعاملوا مع ليون، منذ البداية، بكل احترام في سبيل ليبيا.. «لكن ليون، للأسف، تعامل مع مجلس النواب كأنه جسم غير شرعي، وقام بالمساواة بينه وبين المؤتمر الوطني (المنتهية ولايته)».
مع هذا، توقّع عبد المجيد أن تسير ليبيا إلى الأمام «وفقًا لما يريده الشعب وليس ما يريده ليون، لأن الشعب دفع ثمنًا غاليًا بعد تخلصه من حكم (الإخوان) ومن معهم من متطرفين، ولن يسمح بعودتهم مرة أخرى، سواء من باب حوار الأمم المتحدة أو من غيره». ومن الممكن أن يلجأ البرلمان خلال الفترة المقبلة إلى تسمية رئيس للدولة، وهذا سيكون تطورا جديدا يمكن أن يغير من المسار السياسي برمته.
في المقابل، وفقا لمصادر عسكرية ليبية، أدت جولات «حوار الصخيرات» رغم كل شيء لنتائج إيجابية على الأرض وحركت المياه الراكدة، ولفتت نظر الليبيين إلى أن الاقتتال لن يؤدي إلى أي حلول. وأن أفضل طريق هو الحوار والمصالحة. ويمكن القول، وفقا للعديد من المصادر، أن المجتمع الليبي تأثر بزخم الحوار تأثرًا إيجابيًا، حيث بدأت بعض القبائل والمناطق الجهوية في عقد هدنة أو صلح، في ما بينها، رغم أنها لم تكن مشاركة أصلاً في حوار ليون.
تنقسم ليبيا إلى ثلاث مناطق رئيسية: الشرق الذي يتخذ فيه البرلمان والحكومة والجيش مقرات لهم وينشط فيه أيضًا تنظيم داعش. والغرب الذي يسيطر عليه المتطرّفون الموالون لجماعة الإخوان و«الجماعة الليبية المقاتلة»، خاصة في طرابلس. والجنوب الذي يشهد اقتتالاً بين حين وآخر بين مجموعات عقائدية وجهوية وقبلية.
بعض العسكريين الليبيين يقولون «نترك الجنوب الآن»، لأن مشكلتهم سهلة الحل مستقبلا.. و«نترك طرابلس أيضًا»، لأن المجموعات التي تسيطر عليها ليست لديها حجج قوية للاستمرار في ما تقوم به من تشدّد وتمترس، كما أن هذه المجموعات تخسر في العاصمة بمرور الوقت. أين المعضلة إذن؟ يقول أحد مساعدي حفتر إنه بغض النظر عن مقترح تشكيل حكومة برئاسة السراج فإن الحل الحقيقي لمشاكل ليبيا موجود في بنغازي، التي تعد ثاني أكبر المدن الليبية.. موضحًا: «بنغازي دائمًا هي التي تحدد بوصلة الاتجاهات في عموم البلاد. فإذا تمكن الجيش من إلحاق الهزيمة بالمتطرفين في بنغازي، فإن كل مشاكل ليبيا ستحل تلقائيًا».
تاريخيًا، كانت بنغازي منطلقًا للانقلابات والثورات والحكم. وتضم هذه المدينة كل ممثلي القبائل الليبية تقريبًا من كل أرجاء البلاد، حتى من طرابلس ومصراتة وسبها.. «إنها ليبيا مصغرة»، لكن المعضلة ستكون دائما، أمام أي سلطة، في المجموعات العقائدية المتشددة مثل «داعش» وغيره، كما يشدد وزير الدفاع الليبي السابق، أسامة الجويلي.
الجويلي قائد عسكري ظهر على سطح الأحداث في ليبيا، انطلاقًا من بلدته الزنتان، أثناء «الثورة» ضد القذافي في 2011. وخاضت الزنتان حربًا ضروسًا مع قوات مدينة مصراتة للسيطرة على العاصمة في صيف العام الماضي، مما أدى إلى وقوع خسائر بمليارات الدولارات، كان أبرزها حرق مطار العاصمة. ومع أن تلك الحرب ما زالت لها تداعياتها وتأثيرها على العلاقة بين عدة مدن وقبائل، فإن فرص الحل اليوم قابلة للتحقق أكثر من السابق. وحاليًا يشارك الجويلي في شق طرق جديدة للسلام بين القبائل والمناطق. وهو ممن كانوا يعولون منذ البداية على «حوار الصخيرات»، كما كان ممن توقعوا نجاحه.
