تقنيات رخيصة لجمع المياه من الهواء الرطب

لوحة إعلانية بنظام من المكثفات تزود المناطق المعانية من نقصها

تقنيات رخيصة لجمع المياه من الهواء الرطب
TT

تقنيات رخيصة لجمع المياه من الهواء الرطب

تقنيات رخيصة لجمع المياه من الهواء الرطب

صمم باحثون في جامعة الهندسة والتقنيات في دولة بيرو لوحة يمكنها إنتاج مياه نقية للشرب وتجميعها من الرطوبة المتوفرة في الغلاف الجوي.
لا تسقط الأمطار إلا نادرا في ليما عاصمة بيرو الواقعة على أطراف صحراء أتاكاما وهي واحدة من أكثر الأماكن جفافا في العالم،. فهناك نحو 700 ألف من البشر يفتقرون إلى المياه النظيفة للشرب، أو الاستحمام. وهناك أيضا نحو 600 ألف من سكان المدينة البالغ عددهم 7.5 مليون يعتمدون على الأحواض والصهاريج التي تنقل المياه لهم، والتي ينبغي ملؤها بالمضخات، أو بواسطة اليد، ومن ثم تنظيفها بانتظام.

تكثيف رطوبة الهواء

لكن ليما بموقعها على شاطئ المحيط الهادي تعاني من درجة رطوبة عالية تزيد على 90 في المائة في أيام الصيف، الذي يكون بين شهري ديسمبر (كانون الأول) وفبراير (شباط). فقد قام المهندسون من جامعة بيرو للهندسة والتقنيات (يو تي إي سي) بابتكار أسلوب لتحويل الهواء الرطب إلى مياه صالحة للاستخدام. ونصبوا في ديسمبر الماضي لوحة في منطقة بيوجاما في ليما، تمكنت في أوائل مارس (آذار) الماضي من إنتاج 9450 لترا (2500 غالون) من المياه.
وجاءت هذه الفكرة لأن الجامعة المذكورة واجهت مع اقتراب الفصل الدراسي الجديد، تدنيا ملحوظا في عدد الطلاب المسجلين، فرغب قسم الهندسة فيها أن يبتكر طريقة لجذب المزيد من طلاب الهندسة إليه. لذا توجه إلى «مايو بابليسيداد»، التي هي وكالة إعلان في بيرو، إضافة إلى عقده شراكة بين المهندسين والشركات المسوقة، لتصميم إعلان يقدم عرضا مرئيا جدا عن مشاريع الجامعة الهندسية. وهكذا ولدت فكرة اللوحة التي تجمع المياه.
تحتوي اللوحة على خمسة مكثفات، تقوم الكهرباء المستمدة من خطوط التيار في المدينة بتشغيلها. ويشبه المكثف ما هو موجود داخل مكيف الهواء في منزلك، إذ إن تلك المكثفات الموجودة في اللوحة التي صممتها الجامعة، هي أبرد من الهواء الخارجي، وعندما يقوم الأخير بملامسة السطوح الباردة للمكثفات، يبرد هو الآخر أيضا، مما يجعل بخار الماء في الهواء يتكثف إلى ماء سائل. وبعد عملية التنقية بالنضح العكسي ينساب الماء إلى خزان بسعة 20 لترا يقع في أسفل اللوحة. وتقوم كل لوحة بإنتاج نحو 96 لترا من المياه يوميا، لتقوم حنفيات وصنابير بسيطة بتأمينها للسكان المحليين. وذكرت مجلة «بوبولار ميكانيكيس» الأميركية أن جامعة «يو تي إي سي» لم تعلن بعد ما إذا كانت ستوزع المياه هذه مجانا، لكنها ذكرت أن تركيب اللوحة الواحدة يكلف نحو 1200 دولار.

