في وقت تتفاقم فيه أزمة شح الدولار في السوق المصرية، أكد رئيس الوزراء المصري شريف إسماعيل، أن الحكومة تعمل على توفير نحو 4 مليارات دولار قبل نهاية العام الحالي، وبينما يظهر أثر الانخفاض الحاد في احتياطيات العملة الأجنبية على كل القطاعات، يبدو أن قطاع الأعمال الصغيرة والمتوسطة في مصر هو أبرز المضارين.
وعلى هامش حفل عشاء مع نظيره الفرنسي مانويل فالس، مساء أول من أمس، بحضور رجال أعمال مصريين وفرنسيين، أكد رئيس الحكومة المصرية، أن القاهرة تسعى لجمع 4 مليارات دولار قبل نهاية العام الحالي، موضحا أن ذلك سيكون من خلال اقتراض 1.5 مليار دولار من البنك الدولي والبنك الأفريقي للتنمية، بجانب طرح أراض للمصريين في الخارج بقيمة 2.5 مليار دولار.
وجاءت رسالة إسماعيل فيما يبدو وكأنها تهدئة لمخاوف داخلية وخارجية عقب انخفاض حاد في احتياطي النقد الأجنبي في مصر خلال الشهر الماضي بلغ نحو 1.76 مليار دولار (بشكل مبدئي)، إذ أعلن البنك المركزي عن بلوغ الاحتياطي 16.33 مليار دولار فقط في نهاية سبتمبر (أيلول)، مقابل نحو 18.09 مليار دولار في نهاية أغسطس (آب) الماضي، وهي الخسارة الشهرية الأكبر من نوعها منذ يناير (كانون الثاني) 2012، والتي بلغت آنذاك 1.765 مليار دولار.
وأوضح إسماعيل أن الحكومة تعمل على عدة محاور لتوفير الدولار، منها القروض، وطرح الأراضي للمصريين بالخارج، واللذان سيوفران وفقا لتصور الحكومة 4 مليارات دولار. وذلك إضافة إلى مساع لتقليص ميزان الاستيراد من الخارج (والذي يفوق 60 مليار دولار) لمصلحة المنتج المحلي، وطرح محاور جديدة للاستثمار المحلي والأجنبي، ومشروعات توفير الطاقة، وتوفير الغاز للمصانع من أجل رفع الإنتاج، وجهود إعادة حركة السياحة لطبيعتها قبل 2011 والتي بلغت آنذاك ما يزيد على 14 مليون سائح سنويا، بينما تقتصر حاليا على نحو 9.7 مليون سائح فقط.
وتأتي تلك التصريحات بالتزامن مع حضور وفد وزاري مصري لاجتماعات الخريف السنوية للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي التي عقدت خلال الأيام الماضية في العاصمة البيروفية ليما. حيث أكد المسؤولون المصريون أن الحكومة تعمل بكل جدية على استكمال الإصلاحات الاقتصادية.
بينما التقى وزير التخطيط المصري أشرف العربي مع أسد علام، المدير الإقليمي للبنك الدولي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مساء أول من أمس. وقال العربي في تصريح له عقب الاجتماع، إن «اللقاء بحث أوجه التعاون بين الطرفين ودعم البنك الدولي لجهود الوزارة لتطوير منظومة التخطيط والمتابعة، واتخاذ الإجراءات اللازمة للتمهيد لبدء تنفيذ استراتيجية التنمية المستدامة (رؤية مصر 2030)». كما شهدت مناقشة إطار الدعم الفني المقدم من البنك الدولي للوزارة في مجالات إدارة الاستثمارات العامة وتأسيس وحدة للسياسات الاقتصادية الكلية والفقر والتشغيل بوزارة التخطيط والمتابعة والإصلاح الإداري والمساهمة في تطوير منظومة الحسابات القومية، بالإضافة إلى رفع كفاءة ومهارات الموظفين في الجهاز الإداري للدولة.
ومن جانبه طلب البنك الدولي تنظيم ورش عمل مشتركة مع الوزارة، وذلك من أجل عرض ملامح استراتيجية التنمية المستدامة «رؤية مصر 2030» وخطة الإصلاح الإداري للدولة، على قيادات البنك الدولي من خلال وسائل الاتصال عن بعد. كما أشاد علام بجهود الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي التي اتخذتها الحكومة المصرية.