الجويلي ينظر إلى مناطق وجود المتطرفين في بنغازي ودرنة وسرت باعتبارها «مناطق صعبة وستحتاج إلى معالجة خاصة، لكن بالنسبة لمجموعات طرابلس فإنه من الممكن التفاوض معها للوصول لحل». وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط» قال: «سيكون من السهل التفاوض مع طرابلس مقارنة بالمجموعات المتطرفة في بنغازي ودرنة وسرت.. مجموعات طرابلس ليست لها حجج قوية، فهي تعترف بالانتخابات وتعترف بالعملية الديمقراطية، وهذه مواقف مختلفة تمامًا عن مواقف المجموعات المتشددة في بنغازي ودرنة وسرت».
وبالفعل، وفق أحد القادة العسكريين في بنغازي، فإن «مجموعات طرابلس يمكن أن تكون جزءا من مستقبل الحكم في ليبيا، حتى لو كان بعض المتشددين فيها يرفضون حكومة التوافق وشخصية السراج. وهذا بعكس المجموعات المرتبطة بـ(داعش) و(القاعدة).. فهذه ميئوس منها». وتابع القائد كلامه قائلا: «حتى مدينة مصراتة التي كانت يومًا متهمة بالوقوف وراء التشدد الذي تبديه الميليشيات المسلحة في طرابلس، بدأت تغير من مواقفها بقيادة مجلسها البلدي الذي يضم شخصيات تميل نحو الاعتدال والتفاوض».
ثم ما يمكن أن يسهّل اجتماع الخصوم حول شخصية السراج هو عقد العديد من الأطراف الليبية، خلال الشهرين الأخيرين، اتفاقيات واسعة في عدد من المدن ومع القبائل التي كانت حتى وقت قريب تخوض نزاعًا مسلحًا في ما بينها، مما تسبب في سقوط مئات القتلى وألوف المهجرين. وحتى أسبوعين كان الجويلي يقود جهود للمصالحة أيضًا، ويقول: «الحمد لله، وفقنا إلى مصالحة أدت إلى التهدئة في كل المناطق الغربية من طرابلس، وما زلنا مستمرين في عقد المصالحات. هذا هو السبيل الوحيد أمام الليبيين لحقن الدماء وبناء دولتهم».
في الوقت الحالي، وبفعل زخم حوارات ليون، أصبحت توجد لأول مرة لقاءات بين القيادات الميدانية في كل من طرابلس ومصراتة والزنتان، وهذه الأطراف كانت محورًا أساسيًا في «حرب 2014»، وذلك لإيجاد صيغة للتفاهم ولمنع اندلاع اشتباكات جديدة. ويسعى العديد من القادة المحليين في مناطق الاشتباكات بين الميليشيات في غرب البلاد أيضًا، إلى التوسع في عقد المصالحات، ويعد هذا أحد أسباب هدوء جبهة غرب وجنوب غرب طرابلس في الفترة الأخيرة.
أما حسم المعارك مع الدواعش ومع المتطرفين الآخرين في بنغازي ودرنة وسرت، فيقع العبء الأكبر في هذه الحرب على الجيش الوطني الذي يحتفظ أيضًا بقوات له على مشارف العاصمة وفي مناطق الجنوب. وإذا تمكنت «حكومة الوفاق الوطني»، المزمعة، حل معضلة منصب وزير الدفاع والقائد العام للجيش، وإيجاد حل مسألة استمرار حفتر من عدمه، فإن حكومة السراج ستتلقى مساعدات دولية بما فيها الوقوف مع الجيش في حربه ضد الإرهاب. إلا أن الإشكالية التي قد تعرقل مخرجات «حوار الصخيرات» تكمن في تحفظات من قبل بعض نواب طبرق، جرى الإعلان عنها في الجلسات التي عقدت في الساعات الماضية بشأن الحكومة المقترحة، ومنها التحفظ على البند الخاص بأن يكون رئيس الوزراء في «حكومة الوفاق» هو القائد الأعلى للقوات المسلحة. وتحفظات على مجلس الدولة المزمع تأسيسه. ولا يوجد ميل في أوساط قيادات الجيش للتخلي عن قائده حفتر، مع أن بعض الأطراف تقول إنه لا ينبغي التركيز على الشخصيات ولكن على الجيش كمؤسسة.