مشاريع خليجية

وهذه ليست المحاولة الأولى لسحب المياه النظيفة من طبقات الهواء الرقيقة. ففي عام 2011 قامت شركة «أول» الفرنسية بتركيب توربين هوائي في أبوظبي ذكرت انه أنتج أكثر من 1400 لتر من المياه يوميا. فقد بلغ طول هذا التوربين «دبليو إن إس 1000» 24 مترا (78 قدما)، وطول مراوحه 13 مترا، التي تدور بسرعة 100 دورة في الدقيقة لتشغيل مولد كهربائي بطاقة 30 كيلوواط. وهذا من شأنه تشغيل مكبس داخل التوربين، مما يجعل الهواء يدخل إليه عن طريق مأخذ خاص لتتكثف الرطوبة خارجه مع برودة الهواء. أما الماء فينساب إلى الأسفل لتنقيته وتخزينه في خزان يقع في أسفل التوربين.
لكن التوربين بحاجة إلى رياح بسرعة 15 ميلا على الأقل، لتوليد ما يكفي المكبس من الطاقة. وفي المناخ الصحراوي، حيث إن معدل درجة الحرارة تصل إلى 35 مئوية، والرطوبة النسبية إلى نحو 30 في المائة، يتمكن توربين «دبليو إن إس 1000» إنتاج نحو 350 لترا من المياه يوميا. أما في المناخ الرطب على شواطئ البحار، فإن هذا الإنتاج يزداد ليصل إلى قرابة 1200 لتر يوميا. ولدى إضافة وحدة للطاقة الشمسية إلى التوربين، فقد يزداد الإنتاج بنحو مئات قليلة من اللترات.
وقامت شركة «أول» بتصميم التوربين للمجموعات السكنية القاطنة في ألأماكن النائية التي يقل عدد أفرادها عن 5000 شخص. لكن لدى إطلاقها توربينها «دبليو إن إس 1000» هذا تجاريا في عام 2012، كان سعر الواحد منها يبلغ نحو 660 ألف دولار، أي أكثر بكثير من ميزانية غالبية المجموعات السكنية الصغيرة في البلدان النامية.
وتعاني مدن مثل ليما وغيرها من الحواضر، كالقاهرة مثلا، من نقص حاد في المياه الصالحة للشرب، تماما مثل القرى النائية البعيدة، ومن الممكن إيجاد حلول بتمويل إعلاني، قد تعمل جيدا مع البنية الكهربائية الأساسية. ولم تعلن جامعة «يو تي إي سي» بعد عن خطط جديدة لتركيب المزيد من هذه اللوحات في ليما، أو جعل هذه التقنية متوفرة تجاريا في أماكن أخرى، لكن المشروع أطلق نقاشا جديدا حول كيفية تأمين مياه نقية للمناطق المحتاجة.
وتقدر منظمة الصحة العالمية أن ثمة مليارا من البشر في العالم، بحاجة إلى مياه الشرب النقية التي يؤدي نقصها إلى أمراض شديدة مثل الكوليرا وغيرها.



الوجود العسكري المصري - التركي في الصومال... تنافس أم تكامل؟

جانب من القوات المصرية المشارِكة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)
جانب من القوات المصرية المشارِكة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)
TT

الوجود العسكري المصري - التركي في الصومال... تنافس أم تكامل؟

جانب من القوات المصرية المشارِكة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)
جانب من القوات المصرية المشارِكة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

في وقت يشهد فيه الصومال توافداً عسكرياً من مصر وتركيا بشكل متزامن، أكد قياديون سابقون بالجيش المصري أن «الوجود العسكري المصري - التركي في الصومال خصوصاً، ومنطقة القرن الأفريقي بوجه عام، يقوم على التكامل والتعاون، لا التنافس».