لكن الإشادات الدولية ببرامج الإصلاح تواجه انتقادات حادة داخليا لسياسة النقد التي تتبعها الإدارة من أجل الحفاظ على ثبات قيمة الجنيه المصري أمام الدولار الأميركي. ورغم نجاح هذه الإجراءات في تحقيق النتائج المرجوة منها فيما يتعلق بسعر صرف الجنيه، لكنها أثرت سلبًا وبشكل بالغ على أنشطة الشركات المحلية أيضًا. وخصوصا الشركات الصغيرة التي لا تملك سوقا واسعة للتصدير تمكنها من توفير حاجتها من العملة الأجنبية، دون الحاجة للبحث عن الدولار في السوق الرسمية أو الموازية.
ورغم اختيار هشام رامز، محافظ البنك المركزي المصري، أول من أمس كأفضل محافظ في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال أعمال الاجتماع السنوي لصندوق النقد والبنك الدولي، فإن ذلك لم يشفع لرامز كثيرا أمام سيل الانتقادات التي توجه إليه داخل مصر، كونه المسؤول الأول عن سياسات النقد الأجنبي.
وأوضح الصندوق والبنك أن اختيار رامز يعود إلى «التدابير التي اتخذها لوضع مصر على الطريق الاقتصادي الصحيح»، بحسب ما أعلن في بيان، مشيدا على وجه الخصوص بنجاحه في خفض قيمة الجنيه المصري مقابل الدولار بنسبة 9.5 في المائة وإصدار شهادات الإيداع لتمويل التوسع في قناة السويس.
لكن على العكس، تزايدت حدة الانتقادات الموجهة لرامز من قبل خبراء الاقتصاد وأعضاء بالغرف التجارية المصرية، وقال أحدهم لـ«الشرق الأوسط» طالبا عدم تعريفه لحساسية الأمر: «رامز لم ينجح لا في الحفاظ على سعر العملة المصرية، ولا في توفير احتياطي أجنبي.. بل تفاقمت السوق السوداء (الموازية) للعملة وارتفع حجم تهريب النقد الأجنبي»، وأضاف أن رامز «قرر التضحية بالاحتياطي النقدي في مقابل الحفاظ على سعر الدولار.. لكن النتيجة كانت مأساوية، والسياسات النقدية الحالية خاطئة ويجب مراجعتها على الفور»، محذرا من مخاطر انهيار الاقتصاد المصري.
وخلال الأسبوع الماضي، استقر سعر صرف الدولار مقابل الجنيه عند 7.78 جنيه للشراء و7.83 للبيع بحسب بيان البنك الأهلي المصري يوم الخميس، بينما ارتفع سعر اليورو والجنيه الإسترليني والدينار الكويتي في ذات الفترة.
وتأتي تلك الانتقادات قبل نحو شهر واحد من انتهاء فترة ولاية المجلس الحالي للبنك المركزي المصري بقيادة رامز في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. وأوضحت مصادر حكومية أن رامز أبدى «عدم رغبته» في التجديد له بالمنصب، لكن المؤشرات المحلية توحي بأن إمكانية التجديد له في موقعه هي الغالبة.
وقالت المصادر الحكومية لـ«الشرق الأوسط»، إن «الأمر لا يتعلق برامز كشخص، أو ببقائه في منصبه من عدمه.. لكن يتعلق بسياسات نقدية صعبة لا بد من اتباعها من أجل إنقاذ الاقتصاد المصري، السياسات الناعمة لتسكين الأوضاع أثبتت فشلها على مدار عقود وتسببت في تدهور الاقتصاد بشكل كبير، ولا مناص من المواجهة، ورامز في غاية الكفاءة بحسب كل الآراء الدولية».
وفي ظل سياسات النقد في مصر، أكد الخبراء والمحللون أن أغلب المضارين من انخفاض الاحتياطي الأجنبي وشح الدولار هم من قطاع الشركات المتوسطة والصغيرة التي تحتاج إلى عملة أجنبية في عملية التحويلات، مشيرين إلى أن عجزهم عن الحصول على الدولار أدى إلى تعثر أعمال كثير منهم، وبعضهم على وشك الإفلاس.
ويضع القانون المصري قيودا على الحد الأقصى الشهري لإيداع وتحويل العملات الأجنبية وتحويلها إلى خارج الدولة بـ50 ألف دولار شهريا، وما لا يتجاوز 10 آلاف دولار في اليوم الواحد، مما يجعل الحد السنوي 600 ألف دولار فقط للشركة الواحدة. بينما يتم إعفاء المصنعين من ذلك الحد بعد فحص طلباتهم، لكن ذلك الفحص بدوره يستهلك وقتا يقدر بنحو أسبوعين في المتوسط، مما قد يعيق العمليات التجارية.
أزمة الدولار تتصاعد في مصر رغم جهود الحكومة
رئيس الوزراء: نعمل على توفير 4 مليارات دولار قبل نهاية العام
أزمة الدولار تتصاعد في مصر رغم جهود الحكومة
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة



