4 هجمات طعن في القدس.. ونتنياهو يطلب تأجيل زيارة «الرباعية» خشية الضغوط

«حماس» تنأى عن المواجهة في غزة وتمنع إطلاق صواريخ

فلسطينيون يشتبكون مع قوات أمن إسرائيلية في بيت لحم أمس (أ.ف.ب)
فلسطينيون يشتبكون مع قوات أمن إسرائيلية في بيت لحم أمس (أ.ف.ب)
TT

4 هجمات طعن في القدس.. ونتنياهو يطلب تأجيل زيارة «الرباعية» خشية الضغوط

فلسطينيون يشتبكون مع قوات أمن إسرائيلية في بيت لحم أمس (أ.ف.ب)
فلسطينيون يشتبكون مع قوات أمن إسرائيلية في بيت لحم أمس (أ.ف.ب)

وقعت 4 عمليات طعن في القدس أمس، حيث أقدم فلسطينيان اثنان على مهاجمة يهود في مستوطنة بسغات زئيف في القدس الشرقية، مما أدى إلى إصابة يهوديين أحدهما جروحه خطرة، ومقتل أحد المنفذين وجرح الشابة المهاجمة. وفي وقت لاحق هاجم فلسطيني جنديا اسرائيليا قبل أن يصاب المهاجم برصاص الشرطة.
في وقت، طالب رئيس الوزراء الفلسطيني رامي الحمد الله، الاتحاد الأوروبي، بالضغط على الحكومة الإسرائيلية لإلزامها بوقف تصعيدها العسكري، وردع عصابات المستوطنين الذين أدت جرائمهم وانتهاكاتهم، خاصة بحق المواطنين في القدس والمساس بالمقدسات، إلى تفجير الأوضاع الأمنية في الضفة الغربية وغزة.
من جانبه، اتهم وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بمحاولة «التسبب» في انتفاضة ثالثة. فيما أكد الأخير أن «إرهاب السكاكين» لن يهزم إسرائيل، وأنها تجاوزت موجات من هجمات «الأسلحة والتفجير» في إشارة إلى الانتفاضتين الفلسطينيتين الأولى والثانية.
في غضون ذلك، قالت مصادر إسرائيلية إن وفد الرباعية الدولية الذي كان مقررًا أن يزور رام الله وإسرائيل هذا الأسبوع، أجل زيارته لوقت لاحق. وقالت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية أن نتنياهو طلب من وزير الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني تأجيل زيارة الوفد إلى إسرائيل بسبب الأحداث الأمنية لمدة أسبوعين.
ونقلت الصحيفة عن دبلوماسي غربي قوله إن الوفد سيزور دولاً عدة لبحث الأوضاع في المنطقة وأنه قرر تأجيل زيارته بناء على طلب نتنياهو. معربًا عن اعتقاده أن إسرائيل تخشى من زيادة الضغط الدولي عليها.
وكان من المفترض أن يصل الوفد غدا للقاء مسؤولين إسرائيليين وفلسطينيين لبحث تهدئة الوضع واتخاذ تدابير بناء ثقة بين الجانبيين لتجديد العملية السياسية.
وفي فيينا، قال وزير الخارجية الفلسطيني على هامش مؤتمر صحافي إن «نتنياهو يريد التسبب بانتفاضة ثالثة، ويريد تحويل الأنظار بعيدًا من المشكلات التي يواجهها في الساحتين السياسية والدبلوماسية، حيث فشل فشلا ذريعا».
وأضاف أن نتنياهو ارتكب «خطأ فادحًا» عبر اختراق الوضع القائم في الحرم القدسي الذي يؤكد الفلسطينيون أن أعدادا متزايدة من اليهود يدخلونه.
وتابع المالكي في مؤتمره أن «نتنياهو وسع نطاق النزاع لينقله من خلاف سياسي محدود مع الفلسطينيين يمكن التوصل إلى حل سياسي له، إلى حرب بلا نهاية مع المسلمين حول العالم».
وتدارك أنه في هذه المرحلة لا يزال «سابقا لأوانه التحدث عن أجواء انتفاضة ثالثة»، مضيفا «اعتقد انه ما زال ممكنا ضبط الوضع، إذا تعاون نتنياهو» في هذا السياق.
وأكد أن على رئيس الوزراء الإسرائيلي «وقف انتهاكات الوضع الراهن في باحة المسجد الأقصى بموجب القانون الدولي».
ميدانيًا، أعلنت الشرطة الإسرائيلية عن قتل فتى مقدسي من سكان مخيم شعفاط يبلغ من العمر 17 عاما، مدعيةً أنه شارك إلى جانب فتى آخر يبلغ من العمر 13 عاما في عملية طعن إسرائيليين في منطقة بسغات زئيف شمال القدس. وأشارت إلى أن الفتى الآخر أصيب بجروح خطيرة، في حين أن المستوطنين اللذين أصيبا في الهجوم ما زالا يتلقيان العلاج وأن حالتهما خطيرة.
وأصاب جنود «حرس الحدود» المنتشرون في كل أنحاء مدينة القدس، فتاة تُدعى «مرح بكري» (15 عاما) من سكان جبل المكبر لدى خروجها من مدرستها في حي الشيخ جراح المجاور لمنطقة التلة الفرنسية.
وادعى الناطق باسم الشرطة الإسرائيلية أن الفتاة حاولت طعن جندي لدى اقترابه منها بعدما أثارت شكوكا حول نياتها. زاعمًا أنها أخرجت سكينًا وحاولت تنفيذ عملية الطعن إلا أن جنديًا آخر استطاع أن يصيبها في قدمها. وقال شهود عيان مقدسيون، إن الفتاة لم تكن تحمل أي سلاح وإنها تعرضت لإطلاق نار متعمد وتركت تنزف وقتا طويلا حتى نقلت إلى مستشفى هداسا بجروح خطيرة. كما قتل شاب فلسطيني برصاص الشرطة بعد أن طعن أحد عناصرها بسكين.
