30 لوحة لجبران عمرها أكثر من مائة عام في متحف الشارقة

من بينها لوحة {وجه أمرأة محجبة} و{موناليزا الحزينة}

وجه رجل بلحية  -  وجه امرأة بوشاح  -  بورتريه شخصي
وجه رجل بلحية - وجه امرأة بوشاح - بورتريه شخصي
TT

30 لوحة لجبران عمرها أكثر من مائة عام في متحف الشارقة

وجه رجل بلحية  -  وجه امرأة بوشاح  -  بورتريه شخصي
وجه رجل بلحية - وجه امرأة بوشاح - بورتريه شخصي

تحتضن إمارة الشارقة في متحفها معرض «البعد الإنساني في رسوم جبرانية»، لأعمال الفنان والأديب المعروف عالميًا جبران خليل جبران (1883 - 1931) في أكبر مجموعة من لوحاته ورسوماته، نحو 30 لوحة، ويعود عمرها لأكثر من مائة عام، تُعرض للمرة الأولى في الإمارات العربية المتحدة، افتتحه الشيخ خالد بن عبد الله بن سلطان القاسمي، رئيس دائرة الموانئ البحرية والجمارك في الشارقة، ويستمر المعرض من 7 أكتوبر (تشرين الأول) إلى 10 ديسمبر (كانون الأول) حيث أُقيم بالتعاون مع لجنة جبران الوطنية في لبنان، وحضر الافتتاح نخبة من المسؤولين والمثقفين، منهم جوزيف جعجع مدير متحف جبران، وطارق الشدياق، رئيس لجنة جبران الوطنية، ومنال عطايا، مدير عام إدارة متاحف الشارقة وغيرهم.
من المعروف أن لوحات جبران خليل جبران ورسوماته عُرضت في متاحف كثيرة في الكثير من عواصم العالم، من بلدته بشري في لبنان إلى أكاديمية تيلفير في جورجيا، وبوسطن وباريس. هذه التشكيلة من اللوحات المعروضة، وهي زيتية ومائية، مرسومة ببراعة باستخدام الفحم على الورق وقماش «الكانفس» بالإضافة إلى عرضِ مخطوطات ودفاتر تعود كتبها أثناء حياته بكل دأب ومثابرة. وتُظهر الأعمال مزيجًا من التأثيرات العربية والغربية في فن جبران ومن بينها تبرز لوحة مائية من عام 1916 بعنوان «وجه امرأة مُحجبة»، و«صورة شخصية» له مرسومة بالفحم من عام 1908، ولوحة «موناليزا الحزينة» 1910. تتنوّع الموضوعات الفنية التي عالجها، ولكنها جميعًا تحمل بصمة واحدة، روحانية اللوحة وصوفيتها وبعدها الإنساني. وهنا نجد ذلك التوليف الجدلي بين ما كتبه جبران وما رسمه، لأن الكلمة واللون، صادرتان عن روح واحدة، شهدت العذابات الأرضية، فلاذت إلى الروحانيات الغامضة.
يُعتبر معرض «البعد الإنساني في رسوم جبرانية» الأول من نوعه في الإمارات، وهو في حقيقة الأمر، جهد إماراتي ولبناني مشترك، ولولا هذا التعاون لما تمّ تحقيق هذا المعرض. منال عطايا، مدير عام إدارة متاحف الشارقة قالت لـ«الشرق الأوسط»: «نحن فخورون باستضافة هذا المعرض الرائع الذي يتيح للزوار فرصة استثنائية للتعرف على جانب فني هام لأحد أهم الفنانين والمفكرين في العالم العربي»، مضيفة: «ساهم تعاوننا مع لجنة جبران الوطنية في لبنان في افتتاح هذا المعرض المرموق والأول من نوعه في دولة الإمارات والذي يؤكد على الدور المتنامي لمتحف الشارقة للفنون كوجهة بارزة لاستضافة معرض على هذه الدرجة من الأهمية، كما يعزز اسم إمارة الشارقة كمركز للفن والثقافة والسياحة في المنطقة».
بدوره قال الدكتور طارق شدياق، رئيس لجنة جبران الوطنية: «أضحت إمارة الشارقة مركزًا ثقافيًا بالغ الأهمية لما تتمتع به من تراث غني ولكونها وجهة رئيسية تستضيف أهم المعارض الفنية التقليدية والمعاصرة في منطقة الشرق الأوسط والعالم على حد سواء، لهذا كان من الطبيعي أن يقع اختيارنا عليها من أجل استضافة معرض يعرّف الزائرين على أعمال واحد من أبرز الفنانين والأدباء».
رسم 526 لوحة
لا بد من سرد تاريخ الرسم في حياة جبران خليل جبران كما تشير المقالات والكتب أنه ترك 526 لوحة، ورثتها صديقته وزوجته ماري هاسكل، التي كانت تساعده وتموّله في المهجر، وخيرها بين الاحتفاظ بها أو إرسالها إلى بلدته ومسقط رأسه بشري كما ورد في مذكراتها التي نشرت بعد رحيله. وقد احتفظت ماري هاسكل بـ84 لوحة ورسمة، لتفتح متحفًا خاصًا حمل اسمه في متحف «تيل فير» في مدينة سافانا بولاية جورجيا الأميركية وأرسلت 442 لوحة ورسمًا إلى بلدته بشري إلا أن لوحاته في لبنان لم ترَ النور إلا في خريف 2003 أي في الذكرى العشرين بعد المائة لولادته. وكانت هي من ساهم في تفتحه الفكري والفني وقد أرسلته إلى باريس في 1908 لدراسة فن الرسم، حيث التحق بأكاديمية جوليان، وزار قصر فيرساي، ثم أعجب بلوحة «الموناليزا»، ليبدأ بعدها رحلة جديدة في فن الرسم وهي رسم المشاهير، وقراءة الأدباء الإنجليز والفرنسيين والألمان. وشارك في معرض «الربيع» بلوحة أطلق عليها «الخريف» نال عليها الميدالية الفضية، ثم عاد إلى بوسطن بعد مرور عامين ليتزوج من صديقته.
بورتريهات وكبار الرسامين
بدأ جبران خليل جبران هاويًا للرسم وأصبح محترفًا منذ عام 1911 إذ شهدت لوحاته رواجًا مميزًا، وبدأ عشاق الفن يقبلون على اقتنائها وشرائها ما دفعه إلى الانتقال إلى نيويورك، ولم يفارق الرسم حتى ساعة رحيله. وقد رسم بورتريهات المشاهير أمثال: ساره برناره، راسل لوفليان، ويونغ.
استخدم جبران خليل جبران الرسم بالرصاص والفحم وأقلام التلوين منذ عمر السادسة أو السابعة إلى حين انتقاله إلى الرسم بالزيت في سنوات النضج، ثم انتقل إلى استيحاء الطبيعة والوجود، وعناصرها المتلاحمة، وما يخفيه من أحاسيس وراء الخطوط والألوان والأشكال والأضواء وآلام الوجه والروح كما تشرحها اللوحات المعروضة. ويلاحظ النقاد أنه تأثر برؤى كبار الفنانين أمثال: رودان واوجين كارتيه وليوناردو دافنشي وبونيس دي شافال والفن اليوناني، منطلقًا نحو فضاءات صوفية وروحية، تطغى عليها عناصر اللون الداكن والغامق والمظلم أحيانًا.
بين الكلمة واللوحة
تكشف لنا اللوحات الثلاثون المعروضة حاليًا أن جبران الرسام يرتبط بجبران الكاتب بصورة جدلية، فقد كان يمزج بين كتابة المقالات التأملية الفلسفية ولوحاته ويعكف على رسم أغلفة الكتب والدواوين الشعرية وغيرها، وفي كل ذلك يسعى للتعبير عن ذات الفنان. وتحمل هذه اللوحات دلالات عميقة وتساؤلات وجودية عن الإنسانية والكينونة، معبّرًا عنها بالألوان والفرشاة على القماش بالرصاص والفحم والطبشور القرميدي والاكواريل، ومزيج من المواد اللونية والخصائص التشكيلية من أجل أن ينتج ألوانًا باهتة كئيبة وزاهية مبتهجة في آن واحد، وهي تعبيرات داخلية ونفسية تعجُ بها لوحاته صارخة تارة ومسترخية تارة أخرى.
يذهب نقاد الفن إلى أن الشكل الفني عند جبران خليل جبران يخرج عن أي مقاييس مدرسية كلاسيكية معينة، لكنها تربط بين المدارس الفنية جميعها دون انتقاء، تاركًا بصمات واضحة المعالم في عالم اللون، وذلك نابع من إصراره على تجسيد عالمه الداخلي من دون الانصياع لأي قوالب جاهزة، لذلك نجد ظهور الماورائيات والأساطير والملامح الإنسانية والهموم الفلسفية، كأنه الساحر الذي يسير بين الكلمات واللوحات بروح الكلمة والفرشاة، القلم واللون، والقماشة والورق، ولا يجد أي فرق بين هذه الأشياء. لذلك تتميز لوحاته ورسوماته بالتفاعل مع حياة الإنسان، ونبضاته، وعواطفه، وأحاسيسه.
أعمال كلاسيكية ساطعة بالحركة، وتصوير دقيق للإنسان المثالي بروحانيته العالية، ما بين العوالم المادية والروحية والطبيعية في أسلوب قائم على استخدام الخطوط العريضة، صامتة وغامضة، في ثنايا اللوحة. وبرع في تشكيل الألوان المائية وفرشها على اللوحة، بأصابع ماهرة، وذهنية نيّرة. وقد ترك بعد رحيله مجموعة واسعة من اللوحات والأعمال الأدبية التي تُعّد كنزًا قيمًا للأدب والفن يعكس أفكاره وتصوراته.



اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي. وهو يخاطب العقل والوجدان والحواس صاهراً إياها في سبيكة واحدة محملة بالدلالات والإيحاءات.

لكن الكتاب الذي نتوقف عنده هنا يطرح سؤالاً؛ هل الشعر مقصور على الأفكار العالية والعواطف السامية واللغة الجليلة؟ ويجيب؛ إن فيه مكاناً للثقافة الشعبية والمصطلح العامي ضارباً أمثلة لذلك من الشعر الإنجليزي في مختلف عصوره.

إنه كتاب «مهنة سامية»، أو «رسالة سامية»، أو «من أين تحصل على أفكارك؟» (A High Calling? Or: where do you get your ideas from?) من تأليف جون غريننغ (John Greening) وقد صدرت منه طبعة ورقية الغلاف عن دار النشر «مطبعة رينارد» (Renard Pressing) في 224 صفحة.

نحن هنا نبحر مع المؤلف في عوالم شعرية شتى، قديماً وحديثاً، مع الإشارة إلى الروابط بين فن الشعر وفن الموسيقى. فقد كان المؤلف مولعاً بالموسيقى الكلاسيكية، خاصة أعمال المؤلف الموسيقي الفنلندي جان سيبليوس صاحب القصيد السيمفوني «فنلنديا» (1900). ويقول غريننغ عن سيبليوس: «لقد كان سعيداً بأن ينتج منمنمات شعبية (أعمالاً صغيرة) إلى جانب روائعه المتميزة بالقوة والحدة والكثافة». ويخصص نصف الفصل المعنون «العبقرية» للحديث عن موسيقيين.

ويلخص غريننغ وجهة نظره في قوله: «تستطيع العبقريات الحقة أن تتغنى علواً وسفلاً». ويضرب مثلاً لذلك شكسبير الذي جمع بين الجدّ والهزل، والفكر العميق والتهريج الرخيص: «لقد كانت عظمته تتجلى أكثر ما تتجلى حين بدأ؛ العالي والواطئ يندمجان لديه، كما في شخصية الملك لير ومهرجه».