ويوم الأربعاء، شهد الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود برفقة وزير الدفاع ورئيس الأركان المصريَّين، في القاهرة، اصطفاف القوات المصرية المشارِكة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم وحدة الصومال وأمنه وسلامة أراضيه، حسب بيان للمتحدث العسكري للجيش المصري، الذي أكد أن «القوات المشارِكة أتمَّت أعلى درجات الجاهزية من خلال مستوى تدريبي احترافي يمكّن من تنفيذ المهام الموكلة إليها بكفاءة واقتدار تحت مختلف الظروف».

وفي وقت متزامن استقبل الصومال، الأربعاء، وحدات من القوات البحرية التركية، على رأسها سفينة إنزال بحري، كما وصلت إلى البلاد ناقلة جوية عسكرية في إطار التعاون العسكري بين البلدين، في حين قالت وزارة الدفاع الصومالية إن زيارة السفن الحربية التركية إلى البلاد «تأتي في وقت تولي فيه الحكومة الفيدرالية أهمية خاصة لبناء وتطوير القوات البحرية وخفر السواحل».

عضو «معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع»، اللواء السابق في الجيش المصري، ياسر هاشم، قال: «في رأيي، لا يوجد تنافس بين التحركات العسكرية المصرية والتركية بالصومال بل تكامل وتعاون، والحقيقة أن العلاقات التركية - الصومالية علاقات نشطة، وشهد الصومال دعماً تصاعدياً من تركيا في كثير من المجالات الإنسانية والتنموية والاقتصادية والعسكرية، وذلك بإنشاء قاعدة تركية على الأراضي الصومالية لتدريب القوات الصومالية منذ نحو 10 سنوات».

وأضاف هاشم لـ«الشرق الأوسط»، أن «تركيا استطاعت أن تُشكِّل لها حضوراً، ودوراً مهماً في الصومال، بينما حافظت مصر على مسار علاقاتها مع الصومال بشكل محدود حتى عامين تقريباً، قبل أن ترتقي لتشهد توقيع بروتوكولَي تعاون أمني وعسكري، واتفاقية شراكة بين البلدين، وانخراط قوة عسكرية مصرية كبيرة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي، وقوة أخرى خارجها لدعم وتدريب الجيش الصومالي».

وأوضح أنه «في الوقت نفسه تشهد العلاقات المصرية - التركية تحسناً كبيراً في السنوات الأخيرة، وأصبح التعاون والتنسيق بين البلدين أكثر نشاطاً، وظهر في تبادل الزيارات على مختلف المستويات والأصعدة، وظهر أيضاً في ملف غزة، وفي مجالات الاقتصاد، والشراكات الصناعية، والتعاون العسكري».

سفينة إنزال عسكري بحري تركية وصلت إلى الصومال... الأربعاء (وزارة الدفاع الصومالية)

وعملت القاهرة وأنقرة خلال الفترة الأخيرة على زيادة أشكال التعاون العسكري والدفاعي، وكان ذلك ملفاً بارزاً في زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى مصر، الأسبوع الماضي، وهو أمر يرى خبراء أن هدفه استعادة النفوذ المصري - التركي عبر التأثير وتغيير موازين القوى بالمنطقة في مواجهة النفوذ الإسرائيلي الذي أخذ يهدِّد مصالح البلدين بشكل كبير.

وكان أحدث أشكال التعاون الدفاعي بين مصر وتركيا، «اتفاقية تعاون عسكري»، تمَّ توقيعها في القاهرة، بحضور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره إردوغان.

نائب مدير المخابرات الحربية ورئيس جهاز الاستطلاع السابق بمصر، اللواء أركان حرب أحمد كامل، أوضح أنه «خلال زيارة إردوغان الأخيرة إلى مصر نتج عنها توافق ورؤية استراتيجية للبلدين، وتنسيق للمواقف بشأن صراعات المنطقة، خصوصاً مبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للسلام ووقف إطلاق النار في قطاع غزة ودخول المساعدات، إلى جانب ملفات أخرى أبرزها الملف الليبي».

