أذكر جيدًا أول زيارة لي لمدينة بلفاست، عاصمة إقليم آيرلندا الشمالية، منذ ما يقرب من ثماني سنوات، لألقي محاضرة في إحدى المناسبات. ولقد كانت كما توقعت زيارة إلى عمق التاريخ وبعض خباياه، بل وبعض دعاباته أيضًا، خصوصا عندما زرت المرفأ وحوض بناء السفن حيث بنيت سفينة «التيتانيك» الشهيرة التي جسدها الفيلم الشهير الذي يحمل الاسم نفسه وحاز على جوائز الأوسكار من كل اتجاه.
وحقيقة الأمر أنه بمجرد أن تحلق الطائرة فوق سماء هذه المدينة الوديعة، تنتاب المرء ما يمكن وصفها بهالة معنوية خضراء جراء الأرض الخضراء الجميلة والبيوت الهادئة الحزينة والأبقار المسالمة المستكينة. ومع ذلك فهذه المدينة الجميلة شهدت على مدار عقود، بل وقرون ممتدة، حربًا أهلية لأسباب دينية وسياسية وثقافية كانت محط اهتمام العالم في مناسبات كثيرة، إلى أن حسم اتفاق (يوم الجمعة) هذا الموقف وصاغ نهاية للحرب الأهلية، ووضع الإقليم على طريق الوئام الديني والسياسي، ولكن ليس قبل أن يترك لنا الدروس السياسية والتاريخية.
لقد كانت آيرلندا الشمالية من أبرز بقاع التوتر على مدار التاريخ الحديث. وبدأت المشكلة في القرن الثاني عشر عندما احتل الإنجليز جزيرة آيرلندا بالكامل وفرضوا عليها نوعًا من الإقطاع السائد في إنجلترا الذي تنافى مع الطبيعة القبلية لهذه الدولة. ولقد رفض هذا الشعب الأبي الاحتلال الإنجليزي في البلاد، وثار ضده في مناسبات كثيرة، ولكنه ووجه بحزم وعنف شديدين من قبل إنجلترا، وأسفر احتلالها عن استعمار كثير من الأراضي الشمالية الشرقية لآيرلندا والتي أصبحت في ما بعد إقليم آيرلندا الشمالية. وقد زاد من التوتر دخول عنصر البروتستانت في المعادلة السياسية الآيرلندية مع الاستعمار الإنجليزي، إذ جاء المستعمر بعقيدته الرافضة للكاثوليكية بعد تحوّل إنجلترا إلى هذا المذهب الجديد في القرن السادس عشر، وهو ما أدّى إلى إضافة بُعد الكراهية الشديدة بين الكاثوليك والبروتستانت في هذه المنطقة.
واستمرت عجلة التاريخ بمشكلاتها في كل آيرلندا، خصوصا الجنوبية منها، حيث امتزج البعد القومي الآيرلندي بالكاثوليكية ليضع حالة من الثورة على الحكم الإنجليزي البروتستانتي للبلاد. ولكن الأمور تعقّدت أكثر بعد صدور «قانون الاتحاد» الذي فرض على آيرلندا أن تكون جزءًا من المملكة المتحدة في عام 1801 بغير رضاها، وأطاح بفكرة إقامة برلمان آيرلندي مستقل. ولكن المشكلات الحقيقية الأسوأ جاءت بسبب كارثة المحصول الزراعي لعام 1845م، التي ضربت آيرلندا بشدة وأدت إلى موت ما يقارب سبعمائة وخمسين ألف نسمة جوعًا أو فقرًا، ما دفع كثيرا منهم إلى الهجرة خارج البلاد إلى أميركا، خصوصا أن القوانين الزراعية كانت تصب في صالح الإقطاعيين دون المزارعين. وتفاقمت حالة التوتر في كل بقاع آيرلندا، ما أدى إلى زيادة قوة الحركة الانفصالية – أو الاستقلالية – التي كانت تطالب بإنهاء الحكم الإنجليزي في البلاد، فعلى الرغم من محاولات لندن اليائسة لتحسين حالة المزارعين الآيرلنديين، كانت سلطة الأرستقراطية الإنجليزية أقوى من قرارات العاصمة لندن.