ففي مأساة «الملك لير» (1605 - 1604) نجد أن الملك العجوز، وقد دبّ إليه الخرف، يرتكب غلطة مأسوية حين يتنازل عن عرشه وكل سلطاته لابنتيه جونريل وريجان، غافلاً عما تنطوي عليه نفساهما من شرّ وقسوة، ويحرم من الميراث ابنته الصغرى كورديليا، وهى البارة بأبيها حقاً، لأنها أبت أن تجامله بمعسول القول كما فعلت أختاها المنافقتان. وتنتهى المسرحية بمصرع كورديليا والبهلول (مضحك الملك أو مهرج البلاط) فينطق لير بهذه الكلمات:

«ومضحكي المسكين قد شنق. ليس، ليس، ليس من حياة؟

لِمَ تكون للكلاب والجواد والفأر حياة

وأنت بلا أنفاس البتة؟ لن تفيق مرة أخرى.

هيهات هيهات هيهات هيهات هيهات

أرجوكم حلّوا هذا الزر. شكراً يا سيدي».

ت. س. إليوت

إن اللغة في هذه الانفجارة الانفعالية لغة بسيطة تخلو من أي صور شعرية بعيدة المنال. فهي تعبير تلقائي، في لحظة صادمة، لا يلجأ إلى التفنن والإغراب. الحيوانات المذكورة هنا (الكلب والجواد والفأر) كلها حيوانات مألوفة وليست كالحيوانات الأسطورية (عنقاء مغرب أو طائر الرخ أو الجواد بجاسوس الذي يطير أو القنطور الذي يجمع بين رأس رجل وبدن جواد). ويتكرر حرف النفي ذو المقطع الواحد (no). كما تتكرر كلمة «هيهات» (never) 5 مرات وهى من أشيع الكلمات في الحديث اليومي.

مثل آخر يضربه المؤلف هو شعر ت. س. إليوت في قصيدته «الأرض الخراب» (1922)، خاصة الحركة الثانية المعنونة «مباراة شطرنج». فمسرح القصيدة هنا مشرب من المشارب الرخيصة (pubs) التي تعج بها مدينة لندن وغيرها من المدن والبلدات والقرى البريطانية. إن المتكلم يتحدث إلى امرأة تدعى ليل، سرّح زوجها من الجيش، وهو الآن بصدد العودة إلى بيته. وينصحها المتكلم بأن تعنى بمظهرها، وأن تركب «طقم أسنان» جديداً حتى تحلو في عيني زوجها الذي قضى 4 أعوام في الخدمة العسكرية، وهو الآن يتطلع إلى قضاء وقت ممتع. ويحذرها المتكلم أنها إن لم توفر لزوجها هذا الوقت فسيبحث عن امرأة غيرها تلبي حاجاته. والمصطلح اللفظي الذي يستخدمه إليوت هنا، بعكس سبحاته الشعرية العالية في مواضع أخرى من القصيدة، مصطلح عامي دارج يعكس بيئة متواضعة وحظاً ضئيلاً من التعليم. ونجد إشارات إلى ظواهر من الحياة المعاصرة كأقراص منع الحمل، وما يمكن أن يكون لها من أثر في صحة المرأة:

«قالت هي تلك الأقراص التي تناولتها لأجهض طفلي

(كانت أماً لخمسة أطفال وقد كادت تموت يوم ولادة جورج الصغير)

وقد زعم الصيدلي أني لن ألبث أن أعود إلى حالتي الطبيعية

ولكنى ما عدت قط كما كنت».

يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة وفكرة قويتين، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية

مثال ثالث للشعر الذي يدنو من لغة الحياة اليومية هو و. هـ. أودن، الذي يصفه المؤلف بأنه «يذكرنا بالمجال المتاح أمام شاعر ذي عبقرية». ففي قصيدته المسماة «سأحصل على وظيفة» (1932) نقرأ:

«سأحصل على وظيفة في مصنع

سأعيش مع الأولاد العمال

سألاعبهم لعبة لوحة السهام في المشرب العام

سأشاركهم أحزانهم وأفراحهم

ولن أعيش في عالم ولى زمنه».

ويؤكد غريننغ أن الشعر يمكن أن يجد جمهوراً مهما جاء مخالفاً للتصورات التقليدية بما يجب أن يكون عليه من سمو وجلال: «يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة إنسانية قوية أو يعبر عن فكرة مستحوذة على الأذهان، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية».