وقال كامل لـ«الشرق الأوسط»: «بالنسبة للدور المصري والتركي في الصومال ومنطقة القرن الأفريقي عموماً، فهناك تكامل وتوافق في مواقف البلدين بخصوص رفض اعتراف إسرائيل بإقليم (أرض الصومال)، وتأكيد القاهرة وأنقرة على وحدة الأراضي الصومالية، ورفض محاولات إثيوبيا للوصول إلى البحر الأحمر، وإنشاء قوة بحرية عبر (صومالي لاند)».

وشدَّد على أن «هناك تعاوناً استراتيجياً وتنسيقاً أمنياً بين القوات المصرية والتركية والقوات المسلحة الصومالية؛ للحفاظ على الأمن والاستقرار في مواجهة العمليات الإرهابية والقرصنة البحرية جنوب باب المندب، وتأثير ذلك على استقرار الملاحة البحرية والتجارة الدولية، وبالتالي على قناة السويس والاقتصاد المصري».

القوات المصرية المشارِكة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال... الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

وقال الرئيس المصري، الأحد، إن بلاده ماضية في نشر قوات ببعثة حفظ السلام في الصومال، في إطار التزامها بدعم أمنه واستقراره ووحدة أراضيه، وذلك خلال مؤتمر صحافي مشترك عقده مع نظيره الصومالي خلال زيارته مصر.

بينما ذكرت وسائل إعلام صومالية، أن طائرة عسكرية من طراز «إيرباص A400M أطلس»، تابعة للقوات الجوية التركية، هبطت، صباح الأربعاء، في مطار عدن آدي الدولي في مقديشو، وأن «الطائرة التي أقلعت من قاعدة (قيصري إركيلت) الجوية في تركيا، يُعتقد أنها مرتبطة بالتعاون العسكري بين الصومال وتركيا».

وأشارت التقارير الصومالية إلى أن «الحكومة التركية دأبت في الأيام الأخيرة على إرسال أسلحة ثقيلة إلى الصومال بشكل منتظم»، وذلك بالتزامن مع وجود نائب قائد البحرية التركية في مقديشو حالياً.

وتجدر الإشارة إلى أن التعاون العسكري بين مصر وتركيا شهد تطوراً ملحوظاً منذ 2023 مع عودة العلاقات الدبلوماسية الكاملة وتبادل الزيارات الرئاسية، مما انعكس على مجال الصناعات الدفاعية، وكذلك على تنسيق المواقف من قضايا المنطقة.


تصرف لا يستغرق دقيقة قد يعزز مزاجك

هناك تصرف بسيط مدته لا تتخطى الدقيقة يمكن أن يساعد في تعزيز مزاج الأشخاص (رويترز)
هناك تصرف بسيط مدته لا تتخطى الدقيقة يمكن أن يساعد في تعزيز مزاج الأشخاص (رويترز)
TT

تصرف لا يستغرق دقيقة قد يعزز مزاجك

هناك تصرف بسيط مدته لا تتخطى الدقيقة يمكن أن يساعد في تعزيز مزاج الأشخاص (رويترز)
هناك تصرف بسيط مدته لا تتخطى الدقيقة يمكن أن يساعد في تعزيز مزاج الأشخاص (رويترز)

كشفت عالمة نفس أميركية عن تصرف بسيط مدته لا تتخطى الدقيقة، يمكن أن يساعد في تعزيز مزاج الأشخاص وزيادة شعورهم بالسعادة.

وقالت الدكتورة ليندسي غودوين لموقع «سايكولوجي توداي» إن هذا التصرف يتمثل في «تقديم مجاملة صادقة واحدة يومياً لمدة أسبوع لشخص لا نعرفه جيداً».

ولفتت غودوين إلى أن تقديم مجاملة صادقة لشخص آخر قد يكون كافياً لإحداث تغيير ملموس في المزاج والشعور بالرضا لدى الطرفين.