في هذه الأثناء، صرح أحد مسؤولي البرلمان بأنه إذا لم يكن هناك إجماع من كل المكونات الليبية على الموافقة على حكومة السراج، فستترتب على ذلك خيارات متعددة، حيث جرى تأسيس «جبهة النضال الوطني الليبي» الشهر الماضي تحسبا لمثل هذه الظروف. ومن بين الشركاء في تأسيسها، أحمد قذّاف الدم، المبعوث الشخصي السابق للقذافي وابن عمه. ويرأس الجبهة التي تتكون من عشرات الأحزاب والنقابات والجمعيات من مختلف المدن الليبية، الدكتور محمد القشاط، وجرى اختيار مستشار الجيش، عبد الكريم نائبا له.
وعقب إعلان ليون عن «حكومة الصخيرات»، علق قذّاف الدم قائلا إنه «من الواضح أن هناك خللا في فهم الواقع الليبي علي الأرض.. ومع احترامي للجميع فإن الإخوة الذين عينهم السيد ليون لن يستطيعوا القيام بهذه المهمة الاستثنائية التي تتطلب توافق الليبيين جميعًا، والذين لم يكن لهم حضور في الصخيرات». إلا أنه أضاف موضحا بقوله: «نحن مستعدون من أجل ليبيا للعمل مع كل الأفرقاء لمصالحة تاريخية لا تقصي أحدًا، وتخلق مناخًا ليس فيه إكراه لأحد ويمكِّن أي حكومة محايدة من عودة الدولة ولملمة جراح الوطن»، مشيرا إلى أن الليبيين سوف يرفضون «نظام الوصاية وفرض الأمر الواقع.. وهذه خطوه جديدة في الاتجاه الخاطئ، وتأثيرها سلبي في استقرار ليبيا».
وفي مدينة طبرق حذّر «التجمع الوطني الليبي» من «خطر الترتيبات الجديدة التي نتج عنها حوار الصخيرات، في زيادة حدة التوتر في البلاد»، قائلا إن «الإعلان عن نتيجة الحوار في شقّها المتعلق بالحكومة والمحاصصة الخاصة بالمناصب الرئيسية على غرار مجلس الدولة ومجلس الأمن القومي ورئاسة الحكومة تمثل عامل توتّر وارتباك إضافي قد يؤدّي إلى تطوّرات كارثية على الحالة الليبية، ليس أقلّها اندلاع مواجهة ميدانية بين الليبيين».
ومثل كثير من المكونات الليبية المؤيدة لسلطة البرلمان والجيش، تساءل «التجمع الوطني» عن موقع الجيش الليبي في «تسوية ليون»، وماذا سيكون مصيره ومصير قياداته، وهل سيفضي شطبه من جدول التسوية إلى حله على غرار الجيش العراقي.

* أهم الأسماء المقترحة للمناصب القيادية

* فايز سراج، رئيسًا للحكومة. وأحمد معيتيق وموسى الكوني وفتحي المجبري نوابًا له، وهم يمثلون مناطق الجنوب والغرب والشرق.
* الوزراء: فادي الهنجاري، وأسامة السعيد، وطارق يوسف، وعبد السلام الحسين، وشيبني بوحمود، ومصطفى أبو شاغور، وعاشور شعيل، وإبراهيم النايل، وأبو عجيلة سيف النصر، وآمال الحاج، وإيمان بن يونس، وخليل البكوش، ومحمود بن شعبان، ومراد حمايمة، وطاهر سونك.
* هيئات عليا: عبد الرحمن السويحلي رئيسًا لمجلس الدولة المقترح، وفتحي باشاغا رئيسًا لهيئة الأمن القومي المقترحة.



مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.