ومسيرة الشعر منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى يومنا هذا (عندنا كما عند غيرنا) تشهد بصواب نظرة غريننغ (وهو ذاته شاعر إلى جوار كونه ناقداً). فنحن حين نقرأ قصائد شاعر معاصر كالشاعر اليوناني يانيس رتسوس مثلاً (ترجم رفعت سلام قصائده إلى العربية) نجده يستوحي مفردات الحياة اليومية وينأى عن أي إغراب. وكذلك الشأن مع محمد الماغوط في قصائد نثره، كما أوضح دانيل بيهار في كتابه «الشعراء السوريون وحداثة اللغة المحكية»، أو صلاح عبد الصبور الذي يحدثنا أنه رتق نعله وشرب شاياً في الطريق ولعب دور نرد أو دورين، أو أحمد عبد المعطي حجازي الذي يتحدث بصوت بائع ليمون: «العشرون بقرش - بالقرش الواحد عشرون». ويبلغ هذا الاستخدام للغة الحياة اليومية أبعد نقطة له في شعر العامية المنحدر من ابن عروس إلى فؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، مروراً ببيرم التونسي. إن البساطة ليست نقيض العمق. وفي الشعر مكان لكل تنوعات الخبرة الإنسانية من أعلاها إلى أدناها.


«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس
مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس
TT

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس
مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023» والملقب بـ«شيخ المترجمين العرب» نظراً لإسهاماته التي تجاوزت 130 كتاباً في هذا السياق.

يشير عناني في مقدمته النقدية التي يستهل بها ترجمته الكاملة، والمزودة بهوامش وشروحات مع ذكر القائمة التفصيلية للمراجع والمصادر، إلى أن العمل ينتمي إلى المسرح الشعري، وطابع الشعر هنا لا يقتصر على ظاهرة النظم، بل يتعداها إلى صلب الرؤية الفنية التي تستمد قوتها من طاقة الاستعارة بأشكالها التي تتراوح ما بين الصور الجمالية بشتى أنواعها والرمزية، إلى جانب ما يتمتع به فن الشعر من تكثيف في الصياغة والضغط في التعبير، وهو ما تؤكده خصوصية البناء المسرحي الفريد في «عطيل».

ويجمع الدراسون على أن شكسبير قد استقى الحبكة من قصة وردت في مجموعة من مائة قصة طويلة مقسمة إلى عشرات تحمل عنوان «القصص المائة»، ومؤلفها هو جوفاني باتستا جيرالدي تشنثيو، وتقع في العشرة الثالثة، وقد نشرها في البندقية باللغة الإيطالية عام 1566، كما نُشرت في باريس باللغة الفرنسية عام 1584 من ترجمة جابريل شائوي. ولم يستطع الباحثون أن يعثروا على ترجمة إنجليزية لها قبل عام 1753، وربما يكون أحد المترجمين قد أصدر لها ترجمة معاصرة لشكسبير فاطلع عليها قبل نفاد نسخها، وربما يكون قد أطلع عليها بالإيطالية بدليل وجود أصداء لفظية مباشرة في النص لتلك اللغة، وهو ما بينه الكثيرون، أو أن يكون قد قرأها بالفرنسية.

تتحدث القصة عن قائد مغربي يتخذ لنفسه زوجة من بنات مدينة البندقية، رغم معارضة والديها واسمها «دزدمونة» ويعيشان معاً زمناً طويلاً في سعادة، ثم يقرر مجلس الحكم في البندقية تغيير نظام حامية قبرص وإرسال المغربي «عطيل» قائداً لها، دون تحديد أسباب لتغيير القديمة. وبعد معارضة طفيفة يقبل المغربي أن تصحبه زوجته؛ فالرحلة يسيرة، والسفينة مأمونة ومتينة البناء.

وبعد الوصول يقدم تشنثيو ثلاث شخصيات أخرى أهمها «ياجو» الشرير الذي يشغل منصب حامل العلم، ويقع في حب «دزدمونة»، ويتمنى الظفر بها، ويحاول بشتى الوسائل إغواءها فلا يجد أذناً مصغية، فهي تحب المغربي حباً جارفاً ولا تتصور خيانته مطلقاً، وهنا يتساءل الشرير عن ذلك ويوحى إليه ذهنه الفاسد بأنها لم تتمنع عليه إلا لأنها تحب ضابطاً آخر هو «كاسيو»، ومن ثم يتحول الحب الذي يكنه لها إلى كراهية مرة.