وأضافت أن الشرط الأساسي هو أن تكون المجاملة محددة وتعتمد على سلوك أو ملاحظة حقيقية، بعيداً عن الإطراءات العامة، لافتة إلى أن الأبحاث تشير إلى أن المديح المحدد أكثر مصداقية وتأثيراً من العبارات العامة؛ لأنه يعكس انتباهاً حقيقياً للطرف الآخر.

أدلة علمية

وأشارت غودوين إلى وجود أدلة علمية على فائدة المجاملات للصحة النفسية لقائلها وللمتلقي.

وأشارت دراسة أجريت عام 2021 إلى أن الناس غالباً ما يستخفون بتأثير المجاملات على الآخرين، إذ يتوقع مقدمو المجاملة شعوراً بالحرج أو الرفض، بينما يُظهر المتلقون مستويات أعلى بكثير من السعادة والتقدير مما يتوقعه الطرف الآخر.

كما أظهرت أبحاث أخرى أن ممارسة أعمال اللطف الصغيرة بانتظام ترتبط بارتفاع مستويات السعادة والرضا عن الحياة.

ووفقاً لنظرية «التوسيع والبناء للمشاعر الإيجابية» لعالمة النفس الشهيرة باربرا فريدريكسون، تسهم المشاعر الإيجابية في توسيع أنماط التفكير وبناء علاقات اجتماعية أقوى بمرور الوقت. وعندما يعتاد الفرد البحث عما يستحق التقدير، يتحول تركيزه من رصد السلبيات إلى اكتشاف الجوانب المضيئة في محيطه.

كما تشير النظرية إلى أن المجاملة وإظهار التقدير للآخرين قد يخففان من حدة النقد الذاتي، إذ يصبح من الصعب الاستمرار في القسوة على النفس أثناء الاعتياد على رؤية الجيد في الآخرين.

لماذا نتردد في الإطراء؟

يرجع التردد غالباً إلى القلق الاجتماعي والخوف من التطفل أو إساءة الفهم. كما أن الثقافة السائدة تشجع على التنبيه عند وجود خطأ، لكنها نادراً ما تحث على التعبير عند ملاحظة شيء إيجابي.

مجاملات بلا مبالغة

تؤكد غودوين على أهمية تجنب المجاملات المبالغ بها. ولفتت إلى أن المجاملة المثالية «قصيرة، وواضحة، ولا تنتظر مقابلاً».


التعليم الرقمي كبنية تحتية… هل هو الرهان الحاسم لعقد الذكاء الاصطناعي؟

التحول الرقمي الحقيقي لا يتحقق بالاستثمار في البنية التحتية وحدها، بل ببناء القدرات البشرية والمهارات الرقمية (بيكسلز)
التحول الرقمي الحقيقي لا يتحقق بالاستثمار في البنية التحتية وحدها، بل ببناء القدرات البشرية والمهارات الرقمية (بيكسلز)
TT

التعليم الرقمي كبنية تحتية… هل هو الرهان الحاسم لعقد الذكاء الاصطناعي؟

التحول الرقمي الحقيقي لا يتحقق بالاستثمار في البنية التحتية وحدها، بل ببناء القدرات البشرية والمهارات الرقمية (بيكسلز)
التحول الرقمي الحقيقي لا يتحقق بالاستثمار في البنية التحتية وحدها، بل ببناء القدرات البشرية والمهارات الرقمية (بيكسلز)

فيما تتسابق الدول لتوسيع شبكات الجيل الخامس والألياف البصرية والمنصات الرقمية، يبرز سؤال أعمق: هل يكفي الاستثمار في الاتصال وحده لتحقيق التحول الرقمي؟

يجيب حسين درويش، رئيس الاستراتيجية والأداء في منظمة التعاون الرقمي (DCO)، خلال لقاء خاص مع "الشرق الأوسط»، أن «الخطأ الأكثر شيوعاً هو الافتراض أن البنية التحتية وحدها ستحقق التحول. فالبنية التحتية بحد ذاتها لا تُحدث أثراً». مع تسارع الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، يؤكد درويش أن المحرك الحقيقي للتغيير ليس الشبكات، بل البشر.

حسين درويش رئيس الاستراتيجية والأداء في منظمة التعاون الرقمي (DCO) )

الاتصال دون قدرة

شهدت دول منظمة التعاون الرقمي استثمارات ضخمة في البنية التحتية الرقمية خلال السنوات الأخيرة. وهذه الاستثمارات ضرورية بلا شك. لكن درويش يحذر من عكس ترتيب الأولويات. يشرح أنه «لا يمكن للاقتصادات الرقمية أن تزدهر من دون أشخاص يمتلكون المهارات لاستخدام هذه التقنيات بفاعلية. وإذا لم تتطور أنظمة التعليم بالتوازي مع البنية التحتية، فإن الفرصة تضيع».

هذا الطرح ينسجم مع مخرجات الجمعية العامة الخامسة للمنظمة التي عقدت بداية فبراير الحالي في الكويت، حيث اعتمدت الدول الأعضاء «إعلان الكويت بشأن الذكاء الاصطناعي المسؤول من أجل ازدهار رقمي عالمي». يؤكد الإعلان أن النمو المدفوع بالذكاء الاصطناعي يجب أن يكون شاملاً وموثوقاً وقابلاً للقياس، وهي مبادئ لا يمكن تحقيقها دون كوادر مؤهلة. ويضيف درويش أن «التحوُّل الحقيقي يحدث عندما تتوازن الاستثمارات في الاتصال مع الاستثمارات في التعليم والمهارات الرقمية والقدرات البشرية».

لقطة تذكارية من الجمعية العامة الخامسة لمنظمة التعاون الرقمي الذي عقدت بداية فبراير في الكويت (المنظمة)

التعليم الرقمي كبنية تحتية أساسية

إذا اعتُبر التعليم الرقمي جزءاً من البنية التحتية الوطنية؛ فما الذي سيتغير؟ يجيب درويش أن « أنظمة التعليم ستتحول نحو استثمار مستدام وشامل في المهارات الرقمية وتحديث المناهج وتمكين المعلمين».

ستُعامل الثقافة الرقمية بوصفها مهارة أساسية، مدمجة عبر جميع المراحل والمواد التعليمية، لا كإضافة هامشية. لكن التغيير لا يقتصر على التمويل، بل يشمل أيضاً آليات القياس. فاليوم غالباً ما يُقاس التقدم الرقمي بمؤشرات الوصول، مثل نسب انتشار الإنترنت أو توزيع الأجهزة. وباعتقاد درويش هذا غير كافٍ حيث «يجب على أدوات القياس التطور لتتجاوز مؤشرات الوصول، وتركز على النتائج أي ضمان تطوير قدرات رقمية عملية وتفكير نقدي وجاهزية لسوق العمل».

الفجوة الخفية في المهارات

أحد أكبر المخاوف التي يطرحها درويش يتمثل في فجوة دقيقة، لكنها مؤثرة، ويعد أن «الفجوة الأكثر إثارة للقلق هي الفرق بين الألفة الرقمية الأساسية والمهارات الرقمية الجاهزة لسوق العمل».

كثير من الشباب يجيدون استخدام الأدوات الرقمية اجتماعياً، لكن قلة منهم يمتلكون القدرة على البرمجة أو تحليل البيانات أو توظيف التكنولوجيا مهنياً. ويرى أن «عدداً أقل بكثير لديه القدرة على البرمجة أو تحليل البيانات أو تطبيق الأدوات الرقمية بشكل احترافي». هذه الفجوة تحد من الابتكار والإنتاجية والتنوع الاقتصادي؛ فالدول التي تستهلك التكنولوجيا دون أن تُنتجها أو تُطوّرها تفقد فرصاً استراتيجية.