وأعلنت الشرطة أن فلسطينيًا طعن شرطيًا بسكين صباحًا قرب المدينة القديمة في القدس لكنه قتل برصاص شرطيين آخرين في المكان.
وتابعت الشرطة أن الهجوم وقع عند نقطة تفتيش قرب باب الأسباط في القدس، مشيرة إلى أن الشرطي لم يصب بأذى لأنه كان يرتدي سترة واقية.
وذكرت وسائل الإعلام الفلسطينية أن الشاب يدعى مصطفى الخطيب (18 عاما) من سكان جبل المكبر بالقدس الشرقية. وعملية الطعن هذه هي السادسة عشرة ضد يهود وإسرائيليين منذ 3 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي. وشاهدت مراسلة وكالة الصحافة الفرنسية جثة الشاب الفلسطيني مغطاة بالدماء في الموقع.
ويرتفع بذلك عدد القتلى الفلسطينيين الذين سقطوا في القدس والضفة منذ بداية الأحداث في الأراضي الفلسطينية منذ بداية أكتوبر إلى 26 شهيدا، فيما قتل 4 إسرائيليين وأصيب نحو 17 آخرين في سلسلة هجمات.
وفي قطاع غزة تفجرت مواجهات محدودة على الحدود الشرقية للمنطقة الوسطى، مما أدى إلى إصابة فتى بجروح متوسطة. حيث خلفت المواجهات التي استمرت على مدى الأيام الثلاثة الماضية 11 شهيدا وعشرات الإصابات.
وقال ضابط إسرائيلي كبير أمس إنه تم إصدار تعليمات جديدة بشأن الأحداث على حدود غزة بمنع إطلاق النار إلا في حالات الخطر. مشيرًا إلى أن إسرائيل ترغب باستمرار في الحفاظ على الهدوء وعدم جر القطاع لمعركة جديدة تطلق من خلالها الفصائل الفلسطينية الصواريخ تجاه جنوب إسرائيل. وجاء ذلك في وقت أعلنت فيه حركة «حماس» إنها لا تنوي فتح جبهة من غزة.
ورفض عضو المكتب السياسي للحركة موسى أبو مرزوق، الدعوات التي أطلقها نشطاء فلسطينيون على شبكات التواصل الاجتماعي بإطلاق الصواريخ من غزة تجاه المواقع والبلدات الإسرائيلية المجاورة.
وعد أبو مرزوق أن هذه الدعوة هدفها حرف التوجه لانتفاضة شعبية يمكن أن يخسر فيها الفلسطينيون معركتهم السياسية ويظهرهم بالمعتدين أمام العالم. داعيًا إلى إسناد الهبة الجماهيرية المتواصلة وبث روح المحبة والتوحد.
وقالت مصادر فلسطينية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن قوات أمنية تابعة لـ«حماس» ضبطت 3 صواريخ لحركة الجهاد الإسلامي كانت ستطلق على تل أبيب منذ 4 أيام مما أحدث خلافات بين الحركتين. مبينةً أن «حماس» أعادت الصواريخ لـ«الجهاد» بعد يومين من ضبطها، واتفقا على تشكيل لجنة تحقيق مشتركة لمعرفة من كان يقف خلف العملية، خاصة وأنه لا يوجد قرار لدى «الجهاد الإسلامي» بإطلاق أي صواريخ أو إحداث تصعيد عسكري، حيث يعتقد أن أفرادا من الحركة حاولوا إطلاقها من دون علم قياداتهم.
وتواصلت الاشتباكات في أحياء القدس وبعض مناطق التماس في الضفة الغربية، حيث أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية عن إصابة 6 شبان في مواجهات محافظة البيرة من بينهم 3 بالرصاص الحي والآخرين بالمطاطي، وإصابة 11 آخرين في مواجهات شهدتها حوارة قرب نابلس إحداها خطيرة جدا.
ونفذ مستوطن إسرائيل أثناء هذه الاشتباكات عملية انتقام، وأطلق النار بشكل مباشر تجاه مواطن فلسطيني قرب إحدى القرى المجاورة لمستوطنة إسرائيلية في محافظة طولكرم، حيث وصفت جروحه بأنه متوسطة ومستقرة.
أوروبيا، وقبل ساعات من إعلان تأجيل زيارة وفد «الرباعية» إلى المنطقة، حثت منسقة شؤون الخارجية والأمن لدى الاتحاد الأوروبي، فيدريكا موغريني، في اتصالين هاتفيين منفصلين، كلا من الرئيس عباس ونتنياهو على ضبط النفس وتجنب الأعمال التي من شأنها تأجيج التوتر.
وأدانت موغريني في البيان، أعمال الإرهاب ضد المدنيين، مؤكدة للطرفين أن «السبيل الوحيد لمعالجة العنف والاضطرابات، استئناف عملية سياسية ذات مصداقية وشروع الطرفين في الاتفاق على الخطوات الكبرى التي من شأنها تحسين الأوضاع على الأرض وبناء طريق للعودة إلى مفاوضات الوضع النهائي».
كما أوضحت موغريني للطرفين تمسك الاتحاد الأوروبي بـ«حل الدولتين كسبيل وحيد لتحقيق السلام والأمن الدائمين الذي يتطلع إليهما الإسرائيليون والفلسطينيون».
ومن جهته، أكد الرئيس الفلسطيني، أنه «عازم على إبقاء الوضع تحت السيطرة»، فيما جدد رئيس الوزراء الإسرائيلي» التزامه بالحفاظ على الوضع الراهن في المواقع المقدسة، بحسب بيان المسؤولة الأوروبية.
وأضاف البيان أن «عباس ونتنياهو أعربا عن استعدادهما للعمل على تنفيذ الأحكام المتفق عليها في اجتماع اللجنة الرباعية في نيويورك في نهاية سبتمبر (أيلول) الماضي».
وشددت موغريني على «ضرورة ألا تمنع الاضطرابات الأخيرة الطرفين من استئناف الحوار السياسي والعمل معًا، من أجل مصلحة شعبيهما».



تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.


«ذا سباين» يشعل الجدل حول المشروعات العقارية الفارهة في مصر

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)
TT

«ذا سباين» يشعل الجدل حول المشروعات العقارية الفارهة في مصر

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)

أشعل مشروع «ذا سباين» جدلاً حول المشروعات العقارية الفارهة في مصر، مجدداً التساؤلات بشأن النمو اللافت لاستثمارات قطاع العقارات لا سيما في ظل شكاوى مصريين من ظروف اقتصادية صعبة ومحاولات حكومية لتخفيف وطأتها.

وأعلن هشام طلعت مصطفى، الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لـ«مجموعة طلعت مصطفى» المصرية، خلال مؤتمر صحافي بحضور رئيس الوزراء، مساء السبت، عزم المجموعة بناء مدينة جديدة متعددة الاستخدامات شرق القاهرة بتكلفة 1.4 تريليون جنيه مصري (27 مليار دولار) على مساحة نحو 2.4 مليون متر مربع، تجمع بين الوحدات السكنية والمرافق التجارية والفندقية والتجزئة والترفيه والمساحات الخضراء.

وتحمل المدينة اسم «ذا سباين»، ويجري تطويرها بالشراكة مع البنك الأهلي المصري، برأس مال مدفوع قدره 69 مليار جنيه (1.3 مليار دولار).

مدبولي خلال كلمته عن المشروع (مجلس الوزراء)

وأثار المشروع جدلاً على منصات التواصل الاجتماعي، وسط تساؤلات عن تمويله. وبينما انتقد عدد من الرواد هذا الكم من الاستثمارات في بناء «مدينة فارهة» تضاف إلى مثيلاتها اللاتي «لا يستطيع غالبية المصريين السكن فيها»، وإلى نحو 12 مليون وحدة سكنية مغلقة بحسب بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء»، دافع آخرون عن المشروع، وعدُّوه وسيلة لتحقيق التنمية والرواج الاقتصادي، وأرجعوا الجدل بشأنه إلى أن تمويله مصري على عكس مشروعات أخرى لمدن فارهة تنفَّذ باستثمارات عربية.