يُقنع ياجو «عطيل» بأن زوجته خائنة، فيصر الأخير على طلب دليل عيني، ويرد «ياجو» قائلاً إنه كان يمكنه تحقيق مطلبه لولا أن الرجل قد فقد منصبه ولم يعد يأتي إلى منزل «عطيل»، ومع ذلك فهو يعده بتلبية طلبه بأن يأتي بدليل حاسم. ويتذكر «ياجو» أمر المنديل المغربي النادر الذي أهداه «عطيل» إلى زوجته ويسرقه ياجو بنفسه في أثناء زيارته مع زوجته وابنته الصغيرة لـ«دزدمونة»، ويرميه في منزل «كاسيو»؛ تمهيداً لاتهام الزوجة الغافلة البريئة بأنها أهدته ذلك المنديل.

يناقش «عطيل» مع «ياجو» أمر قتل زوجته والرجل الذي يتهمه بالخيانة معها، ويقرر من ثم تكليف الشرير بقتل الرجل وفعلاً يفاجئه «ياجو» ذات ليلة وهو خارج من منزل فتاة ليل، ويعاجله بضربة تكسر ساقه ولكن «كاسيو» يتحامل بشجاعة على نفسه وينهض للدفاع شاهراً سيفه فيفر «ياجو» في ظلام الليل، ويصيح «كاسيو» طالباً للنجدة، ويهتف قائلاً: «لقد قُتلت»، ثم يعود «ياجو» وسط الظلام ويواجه بالشرطة التي هرعت إلى مكان الحادث.

تعلم «دزدمونة» بما حل بـ« كاسيو» فتحزن حزناً عميقاً، ويرى «عطيل» أن ذلك دليل لا يقبل الشك على خيانتها، ويدبر له حامل العلم أمر قتلها، بحيث لا يتهم أحد بارتكاب الجريمة، ويتفقان على أن يضرباها حتى الموت بجورب مملوء بالرمال، وأن يسقطا سقف الغرفة الخشبي المتهالك عليها؛ حتى يبدو الحادث كأنه قضاء وقدر، وينجحان في تحقيق ذلك، ويعتري المغربي حزن شديد على زوجته، وكراهية عميقة لحامل العلم، لكنه لا يجرؤ على قتله فيفصله من منصبه.

هنا يدبر «ياجو» خطة لقتل المغربي فيقنع «كاسيو» بالعودة معه إلى البندقية ويقول له إن «عطيل» هو الذي ضربه بالسيف فكسر ساقه بدافع الغيرة، ثم قتل زوجته، ويتقدم «كاسيو» بالشكوى إلى مجلس الحكم، ويُستدعي «ياجو» شاهداً، ويؤيد كل ما ذهب إليه في دعواه، وتلقي الشرطة القبض على المغربي وتعيده إلى البندقية، حيث يتعرض للتعذيب حتى يعترف، لكنه يصر على الإنكار، فيصدر المجلس الحكم بالنفي المؤبد عليه، ولكن أسرة «دزدمونة» تقتله، ويواصل حامل العلم «ياجو» حياة الشر فيكون له المزيد من الضحايا، لكن يُقبض عليه في نهاية الأمر، ويعذّب حتى الموت.

ويشير الدكتور عناني إلى أن الانهيار السريع الذي يتسبب في النهاية المفجعة لا تبرره على المستوى الواقعي المحض نظرتنا إلى المسرحية بوصفها مأساة زوج يغار أو يشك في زوجته أو حتى مأساة بطل جندي مغوار وشاعر يمثل صورة «العاشق المحارب» التي ورثتها أوروبا من العصور الوسطى.