مسار تدريجي لبناء المهارات

يعتبر درويش أن الحل يجب أن يُبنى تدريجياً حيث «ينبغي التعامل مع الأمر بوصفه مساراً متدرجاً». يبدأ ذلك بتأسيس مهارات رقمية أساسية في سن مبكرة، ثم الانتقال إلى التفكير الحاسوبي وحل المشكلات، وصولاً إلى مهارات متقدمة، مثل البرمجة وعلوم البيانات. لكن المهارات التقنية وحدها لا تكفي، ويشدد درويش على ضرورة أن يركز التعليم أيضاً على الإبداع والتفكير النقدي والتعاون. وهذا التوازن ضروري في عصر الذكاء الاصطناعي، خصوصاً في ظل تأكيد «إعلان الكويت» على أهمية الحوكمة الأخلاقية لتجنب المخاطر المرتبطة بالتحيز وعدم المساواة.

التعليم الرقمي يجب أن يُعامل كبنية تحتية وطنية أساسية مع تمويل مستدام وقياس يعتمد على النتائج لا على مؤشرات الوصول (رويترز)

المعلمون كمضاعف للأثر

لا يمكن تحقيق التحول دون تمكين المعلمين الذين «يحتاجون إلى تطوير مهني مستمر، وتدريب في التربية الرقمية، والوصول إلى أدوات حديثة»، كما يقول درويش. كثير من المعلمين لم يتلقوا تدريباً أصلياً على دمج التقنيات الرقمية في التعليم. ومن دون دعم مستدام قد تفشل المبادرات الرقمية رغم التمويل. ويؤكد درويش أن «الاستثمار في المعلمين يضاعف الأثر، لأن كل معلم مؤهل يؤثر في مئات الطلاب».

ويصرح درويش بأن الوصول إلى الإنترنت والأجهزة ضروري، لكنه غير كافٍ، «وأن الاندماج الحقيقي يتطلب أكثر من الاتصال والأجهزة. يتطلب مهارات رقمية، وجاهزية المعلمين، وبيئات تعليمية داعمة».

من دون هذه العناصر، يبقى الوصول شكلياً لا تحويلياً. كما يربط درويش بين التعليم الرقمي والأداء الاقتصادي بشكل مباشر، وينوه بأن «الفجوة المستمرة في المهارات الرقمية تمنع الدول من الاستفادة الكاملة من التقنيات الرقمية؛ ما يحد من الابتكار والإنتاجية والتنويع الاقتصادي».

ويحذر كذلك من أن تجاهل التعليم الرقمي سيؤدي إلى «اتساع فجوات عدم المساواة، وفقدان فرص اقتصادية، وتراجع القدرة التنافسية».

في المقابل، الاستثمار في التعليم الرقمي «يمكّن الأفراد ويقوي الاقتصادات، ويضمن استفادة المجتمعات من التقدم

التكنولوجي».

شراكات تبني منظومات مستدامة

يشدد درويش على أهمية الشراكات بين القطاعين العام والخاص، بشرط أن تكون مستدامة ومتوافقة مع الاستراتيجيات الوطنية. ويشرح أن «الشراكات الناجحة تركز على بناء منظومات مهارات مستدامة، لا برامج تدريب قصيرة الأجل». كما يلفت إلى ارتفاع مشاركة النساء في قطاع تقنية المعلومات خلال السنوات الأخيرة، معتبراً أن الدرس الأهم أن الشمولية يجب أن تُبنى منذ البداية و«يجب أن تكون الشمولية مقصودة ومضمنة في استراتيجيات التعليم وسوق العمل».

يختتم درويش حديثه لـ"الشرق الأوسط» بتحذير واضح: «التعليم هو أساس الازدهار الرقمي وأن تكلفة التقاعس مرتفعة للغاية». فإذا كانت الموجة الأولى من التحول الرقمي قد ركزت على بناء الشبكات، فإن الموجة التالية ستركز على بناء المواهب.