وأشار عدد من رواد مواقع التواصل في تعليقاتهم إلى أن «المبلغ المعلن هو إجمالي ما سينفَق على المشروع خلال مدة تنفيذه التي قد تتجاوز 10 سنوات»، لافتين إلى أن «جزءاً من تمويل المشروعات العقارية عادة ما يعتمد على ما يدفعه الراغبون في شراء وحدات فيه من مقدمات حجز وأقساط».

وكتب أحد المعلقين أن «المشروعات الضخمة مثل (ذا سباين) لا تؤثر في قطاع واحد فقط، بل تُنشّط الاقتصاد بشكل متكامل، وتسهم في تنويع مصادر الدخل».

وعدَّ المدون المصري لؤي الخطيب، في منشور عبر حسابه على منصة «إكس»، إطلاق المشروع «ناسفاً ادعاءات انهيار الاقتصاد» المصري.

وكان رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي قد أكد في كلمته خلال إطلاق «ذا سباين» أن «المشروع يحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة»، مشيراً إلى توقيع عقود مشروعات كبرى مماثلة في القاعة نفسها من قبل، بينها مشروعات في الساحل الشمالي في إشارة إلى (مشروع رأس الحكمة باستثمارات إماراتية)، لافتاً إلى «أن الشيء المهم جداً هو أننا نطلق هذا المشروع العالمي بكل المقاييس، في خضم حروب وصراعات جيوسياسية بهذا الحجم الكبير، تفرض حالة من عدم اليقين بالمستقبل، أو عدم استشراف شكل المنطقة أو العالم».

وقال مدبولي إن «المشروع سيوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه، كما يضع مصر في مصاف الدول التي استثمرت بصورة كبيرة للغاية في إنشاء مثل هذه النوعية من المراكز التي تسمى مراكز مالية وإدارية وتجارية».

وعدّ الإعلان عن المشروع «دليلاً على أمن مصر، لا سيما أنه ينطلق في خضم أوضاع عالمية وإقليمية تخلق حالة من عدم اليقين».

وتشهد حركة البناء والتشييد نمواً ملحوظاً في مصر، لا سيما أن كثيراً من المصريين يعدون العقارات مخزن قيمة تتزايد أهميته في ظل ظروف عدم اليقين الحالية.

ويرى الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة أن «السوق العقارية أحد القطاعات النامية بقوة في مصر»، موضحاً أن «حجم الاستثمارات المعلن في (ذا سباين) هو قيمة المبلغ الذي سينفَق على إنشاء المشروعات في مدى زمني يصل إلى 15 عاماً، كما أن جزءاً من التمويل سيكون من مقدمات الحجز، كما هو الحال في معظم المشروعات المماثلة».

وأضاف بدرة لـ«الشرق الأوسط»: «العقار هو الملاذ الآمن للمصريين، وهناك طلب على هذا النوع من المشروعات، سواء في الداخل أو من الخارج (أجانب ومستثمرين)»، لافتاً إلى أن شركات العقارات الكبرى «لن تقدم على مشروع بهذا الحجم دون دراسة تؤكد أن السوق تسمح، وتحتاج للمزيد»، وأكد أن «الحديث عن فقاعة عقارية في مصر ليس له أساس».

يتفق أحمد عبد الفتاح، رئيس قسم تنمية أعمال الشركاء في «بولد روتس - مصر» للتسويق العقاري، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «مصر دولة نامية، ومن طبيعة الدول النامية أن تشهد نمواً في السوق العقارية تزامناً مع نموها السكاني».

وأضاف: «هناك تباين في حجم الطلب خلال الربع الأول من العام الحالي بين شركات حققت نمواً ومبيعات كبيرة، وأخرى شهدت ركوداً، معظمها من الشركات حديثة العهد بصناعة العقار»، مرجعاً التباين إلى «حالة عدم اليقين التي رافقت الأحداث الجيوسياسية»، لكنه أكد أن «حجم الطلب والمبيعات يشهد نمواً لدى الشركات ذات الخبرة الطويلة التي تنفذ مشروعات كبرى على غرار (ذا سباين)»، وتابع: «مشروعات المدن الكبرى تخاطب عادة الشرائح العليا من المجتمع والمستثمرين والأجانب».