والفكرة هنا أن «ياجو» يشارك «عطيل» عدم انتمائه طبقياً إلى البندقية بوصفها دولة غنية تعتمد على التجارة وثراء الأعيان من ذوي الحسب والنسب، فضلاً عن امتياز البحارة المقاتلين أو الأفذاذ في صنعة الحرب من القادة والأعلام. و«ياجو» لا يتمتع بالثراء ولا الحسب والنسب، ولا هو من السادة، ولا يأمل حقاً في أن ينافس ابن المجتمع الراقي «كاسيو» الذي تلقى التعليم، ويتمتع بمزايا الأعيان من ذوي الشعر المهدل، ويحظى بإعجاب بنات الطبقة الراقية، ويعرف موقعه في السلم الاجتماعي فهو يغار غيرة حقد وحسد من «كاسيو» أولاً، ومن «عطيل» ثانياً.


سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا
TT

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا بعدّها رمزاً تاريخياً فريداً من نوعه، لكنه لم ينل ما يستحق من الشهرة أو الذيوع رغم عمق المعاني التي يتضمنها.

كانت فاتنة الجمال، راجحة العقل، جامحة الخيال، نهلت من الفكر المصري ونزعته الصوفية وكانت من أكثر المعبرين عنه، كما قال عنها المؤرخ الأميركي الشهير ول ديورانت، إنها بزت جميع فلاسفة زمانها، ولما عُينت أستاذة للفلسفة هرع لسماعها عدد كبير من الناس من شتى الأقطار.

وقد بلغ من حبها للفلسفة أنها كانت تقف في الشوارع تشرح لكل من يسألها عن النقاط الصعبة في كتب أفلاطون وأرسطو ما أكسبها احترام الناس.

ولدت عام 370م وكان أبوها «ثينون» فيلسوفاً عمل بالفلسفة والجبر والهندسة، ثم مديراً لمكتبة الإسكندرية، أخذت عنه حب التفكير والفلك والرياضيات كما دربها على الخطابة والتدريس، وعندما كتب شرحاً لكتاب بطليموس اعترف بالدور الذي قامت به في تأليفه، كما كانت أبحاثها تشمل الفلك والرياضة وصنعت أجهزة لتقطير المياه وقياس منسوبها، كما صنعت «إسطرلاب» وجهازاً لقياس كثافة السوائل.

وفى الثلاثين من عمرها صدر الأمر الإمبراطوري بتعيينها أستاذة بالمكتبة، وغدت فيلسوفة من أتباع أفلاطون وتزعمت مدرسة «الأفلاطونية الجديدة» ذات النزعة الصوفية، وكانت بعثاً للفكر المصري القديم، تميزت به مدرسة الإسكندرية منذ القرن الثالث قبل الميلاد، وازدهر على يد أفلوطين كآخر المدارس اليونانية الفلسفية الكبرى.

كانت تقول إن «من يقدر على خلع بدنه وتكسير حواسه ووساوسه وحركاته، يستطع الرجوع إلى ذاته والصعود إلى العالم العقلي، كما أن الامتناع عن الشهوات وعدم أكل اللحوم عوامل مساعدة لصفاء النفس، وعلى الإنسان أن يمارس العبادات لتطهير النفس والزهد، فقيمة الإنسان ليست في جمال ملامحه ولكن في جمال أخلاقه».

عدّها المتعصبون دينياً واحدة من ألد أعدائهم بسبب جمالها وروعة منطقها وحداثة أفكارها، فهجموا عليها في أثناء عودتها من إلقاء إحدى المحاضرات وأنزلوها من عربتها وجروها إلى منطقة نائية. وهناك جردوها من ملابسها، وأخذوا يرجمونها بقطع القرميد حتى قتلوها، بل أكثر من ذلك قطعوا جسدها إرباً، وحرقوا بعضه، كانوا يفعلون كل ذلك بمرح وحشي شنيع لتذهب أسطورة هيباتيا ضحية للصراع بين الفكر والعلم من ناحية، والتعصب الديني من ناحية أخرى وعمرها 45 سنة.

لم يعاقب الجناة على فعلتهم البشعة واكتفى الإمبراطور بتقييد حرية المتطرفين في الظهور أمام الجماهير، مع حرمان الوثنيين من المناصب العامة، وأغلق المعابد والمدارس لتنطفئ شعلة العلم في الإسكندرية وينطفئ دورها الحضاري، ويرحل أساتذتها إلى أثينا خوفاً من مصير هيباتيا.