وتصاعدت حركة الاستقلال الآيرلندي بشدة، خصوصا عندما كانت الحرب العالمية الأولى على الأبواب، وهو ما دفع لندن إلى إقرار «قانون الحكم المحلي الآيرلندي» الذي أعلن الاستقلال الشكلي للبلاد في عام 1914، لكنه لم يطبق فعليًا بسبب اندلاع الحرب العالمية. ومن ثم اندلعت الثورة العارمة في معظم أراضي الجزيرة الآيرلندية بقوة ولجأت لندن إلى استخدام أقوى أنواع العنف لكبح جماح حركة الاستقلال، وهو ما أدى إلى ظهور «حزب شين فين» الاستقلالي الجمهوري الشهير الذي يعني اسمه باللغة الغايلية «نحن بأنفسنا وحدنا». وبدأ «شين فين» الكفاح المسلح ضد سلطة لندن، وهو ما دفعها إلى إقرار قيام برلمانين، الأول في المقاطعات الست الشمالية لآيرلندا التي يغلب على سكانها العنصر البروتستانتي، والثاني في باقي الجزيرة (في وسطها وجنوبها) حيث يشكل الكاثوليك السواد الأعظم من السكان. وعلى الأثر انقسم حزب «شين فين» فرفض المتشددون فيه قبول هذا الأمر، مقابل قبول المعتدلين به ومباشرتهم التفاوض مع لندن في عام 1921. والمفاوضات انتهت بحصول «الجنوب» الآيرلندي على الاستقلال أسوة بدول مثل أستراليا ونيوزيلندا وغيرها، ولكن الفريق المتشدد في الحزب أصر على الاستقلال التام حتى على الرغم من دخول آيرلندا «عصبة الأمم» كدولة مستقلة. وانتهى الحال في عام 1937 إلى إعلان دستور جديد للبلاد وقطع كل الاتصالات مع لندن وإعلان الدولة تحت اسم «الجمهورية الآيرلندية» أو «Eire» باللغة الغايلية.
مع هذا، لم تنتهِ الأزمة مطلقًا، ففي المقاطعات الست الشمالية التي شكلت «إقليم آيرلندا الشمالية» أصر الجمهوريون الكاثوليك على الاستقلال وتوحيد «الإقليم» مع الجمهورية مقابل الرفض الشديد للغالبية البروتستانتية خشية تأثر وضعيتها الدينية والسياسية سلبًا تحت هيمنة كاثوليك الجنوب. وبالتالي شدد «شين فين» حربه على الأراضي البريطانية والأهداف السياسية والأمنية البريطانية داخل الإقليم مستخدمًا كل وسائل العنف من أجل ضم الشمال للجنوب، ولكن البروتستانت الشماليين الذين شكلوا قوى مسلحة خاصة بهم رفضوا كل هذه المحاولات. وهكذا دخل إقليم آيرلندا الشمالية حربًا أهلية عنيفة للغاية يمكن للزائر للعاصمة بلفاست أن يرى بقاياها بوضوح في بعض المنازل والميادين.
ولكن «اتفاقية الجمعة العظيمة» (Good Friday) عام 1998 أوقفت النزاع التاريخي وبدأت عملية المصالحة في البلاد ونقلت الصراع العسكري إلى مرحلة الخلاف السياسي الممكن حله اليوم في البرلمان. وكان مبنى «ستورمونت» العريق، مقر الحكم في الإقليم لفترة طويلة، الشاهد على عملية تضميد جراح تاريخية امتدت لقرون طويلة، وهي بحق تمثل نموذجًا للتسامح السياسي والتاريخي والديني.
المتجول في شوارع بلفاست وميادينها لا يمكن له أن يغفل معالم التاريخ السياسي والديني والعسكري لهذه البلاد الجميلة، من معالمها العمرانية إلى طيبة أهلها. ولكن لا يمكن للزائر أن يغادر هذه البلاد دون زيارة ميناء بلفاست الشهير الذي يعد من أهم معالم المدينة، حيث يمكن للزائر أن يرى بكل وضوح هذا الصرح العظيم الذي كان مركزًا لصناعة السفن الكبرى العابرة للمحيطات في مطلع القرن التاسع عشر. وكان أعظم إنتاجه حتى ذلك الوقت سفينة «التيتانيك» العملاقة الشهيرة التي غرقت في المحيط الأطلسي عام 1912، وأذكر جيدًا أنني في ختام الجولة بعد الاستماع للمرشد السياحي حول كيفية بناء السفينة العملاقة أنني استفسرت من صاحب حانوت عما إذا كان لديه أي تذكار للسفينة يشمل بطلي فيلم «التيتانيك»، فقال لي ببعض الضيق إنه ليس لديه شيء من هذا النوع، ولكنّ لديه قميصًا سيمنحني إياه بحسم كبير رسمت عليه السفينة الشهيرة وكتبت عليه بحروف كبيرة كلمات «التيتانيك.... صنعها المهندس الآيرلندي وأغرقها الربان الإنجليزي»، وعندئذ أدركت أن الوقت هو الشافي السياسي الأول.د. محمد عبد الستار البدري
9:11 دقيقه
«التيتانيك».. وقصة الآيرلندتين
https://aawsat.com/home/article/473486/%C2%AB%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D9%83%C2%BB-%D9%88%D9%82%D8%B5%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A2%D9%8A%D8%B1%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%AA%D9%8A%D9%86
«التيتانيك».. وقصة الآيرلندتين
«التيتانيك».. وقصة الآيرلندتين
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

